استراحة طه حسين ملهمة «دعاء الكروان» تتحول إلى متحف

شيدت في «تونة الجبل» بالمنيا في ثلاثينات القرن الماضي

استراحة طه حسين
استراحة طه حسين
TT

استراحة طه حسين ملهمة «دعاء الكروان» تتحول إلى متحف

استراحة طه حسين
استراحة طه حسين

في مكان يعود عمره إلى عام 350 قبل الميلاد، اختار عميد الأدب العربي بناء على ترشيح صديقه عالم الآثار سامي جبرة، ووكيل المجمع العلمي بالقاهرة، أن يقيم في فيلا صغيرة في منطقة نائية بقرية «تونة الجبل» بمحافظة المنيا مسقط رأسه، فكانت مصدر إلهامه لكتابة رائعته «دعاء الكروان» التي انتهى منها عام 1934.
وأخيراً، ومع الإعلان عن كشف أثري جديد لمقبرة تاريخية، أعلن د. جابر نصار، رئيس جامعة القاهرة، تحويلها إلى متحف حتى يتمكن زوار تلك المنطقة الأثرية من زيارة الاستراحة التي شهدت مولد إحدى أهم الروايات في الأدب العربي.
في عام 1931 تعاون طه حسين أثناء عمادته لكلية الآداب بجامعة القاهرة مع سامي جبرة ودعمه للكشف عن آثار الأشمونيين ومنها مدينة كاملة المعالم، بالإضافة إلى كثير من النقوش والبرديات والوثائق باللغة الهيروغليفية والديموطيقية، وكان دائماً يصطحب سامي جبرة طه حسين ويضيئان الشموع في مقبرة «إيزادورا»، وهي فتاة جميلة لقيت مصرعها غرقاً أثناء عبورها ضفة النيل للقاء حبيبها الضابط بالجيش.
ويبدو أنه استكان للمنطقة النائية وأقام بها لفترة أوحت له بحبكة القصة عن الحب والثأر والغدر والانتقام. وتقع الاستراحة في طابقين تحيط بها حديقة صغيرة ولها سور وبوابة خشبية، وعلى الأرجح أقام بها حسين على فترات متقطعة بين الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي. ورغم بساطة طرازها المعماري فإن الناظر إليها سيشعر أنها محاطة بهالة من الغموض والهيبة تليق بعميد الأدب العربي الذي استطاع أن يتولى منصب وزير المعارف وأجرى إصلاحات كبيرة في التعليم المصري، بل ولا يزال كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» مرجعاً لمثقفيها وكتابها.
لم تكشف جامعة القاهرة عن مكونات أو مقتنيات المتحف، ولكن مجرد الإعلان عن تحويلها لمتحف أمر محمود، وإن كانت هي بالفعل مزاراً سياحياً بحكم توسطها منطقة أثرية من أهم المناطق بمصر.
تقول المرشدة السياحية الزهراء عوض، لـ«الشرق الأوسط»: «عادة ما نصطحب المصريين والأجانب لزيارة مقبرة إيزادورا، وأثناء مرورنا للمقبرة تستوقفنا استراحة عميد الأدب العربي، وحينما أشرح لهم كيف أنه كان ضريراً واستطاع تولي منصب عمادة كلية الآداب في القاهرة وفي الإسكندرية، وغير كتاباته، فيثير الأمر اهتمامهم ويرغبون في زيارة تلك الاستراحة التي تبدو مهملة ومهجورة، مما كان يثير استياء السياح من إهمالها». وحول تسمية «تونة الجبل» تشير إلى أن كلمة «تونة»، هي تحريف لكلمة تطور نطقها عبر عدة لغات، حيث كانت تُلقب المنطقة بالبحيرة أو «تاحتي»، في اللغة المصرية القديمة، وأصبحت في اليونانية «تاونس»، ثم «تونة» في اللغة العربية، وأضيف إليها كلمة الجبل لكونها في منطقة صحراوية.
