العلاقات التجارية الأسرية في كوريا الجنوبية عصية على الكسر

الرئيس الجديد تعهد التصدي للعائلات المسيطرة على الاقتصاد

مون جاي - إن في بداية حملته التي تعهد فيها التصدي للعائلات المسيطرة على الاقتصاد (رويترز)
مون جاي - إن في بداية حملته التي تعهد فيها التصدي للعائلات المسيطرة على الاقتصاد (رويترز)
TT

العلاقات التجارية الأسرية في كوريا الجنوبية عصية على الكسر

مون جاي - إن في بداية حملته التي تعهد فيها التصدي للعائلات المسيطرة على الاقتصاد (رويترز)
مون جاي - إن في بداية حملته التي تعهد فيها التصدي للعائلات المسيطرة على الاقتصاد (رويترز)

فلننس ميكيافيلّي، ومسلسل «صراع العروش». عندما يتعلق الأمر بالتمسك بالسلطة، فإن أثرى أثرياء عائلات المال والأعمال في كوريا الجنوبية تدرك تماما أصول اللعبة وكيفية إدارتها.
هناك مناورة الجمعيات الخيرية، ومن خلالها يقوم أفراد العائلات بتأمين حصصهم من إمبراطوريات المال والأعمال في مؤسسات خيرية غير هادفة للربح، مما يسمح لهم بمواصلة السيطرة دون الحاجة إلى دفع الضرائب الباهظة.
وهناك أيضا مناورة تأسيس الشركات الجديدة، وفيها يؤسسون الشركات الجديدة التي تبرم الصفقات التجارية المربحة والودية مع أطراف آخرين تحت سيطرتهم، وهناك أيضا الهندسة القديمة للمؤسسات الكبرى، وفيها يقومون بدمج مختلف أفرع إمبراطورياتهم سويا بهدف تعزيز سلطاتهم عليها، حتى مع شكاوى المساهمين الآخرين من ذلك. ومع أكبر إمبراطورية تجارية في كوريا الجنوبية، شركة سامسونغ، التي طالتها أكبر فضيحة سياسية على المستوى الوطني، تعهد جيل جديد من قادة الأعمال في كوريا الجنوبية التخلص من قواعد اللعب القديمة. ولقد صرح كبار المرشحين في الانتخابات الرئاسية قبل انعقادها بأنهم سوف يشددون القبضة على إمبراطوريات المال والأعمال في كوريا الجنوبية والخاضعة لسيطرة العائلات الثرية، والمعروفة على المستوى المحلي باسم «شيبول»، والتي تهيمن على اقتصاد البلاد، وتمكنت من جمع قوة سياسية ضخمة جراء ذلك.
يقول كيم ووتشان، أستاذ التمويل في كلية إدارة الأعمال بجامعة كوريا في العاصمة سيول، مشيرا إلى ردود الفعل الشديدة ضد الثروات الموروثة: «إن هيمنة عائلات شيبول التي نعرفها جيدا يمكن أن تنتهي على أيدي الجيل الجديد من القادة السياسيين. وفرصة جيدة كهذه هي من الفرص غير المسبوقة في البلاد». ولكن هذا يسهل قوله عن فعله تماما، كما يقول المسؤولون والخبراء في كوريا الجنوبية. وفي حين أن الرأي العام يوجه اللوم لعائلات شيبول لتلك السلسلة المتصلة من الفضائح السياسية والتجارية وللتسبب في إبطاء النمو الاقتصادي في البلاد والذي كان يسير بوتيرة ممتازة، إلا أن هذه العائلات لا تزال تحظى بقدر كبير من السلطات السياسية. ولقد أثبتت بعض العائلات المسيطرة قدرات ممتازة على التكيف وإيجاد سبل للحفاظ على السيطرة، وحتى وهم يواجهون مزيدا من التحديات من الضرائب على الميراث، والمستثمرين الخارجيين الساخطين، إلى جانب المشكلات الأسرية الداخلية.
يقول ريو سانغ يونغ، أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة يونساي في سيول: «إن القادة والأسواق لا يمكن تغييرهم بين عشية وضحاها. ولكل ثقافة إرثها القوي الراسخ، وقدر من القصور الذاتي كذلك. وكل شيء يستغرق وقته بالتأكيد».
ولقد تعهد الرئيس الجديد، مون جاي - إن، قبل نجاحه في الانتخابات بالتصدي للعائلات الثرية وإيقاف استخدام المؤسسات غير الهادفة للربح، وخطط الأسهم المعقدة، وغير ذلك من الأساليب الهادفة لمواصلة بسط السيطرة على الشركات. وأحد أبرز مستشاريه هو كيم سانغ جو، الخبير الاقتصادي المعروف بآرائه الصارمة حول عائلات شيبول.
