حكمتيار... رجل التحالفات المتناقضة

عودة «زعيم الحرب» إلى كابل محطة مفصلية في الصراع الأفغاني

حكمتيار... رجل التحالفات المتناقضة
TT

حكمتيار... رجل التحالفات المتناقضة

حكمتيار... رجل التحالفات المتناقضة

عاد قلب الدين حكمتيار، أحد قادة المجاهدين في أفغانستان، أخيراً إلى العاصمة الأفغانية كابل للمرة الأولى بعد أكثر من 20 سنة. وجاءت عودة زعيم الحرب وقائد «الحزب الإسلامي» في أعقاب توقيعه على اتفاق سلام مع الحكومة قبل ثمانية أشهر. ولقد التقى حكمتيار، الذي وصل إلى كابل في موكب تحيطه حماية محكمة، بالرئيس الأفغاني أشرف غني أحمد زي، وسبق ذلك إطلاق الحكومة سراح 55 عنصراً على الأقل من عناصر «الحزب الإسلامي» من سجونها. يرى مراقبون أن عودة حكمتيار تعني دخوله من جديد الحياة السياسية الأفغانية بعد 20 سنة من الغياب. ويذكر أنه كان قد اتهم بلعب دور رئيسي في الحرب الأهلية التي أسفرت عن مقتل الآلاف في كابل، وأدت إلى إلحاق دمار كبير في المدينة. وكان حكمتيار، الذي أزيل اسمه مؤخراً من قائمة الأمم المتحدة الخاصة بالإرهاب، لأول مرة بعد غيابه أمام مؤيديه في مدينة لغمان، ثم ظهر وسط أنصاره في مدينة جلال آباد عاصمة إقليم ننغرهار، شرق كابل، وذلك قبل أن يتجه إلى العاصمة. ولقد رحبت كل من الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية بعودته للحياة السياسية في أفغانستان، لكونهما تعتبران ذلك بشيراً لنجاح اتفاق السلام مع حركة طالبان التي تسيطر على مساحات شاسعة من البلاد.
ولد قلب الدين حكمتيار، القيادي السياسي والعسكري الأفغاني الذي اشتهر إبان قتال المجاهدين الأفغان ضد القوات السوفياتية قبل بضعة عقود، عام 1947 على بعد 12 كلم تقريباً من نهر جيحون - الذي يعرف أيضاً بنهر آموداريا - الذي يفصل حدود أفغانستان عن الجمهوريات السوفياتية السابقة في آسيا الوسطى. وهو ابن قرية من قرى مديرية إمام صاحب التابعة لولاية قندُز، بشمال شرقي البلاد. وفي عام مولده كانت أسرته قد هاجرت من ولاية غزني، الواقعة جنوب كابل، لتحط رحالها في قندُز.
في تلك القرية الفقيرة عاش حكمتيار وسط أسرة متواضعة، وترعرع فيها وهو يشارك أباه ولعه بالصيد. ثم التحق بإحدى المدارس الابتدائية، وتحوّل فيما بعد إلى مدرسة شيرخان الثانوية، وبعد تخرّجه فيها التحق بكلية الهندسة في جامعة كابل عام 1969. غير أنه لم يتمكن من إكمال الدراسة الجامعية. والسبب أنه تعرّف في جامعة كابل على شباب التيار الإسلامي، وسرعان ما أصبح عضواً ناشطاً في أوساطهم. وبعدها اعتقل عام 1971 وحكم عليه بالسجن لمدة سنتين بتهمة قتل أحد الطلبة الشيوعيين في إحدى المظاهرات لكنه استطاع الفرار والهجرة إلى باكستان عام 1974.
تأثر قلب الدين حكمتيار بالجو الذي كان يعيشه التيار الإسلامي الناشئ في بداية الستينات بوصفه رد فعل على الحركة الشيوعية والتوجهات الاشتراكية التي ازداد تأثيرها داخل المجتمع الأفغاني في عهد الملك السابق محمد ظاهر شاه ورئيس وزرائه محمد داود خان. وكانت قد تألفت بعض التشكيلات الإسلامية لمناهضة المد الشيوعي وظهرت أولى الحركات النشطة مثل «الشباب المسلم» و«جمعية خدام الفرقان»، ثم «الجمعية الإسلامية»، التي تعد أقدم التشكيلات الإسلامية، فواجهها رئيس الوزراء – يومذاك - محمد داود بإجراءات تعسفية نجم عنها مقتل عدد كبير من قادة «الجمعية الإسلامية» واعتقال آخرين.
بعد ذلك قاد محمد داود انقلاباً سياسيا على الملك محمد ظاهر شاه أثناء زيارة كان يقوم بها الأخير في أوروبا خلال يوليو (تموز) 1973. وبعد نجاح الانقلاب، أعلن محمد داود إلغاء الملكية والاستعاضة عنها بنظام جمهوري، كذلك شدد قمعه للجماعات والتنظيمات الإسلامية فألقى القبض على عدد كبير من قادتها مثل عبد رب الرسول سياف والدكتور محمد خان نيازي وآخرين كثر.
وحينما تولى القيادي اليساري نور محمد تاراكي الحكم بعد انقلاب دموي قتل فيه محمد داود عام 1978 أمر تاراكي بتصفية جميع المعتقلين السياسيين من أعضاء «الجمعية الإسلامية»، فقتل الدكتور محمد نيازي ومعه عدد من تلاميذه في عام 1977. في حين نجا من هذه المذبحة سياف الذي خرج من السجن إبان عهد الرئيس الأفغاني الأسبق (اليساري أيضاً) بابرك كارمل عام 1979.
في هذه الأثناء، في عهد الجنرال ضياء الحق، قدّمت باكستان التي كانت تخشى المد الشيوعي القادم من أفغانستان دعمها للإسلاميين الأفغان، وكان قلب الدين حكمتيار يدها النافذة داخل أفغانستان. وبالتالي، كان يحصل على النصيب الأوفر من المساعدات المقدمة من إسلام آباد للمجاهدين آنذاك، وبالأخص، بعد مقتل والده واثنين من إخوته في سجون كابل في أعقاب تولّي الشيوعيين السلطة في أفغانستان خلال أبريل (نيسان) 1978.

