حكمتيار... رجل التحالفات المتناقضة

عودة «زعيم الحرب» إلى كابل محطة مفصلية في الصراع الأفغاني

حكمتيار... رجل التحالفات المتناقضة
TT

حكمتيار... رجل التحالفات المتناقضة

حكمتيار... رجل التحالفات المتناقضة

عاد قلب الدين حكمتيار، أحد قادة المجاهدين في أفغانستان، أخيراً إلى العاصمة الأفغانية كابل للمرة الأولى بعد أكثر من 20 سنة. وجاءت عودة زعيم الحرب وقائد «الحزب الإسلامي» في أعقاب توقيعه على اتفاق سلام مع الحكومة قبل ثمانية أشهر. ولقد التقى حكمتيار، الذي وصل إلى كابل في موكب تحيطه حماية محكمة، بالرئيس الأفغاني أشرف غني أحمد زي، وسبق ذلك إطلاق الحكومة سراح 55 عنصراً على الأقل من عناصر «الحزب الإسلامي» من سجونها. يرى مراقبون أن عودة حكمتيار تعني دخوله من جديد الحياة السياسية الأفغانية بعد 20 سنة من الغياب. ويذكر أنه كان قد اتهم بلعب دور رئيسي في الحرب الأهلية التي أسفرت عن مقتل الآلاف في كابل، وأدت إلى إلحاق دمار كبير في المدينة. وكان حكمتيار، الذي أزيل اسمه مؤخراً من قائمة الأمم المتحدة الخاصة بالإرهاب، لأول مرة بعد غيابه أمام مؤيديه في مدينة لغمان، ثم ظهر وسط أنصاره في مدينة جلال آباد عاصمة إقليم ننغرهار، شرق كابل، وذلك قبل أن يتجه إلى العاصمة. ولقد رحبت كل من الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية بعودته للحياة السياسية في أفغانستان، لكونهما تعتبران ذلك بشيراً لنجاح اتفاق السلام مع حركة طالبان التي تسيطر على مساحات شاسعة من البلاد.
ولد قلب الدين حكمتيار، القيادي السياسي والعسكري الأفغاني الذي اشتهر إبان قتال المجاهدين الأفغان ضد القوات السوفياتية قبل بضعة عقود، عام 1947 على بعد 12 كلم تقريباً من نهر جيحون - الذي يعرف أيضاً بنهر آموداريا - الذي يفصل حدود أفغانستان عن الجمهوريات السوفياتية السابقة في آسيا الوسطى. وهو ابن قرية من قرى مديرية إمام صاحب التابعة لولاية قندُز، بشمال شرقي البلاد. وفي عام مولده كانت أسرته قد هاجرت من ولاية غزني، الواقعة جنوب كابل، لتحط رحالها في قندُز.
في تلك القرية الفقيرة عاش حكمتيار وسط أسرة متواضعة، وترعرع فيها وهو يشارك أباه ولعه بالصيد. ثم التحق بإحدى المدارس الابتدائية، وتحوّل فيما بعد إلى مدرسة شيرخان الثانوية، وبعد تخرّجه فيها التحق بكلية الهندسة في جامعة كابل عام 1969. غير أنه لم يتمكن من إكمال الدراسة الجامعية. والسبب أنه تعرّف في جامعة كابل على شباب التيار الإسلامي، وسرعان ما أصبح عضواً ناشطاً في أوساطهم. وبعدها اعتقل عام 1971 وحكم عليه بالسجن لمدة سنتين بتهمة قتل أحد الطلبة الشيوعيين في إحدى المظاهرات لكنه استطاع الفرار والهجرة إلى باكستان عام 1974.
تأثر قلب الدين حكمتيار بالجو الذي كان يعيشه التيار الإسلامي الناشئ في بداية الستينات بوصفه رد فعل على الحركة الشيوعية والتوجهات الاشتراكية التي ازداد تأثيرها داخل المجتمع الأفغاني في عهد الملك السابق محمد ظاهر شاه ورئيس وزرائه محمد داود خان. وكانت قد تألفت بعض التشكيلات الإسلامية لمناهضة المد الشيوعي وظهرت أولى الحركات النشطة مثل «الشباب المسلم» و«جمعية خدام الفرقان»، ثم «الجمعية الإسلامية»، التي تعد أقدم التشكيلات الإسلامية، فواجهها رئيس الوزراء – يومذاك - محمد داود بإجراءات تعسفية نجم عنها مقتل عدد كبير من قادة «الجمعية الإسلامية» واعتقال آخرين.
بعد ذلك قاد محمد داود انقلاباً سياسيا على الملك محمد ظاهر شاه أثناء زيارة كان يقوم بها الأخير في أوروبا خلال يوليو (تموز) 1973. وبعد نجاح الانقلاب، أعلن محمد داود إلغاء الملكية والاستعاضة عنها بنظام جمهوري، كذلك شدد قمعه للجماعات والتنظيمات الإسلامية فألقى القبض على عدد كبير من قادتها مثل عبد رب الرسول سياف والدكتور محمد خان نيازي وآخرين كثر.
وحينما تولى القيادي اليساري نور محمد تاراكي الحكم بعد انقلاب دموي قتل فيه محمد داود عام 1978 أمر تاراكي بتصفية جميع المعتقلين السياسيين من أعضاء «الجمعية الإسلامية»، فقتل الدكتور محمد نيازي ومعه عدد من تلاميذه في عام 1977. في حين نجا من هذه المذبحة سياف الذي خرج من السجن إبان عهد الرئيس الأفغاني الأسبق (اليساري أيضاً) بابرك كارمل عام 1979.
في هذه الأثناء، في عهد الجنرال ضياء الحق، قدّمت باكستان التي كانت تخشى المد الشيوعي القادم من أفغانستان دعمها للإسلاميين الأفغان، وكان قلب الدين حكمتيار يدها النافذة داخل أفغانستان. وبالتالي، كان يحصل على النصيب الأوفر من المساعدات المقدمة من إسلام آباد للمجاهدين آنذاك، وبالأخص، بعد مقتل والده واثنين من إخوته في سجون كابل في أعقاب تولّي الشيوعيين السلطة في أفغانستان خلال أبريل (نيسان) 1978.

