القرصنة... سرطان الإنترنت الخبيث ومراحل تطوره عبر التاريخ

القرصنة الإلكترونية تجتاح العالم (إنديان اكبرس)
القرصنة الإلكترونية تجتاح العالم (إنديان اكبرس)
TT

القرصنة... سرطان الإنترنت الخبيث ومراحل تطوره عبر التاريخ

القرصنة الإلكترونية تجتاح العالم (إنديان اكبرس)
القرصنة الإلكترونية تجتاح العالم (إنديان اكبرس)

يقولون إن السرقات الكبيرة تحدث في وضح النهار. وهذا ما برهنه بالفعل قراصنة «الفدية الخبيثة».
فجأة ومن دون مقدمات، وجدت 99 دولة نفسها تحت رحمة بركان هائج من الهجمات الإلكترونية غير المسبوقة، والتي أثرت على أداء الكثير من المؤسسات والمنظمات الحكومية والخاصة في العالم.
ضرب فيروس «وانا كراي» الناجم عن برنامج «الفدية الخبيثة» الجسم الدولي أجمع، وتفشى فيه كسرطان قاتل.
من روسيا إلى إسبانيا والمكسيك وفيتنام، تضررت عشرات الآلاف من أجهزة الكومبيوتر بالبرنامج الذي يستغل ثغرة في نظام التشغيل «ويندوز». ويعتقد الخبراء أن هذه الثغرة كشفت في وثائق تمت قرصنتها العام الفائت، لوكالة الأمن القومي الأميركية (إن إس إيه).
ويمنع البرنامج المستخدم من فتح ملفاته ويجبره على دفع مبلغ من المال قيمته 300 دولار (275 يورو) لاستعادتها. وتدفع الفدية بالعملة الافتراضية «بيتكوين» التي يصعب تقفي أثرها.
* تحقيقات دولية بالكارثة الإلكترونية
استدعى الحدث الطارئ إعلاناً خطيراً من المكتب الأوروبي لأجهزة الشرطة الأوروبية (يوروبول) الذي أكد أن «الهجوم بمستوى غير مسبوق، وسيتطلب تحقيقاً دولياً معقداً لمعرفة الفاعلين»، بينما ركز وزراء مالية مجموعة السبع خلال اجتماعهم في إيطاليا على مسألة الأمن الإلكتروني ومكافحة القرصنة المعلوماتية.
يبحث المحققون وخبراء المعلوماتية عن آثار القراصنة الذين شنوا الهجمات إلكترونية الخبيثة.
ذكر اليوروبول أنه تم تشكيل فريق في المركز الأوروبي لمكافحة جرائم المعلوماتية «للمساعدة في هذا التحقيق»، موضحا أنه «سيضطلع بدور كبير فيه».
وأكد المسؤول في الشركة المعلوماتية «إف - سيكيور» في فنلندا، ميكو هيبونين، لوكالة الصحافة الفرنسية «انه أكبر هجوم من هذا النوع في التاريخ»، مشيرا إلى «اختراق 130 ألف نظام في مائة بلد في العالم».
أما الشرطة الفرنسية فقد ذكرت أن موجة الهجمات الإلكترونية أصابت «أكثر من 75 ألف» جهاز كومبيوتر في العالم حتى الآن.
شرح لانس كوتريل، المدير العلمي لمجموعة «إنتريبيد» الأميركية التكنولوجية، أنه خلافا للفيروسات العادية، هذا الفيروس ينتقل من كومبيوتر إلى آخر عبر الخوادم المحلية وليس العناوين الإلكترونية. وأكد أن تأثير البرنامج «الخبيث» يمكنه أن يتفاعل مع الحاسوب من دون أن يقوم أحد بفتح رسالة إلكترونية أو النقر على رابط ما.
*أبرز المتضررين
بقي الخبراء متحفظين حيال انتشار الفيروس. فأعلن لوران ماريشال الخبير في الأمن المعلومات في شركة «ماك - افي» لوكالة الصحافة الفرنسية: «لا نعرف حتى الآن ما إذا كان الأمر في انحسار أو في تصاعد».