ولعل روعة «دعاء الكروان» وأهميتها لا تكمن فقط في قيمتها الأدبية كرواية، وإنما كونها تشير إلى واقع الأدب المصري والأدباء المصريين في ذاك الوقت وسموهم وارتقائهم الأدبي، وكيف كانت حفاوتهم بإنتاجهم واستقبالهم له. فقد كتب طه حسين في مقدمة روايته إهداءً خاصاً للعقاد، رغم ما كان بينهما من مساجلات ومعارك أدبية، وكتب العقاد رداً على حسين عقب قراءته الرواية في مجلة الرسالة: «قال صديقنا الدكتور طه حسين وهو يهدي إلينا (دعاء الكروان): أنت أقمت (للكروان) ديواناً فخماً في الشعر العربي الحديث، فهل تأذن في أن أتخذ له عشاً متواضعاً في النثر العربي الحديث، وأن أهدي إليك هذه القصة تحية خالصة من صديق مخلص). وإني لأحسب وأنا أتقبل الهدية شاكراً أن (الكروان) سيأوي إلى العش الذي سماه صديقنا متواضعاً لأنه يرتضي العش، وإن أغريناه بالدواوين. وحسبنا منه أنه يدعونا وندعوه، وأننا وإياه نلبي الدعاء».
وبدوره، كتب الشاعر اللبناني خليل مطران قصيدة مستوحاة من أجواء الرواية وأهداها لطه حسين يقول فيها: «دعاء هذا الكروان الذي... خلدته في مسمع الدهر، له صدى في القلب والفكر من... أشهى متاع القلب والفكر، لكنه مشج بترجيعه... لما جرى في ذلك القفر».
وكانت زوجة طه حسين الفرنسية سوزان قد أشارت في كتابها «معك» الذي ترجمه للعربية د. بدر الدين عرودكي، إلى حب طه حسين وعشقه لطائر الكروان، وذكرت أنه كان يقول: «ها هو ذا طيري العزيز الذي يملأ الفضاء بغنائه الفرح منذ بدأت الكتابة لك. إن ذلك يغمرني بالفرح». وفي موضع آخر بالكتاب تقول: «فقد كان طه الذي أحب دوماً عصفور بلده هذا يستقبل تحيته كل مساء بفرح، ويظن أن صرخة واحدة أو خفقة جناح واحدة تجتاز السماء كلما مرْت طيور الكروان من فوقنا بسرعة. لم أكن الوحيدة التي سمعت بطريقة مختلفة هذا الكروان، الذي أوحى إلى طه بواحد من أجمل كتبه، بطريقة مختلفة». كان هنري بورنيك (Borneeque Henri)، وهو أستاذ الآداب الكلاسيكية بكلية الآداب بجامعة ليل الفرنسية، قد أراد التعرف على طه الذي كان عاجزاً عن الحركة، فجاء لرؤيته وتحدثَا وقتاً طويلاً، وهذه هي السطور الأخيرة من مقال كتبه بعد هذا اللقاء: «ها أنا ذا من جديد على الدرب القصير الهادئ، حيث تغني الجداجد تحت أقواس الأشجار المغلقة... وأعيد التفكير في النهاية المؤثرة لـ(دعاء الكروان) وقيمتها الصوفية في نظر النفوس الكبيرة: أليس من العجب أن يكون هذا الضوء الذي أخذ يغمرنا شراً من الظلمة التي خرجنا منها؟ إن أحدنا لن يستطيع أن يهتدي في هذا الضوء إلا إذا قاده صاحبه».
تحولت الرواية إلى واحدة من روائع السينما المصرية؛ فيلم «دعاء الكروان» لهنري بركات الذي أنتج عام 1959. فقد كان طه حسين صاحب رؤية وبصيرة استشرف فيها مستقبل الأدب وعلاقته بالسينما، فقد قال في إحدى ندواته بالجامعة الأميركية بالقاهرة في خمسينات القرن الماضي ينقل وديع فلسطين عنه قوله إن «السينما والمسرح في حاجة إلى الانتفاع بالأدب الذي ينتجه الأدباء المعاصرون».
وفي لقاء مصور مع المخرج هنري بركات، كشف فيه: «كان فريد الأطرش يود تمثيل الرواية وأرسل بها إلي، حينما قرأتها انتابني الخوف من تحويلها لفيلم، لخوفي من عدم تقبل الجمهور لأجوائها... ولكن بعد استحسان الجمهور لفيلم (حسن ونعيمة) تحمست لها، وعرضت الفكرة على طه حسين، فقال: (الرواية ليست فيها صور، أنت تعلم أنني لا يمكنني كتابة الصور ببراعة)». فرد بركات: «على العكس، الرواية مليئة بالصور».
ورغم أن الفيلم طرح نهاية مغايرة للرواية الأصلية لطه حسين، فإنه حقق نجاحاً كبيراً، وكان اختيار نهاية الفيلم بناء على موافقة د. مؤنس طه حسين، الذي قال لطه حسين إن تلك النهاية تتوافق مع ميول الجماهير. فقد اختار هنري بركات أن ينتصر الخير دائماً على الشر وأن كل ظالم يجب أن يلقى مصيره، وأن يلقى المهندس الشاب مصرعه على يد الخال الذي قتل هنادي أيضاً، على عكس النهاية المثيرة التي كتبها طه حسين، فهي نهاية تنتصر للحب على مشاعر الانتقام، فقد تسامت «آمنة» على مشاعر الانتقام من المهندس الذي أغوى شقيقتها وقتلت على يد خالها في ذلك الفضاء العريض بسببه، وغلبها الحب فعاشت معه.
من الرائع فعلاً أن تتحول بيوت الأدباء والمبدعين والفنانين التشكيليين لمزارات ومتاحف تخلد أسماءهم وتلهم الأجيال الجديدة، ويمكن من خلالها تقفي أثرهم الأدبي والظروف الاجتماعية الثقافية التي أثرت في مسيرتهم الإبداعية، ففي الجيزة يوجد متحف «رامتان»، وهو منزل طه حسين بالهرم، الذي تحول لمتحف له دور ثقافي ملموس. وفي الإسكندرية يمكن زيارة تمثاله الواقع أمام مقر رئاسة الجامعة، حيث تولى تأسيسها ورئاستها عام 1942. جدير بالذكر أن عميد الأدب العربي وُلِد في نوفمبر (تشرين الثاني) 1889 بقرية «الكيلو» بمحافظة المنيا. فقد بصره في الرابعة من عمره إثر إصابته بالرمد، لكنَّ ذلك لم يثنِ والده عن إلحاقه بكُتَّاب القرية. وتابع مسيرته الدراسية بخطوات واسعة، حيث التحق بالتعليم الأزهري، ثم كان أول المنتسبين للجامعة المصرية سنة 1908، وحصل على درجة الدكتوراه سنة 1914، لتبدأ أولى معاركه مع الفكر التقليدي، حيث أثارت أطروحته «ذكرى أبي العلاء» موجة عالية من الانتقاد. ثم أوفدته الجامعة المصرية إلى فرنسا، وهناك أعد أطروحة الدكتوراه الثانية: «الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون»، واجتاز دبلوم الدراسات العليا في القانون الروماني. وكان لزواجه بالسيدة الفرنسية سوزان بريسو عظيم الأثر في مسيرته العلمية والأدبية، حيث قامت له بدور القارئ، كما كانت الرفيقة المخلصة التي دعمته وشجعته على العطاء والمثابرة، وقد رُزقا اثنين من الأبناء؛ أمينة ومؤنس.
وبعد عودته من فرنسا، عمل أستاذاً للتاريخ اليوناني والروماني بالجامعة المصرية، ثم أستاذاً لتاريخ الأدب العربي بكلية الآداب، ثم عميداً للكلية. وفي 1942م عُين مستشاراً لوزير المعارف، ثم مديراً لجامعة الإسكندرية. وفي 1950 أصبح وزيراً للمعارف، وقاد الدعوة لمجانية التعليم وإلزاميته، وكان له الفضل في تأسيس عدد من الجامعات المصرية. وفي 1959م عاد إلى الجامعة بصفة «أستاذ غير متفرغ»، وتسلم رئاسة تحرير جريدة «الجمهورية».
وفارق الحياة في أكتوبر (تشرين الأول) 1973 عن عمر ناهز 84 عاماً.



أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه
TT

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات، التي شرّحت تصدعات المجتمع البرتغالي، عملاقاً أدبياً في مسقط رأسه وخارجه.

على مدار أكثر من 30 رواية ومجموعة من الكتابات الأخرى، رصد أنتونيس ببراعة خروج البرتغال المتعثر من حقبة الديكتاتورية الخانقة للدكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، التي امتدت من عام 1932 إلى 1968، وما تلاها من حروب استعمارية فاشلة في أفريقيا.

غلاف «ذاكرة الفيل»

وسمح له نهجه التجريبي الجريء في صياغة الشكل الروائي بتجاوز هويته ككاتب «صعب المراس» قادم من دولة أوروبية ثانوية غالباً ما يتم التغافل عنها. وكان اسمه حاضراً بقوة في القوائم القصيرة للعديد من النقاد المرشحين لنيل جائزة «نوبل للآداب»، بل رأى البعض أنه كان يستحقها أكثر من مواطنه البرتغالي خوسيه ساراماغو، الذي فاز بها عام 1998، فيما ذكر أصدقاؤه أنه كان يشعر بشيء من المرارة لعدم نيله الجائزة.

وقد حققت روايته «ذاكرة الفيل» الصادرة عام 1979 شهرة واسعة بين عشية وضحاها، وهي رواية تمحورت حول تجاربه كطبيب عسكري في حرب بلاده في أنغولا. أما روايته الصادرة عام 1983 بعنوان «فادو ألكساندرينو»، فقد سردت الاعترافات المؤلمة لأربعة من المحاربين القدامى في حروب البرتغال الاستعمارية، وهي ذات نسيج سردي متماسك بفضل الحيوية المتوقدة لصورها البلاغية الآسرة.

غلاف «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء»

واستخدم أنتونيس تقنيات مماثلة في روايات كبرى أخرى، مثل «دليل المحققين» الصادرة عام 1996، التي ركزت على سيرة وزير وحشي سابق في عهد ديكتاتورية سالازار؛ أما روايته الصادرة عام 2001 بعنوان «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟»، فقد صورت الرحلات الذهنية المضطربة لابن إحدى الشخصيات الاستعراضية في لشبونة.

بيد أن بعض النقاد لم يقتنعوا تماماً بأساليب أنتونيس، فقد كتب دوايت غارنر في صحيفة «نيويورك تايمز» أنه على الرغم من أن أسلوب «تيار الوعي» لدى المؤلف قد يكون «رائعاً» في بعض الأحيان، فإن رواية «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟» كانت تجربة مضنية للغاية، وأضاف: «أفضل خلع أظفر إصبع قدمي بكماشة صدئة على أن أسير عبر صفحاتها الـ585 المرهقة مرة أخرى». كما كتب ناقد آخر في الصحيفة، وهو ريتشارد إيدر، أن لجنة «نوبل» اتخذت القرار الصحيح باختيار السيد ساراماغو وتفضيله على أنتونيس.

غلاف «دليل المحققين»

ومن وجهة نظر أنتونيس، فإن غياب الحبكة الواضحة هو الأقرب للطريقة التي «يعيش» بها الناس حياتهم فعلياً في الواقع. إذ قال لماريا لويزا بلانكو، التي نشرت كتاباً من الحوارات معه عام 2001: «لا أريد من الناس أن (يقرأوا) رواياتي قراءة عابرة فحسب، وإنما أريدهم أن يعايشوها ويتفاعلوا معها، وأن (يُصابوا بها) كما يُصاب المرء بالمرض».

ينتمي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي ولد في لشبونة في الأول من سبتمبر (أيلول) لعام 1942، إلى الفئة البرجوازية العليا في لشبونة، لكن يصف طفولته بأنها كانت «محمية للغاية، وشبه قبلية». والده هو جواو ألفريدو دي فيغيريدو لوبو أنتونيس، طبيب أعصاب وأستاذ جامعي، ووالدته هي ماريا مارغاريدا ماتشادو دي ألميدا ليما. كان أنطونيو الأكبر بين ستة أشقاء، برز عدد منهم كأطباء مرموقين، بينما شغل شقيقه الأصغر «مانويل» منصب سفير البرتغال لدى المملكة المتحدة.

كانت تنشئة أنتونيس تتسم بشيء من المحافظة والتكلف في أوساط النخبة البرجوازية العليا، وكانت مدينته لشبونة، المتلاشية والكئيبة المطلة على البحر، التي قضى فيها حياته كلها، تظهر غالباً كخلفية مهيمنة في أعماله. فقد كتب في رواية «فادو ألكساندرينو»: «في الخارج، في الشارع، كانت أمطار مارس (آذار) المنسابة من الليلة السابقة تترنح منسالة على الواجهات المتهالكة مثل مكياج امرأة عجوز باكية».

وعلى الرغم من ثقافة والديه الواسعة، فإنهما حافظا على مسافة عاطفية من أبنائهما الستة، فقد وصف علاقته بوالدته في مقابلة مع صحيفة «لوموند» عام 2005 بأنها كانت «علاقة رسمية للغاية». كما كان أنطونيو الشاب يخضع لاختبارات أسبوعية حول القراءات المفضلة لوالده. وفي تلك الأثناء، كانت الديكتاتورية السلطوية تخنق المجتمع البرتغالي، علماً بأن والد أنتونيس كان أحد أطباء سالازار الشخصيين، وتقمع أي معارضة تجاه الحروب الاستعمارية البرتغالية.

يقول أنتونيس لمجلة «باريس ريفيو» في عام 2011 (كانون الثاني): «في نشأتي، كان من الطبيعي ألا تملك جواز سفر، وألا تتحدث في السياسة، وألا تستخدم حتى كلمة ديمقراطية. وأتذكر أنني سألت والدي ذات مرة وأنا صبي: ما هي الديمقراطية؟ فأجابني: اصمت وكُل».

ومع تقدمه في العمر، توترت علاقته بوالده، فعندما نشر أنتونيس روايته الأولى، قال له والده: «يمكن للمرء أن يدرك أن هذا عمل مبتدئ». وذكر المؤلف لصحيفة «لوموند»: «بعد ذلك، لم نتحدث عن أعمالي الأدبية مرة أخرى، رغم أنه أخبر أحد إخوتي بعد سنوات طويلة بأنه معجب بي».

وصف أنتونيس الحرب في أنغولا بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يصفّون بلامبالاة المتمردين الأسرى ويغتصبون الأفارقة

بدأ أنتونيس دراسته للطب في جامعة لشبونة عام 1959، وتخرج طبيباً قبل أن يبدأ خدمته العسكرية عام 1970. وفي العام نفسه، تزوج من ماريا خوسيه زافيير دا فونسيكا إي كوستا، وأنجب منها ابنتين: «ماريا» و«جوانا». ثم تزوج لاحقاً من ماريا جواو إسبيريتو سانتو بوستورف سيلفا، وأنجب منها ابنته الثالثة «ماريا إيزابيل». وبعد طلاقه الثاني، تزوج للمرة الثالثة في عام 2010 من كريستينا فيريرا دي ألميدا.

وفي عام 1973، عاد من أنغولا ليمارس الطب النفسي في مستشفى «ميغيل بومباردا» في لشبونة، وكان يكتب رواياته ليلاً. ومنذ البداية، كانت تجربة الحرب في أنغولا، والندوب التي خلفتها في نفسه، هي الدافع المحوري لأغلب أعماله.

كان يصف الحرب في رواياته بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يشهرون مسدساتهم بلا مبالاة لتصفية المتمردين الأسرى، ويغتصبون الأفارقة تحت تهديد السلاح، في مأساة لم تترك وراءها سوى اليأس. أما أطفال الحرب في قصصه، فقد كانوا مشوهين بالقصور العقلي، وعاجزين عن التأقلم مع ما يُفترض أنه حياة عادية بعد عودتهم إلى البرتغال.

يستذكر في حواره مع مجلة «باريس ريفيو» تجربته في أنغولا قائلاً: «كل ما أردته هو العودة حياً. أتذكر أننا كنا نحتفظ بتقاويم ونشطب على كل يوم نبقى فيه على قيد الحياة! لقد تحدثتُ مع أشخاص شاركوا في حرب فيتنام وحرب الجزائر، وفهمتهم تماماً».

وتناولت كتبه الثلاثة الأولى معاناة قدامى المحاربين الذين تطاردهم الأشباح، وظلت الحرب وسمة بادية للغاية ولازمة في كل رواياته اللاحقة. وكان من بين آخر أعماله المنشورة رواية «حتى تصبح الحجارة أخف من الماء» (2016)، التي استكشفت بأسلوب نثري تجريبي الهزات الارتدادية الناجمة عن حرب أنغولا.

وبوصفه كاتباً مارس الطب النفسي، أراد أن تعكس كتاباته تقلبات العقل البشري، إذ أوضح للناقدة رافائيل ريرول في صحيفة «لوموند» عام 2005، أن ما كان يحاول فعله هو «وضع نفسي في حالة قريبة من الحلم، حتى تخُفف من قسوة الرقابة الداخلية المعتملة في ذهني».

وأوضح أن تلك «الرقابة» هي التي «تحول بيننا وبين التفكير بطريقة غير ديكارتية»، مُبيّنا إيمانه بعدم خطية الإدراك البشري. وكتب الكاتب الفرنسي هادي قدور في صحيفة «لوموند» أن التخلص من هذه القيود سمح لأنتونيس بـ«إدراك العالم على حاله، قبل أن ننسقه وفق فئاتنا الاجتماعية كي ندركه»، مقارناً إياه بمارسيل بروست وفيرجينيا وولف.

وفي معرض تلخيصه لمفهومه عن الرواية، قال أنتونيس بأنها: «هذيان مُنظم».

* خدمة «نيويورك تايمز»


يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان
TT

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

عن دار «منشورات الربيع» بالقاهرة صدرت رواية «المساكنة الملعونة» للكاتبة السورية سوسن جميل حسن، وهي نص لفت الأنظار مؤخراً بسبب موضوعه المختلف الذي يختلط فيه جمال الإبداع بقسوة المحتوى؛ إذ تتناول المؤلفة تجربتها الشخصية مع مرض سرطان المخ الذي داهمها العام الماضي على نحو مفاجئ، حين كشفت الفحوصات عن ورم بحجم كبير وفي مرحلة متأخرة.

خضعت الكاتبة التي تقيم بالعاصمة الألمانية برلين إلى أكثر من جراحة عاجلة لإزالة الورم، لكنها سرعان ما أمسكت بجهاز «اللابتوب» وهي على الفراش لتبدأ في طرح تأملات وانفعالات في الموت والحياة عبر نص ينتمي إلى أدب السيرة الذاتية وكتابة اليوميات، على نحو يفيض عذوبة وشجناً بكلمات شديدة الصدق والواقعية.

ما زاد من عمق التجربة أن سوسن هي بالأصل طبيبة، وسبق أن عملت لسنوات طويلة ضمن منظومة وزارة الصحة السورية، تخصص أمراض الباطنة، قبل أن تغادر البلاد إلى ألمانيا بعد حماسها لأحداث ثورة 2011 وتعاطفها مع المتظاهرين عبر مقالات صحافية دأبت على نشرها بانتظام. وتستهل المؤلفة عملها بإهداء لافت إلى أفراد من عائلتها تقول فيه: «إلى ميسون، محمد، لمى، سليم، ريم، لين، لارا، لولا فيض محبتكم التي غمرت روحي ما استطعت الصمود، أحبّكم».

تقول المؤلفة في السطور الأولى من الرواية: «ها أنا في اليوم السادس والسبعين بعد لحظة الحقيقة. كانت تلك اللحظة في السابع والعشرين من آذار/ مارس 2025، يوم رأيت الموت للمرة الأولى في حياتي».

وتضيف: «لم أكن أشعر فيما مضى أن الموت قريب إلى هذا الحد، لكن الواقع قدّم لي الدليل الدامغ: الموت جزء من الحياة، هكذا كان عقلي يرسمه، وأدّعي فلسفة أُقنِع نفسي بها، لكنه عندما حضر وواجهني هازئاً بي، لم تنجدني الفلسفة، ولا ادعاءاتي السابقة كلها».

تكشف الرواية مشاعر البطلة وهي تكتشف إصابتها بسرطان الرئة مع انتقالات إلى الدماغ، وكيف أن تصنيفها من حيث مرحلة المرض هو المرحلة الرابعة، وعندما سألت طبيب الأورام عن العمر المقدر أن تعيشه، قال بكل وضوح إن ربع المرضى مثلها فقط يعيشون لخمس سنوات، فتتساءل: «خمس سنوات؟ وأحلامي؟ ومشاريعي؟ والروايات التي عزمت على تأليفها؟». وتروي المؤلفة كيف كانت مضطربة وتشعر برهبة من دخولها هذا النفق، المسمى بجهاز الرنين المغناطيسي؛ فهي التجربة الأولى لها على الرغم من معرفتها المسبقة به، والتطورات التي وقعت عليه منذ استخدامه لأول مرة في تصوير كامل الجسم عام 1977، لكنها بقيت مضطربة وخائفة. ومن دون محاكمات عقلية حينها وإنما بخيارات عاطفية، قرّرت أن تلجم خوفها، وأن تظهر بصورة المرأة ليست القوية فحسب، بل الجبارة.

كان هذا القناع الذي لبسته منذ أكثر من ثلاثة عقود، عندما تُوفِّي زوجها ووالد ابنتها وابنها، مخلفاً وراءه تركة ثقيلة من الديون والقضايا، حين كانت صبية لم تكمِل 34 سنة، وكان التحدي كبيراً، ولا بد من إظهار القوة عند امرأة «أرملة» في مجتمع ذكوري يعُدّ المرأة «غير المحروسة بذَكَر» جسراً يمكن المرور فوقه من دون إذن، وفق تعبير النص.

وُلدت سوسن جميل حسن في مدينة اللاذقية عام 1957، ودرست الطب البشري في جامعة «تشرين»، وعملت في المشافي التابعة لوزارة الصحة، وتولت مناصب إدارية طبية. صدرت روايتها الأولى «حرير الظلام» في 2009، ثم توالت أعمالها تباعاً: «ألف ليلة في ليلة»، و«النباشون»، و«قميص الليل»، و«خانات الريح»، و«وارثة المفاتيح»، فضلاً عن «اسمي زيزفون» التي وصلت إلى القائمة الطويلة في الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر».


أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية
TT

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

أقدم صور مصر والشام الفوتوغرافية

في أكتوبر (تشرين الأول) 1849 غادر مكسيم دو كامب البالغ من العمر 27 عاماً، وهو صحافي طموح ذو آمال عريضة، مدينة باريس لتصوير مواقع متنوعة عبر شرق البحر المتوسط. وبعد أن شُجِّع رسمياً على استغلال «الدقة التي لا تقبل الجدل» في التصوير الفوتوغرافي الناهض كفن حديث آنذاك، عاد إلى فرنسا بعد عام ونصف العام ومعه أكثر من 200 صورة، اختير منها 125 صورة لتشكل مادة لكتابه «مصر والنوبة وفلسطين وسوريا»، وهو أول كتاب مصور فوتوغرافياً يُنشر في فرنسا.