التحالف ثم الخلاف مع رباني
عام 1974، اتفق حكمتيار مع برهان الدين رباني على إعادة تنظيم «الجمعية الإسلامية» الأفغانية في منطقة بيشاور الباكستانية الحدودية، على أن يتولى رباني رئاسة «الجمعية» وشؤون العلاقات الخارجية، بينما يتولى حكمتيار الشؤون الداخلية والعسكرية. إلا أنه سرعان ما تفجرت الخلافات بين الرجلين وتفاقمت الأمور حتى خرج حكمتيار من «الجمعية» ليؤسس «الحزب الإسلامي».
أسّس حكمتيار «الحزب الإسلامي» عام 1976 وتميّز الحزب الجديد بالتنظيم الدقيق، ونجح في اجتذاب أتباع كثر، خاصة، شريحة الشباب في ولايات كابل وقندز وبغلان وننغرهار في شرق البلاد. غير أن التاريخ السياسي لحكمتيار اتسم بكثرة التحالفات والخلافات. فقد شارك مع فصائل المجاهدين في الحرب ضد الاتحاد السوفياتي التي اندلعت بين عامي 1979 - 1989. وكان عضوا في «الاتحاد الإسلامي» الذي ترأسه عبد رب الرسول سياف في الفترة من 1983 - 1985 ثم شارك في «تحالف المنظمات السبع» واختير يوم 24 فبراير (شباط) 1989 وزيرا للخارجية في «حكومة المجاهدين» الأفغان إلا أنه جمد عضويته في الحكومة خلال شهر أغسطس (آب) 1989.
وسرعان ما اندلع القتال بين فصائل المجاهدين بعد دخولهم كابل. وتسبب ذلك القتال في عقد كثير من التحالفات والتراجع عنها، وكان حكمتيار في كل تلك التحولات عنصرا فاعلا، لكنه حافظ مع ذلك على خلافه مع ربّاني وزعيم الحرب الطاجيكي أحمد شاه مسعود حتى دخول حركة طالبان من العاصمة كابل. واليوم يعود حكمتيار إلى كابل للمرة الأولى بعد غياب طال أكثر من 20 سنة، وذلك في أعقاب توقيعه على اتفاق سلام مع السلطات الأفغانية قبل ثمانية أشهر.

