قطاعا النفط والبنوك في مصر أكثر المستفيدين من الإصلاحات الاقتصادية

3 أسئلة تطرح نفسها بعد حل أزمة النقد الأجنبي

مع الاكتشافات الأخيرة التي كان أهمها حقل ظهر من المتوقع أن توفر مصر مليارات الدولارات (رويترز)
مع الاكتشافات الأخيرة التي كان أهمها حقل ظهر من المتوقع أن توفر مصر مليارات الدولارات (رويترز)
TT

قطاعا النفط والبنوك في مصر أكثر المستفيدين من الإصلاحات الاقتصادية

مع الاكتشافات الأخيرة التي كان أهمها حقل ظهر من المتوقع أن توفر مصر مليارات الدولارات (رويترز)
مع الاكتشافات الأخيرة التي كان أهمها حقل ظهر من المتوقع أن توفر مصر مليارات الدولارات (رويترز)

برز قطاعا النفط والبنوك في مصر، بالتزامن مع برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي طبقته البلاد منذ عام 2014، والذي تجلى في قرار تعويم الجنيه، نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي؛ مما وضعهما في صدارة الاقتصاد الذي يعاني منذ سنوات.
ورغم إن بعض القطاعات الأخرى، تشهد نمواً أيضاً، مثل العقارات، فإن وتيرة النمو تباطأت، بسبب برنامج الإصلاحات الذي ضرب الاستهلاك في مقتل، بعد ارتفاع معدلات التضخم فوق 30 في المائة، نتيجة تعويم العملة؛ مما قلل حجم مبيعات الوحدات السكنية وإن زادت إيراداتها لارتفاع سعرها؛ ففقد قطاع العقارات صفة «الملاذ الآمن» في الوقت الحالي.
ورغم أن انخفاض الاستهلاك، ليس هدفاً من أهداف برنامج الإصلاح؛ إذ إنه المساهم الأول في معدل النمو الاقتصادي على مدار السنوات الماضية، فإن الحكومة المصرية رأت أن تراجع معدلات الاستهلاك في بلد يتخطى تعداد سكانه 90 مليونا، أعطى الفرصة للاستثمار الأجنبي في أدوات الدين لتصدر أسباب النمو في الربع الأول من العام المالي الحالي. يبدأ العام المالي في مصر أول يونيو (حزيران) وينتهي في آخر يونيو.
ومع كثرة التحديات الاقتصادية في مصر، تشابكت الأزمات؛ الأمر الذي يتطلب حلولا غير تقليدية، أما وإن مصر لجأت إلى حل من داخل الصندوق «النقد الدولي» لحل أزمة الاحتياطي النقدي الأجنبي، وتحسن التصنيف الائتماني سريعا، طالب الصندوق بدوره بتعويم الجنيه، لحل أزمة الدولار، فظهرت بالتبعية أزمة التضخم، ثم تراجع الاستهلاك. (واصل معدل التضخم الارتفاع وبلغ معدله السنوي نهاية أبريل (نيسان) 32.9 في المائة).
* أزمة النقد الأجنبي و3 أسئلة تتبعها
مؤخراً صرح محافظ البنك المركزي المصري طارق عامر، بأن أزمة النقد الأجنبي تم حلها: «رغم كل التحديات؛ فإن الوضع النقدي في مصر في تحسن، واستطعنا أن نحل مشكلة النقد الأجنبي». مضيفاً: «لدينا الآن 8 مليارات دولار من تدفق أكبر الصناديق العالمية».
وقال عامر: إن احتياطي النقد الأجنبي أصبح مطمئنا: «حققنا خلال الفترة الأخيرة سبعة أشهر واردات بعد أن كنا نحقق ثلاثة أشهر».
وحل أزمة النقد الأجنبي، يقود المستثمرين والأنظار إلى أزمة كبرى وهي مناخ الاستثمار، وجاهزيته لاستقبال استثمارات أجنبية مباشرة.
