ماكرون إلى الإليزيه... وأوروبا تتنفس الصعداء

مرشح الوسط هزم منافسته لوبان بنحو ثلثي الأصوات

أنصار ماكرون يحتفلون بالنتيجة في باريس أمس... وفي الإطار الرئيس المنتخب يلقي كلمة الفوز (رويترز) (أ.ف.ب)
أنصار ماكرون يحتفلون بالنتيجة في باريس أمس... وفي الإطار الرئيس المنتخب يلقي كلمة الفوز (رويترز) (أ.ف.ب)
TT

ماكرون إلى الإليزيه... وأوروبا تتنفس الصعداء

أنصار ماكرون يحتفلون بالنتيجة في باريس أمس... وفي الإطار الرئيس المنتخب يلقي كلمة الفوز (رويترز) (أ.ف.ب)
أنصار ماكرون يحتفلون بالنتيجة في باريس أمس... وفي الإطار الرئيس المنتخب يلقي كلمة الفوز (رويترز) (أ.ف.ب)

حقق إيمانويل ماكرون حلمه السياسي، وأصبح أصغر رئيس للجمهورية الفرنسية، في سن الـ39، متغلباً على منافسته مارين لوبان، مرشحة اليمين المتطرف، بنسبة كبيرة. وأفادت أولى النتائج التي بدأت بالظهور، في الساعة السابعة بتوقيت غرينتش، بأن ماكرون حصل على نسبة 65.9 في المائة، فيما حصلت لوبان على 34.1 في المائة.
وبعد دقائق من إعلان النتائج الأولية، توالت التهاني، وتنفس قادة أوروبا الصعداء، بعد أن أجهض ماكرون مشاريع لوبان «الكارهة» للاتحاد الأوروبي، والمشككة في جوهره.
وفي كلمة ألقاها بمناسبة فوزه، قال الرئيس الفرنسي المنتخب إنه يدرك «غضب وقلق وشكوك» الفرنسيين، ويعتزم «إعادة نسج العلاقات بين أوروبا والمواطنين»، كما أكد أن فرنسا ستكون في طليعة الحرب على الإرهاب.
من جهته، أعلن قصر الإليزيه أن الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند «هنأ بحرارة» خلفه ووزير اقتصاده السابق إيمانويل ماكرون بـ«فوزه الكبير» في مواجهة مرشحة اليمين المتطرف. في حين هنأ رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، ماكرون في رسالة على «تويتر»، معتبراً أن الفرنسيين اختاروا «مستقبلاً أوروبياً»، وكتب على «تويتر»: «أنا مسرور بأن الفرنسيين اختاروا مستقبلاً أوروبياً»، فيما رحب رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك بدوره بقرار الفرنسيين المؤيد لمبادئ «حرية - مساواة - أخوة».
بدوره، اعتبر المتحدث باسم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن انتخاب إيمانويل ماكرون رئيساً لفرنسا «انتصار لأوروبا قوية موحدة». وكتب شتيفن سايبرت، على حسابه على موقع «تويتر»: «تهانينا. إن انتصاركم انتصار لأوروبا قوية موحدة، وللصداقة الفرنسية - الألمانية».
أما لوبان، فأشادت «بنتيجة تاريخية كبيرة» لحزبها (الجبهة الوطنية) في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، وقالت في بيان مقتضب إنها اتصلت بماكرون لكي تتمنى له «النجاح» في مواجهة «التحديات الكبرى»، معلنة أنها ستقود «الجبهة الوطنية» إلى الانتخابات التشريعية المقررة في يونيو (حزيران).
ومع صدور هذه النتائج، تكون فرنسا قد قلبت أخيراً صفحة الانتخابات الرئاسية، وفتحت صفحة جديدة في تاريخها السياسي، إثر معركة قاسية وتطورات مفاجئة قلبت المشهد السياسي الفرنسي رأساً على عقب. وبوصول وزير الاقتصاد السابق، مرشح حركة «إلى الأمام»، إلى قصر الإليزيه، فإن باريس تكون قد عرفت زلزالاً سياسياً أفضى إلى إزاحة التيارين الرئيسيين، هما اليمين المعتدل واليسار الاشتراكي، اللذين حكما البلاد منذ 60 عاماً، وشهدت وصول جيل جديد يمثله أصغر رئيس للجمهورية الفرنسية سناً في تاريخها الذي يمتد إلى 170 عاماً.
إلى ذلك، فإن فوز ماكرون يعني تفوق تيار سياسي يؤمن بالعولمة محركاً للاقتصاد والمجتمع، وبالاتحاد الأوروبي رافعة للازدهار الاقتصادي، وبالليبرالية خياراً لا بديل عنه، وبالعملة الأوروبية الموحدة (اليورو). ويريد الرئيس الشاب فتح الحدود، ويرفض عزلة فرنسا، ويدافع عن الوطنية، ويرفض القومية المتعصبة والانغلاق على الذات. وبكلام آخر، فإن ماكرون يقاوم كل ما دعت إليه منافسته، مرشحة اليمين المتطرف، التي يعتبرها خطراً على الديمقراطية، ومنذرة بـ«حرب أهلية»، وتهديداً للبناء الأوروبي.
وعاشت فرنسا، أمس، يوماً انتخابياً طويلاً جاء خاتمة لحملة انتخابية مضنية. ومنذ الثامنة مساء، فتحت مكاتب الاقتراع الـ67 ألفاً أبوابها أمام الناخبين الذين يبلغ عددهم 47 مليون ناخب، وسط تغطية إعلامية محلية وأوروبية ودولية، وتدابير أمنية بالغة التشدد تولاها نحو 60 ألف شرطي ودركي وعسكري.
بيد أن الأنظار كانت طيلة يوم أمس متجهة لمعرفة نسبة المشاركة في الدورة الثانية، لما لها من تأثير على النتائج. وما كان يتخوف منه فريق ماكرون هو ارتفاع نسبة الممتنعين عن التصويت، أو الذين يقترعون بورقة بيضاء. وبحسب الأرقام التي أذاعتها وزارة الداخلية، فإن نسبة المشاركة بلغت حتى الساعة الخامسة من بعد الظهر 65.30 في المائة، متراجعة بنسبة 4 نقاط عما كانت عليه في الدورة الأولى (69.42 في المائة). ومقارنة مع انتخابات عام 2012، فإن نسبة التراجع تبلغ نحو 7 نقاط (71.96 في المائة).
وأفادت دراسات إحصائية، الساعة السابعة، أي قبل ساعة واحدة من الكشف عن أولى النتائج، أن نسبة المشاركة الإجمالية ستصل إلى 74 في المائة، مما يشكل تراجعاً ملحوظاً قياساً بالانتخابات الرئاسية السابقة. ففي عام 2012، بلغت هذه النسبة 80.35 في المائة.
ويربط المحللون السياسيون هذا التراجع بـ3 أسباب رئيسية: أولها، أن ناخبين كثر لم يجدوا ضالتهم في أحد المرشحين بعد خروج 3 مرشحين رئيسيين من السباق، هم جان لوك ميلونشون ممثل اليسار المتشدد، وبونوا هامون ممثل الحزب الاشتراكي، وفرنسوا فيون عن «الجمهوريين». أما السبب الثاني، فهو امتناع ميلونشون الذي حاز في الدورة الأولى على 19.20 في المائة من الأصوات عن الدعوة للاقتراع لصالح ماكرون، والاكتفاء بحث ناخبيه على عدم إعطاء صوتهم لمنافسته لوبان. والثالث وقوع يوم الاقتراع في منتصف عطلة من 3 أيام، وتفضيل كثيرين الاستفادة منها بدل البقاء في أماكن سكنهم من أجل القيام بواجبهم الانتخابي.
وبرأي المحللين، فإن السبب الأول هو المسؤول الرئيسي عن تراجع المشاركة، إذ إن نسبة مهمة انتخبت لصالح ماكرون، إنما فعلت ذلك لأنها تريد قطع طريق الإليزيه على لوبان، فيما فضل آخرون الامتناع عن التصويت لمرشح لا يؤمنون به وببرنامجه.
ومهما كانت أسباب تراجع نسبة المشاركة، فإن المرشح ماكرون لم يكن ضحيتها، والدليل على ذلك النسبة المرتفعة من الأصوات التي مكنته من أن يصبح الرئيس الثامن للجمهورية الخامسة.
ومنذ الصباح، اقترع ماكرون برفقة زوجته بريجيت، في مدينة لو توكيه البورجوازية، الواقعة شمال فرنسا، حيث يملك منزلاً، وسط تهليل مناصريه. كذلك فعلت لوبان في المدينة العمالية هينان بومون، الواقعة في الشمال أيضاً، وكلاهما عاد إلى باريس بعد الظهر لمتابعة عملية الفرز. وبالنظر للتهديدات الأمنية، فقد كانت لافتة إجراءات الحماية التي وفرتها وزارة الداخلية للمرشحين.
وعقب تأهله للجولة الثانية (الحاسمة) من الانتخابات الرئاسية، اختار ماكرون مطعماً شهيراً، وهو «لا روتوند»، للاحتفال بفوزه. لكن هذا الخيار سبب له المتاعب، إذ وفر لمنتقديه حجة إضافية لاتهامه بأنه مرشح عالم المال والأغنياء واللوبيات والنخبة. ولذا، فإنه ومساعدوه انكبوا لاختيار ساحة باريسية للاحتفال بالفوز في هذه الانتخابات الفريدة من نوعها في تاريخ فرنسا، الحاسمة بالنسبة لحاضرها ومستقبلها. وبعد تفكير مستفيض، وقع الخيار على ساحة اللوفر، وهو المتحف المشهور عالمياً، الذي لا يحتوي فقط على ذاكرة وتاريخ فرنسا، بل على ذاكرة وتاريخ العالم. ومن زار المتحف المذكور، لا بد أن يتذكر الهرم الموجود في وسط ساحته الخارجية الذي صممه المهندس المعماري ليوه مينغ باي، الصيني المولد الأميركي الجنسية بطلب من الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا ميتران.