ويبدو أن القطاع الصحي البريطاني الذي يعمل فيه 1.7 مليون موظف، كان من الضحايا الرئيسيين لهذه القرصنة.
تحدثت وزيرة الداخلية البريطانية امبر راد للبي بي سي قائلة إن «نحو 45 مؤسسة» طبية تأثرت بهذا الهجوم. وقد اضطر بعضها لإلغاء عمليات جراحية أو إرجائها.
واعترفت مجموعة رينو الفرنسية لصناعة السيارات بأنها تأثرت بهذا الهجوم، ولا سيما مصنع داسيا رينو في رومانيا ومصنع ساندرلاند في بريطانيا واليابانية نيسان شريكة رينو.
أعلن البنك المركزي الروسي أن نظامه المصرفي استهدف بالهجوم الإلكتروني وكذلك عدد من الوزارات، موضحا أن القراصنة حاولوا اختراق المنشآت الإلكترونية لشبكة السكك الحديد.
وتأثر بهذه العملية عدد من الشركات مثل مجموعة «فيديكس» الأميركية العملاقة للبريد وشركة الاتصالات الإسبانية «تلفونيكا» التي دعت موظفيها بمكبرات الصوت إلى وقف تشغيل أجهزة الكومبيوتر فورا.
كتب القرصان الإسباني السابق، شيما الونسو، الذي أصبح مسؤولا عن أمن المعلوماتية في «تلفونيكا» الإسبانية، على مدونته قائلا: «على الرغم من الضجة الإعلامية التي أثارها هذا البرنامج للحصول على فدية، لم يكن له تأثير حقيقي، لأنه ظهر على محفظة العملة المستخدمة أن عدد الصفقات ضئيل».
وتابع أن آخر أرقام السبت تشير إلى أن «ستة آلاف دولار فقط» دفعت إلى طالبي الفديات.
دفع هذا المبلغ المتواضع، عمار زنديق، المسؤول في شركة الأمن المعلوماتي «مايند تكنولوجيز» إلى ترجيح كفة هجوم شنه قراصنة أرادوا إثارة ضجة أكثر من جمع أموال.
وفي مبادرة غير معهودة، قررت مايكروسوفت تفعيل تحديث لبعض برامجها لمواجهة هذا الفيروس. ويهاجم هذا الفيروس خصوصا نسخة «ويندوز اكس بي» التي لم تعد «مايكروسوفت» تؤمن متابعتها التقنية. ولم يستهدف نظام التشغيل «ويندوز 10» بالهجوم.
*بطل مجهول أوقف العملية بـ11 دولارا فقط
نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية أن «البطل المجهول» دارين هوس، العامل في شركة الأمن «Proofpoint» استطاع إيقاف عملية القرصنة بـ11 دولارا فقط.
فقام هوس، بالاشتراك مع صاحب حساب «تويتر» «MalwareTechBlog» بشراء اسم النطاق المشفر في كود الفيروس والذي يسمى «iuqerfsodp9ifjaposdfjhgosurijfaewrwergwea.com»، ما أحبط أي محاولة من القراصنة لخرق أي حاسوب أو ملف إلكتروني.
وأكدت «الغارديان» أن هوس وصديقه رصدا بعد ذلك آلاف الطلبات التي ترسل إلى النطاق المسجل في الثانية الواحدة. ونقلت عن هوس قوله: «لم أكن أتصور أن تسجيل اسم النطاق سيوقف البرمجية الخبيثة»، محذرا في الوقت نفسه أنه في حال غير الهاكرز من كود البرمجية فسيستعيد الفيروس القدرة على العمل.
ووفقا لموقع «lenta» الروسي، فإن اسم النطاق المكتشف في نص الكود كان يجب أن يستخدمه الهاكرز في الحالات القصوى.