ولكن الحزب الديمقراطي الذي يتزعمه السيد مون لا يحتفظ إلا بـ119 مقعدا فقط من أصل 300 مقعد في المجلس التشريعي في كوريا الجنوبية. ولسوف يواجه الحزب الديمقراطي أوقاتا عصيبة للحصول على الدعم من الأحزاب المنافسة في تمرير مشروعات قوانين إصلاح عائلات شيبول عبر المجلس التشريعي المنقسم على نفسه، حيث لا يزال لوبي المال والأعمال يحظى بنفوذ وسيطرة كبيرة. وتمرير مشروع القانون سوف يستغرق كثيرا من الشهور من المناقشات والمشاحنات. كما تعهد السيد مون بأن يجعل المدعين العوام أكثر استقلالية، وأن يجعل الأمور أصعب على رئيس البلاد من حيث إساءة استخدام صلاحيات وسلطات المنصب الرفيع، ويحد من قدرات عائلات شيبول في التواطؤ مع السلطات والإفلات من العدالة. غير أن هذه الإصلاحات من المرجح أن تستلزم تنقيحا عاما لدستور البلاد، الأمر الذي قد يلقى صعوبة بالغة في ظل السياسات المتقلبة في البلاد.
ولقد بلغت حالة عدم الثقة المتصاعدة حيال عائلات شيبول ذروتها خلال العام الحالي، بعد إلقاء القبض على لي جاي - يونغ، الرئيس الفعلي لشركة سامسونغ، في تهم تتعلق بالرشوة وغيرها من التهم ذات الصلة بالفضيحة التي أطاحت برئيسة كوريا الجنوبية من منصبها، وأدت إلى انعقاد الانتخابات المبكرة الثلاثاء الماضي. والسيد لي، والمعروف أيضا باسم جاي واي لي، هو من أبناء الجيل الثالث في العائلات التي تسيطر على إمبراطورية المال والأعمال التي تصنع أشهر الهواتف المحمولة، وتشيد أعلى ناطحات السحاب في العالم – عبر الشركة التابعة التي شيدت برج خليفة الشهير في دبي – وتشرف على إدارة المستشفيات، والفنادق، والحدائق، وحتى توفير خدمات البطاقات الائتمانية.
ولكن الإحباط جراء تصرفات عائلات شيبول ظل يتصاعد عبر كثير من السنوات. ويوجه النقاد اللوم إلى التكتلات التجارية الكبيرة، لعدد من العلل الاجتماعية، بما في ذلك الفساد، وعدم المساواة، وإقصاء الشركات الناشئة الصغيرة الأكثر ابتكارا. ويجري تداول أسهم عائلات شيبول بأسعار زهيدة مما ينبغي أن يكون عليه الأمر - ما يعرف باسم الخصومات الكورية - وذلك بسبب أن المستثمرين الأجانب يخشون من أن العائلات المؤسسة سوف تعمل على خداعهم.
كانت هناك تشو هيون - آه، كريمة رئيسة مجلس إدارة شركة الخطوط الجوية الكورية، والتي استقالت من منصبها التنفيذي في الشركة في عام 2014 في أعقاب فضيحة «الجوز» الشهيرة، والتي أجبرت فيها كريمة رئيس الشركة الطائرة على العودة إلى بوابة المغادرة فقط لأنها غير سعيدة بالطريقة التي قدمت بها المضيفة الجوية طبق «الجوز» لها.
كما كان هناك تشي تشول - وون، أحد أعضاء العائلة التي تدير مجموعة «إس كيه» الكورية، والذي أدين بضرب أحد المتظاهرين بمضرب البيسبول. ثم كان هناك تشونغ إيل - سيون، وريث شركة هيونداي الكورية والذي يدير منشأة صناعة الصلب التابعة، والذي تم تغريمه مبلغا من المال من قبل المحكمة لإساءة استخدام مجموعة من السائقين.
وعلى المدى الطويل، شهد كثير من عائلات شيبول الثرية تراخي قبضتهم المحكمة على إمبراطورياتهم التجارية. وفي كثير من الأحيان، لم يكن يمكن توجيه اللوم إلا للعائلات نفسها في ذلك. ولقد أسفر النزاع على الخلافة بين الأشقاء إلى انقسام شركة هيونداي في أوائل العقد الأول من القرن الحالي. ودخلت أسرة لوتي، وهي من العائلات الثرية الكبيرة، في حرب شرسة بين الأشقاء في عام 2015. (ويبدو أن الفائز في هذه الحرب، شين كونغ - بين، قد حاز على الكأس المسمومة في نهاية المطاف: فلقد وجهت إليه الاتهامات بعرض الرشوة على رئيسة كوريا الجنوبية المخلوعة بارك غيون - هاي).
كما أن هذه العائلات تواجه تحديات أخرى، وخصوصا ما يتعلق بالضرائب. ولعل من الغريب في البلاد التي تهيمن فيها العائلات الثرية على كثير من الأمور أن تكون الضرائب على الميراث مرتفعة كثيرا بالنسبة لفئة الأثرياء، إذ تصل إلى 50 في المائة أو أكثر. وهنا يظهر الدور الفعلي لكتاب قواعد المحافظة على السلطات والصلاحيات.
فأحد الحلول يتمثل في نقل حصص شركات العائلات الثرية إلى حسابات الجمعيات الخيرية الخاضعة لهيمنة تلك العائلات. حيث تملك أربعة مؤسسات خاضعة لسيطرة عائلة لي الثرية البلايين من الدولارات من الأسهم في بعض الشركات البارزة التابعة لشركة سامسونغ الرئيسية، بما في ذلك شركة صناعة الهواتف الذكية.
