انتحاري من أصول ليبية يدمي مانشستر

22 قتيلاً وأكثر من 50 مصاباً في هجوم استهدف حفلاً غنائياً وتبناه «داعش»

رجال البحث الجنائي في مدخل منزل شاب يبلغ من العمر 23 عاماً اعتقل في مانشستر أمس على خلفية الهجوم الإرهابي (رويترز)
رجال البحث الجنائي في مدخل منزل شاب يبلغ من العمر 23 عاماً اعتقل في مانشستر أمس على خلفية الهجوم الإرهابي (رويترز)
TT

انتحاري من أصول ليبية يدمي مانشستر

رجال البحث الجنائي في مدخل منزل شاب يبلغ من العمر 23 عاماً اعتقل في مانشستر أمس على خلفية الهجوم الإرهابي (رويترز)
رجال البحث الجنائي في مدخل منزل شاب يبلغ من العمر 23 عاماً اعتقل في مانشستر أمس على خلفية الهجوم الإرهابي (رويترز)

قتل 22 شخصاً بينهم أطفال، وأصيب العشرات في مجزرة استهدفت حفلاً موسيقياً كانت تحييه المغنية الأميركية آريانا غراندي، مساء أول من أمس، في شمال غربي إنجلترا، وتبناه تنظيم داعش، في أسوأ اعتداء تشهده بريطانيا منذ 12 عاماً. وتبنى تنظيم داعش الإرهابي، أمس، تفجير مانشستر، وأكد التنظيم أن أحد أتباعه نفذ التفجير باستعمال عبوات ناسفة.
وكشفت شرطة مانشستر لـ «الشرق الأوسط» أمس ان الانتحاري منفذ التفجير هو البريطاني من أصول ليبية سلمان العبيدي (22 عاما). وأنه أوقع عشرات القتلى والجرحى في حفل غنائي بالمدينة.
وفي وقت سابق، أفادت الشرطة البريطانية بأن دوافع الهجوم إرهابية، وأن منفذ العملية قُتل، والبحث جارٍ عن شركاء محتملين له. وقال دان كوتس، مدير المخابرات الوطنية الأميركية، أمس إن الولايات المتحدة لم تتحقق بعد من صلة تنظيم داعش بهجوم مانشستر. وأوضح في جلسة أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ: «أعلن (داعش) مسؤوليته عن هجوم مانشستر رغم أنه يعلن المسؤولية عن كل هجوم تقريبا. لم نتحقق بعد من صلته بالهجوم».
وقع الانفجار العنيف الذي أسفر كذلك عن إصابة 59 شخصا عند الساعة 22.30 تقريبا، مساء أول من أمس، على أحد مداخل قاعة مانشستر آرينا التي تتسع لنحو 21 ألف شخص في نهاية حفل لمغنية البوب الأميركية، وأثار الهلع بين الجمهور الذي شمل عددا كبيرا من الشباب والأطفال.
وأعلنت الشرطة أمس القبض على شاب يعتقد أنه على ارتباط بالهجوم، وقالت في بيان إنه «في إطار التحقيق المستمر بشأن هجوم أول من أمس المروع على قاعة (مانشستر آرينا)، يمكننا التأكيد على أننا ألقينا القبض على رجل يبلغ من العمر 23 عاما في جنوب مانشستر».
كما أعلن قائد شرطة مانشستر ايان هوبكنز أن منفذ الاعتداء قتل بينما كان يحاول تفجير «عبوة ناسفة يدوية»، مشيرا إلى أن الشرطة تسعى إلى معرفة ما إذا كان قام بالاعتداء «بمفرده أو إذا كان مدعوما من شبكة معينة». وأمس أعلن تنظيم داعش تبنيه اعتداء مانشستر في بيان تناقلته حسابات متطرفين على مواقع التواصل الاجتماعي ذكر فيه: «تمكن أحد جنود الخلافة من وضع عبوات ناسفة وسط تجمعات للصليبيين في مدينة مانشستر البريطانية، حيث تم تفجير العبوات في مبنى للحفلات الماجنة، متوعداً بمزيد من الاعتداءات».
ونددت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بـ«الاعتداء الإرهابي المروع»، معتبرة أن منفذه «جبان»؛ لأنه «تعمد استهداف أطفال أبرياء ضعفاء». كما أعلنت تعليق الحملة الانتخابية التي تقوم بها استعداداً للانتخابات العامة في 8 يونيو (حزيران)، وكذلك فعل زعيم المعارضة جيريمي كوربن.
وما زالت الحصيلة مرشحة للارتفاع؛ نظرا إلى العدد الكبير للجرحى بإصابات خطيرة، حيث نقلوا إلى 8 مستشفيات في المدينة لتلقي العلاج، بحسب ماي التي توجهت إلى مانشستر، ثالث كبرى مدن البلاد.