«الحزب الإسلامي»... إلى أين؟
جدير بالذكر أن الحزب الإسلامي، الذي كان يقاتل ضد القوات الغربية بعد غزوها أفغانستان في 2001، لعب دوراً ثانوياً في الحركة المسلحة المناوئة للحكومة الأفغانية وحلفائها الغربيين خلال السنوات الأخيرة. كذلك تخلّى زعيمه حكمتيار عن معارضته الحكومة الأفغانية الحالية عندما وقع على اتفاق سلام معها في عام 2016، غير أن المزاج العام السائد في أوساط المسؤولين الأفغان يتسم بالتخوف من الدور الذي قد يضطلع به حكمتيار وأتباعه في حكومة أفغانستان الهشة أصلاً، ولا سيما، أنه لوحظت بوادر استياء لدى قادة عرقيات الطاجيك والأوزبك والهزارة من بعض تصريحات حكمتيار. وكان حكمتيار، الذي يبلغ من العمر اليوم نحو 70 سنة، قد أشار إلى أنه لا ينوي لعب دور ثانوي في الحياة السياسية في أفغانستان. وشكك في اتفاق تقاسم السلطة - الذي توسطت الولايات المتحدة في إبرامه - بين الرئيس أشرف غني أحمد زي ورئيس الهيئة التنفيذية عبد الله عبد الله بعد انتخابات مثيرة للجدل قبل سنتين.

متأثر بسيد قطب
فكرياً يعد قلب الدين حكمتيار من المتأثرين فكرياً وعقائدياً بحركة الإخوان المسلمين وأحد كبار قادتها سيد قطب. وعند بدء الاحتلال السوفياتي لأفغانستان عام 1979 شرعت وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية بتمويل مجاهدي «الحزب الإسلامي» بواسطة الاستخبارات الباكستانية. وكان حكمتيار يقيم آنذاك في مخيمات اللاجئين في باكستان. وبعد ذلك، حصل حكمتيار على مساعدات من الدول العربية وباكستان والولايات المتحدة إبان الغزو السوفياتي لأفغانستان. ثم عقب سقوط نظام حكم طالبان إثر الغزو الأميركي في عام 2001، توجه حكمتيار إلى باكستان، حيث قاد الميليشيا المسلحة التي شكلها حزبه في حملة ضد حكومة حامد كرزاي، الرئيس الأفغاني السابق التي دعمه الأميركيون وحلفاؤهم الغربيون.
حكمتيار، الذي يقال إنه ارتبط بتعاون وثيق مع زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في أوائل التسعينات، أعلن معارضته الغزو الأميركي عقب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، كما أنه انتقد باكستان لدعمها واشنطن. ورفض حكمتيار أيضاً الاتفاق الذي تم التوصل إليه بوساطة الأمم المتحدة يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 2001 في ألمانيا، الذي أسفر عن تشكيل أول حكومة أفغانية مؤقتة عقب الإطاحة بحكم حركة طالبان.

ضغوط وتهم... ثم عفو!
ونتيجة الضغوط التي مارستها حكومة كرزاي والإدارة الأميركية، أغلقت السلطات الإيرانية مكاتب «الحزب الإسلامي» في إيران وطردت الأخيرة حكمتيار من أراضيها. وكانت الولايات المتحدة تتهم حكمتيار بتشجيع مسلحي حركة طالبان على محاربة قوات التحالف داخل أفغانستان، كما أنه اتهم بالإعلان عن منح مكافآت لكل من يقتل الجنود الأميركيين.
ثم في 19 فبراير 2003 أدرجت وزارة الخارجية الأميركية حكمتيار في قائمة الإرهابيين الدوليين. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2006، نشر حكمتيار شريطا قال فيه إن «المصير الذي آل إليه الاتحاد السوفياتي ينتظر الولايات المتحدة أيضا».
ولكن، بعد مرور عشر سنوات، وحدوث كثير من التغيرات، على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، أصدرت الحكومة الأفغانية برئاسة أشرف غني يوم 22 سبتمبر 2016 عفوا عن حكمتيار، وذلك في إطار اتفاق للسلام أبرمته مع «الحزب الإسلامي». ونص الاتفاق على إطلاق سراح المعتقلين من الحزب وعودة حكمتيار إلى الحياة السياسية.