وهناك خيار آخر يتمثل في ضمان ثراء ورثة العائلة الكبيرة قبل وفاة الآباء. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تأسيس الشركات الصغيرة تحت سيطرة الوريث، ثم توسيع أعمال تلك الشركات بواسطة الاتصالات المالية والتجارية للعائلة.
ويقول النقاد إن هذا ما حدث بالفعل في شركة هيونداي لصناعة السيارات، حين استثمر تشونغ يوي - صن، نجل رئيس مجلس إدارة الشركة، في شركة صغيرة للأعمال اللوجستية في عام 2001. وتلك الشركة الصغيرة صارت تسمى الآن «هيونداي غلوفيس»، وسرعان ما أبرمت تعاقدات مربحة مع الشركات الأخرى التابعة لشركة هيونداي الرئيسية. وعلى مدى بضعة سنوات أصبحت أصول شركة «هيونداي غلوفيس» تساوي بلايين الدولارات. ولقد رفضت المتحدثة باسم شركة هيونداي التعليق على هذه الترتيبات.
والسيد لي من شركة سامسونغ، والذي يشغل من الناحية الفنية منصب نائب رئيس مجلس الإدارة، لكنه يقود الشركة الكبيرة بالنيابة عن والده المريض، كان قد استفاد كثيرا من المناورات التجارية التي وضعت بالأساس للمحافظة على هيمنة العائلة. وبدءا من عام 1996 عندما كان السيد لي يبلغ من العمر 28 عاما، بدأت شركات سامسونغ في إصدار سندات بأسعار منخفضة، تلك التي تمكن في وقت لاحق من تحويلها إلى أسهم، مما سمح له بجمع حصص ملكية عالية القيمة لقاء جزء صغير من تكلفة السوق. ولقد أدين السيد لي كون - هيي، والد السيد لي، بتهمة انتهاك الثقة فيما يتعلق بالصفقات. وعلى الرغم من ذلك تم إعفاؤه من ذلك في وقت لاحق، وتم السماح لنجله الأصغر سنا بالاحتفاظ بالأسهم.
ومن المناورات الأخرى الواقعة في قلب الاتهامات الموجهة إليه. تسبب دمج اثنتين من الشركات التابعة لسامسونغ في عام 2015 في جعل السيد لي المساهم المهيمن على جزء حيوي وحاسم من إمبراطورية سامسونغ العملاقة. ولقد وجهت الاتهامات إلى السيد لي في وقت مبكر من العام الحالي بتقديم الرشوة إلى الرئيسة السابقة بارك وغيرها لإجبار مساهم آخر كبير، وهو نظام التقاعد الحكومي، على الموافقة على الصفقة. ولقد أنكر السيد لي تلك الاتهامات وقال إنه كان ضحية الابتزاز. أما المساهمون الخارجيون، والذين يمكن أن يكونوا ورقة من ورقات الضغط، ليس لديهم صوت أو نفوذ كبير. وعلى الرغم من خضوع كثير من أسهم العائلات الكورية الكبرى للتداول العام، فإن حجم العائلات ونجاحها قد استقطب المستثمرين من الخارج الذين يطالبون بمزيد من النفوذ وحسن الإدارة. وفي حالة شركة سامسونغ، اعترض صندوق التحوط الأميركي «إليوت وشركاه» على الصفقة التي أسفرت عن اتهامات الرشوة بحق السيد لي. غير أن صندوق التحوط أخفق في منع إبرام الصفقة.
يقول البروفسور ريو سانغ يونغ من جامعة يونساي: «ينبغي على كوريا الجنوبية تعزيز دور المستثمر المؤسسي. حيث تكمن المشكلة في حوكمة الشركات»، مضيفا أن خدمات التقاعد في كوريا تفتقر إلى ثقافة الاستقلالية.
وفي المجلس التشريعي، أشرفت الأحزاب السياسية على تمرير كثير من مشروعات القوانين الرامية إلى جعل حوكمة شركات العائلات الثرية أكثر شفافية، وتجعل من الصعب على رؤساء مجالس الإدارات المساعدة في إثراء أبنائهم من خلال المعاملات التجارية والمالية المشبوهة. وإحدى الأفكار التي طرحها السيد مون تدور حول إدراج ما يسمى بالتصويت التراكمي حتى يسهل على المرشحين المدعومين من مساهمي الأقلية في الشركة أن يحصلوا على مقعد في مجلس إدارة الشركات.
ولكن أي حملة تهدف إلى إصلاح العائلات الثرية سوف تعرض الاقتصاد الكلي في البلاد للتباطؤ، وقد يخشى السياسيون من أن فرض مزيد من القيود على تلك العائلات قد يؤدي إلى إلحاق الضرر بالنشاط التجاري في البلاد.
يقول كيم ووتشان، أستاذ التمويل في كلية إدارة الأعمال بجامعة كوريا: «هناك أشخاص يعترفون بالمشكلة، ولكن هناك كثيرين ممن لا يقرون بوجودها. وهناك كثير من الناس يعتقدون بأنه لا بد أن يتعلق الأمر بتدخل كبير من كبراء العائلات الثرية».