وبين ضحايا الاعتداء طفلة في الثامنة من العمر. وأمس واصل كثير من الأهالي البحث عن أولادهم الذين انقطعت أخبارهم إثر الاعتداء، وسعوا إلى التعاون عبر مواقع التواصل، فيما أنشأت السلطات مركز استقبال في ملعب نادي مانشستر سيتي لكرة القدم لدعم الضحايا والأقارب. وأثار الانفجار الذعر داخل قاعة الحفلات وخارجها، حيث كان الأهالي ينتظرون خروج أولادهم بعد ختام الحفل. وصرحت ستيفاني هيل التي حضرت الحفل برفقة ابنتها كينيدي لوكالة الصحافة الفرنسية: «كان هناك كثير من الأطفال والمراهقين. إنها مأساة مريعة». وروت كينيدي «كان الناس يقعون على الآخرين على السلالم وسط فوضى عارمة. الكل أراد الخروج في أسرع وقت؛ لأن الجميع اعتقد بوجود شخص يطلق النار على الحشد». وروت غريس تريبيت (11 عاماً) التي حضرت الحفل مع والدتها، قائلة: «والدتي قالت إنه قد يكون انفجارا بسبب الغاز، لكن عندما علمنا أنه اعتداء إرهابي شعرت بخوف مروع».
ونددت وزيرة الداخلية البريطانية بـ«الاعتداء الهمجي الذي استهدف أشخاصا بين الأكثر ضعفا في مجتمعنا: شباب وأطفال خرجوا لحضور حفل غنائي».
وقال نظيره الفرنسي جيرار كولون إن «المستهدف هو مجدداً شبابنا ونمط حياتنا»، حيث جاء بعد عام ونصف على اعتداء متطرفين استهدف قاعة حفلات في باريس وأسفر عن مقتل 90 شخصا. وهو الاعتداء الأكثر دموية في بريطانيا منذ 7 يوليو (تموز) 2005، حين فجر أربعة انتحاريين أنفسهم في مترو لندن في ساعة الازدحام، ما أدى إلى مقتل 52 شخصا وإصابة 700 بجروح.
وأدانت ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية الاعتداء ووصفته بأنه «عمل همجي»، معبرة عن تضامنها مع الضحايا ورجال الإسعاف. وقالت في بيان إن «الأمة بأسرها صدمت من جراء سقوط قتلى وإصابات في مانشستر»، مضيفة: «أود أن أعبر عن إعجابي بالطريقة التي تصرف فيها سكان مانشستر بإنسانية وتعاطف، في مواجهة هذا العمل الهمجي».
وقال باولو جنتيلوني رئيس وزراء إيطاليا أمس إن اجتماع زعماء دول مجموعة السبع الذي يُعقد في صقلية الأسبوع الجاري سيتعهد بمحاربة الإرهاب في أعقاب التفجير الانتحاري الذي أودى بحياة 22 شخصاً في مانشستر بإنجلترا.
وأضاف للصحافيين أن زعماء الدول الأعضاء في مجموعة السبع سيجتمعون في تاورمينا بداية من يوم الجمعة وسيبعثون بـ«أقوى رسالة ممكنة بتعهد موحد واستثنائي ضد الإرهاب». وفي مانشستر، أطلق السكان حملة لتقديم مأوى للذين كانوا في الحفلة، فيما أشارت تقارير إلى أن سيارات الأجرة كانت تقل الركاب مجاناً.
وعلقت حركة القطارات من وإلى محطة فيكتوريا في مانشستر الواقعة تحت القاعة. وقالت مصلحة السكك الحديد الوطنية في بيان إن هذا القرار سيستمر حتى مساء أمس.
كما ألغى نادي مانشستر يونايتد مؤتمره الصحافي المقرر مساء أمس عشية نهائي الدوري الأوروبي لكرة القدم «يوروبا ليغ» مع أياكس أمستردام الهولندي، فيما اتخذت تدابير أمنية إضافية في محيط ملعب التدريب التابع ليونايتد، ووقف اللاعبون دقيقة صمت حدادا على أرواح الضحايا.
وقاد المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو لاعبي يونايتد في الوقوف دقيقة صمت حداداً على أرواح الضحايا في مقر التدريب التابع له (كارينغتون)، إلى الغرب من مركز مدينة مانشستر في شمال إنجلترا
وقال مورينيو بحسب ما نقل عنه حساب النادي على موقع «تويتر»: «نحن جميعا حزينون جراء الأحداث الأليمة الليلة الماضية. لا يمكن أن ننسى الضحايا وعائلاتهم»، مضيفاً: «لدينا مهمة للقيام بها وسنسافر إلى السويد لنؤدي هذه المهمة. من المؤسف أنه لن يكون في إمكاننا السفر مع الفرح الذي نعرفه دائما قبل كل مباراة كبيرة». ويأتي هذا الاعتداء بعد أكثر من شهر على تعرض حافلة فريق بوروسيا دورتموند الألماني إلى 3 تفجيرات أثناء انتقالها إلى ملعب النادي قبيل مباراة في ربع نهائي دوري أبطال أوروبا مع موناكو الفرنسي، في اعتداء أقر منفذه بأن خلفيته كانت مالية.
وفي ظل الاعتداءات المتكررة التي شهدتها دول أوروبية عدة في الأشهر الماضية وتبنى معظمها التنظيم الإرهابي، أثار تفجير مانشستر قلقاً إضافياً حول أمن المنشآت والأحداث الرياضية الكبرى.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended