المثقفون السوريون يخشون مصيرا مثل الفلسطينيين ويرفضون استغلالهم في الـ«بروباغندا»

نصفهم في بيروت.. محطة الانطلاق الثقافي المشترك

الإبداع والنزوح
الإبداع والنزوح
TT

المثقفون السوريون يخشون مصيرا مثل الفلسطينيين ويرفضون استغلالهم في الـ«بروباغندا»

الإبداع والنزوح
الإبداع والنزوح

يخشى المبدعون السوريون أن يصيبهم ما نال الثقافة الفلسطينية، بعد أن تشتتوا في البلاد، وتبعثروا في الأصقاع. يسألون اليوم عن مدنهم وآثارهم وأسواقهم القديمة التي دمرت. لم يجدوا في إسطنبول ضالتهم، ولا في القاهرة ملاذهم، يتمركز أكثر من نصفهم في بيروت، ويقيمون ما يشبه «بلاتفورم» مشتركا مع زملائهم اللبنانيين، ويتحدثون عن مختبر تفاعلي يتشكل وفق ثقافة جديدة، تنمو في الظل. هنا تحقيق من بيروت والقاهرة ودمشق، يلقي الضوء.
في مبادرة هي الأكبر من نوعها، منذ بدء الثورة، باتجاه المبدعين السوريين الذين خرجوا من بلادهم، أطلق «المجلس الثقافي البريطاني»، مؤخرا، برنامجا يحمل اسم «منح الفنانين السوريين»، يمول مشاريع ثقافية من كل الميادين بدءا من مبلغ ألف جنيه إسترليني للمشروع وحتى ثلاثة آلاف، تبعا لما تحدده اللجنة المشرفة. ومن أصل 220 طلبا تم تقديمها - بحسب ما تقوله المسؤولة الإقليمية في المجلس ألما سالم - كان 150 منها من لبنان، أي أكثر من النصف. وتمت الموافقة على تمويل 75 مشروعا إبداعيا يعيش أصحابها في 15 بلدا مختلفا. لكن اللافت أن 43 شخصا من الذين تم اختيارهم هم من المقيمين حاليا في لبنان. وهو ما يعطي فكرة عن عدد المبدعين السوريين الذين لجأوا إلى لبنان، نسبة إلى الباقين الذين توزعوا في بلدان أخرى. وهو ما يجعل بيروت مختبرا رئيسا، غير معلن، لتفاعل ثقافة الشتات السورية بعد الثورة.
في البدء، عواصم ثلاث كانت مؤهلة للعب هذا الدور. إسطنبول التي تحولت إلى مقر لغالبية المعارضة السياسية لم يجد فيها المبدعون مستقرا مناسبا نظرا لاختلاف اللغة وصعوبة الاندماج، أما القاهرة فمع تصاعد أعمال العنف السياسي، كما تشرح الشاعرة رشا عمران المقيمة هناك «لم يبق من المثقفين السوريين سوى قلة قليلة، وصار نشاطهم كمجموعة معدوما». ومع أن عمران تشيد بالترحاب الذي تجده في مصر وبالعلاقة الممتازة مع المثقفين المصريين، والأعمال السينمائية والدرامية المشتركة «فإن الكتّاب لم يعد يوجد منهم إلا قلة قليلة جدا، وحتى من كان منهم يعيش في مصر، قبل الثورة غادرها الآن».
أما بيروت، فبسبب القرب الجغرافي، والعلاقات التي سبقت الثورة «تحولت إلى (بلاتفورم) ثقافي مشترك»، يقول المسرحي السوري عبد الله الكفري، الذي كان له دور كبير مع «مسرح شمس» في إقامة عدد من الأنشطة الثقافية السورية، بينها «مهرجان منمنمات» حيث خصص شهرا كاملا لسوريا.
إلى بيروت جاء أكاديميون، مفكرون، شعراء، سينمائيون، رسامون، راقصون «البعض انخرط في مؤسسات لبنانية وعمل بصفته المهنية» يشرح الكفري، ويضيف «وهذا ما يسمح به بلد مثل لبنان، حيث يستقبل المبدعين لمواهبهم بصرف النظر عن جنسياتهم. لكن البعض الآخر للأسف توقفوا عن العمل، لأنهم بحاجة للبحث عن مداخيل مالية، وهناك من يعتبرون أن الوقت غير ملائم للإبداع، وأنهم بحاجة لمزيد من الزمن وتخمير التجربة»، لافتا إلى أن «المثقفين السوريين اصطدموا في لبنان بصعوبات عديدة، أهمها أنهم كانوا في بلادهم مدعومين من الدولة، وتتوافر لهم البنى التحتية الأساسية، فيما كل الأنشطة في لبنان تحتاج إلى مبادرات شخصية وجهد ذاتي، وهذا مفيد أحيانا».
وجد بعض السوريين، في بيروت، أماكن لهم في المسارح والغاليريهات التشكيلية، وفي التعليم الجامعي الخاص والصحافة والترجمة، وإحدى التجارب الناجحة هي عمل فرقة «سيما» للرقص في مسرح بابل، ثم افتتاحها معهدها الخاص.
يجمع الذين تحدثنا معهم على أن الثقافة والفنون لم تكن أولوية بالنسبة للهيئات الدولية، في وجود حاجات صحية وغذائية متنامية كان يتوجب تأمينها للاجئين الذين يتدفقون بمعدل لاجئ كل دقيقة إلى لبنان، بحسب تقرير للأمم المتحدة. «منذ بدء الثورة، كان هناك تساؤل عن الأولويات، وجدوى تمويل الثقافة حين تكون الحاجة ملحة لتأمين المأكل وعلاج الجرحى. لكن مع الوقت استطعنا أن نشرح أن ما يحدث في سوريا هو بالدرجة الأولى معركة حرية رأي، قبل أي شيء آخر، وحاجة كبرى للخيال والإبداع»، تشرح ناشطة سورية ترفض الكشف عن اسمها. وتضيف «كان همنا تأسيس شتات مدني. ما حدث في فلسطين لا يزال ماثلا في أذهاننا. لم تتدمر فلسطين وحدها، وإنما حركتها الثقافية: غاليريهات القدس، وإذاعة القدس، وتفتيت النخبة. أشعر بالرعب على النخبة السورية». وتشدد الناشطة، كما عبد الله الكفري، على ضرورة تحييد الثقافي عن السياسي، مضيفة «أكثر ما آذى الثورة السورية هي البروباغندا. نحن بحاجة لمن يحترم الأعمال، وحرية الفنانين، وعدم تحويل نتاجاتهم إلى أبواق إعلامية لخدمة أي غرض سياسي مهما كان. عانت الثورة السورية من تسييس كل شيء، وعلينا أن نتخلص من هذه الآفة، لأنها شوهت صورتنا. هناك في شرعة حقوق الإنسان بنود نعمل وفقها تضمن للفنانين حرية التعبير، وليس لأي ممول أن يفرض على أي فنان ما ينطق به محتوى عمله».
لا يخفي المثقفون السوريون الذين تحدثنا معهم أن ثمة التباسا في أذهان الناس، في ما يخص الثورة السورية. هناك حذر وشيء من الضبابية أمام الفوضى القائمة في الداخل أدى إلى تشويش رؤية الرأي العام عموما، وهذا ينطبق على العرب وغيرهم.
ليست الثقافة السورية بعد ثلاث سنوات من بدء الثورة أقل تشظيا وتشتتا من الوضعين السياسي والاجتماعي.
رشا عمران، كما أدباء غيرها، تعتقد أن «المثقفين السوريين وقع عليهم ما أصاب غيرهم من السوريين، ربما أنهم منحوا تسهيلات في دول لجأوا إليها عربية وأوروبية أكثر من غيرهم، ودعموا من قبل منظمات المجتمع المدني الغربية».
وتضيف عمران «لكن خشيتي على الثقافة السورية هي خشيتي على سوريا كلها. القادم سيكون أشد سوءا ضمن المعطيات الحالية. لن يكون ثمة دور أو وجود لأي حالة ثقافية ولا أي حالة مدنية أصلا. صوت العنف ورائحة الدم وصراخ التطرف أوضح من حضور العقل والاعتدال والمدنية، إذ تنهزم الحياة بكل تجلياتها والثقافة أحد تجلياتها».
الناشطة السورية التي رفضت ذكر اسمها لها مخاوف من نوع آخر.. تقول «الثقافة هي ذاكرة أيضا وتراث. أسواق قديمة دمرت، آثار سرقت، مدن باتت على الأرض. دمار حلب القديمة كارثة علينا. كثير من المعالم السورية لم يبق منها إلا بعض الصور.
حين نتحدث عن الثقافة فهذا يعني تشعبات عدة، منها جمع الشمل السوري في الشتات من خلال بناء حوار وكسر الحواجز»، شارحة أن الفنانين السوريين يقيمون ورش رسم في مخيمات النزوح، كما أن هناك مسرحيين يتنقلون في المناطق اللبنانية لإقامة عروض في أماكن وجود النازحين».
هذا التشظي الثقافي والإنساني لم يسلم منه أولئك الذين قرروا البقاء في سوريا. د.مية الرحبي، أديبة وناشطة، أسست خلال الثورة دار نشر في دمشق، تحمل اسم «دار الرحبة». إصرارها على البقاء والإنتاج يبدو غريبا، خاصة حين تشرح لك أن الحركة الثقافية في دمشق تشهد ركودا غير مسبوق، باستثناء دار الأوبرا التي تحاول الاستمرار في عروضها، وأن بيع الكتاب وتوزيعها ليس أفضل حالا. الدكتورة الرحبي تخبرنا بأن دور النشر «تعاني أولا من قلة إنتاج المفكرين، فمن بقي منهم في البلد مشكلته عدم قدرته على التركيز والكتابة، ومن في الخارج يفضلون بالطبع التعاقد مع دور نشر وتوزيع خارج سوريا. كما نعاني أيضا من فقدان المواد الأولية كالورق لفترات طويلة، وأغلب المطابع التي كان مقرها ضواحي دمشق لم يعد بالإمكان الوصول إليها، مما يخلق صعوبات جمة في طباعة الكتب، لذا توقفت أغلب دور النشر عن طباعة الكتاب داخل سوريا ولجأ بعضهم إلى بيروت لإتمام عمليات الطباعة». السوق الداخلية للكتاب - بحسب ما توضح الرحبي «لم تعد واردة في حساباتنا، ويبقى التوزيع الخارجي عبر بيروت والمعارض في الدول العربية هو المنفذ الوحيد للتوزيع. نحن مستمرون بحكم إصرارنا على الاستمرار، لكن الصعوبات جمة».
المشاكل متشعبة، لذلك يسأل المسرحي عبد الكفري «عن أي ثقافة نتحدث وآلاف الأطفال السوريين محرومون من التعليم منذ ثلاث سنوات، ولا نعرف كم سنة أخرى سيبقون كذلك. نحن نتحدث عن جيل كامل تكتب له الأمية، وسيكون من العسير إنقاذه». ويقلق آخرون من تقاعس الهيئات الدولية عن تمويل كل ما هو ثقافي، فرغم أن مؤسسة «هنريش» قدمت بعض الدعم، وكذلك فتح الصندوق العربي المعروف بـ«آفاق» بابا سريعا «إكسبريس» لدعم السوريين، وكان لمؤسسة «الأمير كلاوس» الهولندية مساهمتها، فإن كل ذلك يبقى محدودا جدا، وتظلل العلاقة مع السوريين غمامة سياسية، يعتبرها من تحدثنا إليهم أسوأ المشكلات مطالبين بحريتهم في التعبير، بعيدا عن الأحكام السياسية والحسابات الخانقة.
من الظواهر التي لا بد من الإشارة إليها العالم الافتراضي الثقافي السوري الذي تشكل، وأفلام اليوتيوب التي أطلقت.
وهنا تتحسر الناشطة السورية، على «ذيوع أشرطة القتل والذبح وأكل الأكباد، فيما مئات الأشرطة الفنية التي نشرت، وتمتعت بمستوى عال لم تلق رواجا».
وتذكر الناشطة بالفيلم الوثائقي المؤثر «العودة إلى حمص» من إخراج طلال ديركي، الذي عرض في مهرجانات غربية عدة وحصد جوائز، ومع ذلك لم يسلط الضوء عليه، لأن الرغبة هي في تقديم سوريا مجرد «صندوق أسود»، بحسب تعبير عبد الله الكفري.
في بيروت يجتمع مثقفون سوريون في المقاهي، والمسارح، على أن اختلاطهم المستمر مع اللبنانيين يخلق ما تراه الناشطة السورية «ثورة ثقافية جديدة، وتفكيرا جديدا، ورؤى مختلفة عن تلك التي نسمع عنها في نشرات الأخبار».
هناك أبحاث تجرى من قبل مؤسسات غربية على هذه التفاعلات. يخبرنا أحدهم «ثمة ما يتشكل في الظل، بمنأى عن كل الجعجعة الإعلامية الموظفة سياسيا، وهذا ما يبعث فينا الأمل، ونريده أن يثمر قمحا».



الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة

الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة
TT

الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة

الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة

لا تنفصل الإحالة التي يحملها عنوان رواية «الحياة في الأبراج الرملية» للشاعر والروائي المصري عمرو البطا عن معمارها السردي، القائم على ثنائية البناء والهدم، بوصفها آليةً لكشف هشاشة البنيان الذي لا يفلح في حماية الإنسان من جموح أحلامه وأشباحه، فـ«البرج» لا يُستدعى هنا بوصفه حلماً فردياً فحسب، بل فانتازيا للسيطرة على عالم «رملي» مُراوغ بطبيعته.

في هذه الرواية، الصادرة أخيراً عن دار «الشروق» بالقاهرة، يؤسّس الكاتب أسئلته الوجودية من خلال حبكة لجريمة جنائية غامضة، حيث يصحو سكان شارع على مشهد جثة مسجاة على الأرض، فيتورطون في سجالات ممتدة، ولعبة من الشدّ والجذب في محاولة لتتبّع لغز القتيل وسيرته، غير أن الرواية لا تكتفي بحبكة الجريمة بقدر ما تتخذها ذريعة للنفاذ إلى مستويات نفسية واجتماعية أعمق لشخصياتها المعقدة.

لا يتحوّل الشارع في الرواية إلى مجرد خلفية مكانية للأحداث، بل يغدو مسرحاً جماعياً تتقاطع فوقه مشاعر الذنب والارتياب، حيث يصبح كل ساكن في مواجهة احتمالات أن يكون شاهداً، أو متورطاً، أو شريكاً بالصمت. ومع تصاعد محاولات تفكيك لغز الجثة، تتكشف العلاقات الهشّة التي تربط الشخصيات بالمكان وببعضها البعض، ويصبح الشارع فضاءً مكثفاً للشكوك المتبادلة.

طموح خيالي

تنهض الرواية في بنيتها السردية على صوت راوٍ عليم، فيما يُفرد الكاتب لبطله الرئيسي فصولاً بضمير المتكلم، تتقاطع مع سردية الراوي العليم قبل أن يذوبا معاً في النهاية، ويبدو صوت البطل، عبر تداعي الذاكرة، كاشفاً عن تعقيدات طفولته، ومساره التعليمي في الغرب، وقصة حب متوهجة بالخيال، وصولاً إلى حلمه ببناء برجٍ في الصحراء يستعصي تحقّقه على أرض الواقع، غير أن هذا الحلم لا يبدو امتداداً رومانسياً لطموح فردي، بقدر ما يكشف عن رغبة عميقة في إخضاع الفوضى وبناء معنى جمالي، وهو ما يدفع البطل، بعناد واع، إلى المضيّ في استكماله رغم إدراكه لهشاشة الأساس، وعدم واقعية إنجازه.

وتبدو ذروة التحوّل في صوت الراوي في عبارته: «إن كاتب هذه السطور أصبح شخصاً مختلفاً عن كاتب الصفحات السابقة»، بمثابة وعي سردي يُعلن اكتمال التحوّل الذي راكمته الرواية على مستوى الصوت والذات معاً، فهنا يتقاطع مسار السرد مع مسار الذات، في تحوّل داخلي لا يقل هشاشةً وتعقيداً عن الأبراج الرملية التي يسعى البطل إلى بنائها.

عين رمادية

يتكئ الكاتب على رمز «العين الرمادية» بوصفه علامة سردية تتكرّر في مسرح الجريمة وبين مشاهدات الجيران، لتقود إلى سؤال الرؤية وحدودها، ففي مسار فانتازي يعثر أحد الجيران على عين الجثة، فيحملها إلى بيته، لتورطه في مأزق كبير، إلا أنه قبل هذا يكون قد تماهى وجدانياً مع قصة القتيل وهو يُطالع عينه تلك: «رأى ما كابده صاحب العين، هواجسه، وأحلامه، آلامه، موته، رأى كل ذلك في لمحات خاطفة لا تكشف له فكرة واضحة عن شيء، لكنها كفيلة بالتحامه وجدانياً مع صاحب العين»، حيث تتحوّل العين إلى علامة شعورية، وصوت مُختزن، يصعب تفسيره أو السيطرة عليه.

ويظل السرد يُهمِّش شفرة «اللون الرمادي» حتى نهاية الرواية، قبل أن تتكشّف مع تقدّمه دلالتان متوازيتان؛ دلالة جنائية تشير إلى هُوية القتيل، ودلالة إنسانية يستدرّها البطل بقوله: «يمكنني أن أقول بثقة إن كل البشر ذوو عيون رمادية. كلهم يولدون بهذا اللون، ثم تصبغهم الحياة بألوان أخرى»، وهكذا لا يعود الرمادي مجرّد علامة لونية، بل توصيف لحالة إنسانية مُعلّقة.

يُوّظف الكاتب الأمكنة الصغيرة والهامشية في تعميق روابط الشخصيات وألغازها، ما بين «البوتيك» و«الصيدلية» و«الشقة المهجورة» و«الدكان» و«المقابر»، لتغدو هذه الفضاءات بؤراً سردية تُراكم التوتر وتعيد وصل الشخصيات بماضيها، وعلى مستوى البناء، يعتمد السارد في كثير من الفصول على إنهائها عند نقاط ذروة، في تقنية تتسق مع بنية لغز الجريمة المُشوّق، لكنها في الوقت ذاته تعمّق البعد التأملي للرواية، حيث يتحرّك الزمن في مسار دائري يعيد الشخصيات باستمرار إلى جرح الماضي الذي لم يُحسم.

ويتجلّى هذا المنحى في اختيار بعض عناوين الفصول، مثل «أوديب» و«قابيل»، في مساحة فنية تتناص مع تعقيد علاقة البطل بوالده، وتستدعي فكرة الصراع الأبدي والجريمة الأولى بوصفها أصلاً مؤسساً للعنف والذنب، ويتكثف هذا التناص في مشهد يتقمص فيه البطل صورة والدهً: «وجدتني أحلّ في جسد أبي وهو يدلف عبر الباب ويوصده بقوة ثم يسعل ويجلس واضعاً حقائبه فوق المنضدة. وجدتني أمرر يديه الخشنتين على وجهه المبلل بالعرق. كان وجهه عابساً، غارقاً في التفكير».

هنا لا يكتفي السرد بتفكيك صورة الأب بوصفه سلطةً قاسيةً، بل ينتقل إلى مستوى أعمق من التقمّص والتعاطف، حيث تذوب المسافة بين الابن والأب، لتغدو عقدة الجريمة في جوهرها عقدةً نفسيةً بالدرجة الأولى.

وتتكثف ثيمة «البصيرة» داخل الرواية عبر شخصيات ترى ما لا يراه الآخرون، لتأخذنا تدريجياً من منطقة الرؤية إلى منطقة «التعامي»، فشخصية «أم مطيعة» تمتلك قدرةً على الرؤية تتجاوز الظاهر، لكنها تُواجَه بالاستخفاف والإقصاء، كنموذج لمن يُهمشون لأنهم يرون أكثر مما يحتمل الواقع، وعلى الضفة الأخرى، يقف «شحاتة» بوصفه عيناً تراقب الشاردة والواردة أمام دكانه الشاغر.

في المقابل، تمثل «الأم» و«العمة» نماذج متواطئة بفعل القهر، لا لأنهما لا تبصران، بل لأنهما تختاران «التعامي» بوصفه آلية للبقاء، فيصبح العمى استراتيجية دفاعية، في عالم لا يُكافئ من يرى، بل يحمّله تكلفة إضافية.

أما البطل، فيبدو ضحية ملكاته الخيالية الجامحة، تلك التي تمنحه قدرة مضاعفة على الرؤية، لكنها تضعه في مواجهة مباشرة مع الخوف، وفي رحلة تصالحه معه، يصل إلى لحظة إدراك فارقة: «عندما غادرني الخوف لم أعد أكره أحداً حتى من أساءوا إليّ».


«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات
TT

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

من دواعي السرور عندي أن أقرأ رواية صادرة عن قلم ينتمي لإحدى الأقليات الكثيرة التي يحفل بها العالم العربي، ولكنها في أغلب الأحيان تغيب عن التمثيل السياسي والثقافي وعن الوعي العام للأغلبية الدينية أو العرقية أو اللونية المحيطة بها. لذلك أبتهج حين يبرز كاتب أو كاتبة من داخل إحدى الأقليات فيثري الوجدان العام بمقاربة الوضع الإنساني من داخل النسيج الحياتي اليومي لتلك الأقلية المغيّبة عادة من الشأن العام. هناك كتّاب من الأقليات ينضوون اختياراً في الثقافة الحياتية للأغلبية المجتمعية حين يجلسون للكتابة، فلا ترى فيما يكتبون انعكاساً للنسيج اليومي لحياتهم في اختلافه عن النسيج العام. أذكر أني مرة سألت الكاتب المسرحي الألمع الفريد فرج: لماذا لا نجد في مسرحه شخصيات قبطية أو انعكاساً من أي لون لكونه مصرياً مسيحياً؟ فلم يحر جواباً فيما عدا أنه قال إنه ثقافياً ينتمي إلى الحضارة العربية الإسلامية.

لا غبار على هذا عندي؛ فالحضارة العربية الإسلامية شيء أوسع من الدين الإسلامي ومن الممكن الانتماء إليها من دون أن يكون المرء مسلماً، إلا أن هذا لا يمنع من الخصوصية المسيحية داخل الانتماء الحضاري الأوسع. إلا أني أعتقد أن الثقافات المهيمنة، دينية كانت أو عرقية، في بلادنا العربية لا تفسح المجال التعبيري أمام الثقافات الأخرى، تماماً كما أنها لا تفسح المجال أمامها سياسياً. هناك دائماً رفض سافر أو مُقنَّع للاختلاف. هناك رغبة لم أفهمها أبداً في احتواء الآخر. هناك عجز عن إدراك أن الاختلاف ثروة وأن التماثل والتشابه والاصطفاف هو أجدر بالآلات والروبوتات، لا بالوجود البشري الخلّاق، المتغير، المولِّد للأفكار على مدى تاريخه من آلاف السنين. لذلك أفرح بالروايات التي تؤكد في نسيجها خصوصيةً ما، عرقية أو دينية أو لغوية أو غيره، في الوقت ذاته الذي تؤكد التماثل الأكبر: التماثل البشري العابر للخصوصيات المتمايزة. هذه هي الأخلاقية الكبرى في الفن والأدب: التأكيد على التماثل رغم الاختلاف. أما أكبر الشرور اجتماعياً فهو الرغبة في احتواء الآخر في الذات وقصره على التماثل معها، ومحو خصوصيته ليتطابق مع ذات الغالبية. لذلك أفرح إذا ما قرأت رواية تكشف لي عن الخصوصية الكردية أو الخصوصية الطوارقية أو اليزيدية أو الشيعية أو المسيحية أو البهائية أو النوبية. أو كما في رواية حنين الصايغ «ميثاق النساء» (دار الآداب، 2023)، الخصوصية الدرزية.

من يريد أن يعرف شيئاً عن تاريخ الدروز ومذهبهم العقيدي منذ نشأته في القرن الحادي عشر حتى اليوم فلن تنقصه المصادر والمراجع. لكن الدروز ليسوا مادة تاريخية وإنما هم أفراد وأسر وجماعات لا يزيد عددهم حول العالم على المليون إلا بقليل ويعيش أغلبهم في سوريا ولبنان. تصف الموسوعات الدروز بأنهم جماعة مغلقة، باطنية، سرية، إلخ. فمن كان لا يكفيه ما يُستقى من كتب التاريخ والمذاهب، من كان يريد أن يتعرف على إنسانية الدروز كبشر يعيشون في الشارع المجاور أو في القرية المجاورة في الوطن نفسه يتكلمون اللغة نفسها ولكن لهم معتقدات مخالفة للشائع الغالب وفي نسيج حياتهم اليومية وعاداتهم خيوط من لون مختلف وإن كانوا فيما عدا ذلك يشبهوننا في كل شيء – من كان يريد ذلك فليس عليه إلا أن يقرأ رواية مثل «ميثاق النساء» لحنين الصايغ؛ فهي حقيقةٌ أن تكون خير دليل لنا في رحلة الاختلاف المفضي إلى التماثل تلك، فهي درزية، تعرف تلك الحياة «السرية» معرفة المعايشة اللصيقة من لحظة الميلاد. وهي كفيلة بفتح المغلق وكشف السري لنكتشف أن لا سرية هناك وإنما بشر عاديون مثلنا تماماً. هذا الاكتشاف لن تتيحه لك كتب التاريخ والعقائد، وإنما المُؤهَّل لكشفه لنا هو فن الرواية، ذلك الفن المنسوج من تفاصيل الحياة اليومية بعاداتها وطقوسها، بأكلها وشربها، بعلاقاتها الأسرية، وبمعتقداتها الدينية وكيف تؤثر تلك في حيوات أفرادها ومصائرهم.

هل تصدَّت حنين الصايغ إذن لكتابة رواية تصور لنا حياة الدروز وعقائدهم الإيمانية في «ميثاق النساء»؟ كلا بالتأكيد. إنما كانت الكاتبة، مثلها مثل أي روائي من أي مذهب أو خلفية، مشغولةً بقضايا وأفكار عن الفرد والمجتمع والحياة والموت وما بعد الموت إلى آخر ما يشغلنا نحن البشر ونحن الكتّاب الذين نضطلع بالتعبير عما يؤرق البشر من أفكار وأوضاع. كانت مشغولة بهذا كله واختارت أن تعبر عنه من داخل السياق الاجتماعي الذي تعرفه خير معرفة وهو سياق حياة الدروز في المجتمع اللبناني. ولعلي كنتُ غير دقيق حين كتبتُ «اختارت» فلا خيار عند الكاتب إلا يكتب لنا من داخل السياق الذي يعرفه معرفة حميمية، وإلا جاءت كتابته مصطنعة، خالية من نبض الحياة.

أما الهاجس الرئيسي لدى الكاتبة، فيوحي به على الفور عنوان الرواية، «ميثاق النساء».

يمكن أن نحزر من قبل القراءة أننا أمام رواية عن قضية المرأة في مجتمع عربي تقليدي، حريتها، علاقتها بالرجل في مجتمع ذكوري، علاقتها بالأب في مجتمع بطركي، ثقل التقاليد، العوائق أمام حرية الدراسة والعمل والكسب والاستقلال الاقتصادي، بل وإن شئنا أيضاً موقف قسم من رجال الدين منها والفهم المجتمعي له، وكيف أنهم يستخدمون الدين من حرية المرأة وتكريس السيطرة الذكورية عليها. كل هذا يمكن أن نتوقعه مع فرصة غير ضئيلة أن يصدق توقعنا من رواية بهذا العنوان، وخاصة أن كاتبتها امرأة. لكن من لم يكن درزياً أو غير مطلع على خصائص العقيدة الدرزية، فلن يدرك المغزى الكامل لكلمة «ميثاق» في العنوان إلا بعد أن يقطع شوطاً في القراءة. فميثاق النساء الذي يمكن أن نفهمه فهماً عاماً باعتباره ميثاق السلوكيات الذي يفرضه مجتمع بطركي على المرأة هو في الواقع أشد من ذلك؛ لأنه في الحقيقة نص عقيدي يحدد ضمن النصوص العقيدية للديانة الدرزية وضعية المرأة في المجتمع الدرزي.

نص كتبه رجل بطبيعة الحال وقام على تكريسه أجيال من الذكور ومن النساء اللاتي تشربن بالقيم الذكورية المفروضة عليهن عبر القرون. والمجتمع الدرزي كما نعرف من الرواية ومن خارج الرواية هو مجتمع «مغلق»؛ لأنه يحرّم على الدروز الزواج من غير الدروز كما أن الدعوة الدرزية انغلقت على نفسها وكفّت عن التبشير في خلال فترة لا تتجاوز العقود الثلاثة من نشأتها في القرن الحادي عشر. كل هذا ساعد على تماسك المجتمع وتقارب أفراده القليلين نسبياً وزاد في حرصهم على عاداتهم وتقاليدهم. بل يزيد من هذا كله أن الدروز يؤمنون بتناسخ الأرواح وأن الروح الدرزية لا تعود إلا في جسد وليد درزي، وكأن المجتمع يعيد تدوير ذاته لا يتجدد فيه شيء إلى الأبد.

هذه هي الخلفية التاريخية والعقيدية والمجتمعية لحياة بطلة روايتنا، أمل بونمر التي نعاصرها على امتداد ما يقرب من أربعمائة صفحة من الطفولة إلى المراهقة والزواج المبكر والجسد المنتهك والأمومة المتعثرة والطموح المكبوت للمعرفة والدراسة. هي تواجه قدراً مرسوماً لها من المهد إلى اللحد وما وراء اللحد ثم العودة من جديد. لكنه قدر لا تستسلم له، بل تصارعه هي الضعيفة المقهورة المعتمدة اقتصادياً المُراقَبة أسرياً واجتماعياً. قدر يكاد أن يقهرها، لكنها تفلت منه بعد نضال مرير وخسائر وتضحيات ليس هنا مجال بسطها.

هذه رواية نسوية إذن، بمعنى أنها قصة تحرر امرأة، ولأنها تتعامل مع المعطيات الحتمية التي نجدها في مثل هذه الروايات لأنها موجودة في المجتمعات القائمة وراءها.

ولكنها فيما عدا ذلك قصة تحرر وحسب. قصة تحرر إنساني. قصة مساءلة للمعتقدات والمقدسات والتقاليد الموروثة. قصة صراع الفرد للنهوض من تحت الثقل الباهظ للتاريخ والغيب والجماعة والأسرة، ذلك الثقل الذي ينسحق تحته الأغلبية في انصياع غير مُدرِك. وفوق كل هذا فالرواية بسياقها الدرزي غير المألوف لغير الدروز تمنحنا هبة أخرى ضمن توسيع مداركنا الإنسانية الذي نتوقعه من كل عمل أدبي يستحق الاسم. هي تعلمنا التماثل البشري الجوهري وراء كل اختلاف عرضي. فقصة أمل بونمر هي قصة الغالبية العظمى من النساء العربيات على اختلاف أديانهن وأوطانهن في الرقعة العريضة للعالم العربي. ليس هذا فقط وإنما واقع الأمر أن المجتمع الدرزي الصغير المتشبث بموروثاته بأي ثمن، والذي نتعرف عليه عن قرب في هذا الحكي الشائق ليس إلا نموذجاً مصغراً مع اختلاف التفاصيل لحال المجتمعات العربية التي ما زالت من الخليج إلى المحيط تعاني فصام الدين والعقل، والموروث والمستحدث على كل صعيد معاشي.


جان جاك روسو والمؤامرة الجهنمية

جان جاك روسو والمؤامرة الجهنمية
TT

جان جاك روسو والمؤامرة الجهنمية

جان جاك روسو والمؤامرة الجهنمية

يا لها من معركة حامية الوطيس تلك التي جرت في قلب القرن الثامن عشر: عصر التنوير الكبير. كل المثقفين الفرنسيين انقسموا إلى قسمين: قسم مع حزب الفلاسفة وقسم مع حزب الأصوليين. وهناك قسم ثالث بين بين. ولكن ينبغي الاعتراف بأن أغلبية الشعب الساحقة كانت مع الأصوليين لا مع الفلاسفة. وهذا شيء طبيعي لأن أفكار الأصوليين كانت مسيطرة على الجميع منذ مئات السنين وكانت راسخة في العقليات رسوخ الجبال. أما أفكار الفلاسفة وتصوراتهم عن الدين المسيحي فكانت جديدة كلياً، وبالتالي فلا قاعدة شعبية لها. ولن تتشكل لها قاعدة إلا بعد مرور وقت طويل. ولذلك قال أحدهم: كانت فرنسا أصولية ظلامية في بداية القرن الثامن عشر ثم أصبحت فولتيرية تنويرية في نهايته. لكن ليس عن فولتير سوف أتحدث الآن وإنما عن القطب الآخر جان جاك روسو. فالواقع أن تأويله الجديد والمنعش جداً للدين المسيحي كان أخطر من تأويل فولتير، وتجديده أكبر بكثير، على عكس ما نظن.

بعد أن أصدر روسّو كتابه الشهير عن التربية والدين عام 1762 هاجت عليه الهوائج. ونزل مطران باريس كريستوف دو بومون شخصياً إلى ساحة المعمعة. قال عنه ما فحواه: «إننا نُدين الكتاب الصادر عن هذا الشخص المسمى جان جاك روسّو الذي يدَّعي العلم والفلسفة وهما منه بَرَاء. إننا نُدينه إدانةً قاطعةً مانعةً لأنه يحتوي على جملة من الأخطاء الفاحشة عن ديننا وتراثنا. إن كتابه مليء بالكفر والهرطقة والزندقة. ينبغي أن يعلم الجميع أن أفكاره الهدامة تزعزع أركان الدين المسيحي».

في الواقع أن أفكار روسّو لا تشكل أي خطر على الدين، وإنما فقط على الأصولية الدينية. وشتّان ما بينهما. ولكن ما كان أحد يستطيع التفريق بينهما في ذلك الزمان. ونضيف؛ ولا حتى في هذا الزمان.

من يستطيع التفريق بينهما في العالم العربي حالياً؟ ولذلك ردَّ عليه روسّو قائلاً: «يا مولانا صدِّق أنني مؤمن عن جدٍّ، ولكن طبقاً لعقيدة الإنجيل فقط. يا مولانا صدِّق أنني مؤمن عن جدٍّ، ولكن ليس كتلميذ للكهنة والأصوليين وإنما فقط كتلميذ ليسوع المسيح. إنني مؤمن عن جدٍّ، ولكن طبقاً لقوانين العقل والمنطق لا طبقاً للخرافات والشعوذات، والتعصبات والتكفيرات... إلخ».

يقال إن فولتير عندما قرأ نص روسّو عن الدين صرخ قائلاً: «رائع، رائع، ليتني أنا الذي كتبته». ويقال إنه أحسَّ بالغيرة تلسع قلبه لسعاً، وكذلك الحسد. ومعلوم أن المثقفين الفرنسيين يغار بعضهم من بعض تماماً كالمثقفين العرب. هل رأيتم امرأة حلوة تعترف بجمال امرأة أخرى؟ من رابع المستحيلات. تكاد تذبحها. وكذلك لن تجدوا مثقفاً واحداً يُثني على مثقف آخر الا ما ندر. أين تكمن المشكلة بالضبط؟ إنها تكمن في الشيء البسيط التالي: الأصوليون الظلاميون يشكّلون صورة معينة عن الدين، والفلاسفة التنويريون يشكّلون صورة أخرى مضادة تماماً. الأصوليون يشكّلون صورة تكفيرية متجهمة، والفلاسفة يشكّلون صورة تسامحية متنورة. ينبغي العلم أن جان جاك روسّو كان يأخذ من الدين جوهره لا قشوره. ولهذا السبب اندلع الصراع بينه وبين الأصوليين. وجوهر الدين في رأيه يتلخص في عبارة واحدة: الإيمان بالله والعمل الصالح ومكارم الأخلاق. جوهر الدين هو الشفقة على الفقير والمسكين واليتيم وابن السبيل. وهذا ما نص عليه القرآن الكريم حرفياً كما نعلم. وبالتالي فالعبرة ليست في الشعائر والطقوس والعبادات وإنما في الأفعال والمعاملات. ولذلك قال أحد فلاسفة الأنوار الكبار: الدين المعاملة. نقطة على السطر. مَن كانت معاملته حسنة مع الآخرين، مَن كان نزيهاً صادقاً، فهو أكبر متدين حتى ولو لم يؤدِّ الطقوس والشعائر.

وأما من كان غشاشاً في التعامل فهو ليس من الدين في شيء حتى لو صلّى يومياً مائة ركعة. يضاف إلى ذلك أن الفلاسفة كانوا يقولون ما معناه: المسألة ليست هل أنت مع الدين أو ضد الدين. كلنا مع الدين. المسألة هل أنت مع الأصولية الطائفية التكفيرية التي تؤدي مباشرةً إلى المجازر والمذابح أم لا؟ هذا هو السؤال الأساسي، والباقي تفاصيل.

لكن لِنَعُدْ إلى جان جاك روسو. بعد أن أصدر كتابه الشهير الذي أشعل الحرائق في كل مكان احمرَّت عليه الأعين وأصبح في عين العاصفة. ولذلك قال له صديقه الكبير وراعيه، الماريشال دو لوكسمبورغ، بعد الثانية ليلاً: «البس ثيابك فوراً وارحل على وجه السرعة. إنهم آتون للقبض عليك». ومعلوم أن الماريشال كان ينتمي إلى إحدى كبرى العائلات الأرستقراطية الفرنسية. وهكذا ودَّعه روسّو باكياً وهو يعرف أنه لن يراه بعد ذلك اليوم، لأن الماريشال كان متقدما في السن.

وبالفعل فقد لمح روسّو رجال الشرطة الآتين للقبض عليه في منتصف الطريق. هم آتون وهو راحل. لقد نجا منهم بأعجوبة في آخر لحظة. وعندما وصل إلى سويسرا نزل من عربة الخيول وانبطح فوراً على التراب السويسري قائلاً: «أقبِّل أرض الحرية». كان يعتقد أنه قد نجا بنفسه بعد أن عاد إلى أرض آبائه وأجداده. ومعلوم أن سويسرا الأقلّوية البروتستانتية كانت أكثر تسامحاً واستنارةً من فرنسا الظلامية الكاثوليكية. ولكنَّ هذا لا يعني أن رجال الدين فيها كانوا قادرين على هضم أفكاره عن الدين. فقد كانت سابقة لأوانها بكثير. والدليل على ذلك هو أن كتبه أُحرقت أيضاً في جنيف. فاضطر إلى الهرب إلى إنجلترا؛ أكثر بلدان أوروبا تسامحاً واستنارةً في ذلك الزمان.

عندئذٍ عاش جان جاك روسّو فترة عصيبة استمرت حتى مات. يقول عن ذلك في كتاب «الاعترافات» الشهير: «هنا في هذه الفترة بالتحديد ابتدأت المؤامرة الكبرى التي لا تزال تلاحقني وتُطْبق عليَّ حتى اللحظة. منذ ثماني سنوات وأنا غارق في ظلمات رهيبة لا أعرف ما الذي يحصل حولي. أشعر بالضربات الموجعة ولكن لا أعرف بالضبط مَن هي اليد التي تلسعني من خلف الستار. كل ما أعرفه هو أني مطوَّق من كل الجهات: لا مخرج ولا منفذ ولا خلاص».

كان هناك أمير فرنسي من العائلة المالكة يحميه سراً من الاعتداءات الجسدية أو حتى الاغتيال. وكان أميراً ليبرالياً معجباً بالأفكار التنويرية الجديدة التي ابتدأت شمسها تشرق على البلاد. وفي إحدى المرَّات قال له: «انتبه جيداً حالتك أصبحت حرجة جداً، وأنا ما عدت قادراً على حمايتك. أفكارك عن الدين تعد راديكالية وانقلابية أكثر من اللزوم. وهي مرفوضة من كل الأصوليين المزمجرين الذين يكادون يشربون دمك شرباً. وقد يفتكون بك في أي لحظة. فانزل تحت الأرض».

وهكذا اختفى جان جاك روسّو عن الأنظار. بل غيَّر اسمه وملابسه وهيئته وشكله لكيلا يعرفوه وهو يمر في الشارع.

وحلف بأغلظ الأيمان بأنه لن يكتب حرفاً واحداً بعد اليوم؛ لا عن الدين ولا عن السياسة ولا عن أي شيء. وهذا أكبر دليل على مدى ضراوة الصراع الذي كان دائراً آنذاك بين الأفكار الجديدة والأفكار القديمة. كما أنه أكبر دليل على أن المفهوم الأنواري الجديد للدين المسيحي، أي المفهوم العقلاني واللاطائفي واللاتكفيري، لم يتحقق الا بعد مخاض عسير. هنا تكمن معجزة الأنوار الكبرى.

وبعد موته عام 1778 عن خمسة وستين عاماً قبروه في إحدى ضواحي باريس المحاطة بغابات السرو والصفصاف. وهل هناك أجمل من ضواحي باريس؟ وراح البشر يتوافدون على قبره زرافاتٍ ووحداناً. ولن تصدقوا إذا ما قلنا لكم إن ماري أنطوانيت وزوجها لويس السادس عشر قاما بالزيارة أيضاً ضمن إطار «الحج الفلسفي». وعندما رآهما الشعب صفَّق لهما طويلاً. كان ذلك في 14 يونيو (حزيران) 1780.

وأما نابليون بونابرت الذي كان يعرف جيداً من هو جان جاك روسّو؛ لأنه كان تلميذه المعجب جداً بكتاباته، فقد زار القبر يوم 28 أغسطس (آب) 1800. وبعد أن خشع أمامه طويلاً قال لأحد مرافقيه هذه العبارة التي لا تكاد تُصدَّق: «كان من الأفضل من أجل راحة فرنسا لو أن هذا الرجل لم يوجد قط». فاستغرب مرافقه وسأله باندهاش: «ولماذا يا جلالة الإمبراطور؟»، فأجابه نابليون: «لأنه هو الذي مهَّد للثورة الفرنسية وأشعلها».

فقال له المرافق: «والله شيء عجيب، كنت أعتقد أنه يحق لجميع الناس أن يتذمروا من الثورة الفرنسية ما عداك أنت؟ لولاها لما كنت على رأس فرنسا الآن».

فأجابه نابليون: «المستقبل وحده سيقول ما إذا لم يكن من الأفضل لراحة البشرية كلها أنه لم يوجد شخصان اثنان على وجه الأرض: أنا وجان جاك روسو...».