* خدمة نيويورك تايمز



ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
TT

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)

في خضم التحولات الجيوسياسية التي تعصف بممرات الطاقة العالمية، طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.

وتطرح مبادرة (4+1)، التي كشف عنها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أسامة قاضي لـ«الشرق الأوسط»، خريطة طريق تجمع بين إنشاء شبكة قطارات سريعة حديثة وإعادة إحياء أنابيب النفط (التابلاين) التاريخي؛ بهدف تحويل الجغرافيا السورية والسعودية منصةً لوجيستيةً عالمية تربط ثلاث قارات.

وتستهدف هذه المبادرة الاستراتيجية، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تأمين تدفق نحو 7 ملايين برميل نفط يومياً بعيداً عن التهديدات الإيرانية، وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالمياً.

وتهدف المشاريع المطروحة إلى كسر حلقة «الابتزاز الجيوسياسي» المرتبط بمرور أكثر من 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، من خلال إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.

وجاء الإعلان عن هذه الرؤية في ظل تعطل حركة الملاحة البحرية وتصاعد التوترات الإقليمية؛ ما يمنح مشاريع الربط السككي وأنابيب النفط العابرة للحدود زخماً استثنائياً بصفتها بدائل مستدامة تضع المملكة في قلب تدفقات التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.

