اتساع الثقوب في النسيج الليبي

نزاع إقليمي على إدارة الملف... وواشنطن تترقب

اتساع الثقوب في النسيج الليبي
TT

اتساع الثقوب في النسيج الليبي

اتساع الثقوب في النسيج الليبي

تتسع الثقوب في النسيج الوطني الليبي. ووصل الحديث، محليا ودوليا، لاحتمالات تقسيم البلاد، أو عودة الحكم فيها إلى نظام الولايات الثلاث، أو النظام الفيدرالي. وفي الوقت الراهن يبدو أن هناك قطبين إقليميين يتنافسان على الملف الليبي. القطب الأول، كما تقول الدكتورة أماني الطويل، مديرة البرنامج الأفريقي في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، يضم مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة، والقطب الثاني، يضم تركيا وقطر. وفي ظل نظام دولي آخذ في التراجع، أدى استمرار الفوضى في هذا البلد الغني بالنفط، إلى تفاقم الصراع على خلفيات ثقافية وعلى إرث قديم يتعلق بمن تكون له الأولوية في تقرير مصير الدولة الليبية. وبينما تترقب واشنطن الموقف، أصبحت مجموعة من القوى الإقليمية والدولية، تبحث عن موضع قدم في ليبيا، للاستفادة من النفط والغاز، وإيجاد نفوذ على الساحل وفي العمق الأفريقي.
اليوم، في عصر المعلومات والمشاعر المتضاربة، يسود التنافس محليا أيضا. يشتعل ويخبو، ثم يعود مرة أخرى للتوهج، بين «القبلية»، وأغلبها في مناطق الشرق، والجهوية ومعظمها في مدن الغرب.

من قصر المنار، مقر إقامة ملك ليبيا الراحل إدريس السنوسي في مدينة بنغازي، إلى باب العزيزية مقر حكم العقيد معمر القذافي في مدينة طرابلس، تعامل كل زعيم من الزعماء الذين أداروا شؤون الدولة الصحراوية المطلة على البحر المتوسط، بطريقة تصب في اتجاه التوفيق بين طبيعة الشرق المتحفزة، وحالة الغرب التي تنزع إلى الاستقرار. ويمكن أن تفهم من رجل عسكري، مثل العميد مصطفى الشركسي، قائد سرايا الدفاع عن بنغازي، أن تحفُّز الشرق أصبح يقترن، في بعض الأحيان، بعملية تشبه التطهير العرقي، لطرد ذوي الأصول الغربية الذين يعيشون منذ مئات السنين في بنغازي.
وأيا ما كانت الظروف، فإن الأوضاع في ليبيا اليوم تُنذر بالخطر على مستقبل الدولة نفسها. وتقول الدكتورة الطويل، إن الخسارة، في هذه الحالة، ستطال الجميع؛ الشعب الليبي، ودول الجوار، وأفريقيا وأوروبا. وتحذر من الصراع على «التورتة الليبية».
في رأي البعض، فإن الفهم العميق ينبغي ألا يستند فقط على قراءة تقارير السياسيين وأجهزة الاستخبارات والتوجيه الإعلامي، ولكن لا بد من استشراف رؤى القيادات المحلية، والاستماع جيدا إلى قصائد الشعراء الشعبيين الذين يحظون باحترام في الأوساط العامة، ويخلطون قصص الحب والوفاء ونكران الجميل، بالواقع والتاريخ واحتمالات المستقبل.
«العقل عندكم والقلب عندي دامي... والعين تدمع والخطى قاصرات». هذا مطلع قصيدة يشكو فيها الشاعر الليبي الشعبي كيلاني عبد الحفيظ المغربي، من ضيق الحال وقلة الحيلة. ويقول إن وضع ليبيا المضطرب، إذا استمر على ما هو عليه، فقد يؤدي إلى التقاء بين أنصار العهد الملكي، وهو تيار صاعد بالفعل، وأنصار نظام القذافي.
* الاعتراف بالاستقلال
في منتصف القرن الماضي كان الملك يُحضِّر للحصول على اعتراف دولي باستقلال ليبيا. كانت العقبة الوحيدة هي الخلافات بين قادة الشرق وزعماء الغرب، واستطاع أن يذيب الفوارق بين هذين التكتلين المتنافسين، عن طريق إدارة ليبيا عبر ثلاثة أقاليم: طرابلس وبرقة وفزان.
وحين جاء القذافي للحكم واجهته المشكلة نفسها بعدما قضى على نظام الأقاليم الثلاثة. وتقول الدكتورة الطويل: الذاكرة الليبية ما زالت تحتفظ بفترة نظام تلك الأقاليم الإدارية. وتضيف أن «دولة الاستقلال الوطني على النظم البالية (حكم القذافي نموذجا) ، لم تنجح في تحقيق دولة المواطنة ودولة المؤسسات»، بل اتبع القذافي نظاما شعبويا، عاد بليبيا لتكوينات ما قبل الدولة.
ويقول مصدر شارك في اجتماعات عقدت قبل يومين في لجنة في الكونغرس الأميركي، إن موضوع العودة إلى الأقاليم الثلاثة يعد من ضمن الحلول الموجودة لدى مستشاري الرئيس دونالد ترمب، لكنه أشار إلى ما أدلى به الكولونيل ولفغانغ بوزستاي، وهو عسكري نمساوي ذو خبرة مهمة لحلف شمال الأطلسي «ناتو»، عن إمكانية الوصول إلى تحقيق وحدة الدولة الليبية استنادا إلى شخصية قوية في طرابلس، وليس عن طريق فايز السراج المدعوم دوليا.
ارجع قليلا إلى الوراء... إلى ما قبل العهد الملكي. لقد كانت المشكلة قائمة أيضا منذ أكثر من مائة سنة، أي منذ بداية الصراع بين الإمبراطورية العثمانية المريضة، وتطلعات الدولة الإيطالية إلى شمال أفريقيا. لكل دولة رعايا ومصالح ونقاط عسكرية على البحر وفي الصحراء. وأدى ذلك إلى ظهور «الجمهورية الطرابلسية» في الغرب الليبي، بينما اختار الشرق الصدام مع القادمين من وراء الحدود.
حتى في أيام مقاومة الوجود الإيطالي، بقيادة عمر المختار، ظهرت مشكلة القبائل البدوية والجهويين في الغرب. ويقول أحد أحفاد المختار، الدكتور ولاء خطاب، وهو أستاذ متخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، إن المشكلة التي تمر بها ليبيا اليوم، هي نتاج الموروث الثقافي.
ويتابع: «إقليم طرابلس فيه أصول متعددة، بحكم استقرار كثير من رعايا دول البحر المتوسط كتركيا وإيطاليا واليونان ومالطا، في طرابلس ومصراتة... وبينما يعرف المواطن نفسه في شرق البلاد باسم قبيلته؛ برعصي، أو منفي، أو عبيدي، أو مغربي، تجد المواطن في الغرب يحرص على تعريف نفسه باسم المدينة التي ينتمي إليها؛ مصراتي، أو طرابلسي، أو زليتني، وغيرها».
كان آلاف الشبان الذين خرجوا لإطاحة القذافي، في ساحة المحكمة على بحر بنغازي، لا يسيرون على هذا النهج. ويعد الشاب رجب بن غزي، من بين هؤلاء. وهو ناشط ليبي وإعلامي مشهور، ومن الأجيال التي كان لها تطلعات لعهد جديد بعد 2011، لكنه اليوم يعيد قراءة الماضي. ويقول: «كثيرٌ من الليبيين يحمِّلون مسؤولية ما انتهت إليه الدولة اليوم، إلى إرث 42 سنة من حكم القذافي، لكن هذا تبين لي أنه غير صحيح».
* حساسيات محلية وجهوية
وتعج ليبيا بحساسيات قبلية يعود بعضها إلى أكثر من 300 سنة مضت، ليس في الشرق فقط، ولكن في الغرب أيضا. وأغلبية القبائل الليبية ذات أصول عربية، لكن توجد أيضا قبائل وعائلات كبيرة ذات أصول غير عربية. ومن الصراعات القبلية التاريخية، الخلافات القديمة التي تتجدد كل حين وآخر بين «المشاشية» و«الزنتان»، و«تاورغاء»، و«مصراتة»، و«ورفلة»، و«الطوارق»، و«التبو»، و«الأمازيغ»، و«العرب»، وغيرها.
ويقول الدكتور خطاب: كل هذه الصراعات أوقفها القذافي، وسيطر على ما كان يظهر منها في عهده بالحيلة حينا وبالطريقة القبلية حينا آخر.
وعلى مدار عقود كثيرة كان ظهور المنتديات الفكرية والسياسية الصاخبة، يقتصر على مدينتي بنغازي وطرابلس. ولم تكن الطليعة الليبية آنذاك، تعنى بقضية الداخل فقط، لكنها اتسمت بطابع قومي وإسلامي عابر للحدود، ما زالت آثاره باقية حتى اليوم. ويعد هذا، في رؤية البعض، من أسباب ارتباط كثير من سياسيي وزعماء الداخل، إلى الآن، بدول إقليمية أو حتى بأطراف دولية، ما يؤدي إلى صعوبة الوصول إلى حل.
وفي كتابه «التاريخ السياسي ومستقبل المجتمع المدني في ليبيا»، الصادر عن «دار برنيق للطباعة والترجمة والنشر»، يرى الكاتب والسياسي الليبي، إبراهيم عميش، أن بلاده كانت قِبلة لـ«قيادات إقليمية لفروع أحزاب سياسية وقومية ودينية، بكل ألوانها وانحيازاتها؛ اليمينية واليسارية... المتشددة منها والمعتدلة... ومنها حركة الإخوان وحزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة القوميين العرب».
ويشغل عميش في الوقت الحالي رئاسة لجنة العدالة والمصالحة الوطنية في البرلمان الليبي. وكان في عهد القذافي من أعضاء جبهة الإنقاذ الليبية المعارضة في المنفى. ويقول إن الحراك الثقافي والسياسي المشار إليه كان مستمرا في ليبيا حتى منتصف القرن الماضي.
* ... لكنها لا تهدد الوحدة
ولا توجد في ليبيا مطالب عرقية أو مذهبية يمكن أن تهدد وحدة الدولة، مثل تلك التي نراها اليوم في العراق أو سوريا. لكن يبدو من الواقع أن الموضوع يتعلق بحساسيات قديمة حول مناطق النفوذ وحدود السلطة. وهذا ما حاول علاجه عمر المختار والملك السنوسي، والقذافي، لكن كل بطريقته.
ويقول الدكتور خطاب، إن عمر المختار «واجهته مشكلة الإرث القبلي، والإرث الحضري، ولهذا قسَّم عمليات الجهاد ضد الجيش الإيطالي المستعمر، على أدوار بين القبائل... دور لقبيلة العواقير، ودور لقبيلة البراعصة، ودور لقبيلة المغاربة، وهكذا». ويبدو أن هذا كان نظاما مرنا ومتوافقا مع الواقع حينذاك. مساحة كبيرة من حرية الحركة للقادة الميدانيين، مقابل إشراف وتوجيه مركزي من المختار. وظل كل قائد زعيما في منطقته وبين عشيرته.
ويضيف: «لهذا، حركة المقاومة ضد الطليان نجحت في برقة، وفشلت في طرابلس». وفي نهاية المطاف دبت الخلافات بين الشرق والغرب من جديد، وانتهى الأمر بإعدام الإيطاليين للمختار، وبعد ذلك بسنوات بدأ الأمير محمد إدريس السنوسي يجهز لرحلته إلى بريطانيا أملا في نيل الاستقلال وقيادة دولة موحدة.
كان إقليم برقة قد استقل بالفعل. وكان السنوسي يخشى من تقسيم البلاد. وفي قصر المنار الملكي، يوم الأول من يونيو (حزيران) عام 1949، عقدت جلسات المؤتمر الوطني البرقاوي، بحضور وفد المؤتمر الوطني الطرابلسي، برئاسة الشيخ محمد أبو الإسعاد العالم.
وافتتح السنوسي الجلسة الأولى بكلمة قال فيها: «لقد طلبت من بريطانيا العظمى والدول الأخرى، بما فيها البلدان العربية والإسلامية، أن تعترف باستقلال برقة». وأضاف: «أتمنى لإخواني في طرابلس أن يحصلوا على مثل ما حصلنا عليه في برقة، ونعلن وحدتنا معا تحت راية واحدة». وهذا ما حدث. ويقول المغربي: «وحدة ليبيا هو ما نريده اليوم بالفعل».
أما خلال حكم القذافي، فقد بدا أن هناك مراجل تغلي تحت السطح طوال 42 سنة. وتقول الدكتورة الطويل: «كان نظاما شعبويا هدفه الاحتفاظ بالسلطة لفترة طويلة، وعاد لتكوينات ما قبل الدولة. وهذه الشعبوية المسماة الكتاب الأخضر وحكم الشعب، أسفرت عن عدم وجود أحزاب سياسية في ليبيا. كما أن المؤتمر الشعبي (البرلمان أيام النظام السابق)، كان وثيق الصلة بشخص القذافي بشكل مباشر. وبالتالي لم يكن تعبيرا صحيحا عن جموع الناس».
وخرج آلاف الليبيين من البلاد هربا من التعسف والسجن، بداية من سبعينات القرن الماضي، وانصهروا في بوتقتين رئيسيتين في الخارج، بوتقة أنصار الدولة المدنية من يساريين وليبراليين، وبوتقة الإسلام السياسي. وعادوا جميعا في 2011 للالتحاق بانتفاضة الشرق ضد القذافي، وهم يرفعون شعار «لا للقبلية».
وكما يوضح المغربي: «هذا الشعار أدى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي، ولم يوجد بديل له قابل للحياة حتى الآن. وبدأ الليبيون يبحثون عن طريقة للعيش؛ هل يعودون لنظام الأقاليم إبان حكم الملك، أم ماذا؟».
* أي نظام إداري؟
وتضمن كتاب «ليبيا إلى أين» الذي أعده مجموعة من الباحثين، وصدر عن دار «مدبولي الصغير» بالقاهرة، كثيرا من الشهادات التي تعكس حالة عدم اليقين لدى قطاع كبير من الليبيين بشأن شكل النظام الإداري للدولة من فيدرالية، أو كونفيدرالية، أو دولة مركزية. وبشكل عام يتمسك غالبية الليبيين، مع حالة من الوجد يزكيها الشعراء الشعبيون، بخيار العيش معا تحت مظلة نظام واحد، أيا ما كان حجم التضحيات. وفي الوقت الراهن، وعلى غير ما هو شائع، يقول المغربي إن أنصار العهد الملكي، وأنصار نظام القذافي، يمكن أن يتصالحا، و«بالتالي يمكن التحدث حول الأقاليم الثلاثة من جديد، والالتفاف حول الدستور الملكي»، وهذا مما قاله القذافي حين أصيب باليأس من الشعب في آخر أيامه: «ها هو دستور 1951... أعيدوه إذا كنتم تريدونه». وهذا يعطي مدخلا لأنصار القذافي بأنهم لن يعارضوا العودة للدستور القديم.
ويقول المغربي الذي عاصر فترة الانتفاضة، إن من رفعوا شعار «لا للقبلية» في مظاهرات 2011 كان معظمهم من ذوي الأصول الحضرية ممن يعيشون في بنغازي، أو ممن عادوا من المنافي... و«استجاب الناس في البداية لهذا الشعار، وكان مَن تسأله: أنت من أي قبيلة، يقول لك: لا تسأل مثل هذا السؤال... أنا ليبي فقط». ويضيف: «استمر هذا حتى تمت السيطرة على الوضع بمقتل القذافي»، و«وصل الأمر بعد ذلك إلى أن من قام بحكم بنغازي كان من شخصيات ذات أصول تعود إلى غرب ليبيا، وللأسف كان حكما متعسفا تجاه أبناء قبائل الشرق. ومن هنا وقع الصدام في بنغازي».
ومن بين من خرجوا من الشرق، وأقاموا في الغرب العميد الشركسي نفسه، وهو من أصول مصراتية، وكان يعيش في بنغازي مع عائلته التي تقيم في الشرق منذ أكثر من مائة سنة. وهو يسعى حاليا، مع نحو ألف ضابط وجندي، ممن طردوا من بنغازي قبل سنة، للعودة إليها ولو بالقوة.