وكانت شركة «Windows» أصدرت تحديثات خاصة لأنظمة التشغيل حتى تلك التي لم تعد توفر دعما تقنيا لها مثل «Windows XP» و» Windows Server 2003» و» Windows 8»، وذلك للحماية من إصابة الأجهزة بفيروس «WanaCrypt0r 2.0» وهو نفسه «WannaCry» الذي يقوم بتشفير البيانات ويظهر رسالة بدفع فدية.
أما موقع Politico، فأفاد بأن البرنامج الذي أنتجته وكالة الأمن القومي الأميركية، يسمح للبرمجيات الخبيثة بالانتشار عبر بروتوكولات تبادل الملفات المثبتة على أجهزة حواسيب كثير من المؤسسات حول العالم.
فالقراصنة، أو «الهاكرز» يستخدمون البرامج التي استخدمتها وكالة الأمن القومي الأميركية على شكل واسع خاصة في هكذا حالات استثنائية ومهمات خطرة، وفقا لتغريدة العميل السابق للوكالة، إدوارد سنودون.
*تاريخ القرصنة الإلكترونية
لم يكن مفهوم الاختراق قديما يعني اختراق شبكة حاسوب أو موقع إلكتروني فقط، وإنما كان اختراق أي جهاز لتحقيق هدف خاص يسمى اختراقا. لذلك، يمكننا القول إن عام 1903 شهد أول عملية اختراق في التاريخ، وتطورت الاختراقات بعدها لتصل إلى حد الحروب الإلكترونية.
كان الفيزيائي جون أمبروز فلمنج يستعد لعرض إحدى العجائب التكنولوجية المستجدة في عام 1903، وهي نظام تلغراف لاسلكي بعيد المدى ابتكره الإيطالي جوليلمو ماركوني، في محاولة لإثبات أن رسائل شفرة مورس يمكن إرسالها لاسلكيا عبر مسافات طويلة. وكان الحدث منظما أمام جمهور غفير في قاعة محاضرات المعهد الملكي الشهيرة بلندن.
وقبل بدء العرض بقليل، بدأ الجهاز ينقر، مكونا رسالة. بدأت الأحرف بالظهور، وتحولت إلى قصيدة ساخرة بشكل غير لائق تتهم ماركوني «بخداع الجمهور».
والمخترق هو الساحر والمخترع البريطاني نيفيل ماسكيلين الذي قال لصحيفة «تايمز» إن هدفه كان كشف الثغرات الأمنية من أجل الصالح العام.
- الثمانينات والتسعينات
وفي عام 1981 تشكلت مجموعة قراصنة «نادي فوضى الحاسوب» في ألمانيا، ومجموعة «آسياد البرامج» (وير لوردز) في أميركا التي تتألف من الكثير من المتسللين المراهقين ومخترقي الهاتف والمبرمجين والكثير من قراصنة الحاسوب الذين يعملون في الخفاء.
أما في صيف عام 1994، فتمكن قرصان روسي يدعى فلاديمير ليفين من اختراق بنك «سيتي بنك» الأميركي وتحويل عشرة ملايين دولار من حسابات عملاء إلى حساباته الشخصية في فنلندا وإسرائيل.
حكم عليه بعد اعتقاله بالسجن ثلاث سنوات، واستعادت السلطات كافة المبلغ المسروق باستثناء أربعمائة ألف دولار.
- القرن الـ21
في ديسمبر (كانون الأول) 2006 أجبرت ناسا على حجب رسائل البريد الإلكتروني التي تأتي مع مرفقات قبل إطلاق المركبات الفضائية خشية اختراقها، وذكرت مجلة «بيزنس ويك» الأميركية أن خطط إطلاق مركبات الفضاء الأميركية الأخيرة حصل عليها مخترقون أجانب غير معروفين.
في عام 2007 تعرضت شبكات حاسوب الحكومة الإستونية لهجوم من نوع الحرمان من الخدمة من طرف مجهولين، وذلك بعد جدال مع روسيا بشأن إزالة نصب تذكاري، وتعطلت في الهجوم بعض الخدمات الحكومية الإلكترونية والخدمة المصرفية عبر الإنترنت.