قطار سريع

ويعد مشروع إنشاء خط قطار سريع تتراوح سرعته بين 200 و300 كيلومتر/ساعة، يربط المملكة بسوريا مروراً بالأردن، مستفيداً من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى منفذ الحديثة، من أبرز تلك المشاريع.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، أوضح قاضي أن هذا المشروع يترجم عملياً مستهدفات «رؤية السعودية»، من حيث تنويع الاقتصاد وتعظيم دور المملكة بصفتها مركزاً لوجيستياً عالمياً، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وإعمار سوريا، والمساهمة في النهوض الاقتصادي العربي، كما أنه يحوّل الجغرافيا قيمةً اقتصادية مباشرة، ويضع المملكة في قلب تدفقات التجارة بين آسيا وأوروبا.

والجدوى الخاصة بهذا المشروع ليست نظرية، بحكم أن أكثر من 70 في المائة من البنية داخل السعودية قائمة حتى منفذ الحديثة؛ ما يخفّض تكلفته وتسارعه، حسب قاضي، الذي قال: «إن كل دولار يُستثمر فيه سيولّد عائداً مركباً عبر رسوم عبور، وخدمات لوجيستية، ومناطق صناعية، وتوسّع الصادرات، وفي الوقت نفسه يوفر مساراً مكمّلاً يحدّ من اختناقات الممرات البحرية، ويعزّز استقرار تدفقات النفط والغاز، وهذه ليست فقط بنية نقل، بل أداة لخفض تذبذب الأسعار ورفع موثوقية الإمدادات ويخلق قيمة مضافة ويعزّز الأمن الغذائي العربي».

ويتضمن المشروع إحياء مسار خط الحجاز بحكم أنها جزء من الشبكة الحديثة؛ ما يمنح المشروع عمقاً تاريخياً ويخفض التكاليف، ويفتح الربط شمالاً نحو تركيا، وجنوباً نحو المدينة المنورة.

وللوصول إلى المشروع قبل عام 2030، يجب تقسيمه حزماً تعمل بالتوازي داخل الأردن وسوريا، مع قيادة برامج مشتركة، بحيث يتم، وفقاً لقاضي، البدء بـ«خط شحن» حديث عالي الكفاءة و«خط ركاب» متوسط السرعة، ثم رفع السرعات تدريجياً في المقاطع ذات الجدوى.

وأوضح قاضي أن التكلفة التقديرية لهذا المشروع تتراوح بين 12 و25 مليار دولار لسيناريو مختلط (شحن + ركاب سريع جزئياً)، وترتفع في حال تعميم السرعات العالية على كامل المسار، لكن العائد الاستراتيجي - لوجيستياً وطاقياً وغذائياً - يجعله من أعلى المشاريع مردوداً في المنطقة.

ومما يسرع من تنفيذ المشروع أن الجزء السعودي قائم حتى مدينة الحديثة، بينما تصل المسافة من الحديثة إلى دمشق نحو 700 كيلومتر، وبين دمشق وأنطاكيا نحو 350 كيلومتر.

وأشار قاضي إلى أن سرعة القطار في المرحلة الأولى من المشروع ستصل إلى نحو 120 – 200 كيلومتر/ساعة، وفي المرحلة الثانية إلى 200 – 300 كيلومتر/ساعة، في حين يستغرق تحضيره وتمويله أقل من سنة، والتنفيذ المرحلي المتوازي أقل من ٤ سنوات، بحيث يحتفل البلدان بتشغيل أولي للخط قبل عام 2030.

ورأى أن الأمن الغذائي العربي لن يتحقق عبر الاستيراد فقط، بل عبر بناء ممرات لوجيستية ذكية، وهذا المشروع يحول المنطقة منصةً لإعادة توزيع الغذاء عالمياً، تبدأ من الهند وآسيا، وتعبر الخليج وسوريا، لتصل إلى أوروبا.

«التابلاين» لتحييد «هرمز»

من ضمن مشاريع (4+1)، إعادة إحياء خط أنابيب نقل النفط «التابلاين» الذي نشأ عام 1947 بطول 1664 كيلومتراً، ويمتد من مدينة بقيق السعودية إلى ميناء صيدا اللبناني على البحر الأبيض المتوسط، مع تعديل نهايته ليصب في ميناء بانياس السوري، بحيث يتم ضخ ما بين 5 و7 ملايين برميل يومياً عبر أربعة خطوط متوازية، وذلك بعدما أغلق المشروع بشكل نهائي في تسعينات القرن الماضي.

