{جنيف 6} تنتهي اليوم بلا نتائج... والمعارضة ترى فيها «تمريراً للوقت»

اجتماعات «تقنية» بعد سحب «ورقة دي ميستورا» من البحث

تلاميذ مدرسة في حي الصاخور شرق حلب يحضرون دورة لـ«يونيسيف» عن كيفية حماية أنفسهم في الحرب (أ.ف.ب)
تلاميذ مدرسة في حي الصاخور شرق حلب يحضرون دورة لـ«يونيسيف» عن كيفية حماية أنفسهم في الحرب (أ.ف.ب)
TT

{جنيف 6} تنتهي اليوم بلا نتائج... والمعارضة ترى فيها «تمريراً للوقت»

تلاميذ مدرسة في حي الصاخور شرق حلب يحضرون دورة لـ«يونيسيف» عن كيفية حماية أنفسهم في الحرب (أ.ف.ب)
تلاميذ مدرسة في حي الصاخور شرق حلب يحضرون دورة لـ«يونيسيف» عن كيفية حماية أنفسهم في الحرب (أ.ف.ب)

عادت المفاوضات السورية في جنيف إلى نقطة الصفر بعدما سحب المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا الورقة التي قدّمها في اليوم الأول والمتعلّقة بـ«الآلية التشاورية» حول المسائل الدستورية والقانونية. وكانت اجتماعات اليوم الثالث التي عقدت أمس في «جنيف» «تقنية» وتكرارا لسابقاتها من دون أن تحمل أي جديد بانتظار التوصل إلى آلية مشتركة جديدة، بحسب ما قال أكثر من مصدر في «الهيئة العليا»، مستبعدين التوصل إلى أي نتائج في نهايتها اليوم.
وبينما أشارت مصادر في «الهيئة» لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المبعوث الدولي أبلغ الوفد أن الموعد المحتمل للجولة المقبلة من المفاوضات ستكون في 20 من شهر رمضان، أعلن دي ميستورا في بيان له أنه كان قد أبلغ في وقت سابق من هذا الأسبوع، طرفي المفاوضات، بأنه يعتزم إقامة عملية تقنية لمعالجة المسائل الدستورية والقانونية في سياق المحادثات فيما بين السوريين. ولفت البيان إلى أنه وبعد أن أخذ المبعوث الخاص في الاعتبار الملاحظات التي تجاوزتها المناقشات والتي أثارتها ورقة داخلية للأمم المتحدة، «اجتمع وفد المعارضة السورية، اليوم (أمس) مع خبراء من مكتب المبعوث الخاص، وهو جزء أولي من عملية عقد اجتماعات للخبراء بشأن المسائل القانونية والدستورية ذات الصلة بالمحادثات فيما بين السوريين».
وأشار البيان إلى أن مجلس الأمن يستمع في جلسة تعقد يوم الاثنين من دي ميستورا حول مباحثاته في جنيف مع الأطراف السورية. وعلمت «الشرق الأوسط»، أن المبعوث الدولي سيحيط المجلس علما بآخر المجريات عن طريق الفيديو وليس شخصيا.
ويوم أمس بحث وفد «الهيئة» في جنيف مع دي ميستورا الآليات الدستورية خلال المرحلة الانتقالية في جلسة عقدت عند الظهر، و«الحكم الانتقالي» في جلسة مسائية، كما التقى وفدا من «الهيئة» نائب وزير الخارجية الروسية غينادي غاتيلوف.
وقال رئيس وفد النظام إلى جنيف بشار الجعفري إن «ورقة دي ميستورا حول الآلية التشاورية على المسائل الدستورية أصبحت وراء ظهرنا»، بينما شدد المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات سالم المسلط، على أن «الشعب السوري لا يريد مناقشة دساتير تكتب له في طهران وموسكو.
وتقترح وثيقة دي ميستورا على تشكيل فريق من الناشطين في المجتمع المدني والتكنوقراط يتم تكليفهم تمهيد الطريق أمام إعداد دستور جديد.، وتنصّ على «آلية تشاورية» تعمل على «رؤى قانونية محددة وكذلك ضمان عدم وجود فراغ دستوري أو قانوني في أي وقت خلال عملية الانتقال السياسي التي يتم التفاوض عليها».
وأوضح رياض نعسان آغا المتحدث باسم الهيئة العليا، لـ«الشرق الأوسط»: «بعد الملاحظات التي وضعناها على الآلية التشاورية التي سبق أن قدّمناها في اليوم الأول، لا سيما حول الغموض التي يكتنفها، وضعت جانبا ولم يتم التطرق إليها، أمس، في الاجتماعات التي عقدت»، وفيما أشار إلى أن دي ميستورا لم يعلن رسميا عن إلغائه لـ«الآلية»، لفت إلى أن جوابه على الملاحظات كان: «إذا أردتم قد نعيد النظر بها».
ورأى آغا أن كل اللقاءات التي عقدت وستعقد في اليوم الأخير من «جنيف» لم ولن تحمل أي جديد أو نتائج، وجميعها تحت عناوين قديمة جديدة، في وقت يحاول المبعوث الدولي التهرّب من البحث جديا في الانتقال السياسي بسبب رفض النظام لهذا الأمر، متسلّحا بفكرة «إن الدستور هو مفتاح الانتقال السياسي»، وأكد آغا: «نحن كنا ولا نزال نطالب ببحث الموضوعين معا، مضيفا: «وكأنه يحاول وضع العربة قبل الحصان، وهذا الأمر إذا بقي كذلك لن يوصل إلى أي نتيجة، ولم يكن هدف دي ميستورا من الدعوة إلى هذه الجولة إلا بهدف الردّ على مؤتمر آستانة الذي تدعمه روسيا والتأكيد على أن مسار جنيف لا يزال مستمرا».
من جهته، قال عضو وفد الهيئة في جنيف، العميد فاتح حسون، إنّ الاجتماعات التي تحمل عنوان «تقنية» لبحث الإعلان الدستوري أو الانتقال السياسي»، لا تعدو كونها تكرارا لتلك التي عقدت في الجولات السابقة ولم تقدم أي جديد في هذه الجولة، مبديا في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، تخوفه من أن يتم الالتفاف مرة جديدة على «الآلية التشاورية» لإعادة طرحها، مضيفا: «لا نزال وكأننا في اليوم الأول من المفاوضات وما يحصل اليوم ليس إلا تمريرا للوقت بانتظار التوصل إلى آلية جديدة، مع حرصنا على طرح المواضيع الأساسية والأولوية بالنسبة إلينا وهي تلك المتعلقة بملف المعتقلين والسلاح الكيماوي وخطة التغيير الديموغرافي التي يعتمدها النظام».
وقال الجعفري، في مؤتمر صحافي عقده أمس في جنيف: «توصلنا إلى اتفاق بدأ بموجبه لقاء غير رسمي بخبراء من جهتنا ومن جهة الأمم المتحدة حول الدستور، واتفقنا على تسميته اجتماع الخبراء الدستوريين، وهدفه فقط الاتفاق على المبادئ الدستورية العامة». وأوضح: «طرحنا على المبعوث الأممي اجتماع الخبراء كبديل عن الآلية التشاورية التي رفضناها لأسباب كثيرة»، مشيرا إلى أن «الغرض من هذا الاجتماع هو بحث ورقة المبادئ الأساسية التي تتضمن في بنودها نقاطا مناسبة تصلح كمبادئ دستورية».
ولفت الجعفري إلى «لم تتم بعد مناقشة أي سلة مع دي ميستورا»، مؤكدا في الوقت ذاته على «إن مسألة مشاركة دمشق في الاجتماعات حول الدستور لا علاقة لها بموضوع الحكومة الانتقالية في سوريا».
من جهته، قال سالم المسلط، إن «الجولة الحالية تمتد لمدة 4 أيام، وهذه مدة قصيرة ولا تكفي لمراجعة كاملة لورقة مثل هذه تتعلق بالدستور، تحتاج لمزيد من الشرح والتفسير». ورأى أن «بحث دستور دائم لسوريا له مكان آخر غير جنيف ونحن لا نريد ولا نقبل باتفاق يتم تحت مظلة إيران وروسيا». وطالب المسلط بـ«جولات متواصلة لمفاوضات جنيف، كأن تجري 4 جولات خلال شهرين، تكون كل جولة منها على مدى 15 يوماً، لبحث ملف من الملفات الأربعة».
ونوه إلى أنه «لو أنجزت (هيئة الحكم الانتقالي)، فإن ذلك سيشجع الجميع لبحث كل الملفات المتعلقة بالدستور والانتخابات ومكافحة الإرهاب (...) نحن نريد أن ننجز تشكيل هيئة الحكم الانتقالي بصلاحيات كاملة دون وجود الأسد، لا في المرحلة الانتقالية ولا في مستقبل سوريا».
* رد الهيئة العليا التفاوضية على «الآلية التشاورية»
في ردّها على «الآلية التشاورية» بعد دراستها وضعت الهيئة ملاحظات من ثماني نقاط أساسية وقدّمتها إلى دي ميستورا، مؤكدة فيها على التزامها بـ«العملية السياسية التي دعت إليها الأمم المتحدة بهدف التنفيذ الكامل لبيان جنيف 30 يونيو (حزيران) 2012، والذي أيده قرار مجلس الأمن 2118 لعام 2013، وذلك وفقاً لما ورد في الفقرة 1 من قرار مجلس الأمن 2254 لعام 2015».
كذلك ذكّرت الهيئة «بالفقرة الثانية من قرار مجلس الأمن 2254. والذي دعا الأمين العام ومبعوثه الدولي الخاص إلى سوريا بدعوة ممثلي المعارضة والنظام إلى الدخول في مفاوضات رسمية بشأن عملية انتقال سياسي عملاً ببيان جنيف».
وذكّرت «الهيئة العليا» في بيانها بأن «الفقرة الرابعة من قرار مجلس الأمن 2254 قد نصت بشكل واضح على خريطة طريق وآليات عمل لتنفيذ بيان جنيف، خلال جدول زمني محدد، وضمن تراتبية محددة». ولذا فإن «نقطة البداية كما نص عليها قرار مجلس الأمن 2254 وقرار مجلس الأمن 2118، هي في تشكيل هيئة الحكم الانتقالي التي تمارس كافة الصلاحيات التنفيذية في الدولة».
وأكّد بيان «الهيئة العليا» على أن من أولويات السياسة الآن الوقف الفوري لهذه الجرائم التي يرتكبها النظام والإسراع بتقديم مرتكبيها إلى المحاكمة، طبقاً لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة»، مشددا على أهمية تنفيذ الفقرات 12 و13 و14 من قرار مجلس الأمن 2254 باعتبارها التزامات قانونية مفروضة غير قابلة للتفاوض»، ودعا إلى «تفعيل الآليات القانونية المتضمنة في قرارات مجلس الأمن من أجل حماية السوريين من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها قوات النظام وحلفائها من القوات الطائفية التابعة لإيران وقوات الحرس الثوري الإيراني والقوات التابعة للاتحاد الروسي».