ومن أبرز الأمثلة على قدرة القبيلة وزعماء المناطق البدوية والحضرية، على تغيير موازين القوى، كما يقول المغربي، تلك الواقعة التي تخص الآمر السابق لحرس المنشآت النفطية في الشمال الأوسط من البلاد، الذي كان يبسط نفوذه على أكثر المناطق حيوية لاقتصاد الدولة.
ويوضح: «حين وقفت قبيلة المغاربة وقالت نحن مع الجيش (بقيادة المشير خليفة حفتر) وجد آمر حرس المنشآت نفسه وحيدا ومعزولا عن قبيلته، واضطر للفرار من المنطقة، رغم أنه كان يحظى بدعم من مبعوث الأمم المتحدة في ليبيا مارتن كوبلر، ويحظى باهتمام الأميركيين والإنجليز والطليان». ويزيد: «لو كل قبيلة ترفع غطاءها عن ميلشياتها، فستنهار هذه الميليشيات التي تعرقل التفاهم بين الليبيين». ويقول الدكتور خطاب إن المتشددين نجحوا في المنطقة الغربية، لأنها تركيبة مدن، وتهاوت مراكزهم في المنطقة الشرقية، لأنهم لم يجدوا مأوى لدى أي قبيلة. ومن بين الحلول اللافتة لحل مشكلة الحكم والإدارة، تلك التي وردت في كتاب «ليبيا... إرادة التغيير»، الصادر عن «دار العلوم للنشر والتوزيع»، للكاتب الليبي إبراهيم قويدر، حيث اقترح فيه أن يكون التوزيع الجغرافي للإدارة التنفيذية والسياسية مقسما إلى عشرة أقاليم أو عشر ولايات، هي درنة، والجبل الأخضر، وبنغازي، وأجدابيا، والواحات، وسبها، ومصراتة، وطرابلس، وجبل نفوسة، والزاوية، على أن ينتخب من كل إقليم عشرة لعضوية المؤتمر العام (البرلمان) بمقدار مائة عضو.
* دور المصالح العالمية
إلا أن الحنين إلى حل الأقاليم الثلاثة لإنهاء الخلافات بين الأفرقاء، كما تقول الدكتورة أماني الطويل، يأتي في وقت أصبحت توجد فيه مصالح عالمية تخيف الليبيين على مستقبلهم. وتقول إن بعض القوى الدولية تريد إحياء أحزمة نفوذها القديمة في ليبيا. وعلى سبيل المثال «الفرنسيون يريدون إحياء الحزام الفرنسي القديم الممتد في وسط أفريقيا، من إقليم فزان في الجنوب، إلى تشاد وغيرها»، وهو أمر «يعزز بشكل أو بآخر مسألة تقسيم ليبيا».
وتوضح، فيما يتعلق بعدد من دول المنطقة التي يبدو أنها تتنازع حول الملف الليبي، بالقول إنه «في لحظة تشكل النظام الدولي الجديد، تظهر التنافسات الإقليمية بشكل واضح... وهذه سنة تاريخية كما يقال. وتحاول هذه التنافسات سد الفراغ الناجم عن ارتباك النظام الدولي أو انهياره، ولاقتناص الفرصة للحصول على جزء كبير في التورتة». وفي خضم الصراع الدائر في ليبيا، يبدو من جلسة لجنة الكونغرس، وفقا للمصدر ذاته، أن واشنطن تترقب، وتسعى، في الوقت نفسه، لإعادة قراءة المشهد وموازين القوى المحلية، والتشاور مع شركائها في المنطقة «قبل أي تصرف جذري».
ومن جانبها، تشدد الطويل على الاستقطاب الإقليمي بين قطر وتركيا من جانب، ومصر والإمارات من جانب آخر. لكنها توضح أن «العبرة هنا بالنتائج، بمعني مَن مِن المعسكرين، أو القطبين، أو التجمعين الإقليميين، هو الذي لديه مشروع لصالح الشعب الليبي؟». وتختتم: «أتصور أن تكون القوى السياسية الليبية واعية. هل مصلحة الشعب الليبي تتطلب الوحدة أم التقسيم؟ هل تتطلب أن تكون دولة مدنية حديثة، أو دولة دينية؟ هذه أسئلة منوط بالإجابة عنها الشعب الليبي ونخبه السياسية.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.