ثلاثة أسئلة تطرح نفسها حالياً، مع اقتراب حل أزمة النقد الأجنبي، بحسب تصريحات عامر، هل المناخ الاقتصادي في البلاد جاهز لاستقبال الاستثمار الأجنبي المباشر؟ وهل الاحتياطي النقدي آمن مقارنة بمستوى الدين العام؟ وهل تشجيع الاستثمار يتطلب الضغط على الفقراء؟
وبالتزامن مع العمل على تهيئة المناخ الاستثماري، من وجهة نظر الإدارة المصرية، للإجابة عن هذه الأسئلة، أو بالأحرى الأزمات، لا يخفى على أحد أهمية الوقت؛ إذ إنه يعتبر العامل الرئيسي في تقييم المرحلة برمتها، وهو الفيصل بين استمرار صبر المواطن على تحمل الضغوط أو رفضه لنتائج معادلة برنامج الإصلاح برمته.
وفي الأسبوع الأول من الشهر الحالي، وافق مجلس النواب (البرلمان) المصري بشكل نهائي على مشروع قانون بإصدار قانون الاستثمار. ويهدف المشروع إلى مواكبة التطورات العالمية، وتوفير مزيد من الضمانات لجذب الاستثمارات الملائمة للمرحلة الحالية، والتصدي للمعوقات الإجرائية للاستثمار باعتبارها أهم التحديات التي تواجه الاستثمار.
وارتفعت الاستثمارات الأجنبية في الأوراق المالية الحكومية في مصر إلى 103.6 مليار جنيه مصري (5.74 مليار دولار) منذ تعويم العملة، في الثالث من نوفمبر وحتى التاسع من مايو (أيار). بحسب رئيس قطاع الدين العام بوزارة المالية سامي خلاف.
وتوقعت سارة سعادة، محلل أول الاقتصاد الكلي بإدارة البحوث بشركة «إتش سي» لتداول الأوراق المالية، أن يدخل عدد من الإصلاحات المالية حيز التنفيذ خلال الشهرين المقبلين، منها زيادة معدل ضريبة القيمة المضافة إلى 14 في المائة من 13 حالياً، والرفع الجزئي المحتمل لدعم الكهرباء والوقود، وهي «إجراءات ذات طابع تضخمي وانكماشي على حد سواء. الأمر الذي نعتقد أنه قد يعوق استقرار الأسعار ويسهم في تباطؤ النمو».
وأضافت، أنه في ظل ارتفاع أسعار الفائدة في الوقت الحالي، وتباطؤ التضخم الشهري، وتوقعنا لارتفاع التضخم في يوليو (تموز)، نعتقد أن لجنة السياسة النقدية من المرجح أن تبقي أسعار الفائدة عند المستوى نفسه في اجتماعها القادم (الأحد المقبل). ونعتقد أيضاً أن «المركزي» «قد يرفع معدلات الفائدة مع الأخذ بتدابير مالية إضافية وقائيا تحسبا للضغوط التضخمية».
* قطاع النفط
قد يعوض قطاع النفط وتحديداً الغاز، فاتورة البلاد التي دفعتها من برنامج الإصلاح الاقتصادي، إذا أحسن استثماره، فمع الاكتشافات الأخيرة التي كان أهمها حقل ظهر (يبلغ حجم احتياطي الغاز به نحو 30 تريليون قدم مكعبة) الذي من المتوقع أن يدخل الخدمة رسمياً نهاية العام الحالي، سيوفر مليارات الدولارات لمصر.
وتوقع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أن توفر حقول الغاز التي تم اكتشافها مؤخراً، نحو 3.6 مليار دولار سنوياً مع بدء الإنتاج. ومع تسريع الإنتاج من الحقول الجديدة المكتشفة، ستعود مصر لمصدر للغاز بدلاً من مستورد صاف حالياً، وهو ما يتوقعه البعض بحلول عام 2019.
تشمل حقول الغاز التي أشار إليها السيسي في تصريحات صحافية الأربعاء، حقولا في غرب وشرق الدلتا والمرحلة الثانية من حقل ظهر.