وبحسب محيط ماكرون، فإن اختيار اللوفر يبدو للرئيس الجديد الساعي لتخطي اليمين واليسار أفضل الممكن لأنه «محايد» بعكس ساحتي «الباستيل» و«الريبوبليك»، المرتبطتين تاريخياً باليسار، فيما ساحة «الكونكورد» الشهيرة ترتبط باليمين. فضلاً عن ذلك، فإن هذا الخيار يراد به أن يجعل من ماكرون «وريثاً» للتاريخ والثقافة الفرنسيين، الأمر الذي يتوافق مع ما هو عليه كمثقف من الطراز الأول، ويحب الفلسفة والآداب.
كذلك فإن هذا الخيار يتلاءم تماماً مع توجهاته السياسية، إذ إن المزج بين التراث والحداثة ممثلة بالهرم الزجاجي الشفاف الذي يرتفع إلى علو 36 متراً، والذي يعد ثالث أشهر معلم في متحف اللوفر، يمكن أن يكون رمزاً للسياسة التي يريد اتباعها، والتي يريدها شفافة.
أما من الناحية الأمنية، فإن إدارة شرطة العاصمة اشترطت أن يتلاءم الخيار مع ضرورات السلامة، بالنظر للتهديدات الإرهابية التي تطأ بظلها على الانتخابات الفرنسية، وآخر تجلياتها توقيف عسكري سابق راديكالي التوجهات، اعتنق الإسلام حديثاً، في محيط قاعدة جوية عسكرية، قريباً من مدينة أيفرو.
وبعد ظهر أمس، عمدت الشرطة إلى إخلاء ساحة اللوفر، بعد بلاغ عن وجود «طرد مشبوه»، بحسب ما أفاد به أحد مسؤولي فريق ماكرون. لكن مصادر الشرطة أكدت بعد ذلك بوقت قصير أن الإخلاء المؤقت مرده إلى الحاجة للتأكد من سلامة المكان، وأوضحت غياب أي تهديد، خصوصا أن الساحة أعدت لاستقبال آلاف المؤيدين لماكرون الذين توافدوا عليها للاحتفال بانتصار مرشحهم بعد معركة انتخابية حامية.
من جانبها، اختارت لوبان شرق باريس، وتحديداً المطعم المعروف باسم «لو شاليه دو لاك»، الواقع داخل غابة فانسان، على مدخل باريس الشرقي، للالتقاء بمناصريها عقب الإعلان عن النتيجة. وبحسب موقع المطعم، فإن قدرته الاستيعابية تصل إلى 1500 في الداخل، وإلى عدد مماثل في حديقته الخارجية. ويبدو من هذا الخيار أن لوبان لم ترد تحويل المناسبة إلى مهرجان انتخابي إضافي، ربما لأنها كانت تتوقع الفشل في مغامرتها الرئاسية الثانية، وهي الثالثة في عائلتها، بعد فشل والدها أمام الرئيس جاك شيراك في عام 2002.
رغم المحاذير الأمنية، مر اليوم الانتخابي الطويل الذي انتهى في الساعة الثامنة مساء في باريس والمدن الكبرى بهدوء. وكان الحضور الأمني لافتاً، ليس فقط أمام وفي محيط مراكز الاقتراع، ولكن أيضاً في المناطق الحساسة، كجادة الشانزليزيه ومحيط كاتدرائية نوتردام ومنطقة شاتلية التي تقع في قلب العاصمة، وتشمل عقدة لقطارات الضواحي وخطوط المترو الباريسية.
وزارت «الشرق الأوسط»، يوم أمس، مكتبين انتخابيين: الأول، صباحاً في مدينة ماسي التي بها نحو 25 ألف ناخب، وتقع جنوب باريس، والثاني في الدائرة الثامنة في باريس. وفي المكتب الأول الذي كان التوافد عليه صباحاً خفيفاً نسبياً، قال مديره إن عدد الناخبين المسجلين لديه يزيد عن الألف قليلاً، وأن لا أحداث عكرت صفو العملية الانتخابية، في الدورة الأولى ولا في الساعات الأولى من يوم أمس.
وسيكون برنامج ماكرون خلال الأيام المقبلة حافلاً، إذ سيصطحبه الرئيس هولاند غدا للمشاركة في الاحتفال الذي سيجرى صباحا حول قصر النصر، في أعلى جادة الإليزيه بمناسبة استسلام ألمانيا في الثامن من مايو (أيار) في عام 1945.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.