هذا المشروع، وفق قاضي، هو صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية؛ لأنه «عندما نخلق ممراً برياً آمناً للنفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط، فإننا نُخرج جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة العالمية من دائرة المخاطر الجيوسياسية، وخاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز. بمعنى آخر، نحن لا ننقل الطاقة فقط، بل ننقل العالم من اقتصاد مهدد بالاختناقات إلى اقتصاد مستقر متعدد المسارات».

كركوك - بانياس والغاز القطري

المشروع الثالث، هو إعادة تأهيل خط «كركوك – بانياس» لنقل النفط، واستبداله بخطوط متوازية تضخ من مليون إلى 3 ملايين برميل نفط يومياً من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس، بعدما كان يضخ نحو 300 ألف برميل.

ويتمثل المشروع الرابع بمد خط لنقل الغاز القطري الذي بدأ ينقطع بسبب «مشاكل مضيق هرمز وإيران».

ويبدأ الخط من قطر إلى الأردن وبعد ذلك سوريا وصولاً إلى تركيا ومن ثم أوروبا، على أن ينبثق منه المشروع الخامس بمد وصلة نقل إلى بانياس.

وأوضح قاضي في حديثه، أن سوريا كانت تاريخياً قلب طرق التجارة العالمية، واليوم يمكن أن تعود إلى هذا الدور، ولكن بمنطق القرن الحادي والعشرين: «سكك حديدية سريعة، وموانٍ ذكية، وممرات طاقة متكاملة»، وإذا نجحت مشاريع (4+1)، فإن دمشق لن تكون فقط عاصمة سياسية، بل عاصمة لوجيستية واقتصادية تربط ثلاث قارات. أضاف: «نحن ننتقل من مفهوم الجغرافيا السياسية إلى الجيو-اقتصاد، ومن يملك الممرات يملك التأثير، وسوريا مؤهلة لأن تكون أحد أهم الممرات في العالم، ومشاريع (4+1) تعيد تعريف المنطقة ليس كمنطقة صراعات، بل كمنطقة عبور وازدهار».

صورة قديمة تظهر عمليات نقل أنابيب التابلاين (أرامكو)

بعد الأزمات الأخيرة، أدرك العالم أن الاعتماد على الممرات البحرية فقط هو مخاطرة استراتيجية، وما يتم تقديمه من مشاريع وفق قاضي هو «بديل بري مستقر، يقلل من تكلفة النقل ويزيد من أمن الإمدادات، وهي ليست بديلاً عن البحر، بل توازن ضروري يمنع أي جهة من احتكار حركة التجارة العالمية».

وشدد قاضي على أن إعمار سوريا يجب ألا تكون إعادة بناء حجارة، بل بناء دور اقتصادي، وهذه المشاريع تخلق اقتصاد عبور يدر مليارات الدولارات سنوياً، وعشرات ألوف فرص العمل، وتدفع بعجلة النمو الاقتصادي السوري، وبهذا النموذج، تصبح سوريا دولة منتجة للخدمات اللوجيستية والطاقة، وليست فقط متلقية للمساعدات».

وبينما علمت «الشرق الأوسط»، أن هذه المشاريع هي «قيد الدراسة من قِبل كثير من الجهات الحكومية السورية والعربية»، أبان قاضي أن تكلفتها تصل إلى أقل من 30 مليار دولار، وهي في حاجة إلى تمويل من ثلاثة صناديق سيادية عربية على الأقل في المنطقة وصندوق سيادي أوروبي. وعدّ المشاريع أنها «أول اختبار حقيقي لفكرة التكامل الاقتصادي العربي، وإذا نجح هذا النموذج، يمكن تعميمه ليصبح نواة لسوق عربية مشتركة حقيقية، وستُذكر في التاريخ بصفتها أحد أهم مشاريع القرن الحادي والعشرين في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي التي تتناغم مع (رؤية السعودية 2030) بجعل الشرق الأوسط أوروبا جديدة، وسوريا هي درّة الشرق الأوسط».