ويبلغ إجمالي إنتاج مصر من الغاز 4.45 مليار قدم مكعب يوميا. لكنها تهدف إلى زيادة الإنتاج إلى 5.35 مليار قدم مكعب في العام 2018-2017 وفي العام 2019-2018 إلى نحو 5.9 مليار قدم مكعب.
وفي إطار اهتمام مصر بقطاع النفط والغاز، تخطط شركات نفطية كبرى، لزيادة استثماراتها في مصر متوقعة اكتشاف مزيد من النفط والغاز بعدما وضع كشف «إيني» لحقل الغاز العملاق ظُهر المياه المصرية في البحر المتوسط في دائرة الاهتمام.
وأول من أمس قالت شركة روسنفت، أكبر منتج للنفط في روسيا، إنها وقعت اتفاقا مع شركة الطاقة الإيطالية إيني لتوسيع التعاون بينهما، بما قد يشمل التعاون في تزويد مصر بإمدادات منتجات نفطية مشتركة.
وقالت «روسنفت»: إن الاتفاق ينص على توسيع التعاون في إنتاج وتكرير وتسويق وتجارة النفط والغاز، ويشمل ذلك حقل ظُهر البحري المصري الذي تسيطر «إيني» على 50 في المائة منه، في حين تصل حصة «روسنفت» إلى35 في المائة و«بي.بي» إلى 15 في المائة.
من جانبها، تتطلع الحكومة لجذب المستثمرين الأجانب في إطار سعيها لتحويل مصر إلى مركز لتجارة الغاز في منطقة البحر المتوسط. وفي 11 مايو الحالي، أجرت مصر محادثات مع موردي الغاز الطبيعي المسال لتأجيل شحنات متعاقد عليها لهذا العام، تهدف لخفض المشتريات في 2018 مع ارتفاع كبير في إنتاج الغاز المحلي، وهو ما قلص الطلب على الغاز المستورد الأعلى تكلفة. بحسب وكالة «رويترز».
ومصر ثامن أكبر مستورد في العالم للغاز الطبيعي المسال. وخفضت «إيجاس» خطط مشتريات الغاز الطبيعي المسال لعام 2018 من 70 شحنة إلى 30 شحنة، بحسب ما نقلت «رويترز» عن مصدر مصري في القطاع، في إشارة إلى انسحاب أحد المستوردين الأسرع نموا للغاز الطبيعي المسال من الساحة العالمية.
وبدأت الاختبارات التي تجريها «بي.بي» في غرب الدلتا مبكرة عن موعدها. وبدأ الإنتاج من حقلين لـ«بي.بي» في مشروع شمال الإسكندرية بغرب الدلتا وهما تورس وليبرا قبل الموعد المحدد بثمانية أشهر. وحقل نورس الذي دشنه السيسي مؤخراً، ينتج 900 مليون قدم مكعبة من الغاز يوميا ليصبح بذلك أكبر حقل منتج للغاز في مصر منذ بداية تشغيله في أواخر 2015.
وتبلغ ديون مصر المستحقة لشركات النفط والغاز العالمية نحو 3.5 مليار دولار. وقال محافظ البنك المركزي المصري، طارق عامر، الثلاثاء: إن مصر ستسدد 750 مليون دولار من مديونيات الشركات الأجنبية في أول يونيو.
ومن المنتظر أن يقفز الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي المسال بنحو الثلث ليصل إلى 452 مليون طن بحلول 2020.
* قطاع البنوك
حققت معظم البنوك المصرية نتائج أعمال جيدة، خلال الربع الأول من العام الحالي، إثر قرار التعويم على حجم أعمالها، فزادت تحويلات المصريين العاملين في الخارج، وربحت البنوك من فروق بيع وشراء العملة الأجنبية، إضافة إلى ارتفاع أسعار الفائدة.