«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.


صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
TT

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

وسط العزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية، تتزايد أحداث العنف التي تعكس حدوث تحوّلات عميقة في علاقتها بالمكونات المجتمعية وقدرتها على فرض الهيمنة، وعجزها عن إدارة الخلافات الداخلية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم على النفوذ والموارد، في ظل غياب آليات مستقرة لضبط هذا التنافس، مع اتساع رقعة الاستياء الشعبي وعدم الثقة في المؤسسات الخاضعة للجماعة.

وفي إحدى أحدث وقائع الفوضى الأمنية وأخطرها، تحوّل مقر إدارة أمن مديرية جبل رأس، جنوب محافظة الحديدة (غرب)، الثلاثاء الماضي، إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قيادات من داخل الجماعة نفسها، في مواجهة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وسط أحياء سكنية مكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن توتراً متصاعداً بين القيادي محمد عباس القحيف المعين من قبل الجماعة مديراً لأمن المديرية، والقيادي الميداني أبو بشار حبيب مطلق، تحول إلى مواجهة مباشرة بالأسلحة الرشاشة داخل المقر الأمني، أسفرت عن إصابة عددٍ من العناصر من الجانبين، بالإضافة إلى إصابة مدني، حالته حرجة، بفعل انتقال الاشتباكات إلى الخارج.

وشهدت الأسابيع الماضية مقتل عددٍ من القادة الأمنيين والميدانيين الحوثيين في محافظات الجوف والمحويت وصنعاء والبيضاء.

الحوثيون يستغلون التصعيد الإقليمي للتغطية على سوء المعيشة وتردي الخدمات (رويترز)

ويرى صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن هذه الصراعات «ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وتكراراً»، نتيجة تراكم شبكات نفوذ تشكّلت خلال سنوات الحرب، أعادت توزيع مراكز القوة داخل الجماعة، وأضعفت أدوار قوى قبلية واجتماعية كانت شريكة أو مستفيدة في مراحل سابقة.

ويشير صلاح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً لافتاً، يتمثل في انتقال التوترات من أطراف المشهد إلى داخل بنية الجماعة نفسها، مع بروز خلافات بين القيادات والمشرفين، مدفوعة بالتنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات، وهي خلافات لم تعد قابلة للاحتواء إلا عبر تدخلات مباشرة من القيادة العليا.

وتعددت خلال الأيام الماضية وقائع العنف المرتبطة بالخلافات الشخصية وانتشار السلاح بين قيادات حوثية وسكان في عدد من المحافظات، ففي صنعاء قُتِل الشيخ القبلي عبد الرزاق العذري، على يد شقيقه محمد، وهو مسلح تابع للجماعة، بعد خلاف على قطعة أرض في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة.