من جهته، رأى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، أن الحديث عن هذه المشاريع يمثل طرحاً لاستراتيجية «الجيوبوليتيك الطاقي» التي يمكن أن تعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط بالكامل. لكنه لفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه رغم النظرة المتفائلة، فحزمة هذه المشاريع تحتاج إلى تمويل ضخم واستثمارات كبيرة، وثقة ائتمانية عالية واستقرار نقدي، والأهم توافق سياسي شامل.


وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)
TT

وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)

اجتمع وزراء دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية يوم الاثنين، لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، والتي تسببت في قفزة هائلة بأسعار الطاقة، وأثارت مخاوف جدية على الاقتصاد العالمي.

تأتي هذه التحركات بعد الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي، ورد طهران باستهداف الدول المصدِّرة للخام في المنطقة، وتعطيل معظم الشحنات عبر الخليج. وقد أدى هذا الضغط على الإمدادات إلى رفع أسعار النفط والغاز الطبيعي، ما أحدث تأثيرات متلاحقة وقوية على سلاسل التوريد في صناعات متعددة.

وصرح وزير المالية الفرنسي، رولاند ليسكيور، بأن «مجموعة السبع» حشدت وزراء المالية والطاقة ومسؤولي البنوك المركزية في أول اجتماع بهذا الشكل الموسع، منذ تأسيس المجموعة عام 1975. وقال للصحافيين قبيل الاجتماع: «نعلم أن ما يحدث الآن في الخليج له تداعيات طاقوية، واقتصادية، ومالية، وقد يمتد ليشمل معدلات التضخم... الهدف هو مراقبة التطورات وتبادل التشخيصات؛ خصوصاً فيما يتعلق بالاضطرابات المحتملة».

وشارك في الاجتماع الذي عُقد عبر تقنية الفيديو، ممثلون عن وكالة الطاقة الدولية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وتسعى الولايات المتحدة، من خلال المجموعة التي ترأس فرنسا دورتها الحالية، إلى حشد الدعم لإنهاء الحصار الإيراني لممر مضيق هرمز الملاحي.

التحرك السريع

وفي ظل الضغوط المتزايدة، سارعت الحكومات لإقرار تدابير تحد من تأثير نقص الإمدادات وتحليق أسعار الطاقة؛ حيث أعلنت الحكومة الفرنسية يوم الجمعة عن تخصيص 70 مليون يورو (80 مليون دولار) لدعم قطاعات الصيد والزراعة والنقل خلال شهر أبريل (نيسان). وشدد ليسكيور على ضرورة أن يكون الدعم «مستهدفاً وسريعاً»، مؤكداً أن «هذه أزمة تؤثر علينا جميعاً وتتطلب تحركاً سريعاً وعادلاً».


«السوق السعودية» تسجل أعلى مستوياتها منذ شهر ونصف

مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
TT

«السوق السعودية» تسجل أعلى مستوياتها منذ شهر ونصف

مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية جلسة الاثنين على ارتفاع بنسبة 0.8 في المائة ليغلق عند 11 ألفاً و167 نقطة، مسجلاً أعلى إغلاق منذ شهر ونصف، وبتداولات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 6.1 مليار ريال.

وشهدت السوق ارتفاعاً في أبرز الأسهم القيادية، حيث ارتفع سهما «أرامكو السعودية» و«مصرف الراجحي» بأكثر من واحد في المائة، ليصل سعراهما إلى 27.28 ريال و105.40 ريال على التوالي.

وقفز سهم «سابتكو» بنسبة 10 في المائة عند 9.88 ريال، عقب إعلان الشركة عن نتائجها المالية للربع الرابع من 2025، وارتفع سهم «بترو رابغ» بنسبة 7 في المائة، وسط تداولات بلغت نحو 15 مليون سهم.

وصعد سهم «أنابيب السعودية» بنسبة 5 في المائة بعد توقيع الشركة عقداً مع «أرامكو» بقيمة 127 مليون ريال، بينما سجل سهم «صالح الراشد» أعلى إغلاق منذ الإدراج عند 67.20 ريال، لتصل مكاسب السهم منذ الإدراج إلى نحو 50 في المائة.