أيضا في ذلك العام، تمكن قراصنة من اخترق حساب بريد إلكتروني غير سري لوزير الدفاع الأميركي، ضمن سلسلة كبيرة من الهجمات للوصول إلى شبكات حاسوب البنتاغون.
استمرت مساعي القراصنة لسرقة عدة حسابات ومواقع وملفات إلكترونية بالتفاقم في الأعوام الماضية. وسجل العالم الكثير من عمليات القرصنة الكبيرة، وتتفاوت أكبر عمليات قرصنة في العالم بين موقع وآخر، لكن لم تنكر أي جهة أن قضية القرصنة المتعلقة بالانتخابات الأميركية عام 2016، نقلت هذه المحاولات من مجرد تلاعب إلكتروني رقمي إلى حرب عالمية واسعة.
- العبث بالانتخابات
تصاعدت حدة الجدل في الولايات المتحدة بشأن اتهامات روسيا بالقرصنة خلال الانتخابات الأميركية، وبحسب تقارير أميركية، فإن واشنطن حددت العملاء الروس المسؤولين عن القرصنة الإلكترونية، وفقا لشبكة «سي إن إن» الأميركية.
وأفادت البيانات بأن هؤلاء الأشخاص، الذين لم تذكر أسماؤهم، أرسلوا رسائل إلكترونية «إيميلات» خاصة بالحزب الديمقراطي، إلى موقع ويكيليكس الذي ينشر وثائق مسربة، في محاولة للتأثير في التصويت لصالح دونالد ترمب، وإسقاط منافسته هيلاري كلينتون.
- إسقاط مسؤولين
تسببت وثائق سرية قرصنها الروس بإسقاط المرشحين عن الحزب الديمقراطي لانتخابات الكونغرس في الكثير من الولايات.
كما تسببت عمليات القرصنة الإلكترونية الروسية بتصاعد السجال بين الرئيس المنتخب ووكالات الاستخبارات الوطنية بعد العثور على دلائل تؤكد محاولة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من خلال أجهزة الاستخبارات تشويه الديمقراطية الأميركية، وتحديد هوية الفائز بالانتخابات.
دفع هذا الأمر إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما إلى طرد دبلوماسيين روس من الولايات المتحدة وفرض عقوبات جديدة على موسكو.
أقال ترمب الأسبوع الفائت، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، جيمس كومي، الذي كان يقود تحقيقات متعلقة بصلات محتملة بين فريق حملة ترمب وروسيا.
وكان كومي (56 عاما) الذي عينه أوباما في هذا المنصب، أكد في 20 مارس أنه يحقق في احتمال «التنسيق» بين مقربين من ترمب وروسيا قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية، واحتمال قرصنة الروس لملفات متعلقة بكلينتون، منافسة ترمب للرئاسة، ما دفع بترمب للفوز بلقب الرئاسة.
يمكننا أن نتهم التطور التكنولوجي وصانعي العالم الافتراضي والرقمي بكل ما وصلنا إليه اليوم من جرائم إلكترونية وعمليات سرقة وقرصنة قدرت بملايين الدولارات سنويا في العالم. ذلك عدا عن ضحايا القراصنة المتخصصين بجرائم الاغتصاب وترويج المخدرات وخطف الأطفال والتجارة بالبشر. ولكن، لا يسعنا أيضا إلا أن نتهم الحروب والمجاعات والفقر المتفشي في العالم، الذي فجر طاقات البشر السلبية. فمفهوم القرصنة لم يكن مرتبطا بالإنترنت من قبل. بل، ارتبط بالسرقات الناتجة عن حروب بين جماعات وعشائر وملوك وسلاطين وبلدان. ومما يحصل في العالم من حولنا، أصبح بوسعنا التأكد أن الحرب تخلق اللصوص، بكل أشكالهم وأهدافهم، والسلام وحده يشنقهم.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...