يتخذ الباحث والمؤرخ في شئون العمارة والفنون التراثية دكتور خالد عزب من تلك الواقعة مدخلاً لكتابه «الشرق بعيون الكاميرا الأولى - أقدم الصور الفوتوغرافية لمصر والشام» الصادر أخيراً عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة والذي يرصد تجارب الرحلات الأولى التي قام بها صحافيون ومغامرون ومستشرقون أخذوا على عاتقهم الاستفادة من نشأة الفوتوغرافيا كأداة لتسجيل وتوثيق ونقل عالم الشرق إلى مواطنيهم وقرائهم في الغرب عبر الكتب والصحف على حد سواء.

قضى مكسيم عشرة أيام في الإسكندرية، ثم ذهب إلى مدينة رشيد واستقل قارباً للقاهرة، حيث مكث من نوفمبر (تشرين الثاني) 1849 حتى فبراير (شباط) 1850 وزار حي «المطرية» والأهرامات، ثم عرج على الصعيد والتقط صوراً لمحافظة بني سويف، حتى وصل إلى معبد «أبوسمبل» وتجول بين أعمدته الشاهقة وكالعادة سجَّل ملاحظاته بكل دقة وفق منهج واضح في الكتابة والتحليل.

أشادت آراء نقدية في الصحف الفرنسية بأعماله المصورة ورأت فيها «معياراً جمالياً للتصوير الوثائقي»، حيث تُقدَّم مطبوعاته الورقية بدرجات ألوان باردة متدرجة، وصفها أحد النقاد بأنها «رمادية زاهية»، كما تتمتع هذه الأعمال بـ«بنطاق مدهش من الألوان الدافئة والعمل اليدوي والتوهج الذي يذكرنا بأصلها المتوسطي». وعلى الرغم من تركيز الكتاب على المعالم الأثرية والأطلال القديمة، فإنه يقدم أيضاً دليلاً على الحضارة الحديثة التي نشأت في العمارة ومشاريع الري والهندسة.

ويتطرق خالد عزب كذلك إلى دي برانجي ورحلته إلى الشرق، معتبراً أننا هنا أمام واحدة من أفضل مجموعات الصور التي التُقطت لمصر والشام في الحقبة الأولى لانتشار التصوير الفوتوغرافي.

ولد جوزيف جيرالد دي برانجي بفرنسا في 2 أكتوبر 1804 لعائلة ثرية وظل طفلاً وحيداً بعد وفاة إخوته، درس الرسم وواصل دراسته في باريس حيث حصل في عام 1828 على دبلوم في الفنون، وكان لديه اهتمام بدراسة الآثار، كما كان له دور مميز في الحفاظ على تراث فرنسا، لكن طغى عليه اهتمامه بالثقافة الإسلامية بشكل خاص، فضلاً عن الهندسة المعمارية والبستنة.

كانت له رحلات عديدة إلى الخارج فزار في الفترة من 1831 إلى 1834 كلاً من إيطاليا والجزائر وإسبانيا وصقلية وسويسرا حيث قدم خلالها رسومات للآثار والمناظر الطبيعية. بعد إقامة دي برانجي في روما، ذهب إلى اليونان ثم القاهرة والإسكندرية، فضلاً عن القدس وبعلبك ودمشق وحلب.

بالنسبة إليه، كانت الصور الفوتوغرافية مجرد أداة في خدمة الرسم ووفرت له نسخاً دقيقة للآثار لتبرز التفاصيل المعمارية الدقيقة، حيث قام بتصنيف لقطاته التي لا تعد ولا تحصى بعناية، وكتب على ظهرها التواريخ والأماكن التي التقطها فيها لكنه لم يفكر في عرضها على الفور، لتنشر فيما بعد تباعاً.