وبحسب محافظ البنك المركزي المصري طارق عامر، فإن السوق المصرية استطاعت جذب 45 مليار دولار إلى البنك المركزي والجهاز المصرفي في ستة أشهر، مضيفا أن الإجراءات النقدية التي تم اتخاذها مؤخرا كانت تعني في المقام الأول تنمية البلاد وليس النظر إلى الأسعار.
وأكد محافظ البنك المركزي، أن الجهاز المصرفي استحوذ بشكل كبير على سوق النقد المصرفية، بفضل تحويلات المصريين التي أصبحت تتدفق من الخارج؛ مما مكن القطاع الاقتصادي من العمل بأسلوب علمي، مشددا على أن هناك استقرارا في السوق المصرفية وكل مؤشرات الأداء جيدة بسبب تدفقات النقد الأجنبي.
وأوضح، أن الواردات انخفضت من 4.3 مليار دولار إلى 3.8 مليار دولار بنسبة 16 في المائة في مارس (آذار) الماضي، مؤكداً أن الإصلاح الاقتصادي كان له مردود إيجابي على السياسة النقدية.
كما أكد محافظ «المركزي»، أن البنك سيلغي «قريبا» سقف المائة ألف دولار المفروض على تحويلات الأفراد، وقال إن «القيود الخاصة بالأفراد ببند المائة ألف دولار سيتم إلغاؤها قريبا... لسنا في حاجة إلى قيود على تداول النقد الأجنبي الآن».
من جانبه، قال فرنسوا إدوار دريون، العضو المنتدب ورئيس مجلس إدارة بنك كريدي أجريكول مصر، لـ«الشرق الأوسط»: «إن المناخ الاستثماري في مصر حالياً مشجع للغاية؛ لما له من إمكانات ومزايا ظهرت بوضوح بعد تعويم العملة».
وأشار دريون إلى القفزة في الأرباح التي حققها البنك خلال الربع الأول من العام الحالي، التي تفوق 50 في المائة». موضحاً أن «نمو الأنشطة والمساهمة الديناميكية في تمويل التجارة... كانت أهم الأسباب في تلك القفزة». وحقق البنك ارتفاع صافي الأرباح 51.6 في المائة بقيمة 475.1 مليون جنيه، بالمقارنة بالفترة نفسها من عام 2016.
وأضاف دريون، أن البنك أصبح المرجعية الأوروبية للسوق المصرية حالياً، في إطار مرور 10 سنوات علي انطلاق أعمال «كريدي أجريكول في مصر»، ليؤكد المكانة المميزة التي يتمتع بها. «وتعتبر هذه المكانة هي نتيجة خبرات متعددة وطويلة لأكثر من 40 عاما، وهي خبرات البنوك المختلفة التي تطورت واندمجت لتطلق (كريدي أجريكول مصر)، وهي كذلك نتاج لخبرات مجموعة مالية عالمية التي تعد أحد أهم البنوك في أوروبا والأول في فرنسا».
وأشاد نائب رئيس البنك الدولي لـ«الشرق الأوسط» وشمال أفريقيا حافظ غانم، بالإصلاحات الاقتصادية التي تقوم بها الحكومة المصرية، مؤكداً أنها تسير في الطريق الصحيحة، وانعكست بشكل إيجابي على حجم الاحتياطي النقدي من العملة الأجنبية.
وأضاف غانم في مقابلة تلفزيونية على قناة مصرية محلية، أن قرارات الحكومة الإصلاحية كانت شجاعة ولم تكن لتحتمل التأخير، مشيراً إلى أن أولويات مجموعة البنك الدولي في التعاون مع مصر تشمل إصلاح قطاع الطاقة ودعم الموازنة ومشروعات البنية التحتية وتحفيز القطاع الخاص، مع مراعاة العدالة الاجتماعية.
وفي السياق ذاته، قال غانم إنه متفاءل بترتيب مصر في تقرير ممارسة الأعمال للعام الحالي والمقرر صدوره قريبا، وبخاصة أن التقرير سيرصد التحسن في أسعار صرف العملات الأجنبية عقب تحرير سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية في نوفمبر الماضي.



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.