تجيير الأمن والقضاء

في سياق هذا الانفلات الأمني، قُتل شيخ قبلي آخر في منطقة قيفة في مديرية رداع التابعة لمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، وشخص آخر في مركز المديرية.

وحسب المصادر المحلية، فإن الشيخ محمد الربيحي قُتل في كمين مسلح نصبه مجهولون، بينما سقط رجل مسن ينتمي إلى محافظة إب، خلال وجوده في مدينة رداع، برصاص مسلحين قبليين، دون الكشف عن ملابسات الواقعة.

وتعدّ مديرية رداع في البيضاء مسرحاً مفتوحاً لانفلات أمني من جهة، ومواجهة بين السكان والجماعة الحوثية من جهة أخرى.

باحثون يرجحون أن انشغال الحوثيين بالتصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع سيطرتهم الداخلية (غيتي)

وتعتزم قبائل قيفة اتخاذ مواقف تصعيدية رافضة لقرار قضائي من محكمة تابعة للجماعة بإعدام 11 شخصاً من أبنائها، على خلفية نزاع قبلي سابق مع قبائل سنحان في محافظة صنعاء.

ومنذ أشهر تطور نزاع على أرض بين أحد شيوخ المنطقة وقيادي حوثي في مديرية سنحان، إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخصين من كل طرف، ورغم تدخل وساطة لتهدئة الموقف واحتجاز أشخاص من الجانبين رهائن لضمان التسوية، فوجئت قبائل قيفة بصدور قرارات إعدام جماعية دون علمها بحدوث أي إجراءات قضائية.

ووفقاً لما أوردته مصادر محلية فإن أبناء قيفة يتهمون القيادي الحوثي يحيى الرزامي، بالوقوف خلف القرار القضائي والانحياز لصالح قبائل سنحان، سعياً إلى إذلالهم بسبب مواقفهم المناهضة لنفوذ الجماعة وممارساتها.

وكانت المديرية شهدت، الشهر الماضي، مقتل ملاطف الجاكي، المكنى أبو حامد، أحد أبرز القيادات العقائدية للجماعة الحوثية التي اعترفت بالواقعة، دون أن تقدم أي تفاصيل عنها أو من يقف خلفها، مكتفية بتشييعه في صنعاء، بحضور عدد من القيادات المتوسطة والميدانية.

ويرجح المحلل في الشأن اليمني باسم منصور أن يكون للعزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية دور في فقدانها القدرة على إدارة الخلافات الداخلية أو السيطرة على أحداث العنف، ففي حين تنشغل القيادات العليا بالتطورات العسكرية والأمنية المحلية والإقليمية، تلجأ القيادات الميدانية إلى التصرف برعونة في مواجهة الاستياء الشعبي أو في إدارة المشهد الأمني.

ويوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن القيادات العليا مضطرة للاختفاء وتأمين نفسها خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، في حين يجد المشرفون والقادة الميدانيون أنفسهم في مواجهة غضب الشارع وسط مخاوفهم من انهيار سيطرة الجماعة.

غضب معكوس

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث العنف لحل الخلافات الشخصية، في مختلف مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط غياب الأجهزة الأمنية الحوثية وتدخلها المتأخر، في حين يشكو السكان من بطء إجراءات الأجهزة القضائية وفسادها وعدم قدرتها على حل النزاعات.

ويذهب باحث في الإعلام والسياسة، يقيم في صنعاء، إلى أن الظروف المعيشية المعقدة وتردي الخدمات في مناطق سيطرة الجماعة تسببت في وقوع السكان تحت ضغوط نفسية كبيرة تدفعهم إلى التهور في تصرفاتهم وحل خلافاتهم.

صعوبة العيش في مناطق سيطرة الحوثيين تدفع إلى مزيد من الفوضى الأمنية (غيتي)

ويبين الباحث، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أن غضب السكان يتزايد يومياً بفعل ممارسات الجماعة الحوثية وإجراءاتها التي أدت إلى مفاقمة معاناتهم، إلا أن هذا الغضب ينفجر في الخلافات الشخصية، ويتطور إلى عنف لا محدود.

ولم تعد الأجهزة الأمنية أداة لفرض النظام، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات كما حدث في مديرية جبل رأس، بينما تفقد المؤسسات القضائية ثقة السكان، وتتحول إلى خصم لهم ما يتيح المزيد من الانفلات في بيئة يسودها انتشار السلاح وغياب الردع، وتآكل دور المؤسسات القضائية والأمنية.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، عالقين بين صراعات الأجنحة الحوثية في الأعلى، وفوضى السلاح في الميدان، دون أفق واضح لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.