المشهد الأفغاني المرتقب
ولكن ماذا الآن؟
مع عودة قلب الدين حكمتيار إلى معترك السياسة في كابل يبدو أن الميدان السياسي سيشهد سخونة كبيرة، خاصة أن كل التوقعات تشير إلى أن زعيم «الحزب الإسلامي» لن يرضى بحصة صغيرة في الحكم، بل سيطالب - كعادته - بمناصب رفيعة في الحكومة، وهذا مع أنه قال في أول خطاب له إنه جاء لدعم عملية السلام وليس من أجل منصب معين.
ولكن في ضوء تحالفات حكمتيار السابقة والمتناقضة في كثير من الأحيان، يتوقع راصدو الحركة السياسية في كابل أن تشهد الساحة الأفغانية ستشهد عقد تحالفات جديدة بعد قدومه إلى العاصمة. وفي المقابل، يتوقع أن يعمل الرئيس الأفغاني الحالي أشرف غني - الذي ينحدر مثل حكتيار من قبيلة باشتونية - إلى تعزيز نفوذه وصفوف أتباعه بنتيجة عودة حكمتيار، ولكن هذا الأمر لن يكون - وفق كثيرين - مفروشاً بالورود لأنهم لا يستبعدون أن تظهر تحالفات مناهضة لحكمتيار حتى من بين قبائل الباشتون أنفسهم.

الخصوم المحتملون
وفي الجهة المقابل، يبدو أن «تحالف الشمال» السابق، المناهض لطالبان و«الحزب الإسلامي»، الذي يبرز فيه الطاجيك والأوزبك والذي كان قد حصل على حصة الأسد من المناصب في فترة حكم الرئيس الأفغاني السابق بعد سقوط حكم طالبان، قد يكون المتضرر الأكبر من عودة حكمتيار إلا إذا ظهرت مفاجآت أخرى. والمعروف أن «الحزب الإسلامي» بقيادة حكمتيار هو في المقام الأول حزب باشتوني يسعى إلى تعزيز مكانة الباشتون في السلطة. وإلى جانب هذا الحزب هناك أحزاب باشتونية أخرى لا تقل أهمية عن «الحزب الإسلامي»، وأهمها: حزب «الدعوة الإسلامية» بقيادة زعيم المجاهدين عبد رب الرسول سياف، وهو يتمتع بنفوذ واسع وكبير بين قبائل الباشتون، وله أيضاً حضور بين الطاجيك في شمال البلاد والعاصمة كابل. وحزب «الجبهة الوطنية» بقيادة سيد حامد جيلاني، نجل الزعيم الراحل بير سيد أحمد جيلاني، وهو حزب باشتوني أيضا ينشط في مناطق شرق أفغانستان ووسطها.
أيضا يرى مراقبون أن حكمتيار سيجد نفسه في مواجهة مع جماعة طالبان التي أعلنت رفضها لدعوة حكمتيار بإلقاء السلاح والانخراط في العمل السياسي، كما أنه سيجد معارضة شديدة من المجتمع المدني النشط والصحافة التي بدأت تكشف عن جرائم الرجل في تسعينات القرن الماضي في كابل وباقي المناطق. ويرى آخرون أنه من الممكن جداً أن يواجه تحالفاً سياسياً عريضاً قد يتشكل من قادة «تحالف الشمال» السابق وبعض قادة الباشتون من مناطق الجنوب مثل ولايتي قندهار وهلمند. وحينئذٍ سيدرك حكمتيار أن الزمن تغير كثيراً، ولن يتمكن من تنفيذ أجندته التي يبدو أنه لم يغير فيها كثيرا ما لم يتنازل عن مطالبه الكثيرة. وهنا يقول الكاتب والمحلل السياسي الأفغاني وحيد مجدة إن «حكمتيار دائما يتخذ القرارات الخاطئة في الوقت الضائع وأيضاً في الوقت الخاطئ»... مشيرا إلى أن حكمتيار ينضم إلى الحكومة في الوقت الذي تواجه هذه الحكومة هزات كبيرة من الداخل حتى إنها بالكاد تستطيع الوقوف على قدميها.

محطات في تاريخ حكمتيار
فيما يلي أهم المحطات التاريخية في حياة قلب الدين حكمتيار منذ سيطر المجاهدون على كابل عام 1992:
25 – 4 - 1992: سارعت قوات الزعيم الميداني الطاجيكي الشمالي أحمد شاه مسعود - الملقب بـ«أسد بانشير» - تساندها ميليشيات الجنرال عبد الرشيد دوستم، أبرز الزعماء الأوزبك، إلى قتال قوات حكمتيار التي سبقتهما إلى كابل، واستمر القتال يومين أجبر بعدها حكمتيار على الانسحاب إلى جنوب العاصمة.
28 – 4 - 1992: تسلم صبغة الله مجددي الحكم من إدارة كابل.
28 – 6 - 1992: تسلم برهان الدين ربّاني الحكم من مجدّدي.
6 - 7 - 1992: تسلم عبد الصبور فريد، أحد قادة حكمتيار، رئاسة الوزراء بموجب «معاهدة بيشاور» الموقعة بين فصائل المجاهدين.
10 - 8 - 1992: قصفت قوات حكمتيار العاصمة كابل بشدة بذريعة وجود ميليشيات (القائد الشيوعي آنذاك) عبد الرشيد دوستم، ما أدى إلى مقتل وجرح الألوف.
16 – 8 – 1992: فصل رباني حكمتيار من مجلس القيادة، وفصل كذلك عبد الصبور من رئاسة الوزراء.
29 – 8 - 1992: اتفق رباني وحكمتيار بعد ثلاثة أسابيع من المعارك العنيفة على وقف إطلاق النار الذي خلف أكثر من 4 آلاف قتيل وقرابة مائتي ألف مشرد من العاصمة.
31 – 10 - 1992: تمديد رئاسة رباني 45 يوماً.
30 – 12 - 1992: رفض حكمتيار انتخاب رباني رئيساً لأفغانستان من قبل «مجلس شورى أهل الحل والعقد».
7 – 3 - 1993: وقعت اتفاقية سلام في إسلام آباد بين الفصائل الأفغانية، ونصت على أن يكون رباني رئيساً لمدة 18 شهرا وحكمتيار رئيسا للوزراء.
17 – 6 - 1993: أدى حكمتيار اليمين الدستورية رئيساً للوزراء.
1994: نشبت الخلافات بين حكمتيار ورباني وقدم استقالته، ووقع قتال شديد بين القوات الحكومية وقوات حكمتيار شرق العاصمة في محاولة من الطرفين للسيطرة على المناطق الاستراتيجية.
24 – 5 - 1996: اندلعت معارك شرسة بين قوات حكمتيار وقوات رباني انتهت بعقد اتفاقية سلام بينهما، وذلك بعدما ظهرت على الساحة حركة طالبان وكادت تقضي عليهما معا. ويومذاك قضى الحال التنسيق بينهما فاتفق الطرفان على تشكيل حكومة انتقالية تحضر للانتخابات، واتفقا على أن تكون رئاسة الوزراء والدفاع والمالية لـ«الحزب الإسلامي».
7 - 1996: استمرت قوات حكمتيار في قصف كابل بحجة إخراج قوات عبد الرشيد دوستم، وسقطت نتيجة لذلك القصف أعداد كبيرة من المدنيين وتدمير المدينة بصورة شبه كاملة.
8 - 1996: استولت حركة طالبان على كابل، ما اضطر حكمتيار للفرار إلى المناطق الشمالية التي تسيطر عليها «الجبهة المتحدة الإسلامية القومية لتحرير أفغانستان» (التحالف الشمالي الساب بقيادة أحمد شاه مسعود غريم حكمتيار) والعمل معهم على إسقاط حركة طالبان.



«صراع الأضداد» في فرنسا يحمى وطيسه

ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)
ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)
TT

«صراع الأضداد» في فرنسا يحمى وطيسه

ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)
ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)

مرحلتا «التعايش» أو «المساكنة» الأولى والثانية في فرنسا كانتا في عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران الاشتراكي مع رئيسيْ حكومة من اليمين الديغولي هما جاك شيراك (بين عاميْ 1986 و1988) وإدوار بالادور (بين 1993 و1995)، ثم في زمن الرئيس شيراك، حين شغل الاشتراكي ليونيل جوسبان منصب رئاسة الحكومة طيلة خمس سنوات (1997 و2002). وانتهت المرحلة الأخيرة بإعادة انتخاب شيراك لولاية ثانية من خمس سنوات.

الحكم العامودي

رغم تعاقب العهود والتغيّرات في الآيديولوجيا والأولويات وبرامج الحكم، لم تعرف حقاً أزمات خطيرة؛ بفضل صلابة المؤسسات التي أرساها الجنرال شارل ديغول التي وفرت التعاقب السلمي والسلس على السلطة.

أما اليوم، فإن قراري الرئيس إيمانويل ماكرون، مساء 9 يونيو (حزيران) الماضي، حل البرلمان بعد الهزيمة التي ضربت تحالف الأحزاب الثلاثة المؤيدة له في الانتخابات الأوروبية، والدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة، أدخلا فرنسا في أزمة عميقة لا أحد يعرف كيف الخروج منها ولا الحدود التي ستقف عندها.

لوبن ومعها بارديلا (آ ب)

ويوماً بعد يوم، تتكشف الظروف، التي أحاطت بقرار ماكرون الفجائي، الذي اتخذه بمعزل عن الحكومة ومن دون القيام بالمشاورات التي يُلزمه بها الدستور، وتحديداً مع رئيسيْ مجلسي الشيوخ والنواب ورئيس الحكومة. ولم يعد سراً أن الأخير، غابرييل أتال (35 سنة)، كان معارضاً بقوة لقرار ماكرون الذي يدين له بكل شيء، ولكونه أصغر رئيس حكومة في تاريخ البلاد منذ عام 1802، حين وصل الجنرال نابوليون بونابرت - ولاحقاً الإمبراطور - إلى منصب «القنصل الأول» ما يساوي منصب رئيس الحكومة.

كذلك اعتبر إدوار فيليب، رئيس الحكومة الأسبق، والرئيس الحالي لحزب «هورايزون» المتحالف مع ماكرون، أن الأخير «قتل الأكثرية الرئاسية»، لذا «يتوجب الذهاب إلى أكثرية مختلفة لن تكون كسابقتها». أما فرنسوا بايرو، الحليف الرئيس لماكرون ورئيس حزب «الحركة الديمقراطية» المنضوية تحت لواء التحالف الداعم له، فرأى أن المعركة الانتخابية التي تلي حل البرلمان «ليست معركة سياسية بل صراع من أجل البقاء».

ماكرون ومجموعته الضيقة

بناءً عليه، صار واضحاً، اليوم، أن ماكرون اتخذ قراره مع مجموعة ضيقة لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. وفي اجتماع دُعيت إليه في قصر الإليزيه يائيل بيفيه ـ براون، رئيسة مجلس النواب، ليس للتشاور، بل لإبلاغها قراره، طلبت منه الأخيرة اجتماعاً على انفراد لتبلغه رفضها حل البرلمان الذي ترأسه منذ سنتين، مذكّرة إياه بالمادة الدستورية التي تُلزم رئيس الجمهورية بالتشاور معها. ولقد وافق ماكرون على طلبها، إلا أن الاجتماع، في غرفة جانبية، لم يدُم سوى دقيقتين.

ما حصل مع بيفيه ـ براون، جرى أيضاً مع جيرار لارشيه، رئيس مجلس الشيوخ، المنتمي إلى اليمين التقليدي - حزب «الجمهوريون» - والرجل الثاني في الدولة الذي يشغل هذا المنصب، من غير انقطاع، منذ عام 2014.

إذ نقلت صحيفة «لوموند» أن لارشيه، الذي لم يكن حاضراً الاجتماع الطارئ في الإليزيه، تلقى اتصالاً هاتفياً من ماكرون، في الثامنة والربع من مساء التاسع من يونيو (حزيران) الماضي، وأن الاتصال دام دقيقة ونصف الدقيقة.

وتابعت الصحيفة أن لارشيه، الطبيب البيطري السابق، انتقد ماكرون؛ لعدم احترامه المادة 12 من الدستور، الأمر الذي عدَّه «انتقاصاً من دور المؤسسة التي يرأسها»، وبالتالي من منصبه ومنه شخصياً. وسأل لارشيه، ماكرون: «هل فكّرت ملياً بما قرّرت فعله؟»، وجاء ردّ رئيس الجمهورية: «نعم، أنا أتحمل كامل المسؤولية ومستعد للتعايش» مع حكومة من غير معسكره السياسي.

التعايش مع اليمين المتطرف!

بالنظر لنتائج الانتخابات الأوروبية، التي شهدت احتلال حزب «التجمع الوطني»، اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبن، وترؤس الشاب جوردان بارديلا لائحتها، المرتبة الأولى وحصوله على 34 في المائة من الأصوات، كان ماكرون يعني التعايش مع حكومة من اليمين المتطرف. وهذا ما كان سيُدخل فرنسا نادي الدول التي سيطر عليها هذا اليمين؛ أكان بالكامل كما في إيطاليا وهولندا، أم جزئياً كما في المجر والدنمارك والسويد.

إلا أن لارشيه، المعروف باعتداله ووسطيته، انتقد نهج الحكم الماكروني قائلاً له أن «عمودية حكمه - أي إمساكه بالقرار السياسي وحرمان حكومته من هامش من التصرف - قادته إلى العزلة التي يعاني منها راهناً». وخلاصة القول إن قلة اكتراث ماكرون بالمؤسسات وبدور رئيس الحكومة والنقابات، وما يسمى الهيئات الوسيطة، كالنقابات مثلاً، أدت إلى «القطيعة مع الرئيس»، بمن في ذلك المرشحون للانتخابات التي أُجريت دورتاها يوميْ 30 يونيو، و7 يوليو (تموز) الحالي. وكان من أبرز معالم هذه القطيعة أن أحداً من المرشحين لم يطلب دعم ماكرون في حملته الانتخابية؛ لأنه اعتبر أن حضوره سيؤدي إلى نتائج عكسية. كذلك كان اللافت أن أياً من المرشحين لم يضع صورته إلى جانب صورة ماكرون على ملصقاته الانتخابية.

تبعات المبادرة الماكرونية..

لقد أفادت نتائج الدورة الانتخابية الأولى الرسمية والنهائية، التي صدرت عن وزارة الداخلية، أن حزب «التجمع الوطني»، ومعه حليفه أريك سيوتي، رئيس حزب «الجمهوريون» المنشقّ والملتحق بـ«التجمع الوطني»، حصل على 33.15 في المائة من أصوات الناخبين، وعلى 10.7 مليون صوت، في تحوّل لم يعرفه سابقاً، كما تمكّن 37 من مرشحيه من الفوز منذ الجولة الأولى.

ثم حلّت «الجبهة الشعبية الجديدة»، التي تشكلت في وقت قياسي، والتي تضم ثلاثة أحزاب يسارية وحزب «الخضر»، في المرتبة الثانية بحصولها على 28 في المائة من الأصوات.

أما «ائتلاف الوسط»، الداعم لماكرون وعهده، فقد حلّ في المرتبة الثالثة، إذ رسا على ما دون عتَبة الـ21 في المائة. وللعلم، تمكّن اليسار من إيصال 32 نائباً منذ الدورة الأولى، مقابل نائبين فقط للائتلاف الأخير. وأصاب الانهيار أحزاب العهد الثلاثة في الصميم، وكذلك حزب «الجمهوريون» الذي تقلّص ناخبوه إلى 6.75 في المائة، بعدما هيمن، طيلة عقود، على الحياة السياسية في فرنسا.

نعم، جاءت نتائج الجولة الأولى صادمة وبمثابة قرع لجرس الإنذار محذِّرة من وصول اليمين المتطرف إلى السلطة عبر الانتخابات البرلمانية. وطيلة الأسبوع الفاصل بين الجولتين الأولى والثانية، كان السؤال المحوَري يدور حول ما إذا كان اليمين المتطرف سيحصل على الأكثرية المطلقة في البرلمان أم لا.

وأخذ جوردان بارديلا، الذي رشحه «التجمع الوطني» لرئاسة الحكومة، بينما تتحضر مارين لوبن للعبور إلى قصر الإليزيه في الانتخابات الرئاسية لعام 2027، يتكلّم إلى الإعلام وكأنه واصل غداً إلى رئاسة الحكومة.

بيد أن هذه النتائج دفعت «الجبهة الشعبية الجديدة» و«ائتلاف الوسط»، رغم التباعد الآيديولوجي والسياسي بينهما والحملات السياسية والشخصية العنيفة المتبادلة طيلة ثلاثة أسابيع، إلى الاتفاق على سحب مرشحيهما من الدوائر التي حلّوا فيها في المرتبة الثالثة لكي تصب الأصوات كافة لصالح المرشح المناهض لليمين المتطرف، مهما كان لونه السياسي. والحقيقة أن «معجزة» تحقّقت، واتفق الطرفان على سحب 220 مرشحاً أكثريتهم من جبهة اليسار، الأمر الذي قلَب النتائج المرتقبة سلفاً رأساً على عقب.

ظواهر فرضت نفسها

في أي حال، ثمة أربع ظواهر فرضت نفسها:

الأولى أن «الجبهة الجمهورية» التي شكلت لوقف زحف اليمين المتطرف إلى السلطة نجحت في مهمتها. فبدل أن تثبت جولة الإعادة نتائج الجولة الأولى، ها هو اليمين المتطرف يحل في المرتبة الثالثة، ما وأد أحلامه السلطوية مع أنه نجح في إيصال 125 نائباً إلى البرلمان الجديد، مقابل 89 نائباً في البرلمان السابق.

والثانية أن جبهة اليسار، ومَن انضم إليها، حلّوا في المرتبة الأولى مع 195 نائباً، يتبعهم في ذلك ائتلاف الوسط الرئاسي (166 نائباً) الذي خسر 84 نائباً.

والثالثة أن أية مجموعة من المجموعات الرئيسة الثلاث لم تحصل على الأكثرية المطلقة (289 نائباً) أو لامستها، الأمر الذي أوجد وضعاً سياسياً بالغ التعقيد، وجعل تشكيل حكومة جديدة صعب المنال.

والرابعة قوامها أن القرار السياسي انتقل من قصر الإليزيه، حيث خرج ماكرون ضعيفاً في المنافسة الانتخابية بسبب ضعف مجموعته السياسية وفقدان سيطرته على المجموعات الأخرى، إلى البرلمان. وهو ما أعاد فرنسا - بمعنى ما - إلى عهود «الجمهورية الرابعة» عندما كان القرار بيد المشرّعين وليس بيد رئيس الجمهورية.

انتخابات بلا فائز

يعطي الدستور الفرنسي تسمية رئيس الحكومة لرئيس الجمهورية، كما أنه لا يُلزمه بمهلة محددة لاختياره. بيد أن العُرف يقول إنه يتوجب عليه أن يُوكل المهمة إلى شخصية من «التجمع»، أو الحزب الفائز بالانتخابات، أو الذي يحل في المرتبة الأولى؛ أي في حالة الانتخابات الأخيرة، إلى «الجبهة الشعبية الجديدة».

بيد أن ماكرون يتمهل وتجمعه (ائتلاف الوسط)، ومعهما اليمين التقليدي (حزب «الجمهوريون»)، الذي حصل على 65 نائباً. وهؤلاء يراوغون ويستمهلون ويسوّقون الأعذار لمنع اليسار من الوصول إلى السلطة بحجة هيمنة حزب «فرنسا الأبية»، والمرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون، عليه. ومنذ الأحد الماضي، يوجه هؤلاء سهامهم على ميلونشون؛ لأنهم يرون فيه نقطة الضعف الرئيسة، ويواظبون على نعته بـ«معاداة السامية»، وبالسعي لهدم النظام الديمقراطي، وإثارة الفوضى والطوائفية.

وتضاف إلى ما سبق حجتان: الأولى أن اليسار عاجز عن توفير أكثرية في مجلس النواب باعتبار أنه ليست ثمة مجموعة من المجموعتين الكبريين تقبل بالتحالف معه للوصول إلى العدد السحري (289 نائباً). والثانية أن «لا أحد فاز في الانتخابات الأخيرة»، كما أكد وزير الداخلية جيرالد درامانان... باعتبار أن المجموعات الثلاث نالت أعداداً متقاربة من النواب.

وبالفعل، سارع ماكرون إلى استخدام الحجة الأخيرة في «الرسالة» التي وجّهها إلى الفرنسيين، الأربعاء، عبر الصحافة الإقليمية - وهي الثانية من نوعها منذ حل البرلمان. وعمد الرئيس إلى استخلاص النتائج وطرح تصوّره للأيام المقبلة، فيما تجهد جبهة اليسار، بشِق النفس وبمفاوضات شاقة، إلى التوافق حول اسم مرشح تطرحه لرئاسة الحكومة وسط كمٍّ من الأسماء.

وهنا، لم يتردد أوليفيه فور، أمين عام الحزب الاشتراكي، في طرح نفسه للمنصب، علماً بأن هناك صراعاً داخلياً قائماً بين الحزب الاشتراكي وحزب «فرنسا الأبية» على تزعّم تجمع اليسار و«الخضر». وحلم ماكرون ومجموعته إحداث شرخ داخل «جبهة اليسار» بحيث يبتعد الاشتراكيون و«الخضر» - وأيضاً الشيوعيون - عن ميلونشون و«فرنسا الأبية»، بحيث يتاح المجال لتشكيل حكومة «قوس قزح» من اليمين وائتلاف الوسط واليسار غير الميلونشوني؛ بمعنى إقصاء أقصى الطرفين خارجها، أي من جهة، اليمين المتطرف ممثلاً بـ«التجمع الوطني»، ومن جهة ثانية، اليسار المتشدد ممثلاً بـ«فرنسا الأبية».

وللتذكير، طلب ماكرون، في رسالته التي لقيت احتجاجات قوية، لا بل تنديداً شديداً بـ«مناورته» الجديدة، من «كل القوى السياسية التي ترى نفسها داخل المؤسسات الجمهورية، أن تنخرط في حوار صادق ونزيه من أجل بناء أكثرية صلبة تكون بطبيعة الحال متعددة». وأردف أنه يريد «التمهّل بعض الوقت من أجل التوصل إلى تسويات بهدوء واحترام للجميع»، مكرّراً من جديد أن «لا أحد فاز» في هذه الانتخابات.