التحالف ثم الخلاف مع رباني
عام 1974، اتفق حكمتيار مع برهان الدين رباني على إعادة تنظيم «الجمعية الإسلامية» الأفغانية في منطقة بيشاور الباكستانية الحدودية، على أن يتولى رباني رئاسة «الجمعية» وشؤون العلاقات الخارجية، بينما يتولى حكمتيار الشؤون الداخلية والعسكرية. إلا أنه سرعان ما تفجرت الخلافات بين الرجلين وتفاقمت الأمور حتى خرج حكمتيار من «الجمعية» ليؤسس «الحزب الإسلامي».
أسّس حكمتيار «الحزب الإسلامي» عام 1976 وتميّز الحزب الجديد بالتنظيم الدقيق، ونجح في اجتذاب أتباع كثر، خاصة، شريحة الشباب في ولايات كابل وقندز وبغلان وننغرهار في شرق البلاد. غير أن التاريخ السياسي لحكمتيار اتسم بكثرة التحالفات والخلافات. فقد شارك مع فصائل المجاهدين في الحرب ضد الاتحاد السوفياتي التي اندلعت بين عامي 1979 - 1989. وكان عضوا في «الاتحاد الإسلامي» الذي ترأسه عبد رب الرسول سياف في الفترة من 1983 - 1985 ثم شارك في «تحالف المنظمات السبع» واختير يوم 24 فبراير (شباط) 1989 وزيرا للخارجية في «حكومة المجاهدين» الأفغان إلا أنه جمد عضويته في الحكومة خلال شهر أغسطس (آب) 1989.
وسرعان ما اندلع القتال بين فصائل المجاهدين بعد دخولهم كابل. وتسبب ذلك القتال في عقد كثير من التحالفات والتراجع عنها، وكان حكمتيار في كل تلك التحولات عنصرا فاعلا، لكنه حافظ مع ذلك على خلافه مع ربّاني وزعيم الحرب الطاجيكي أحمد شاه مسعود حتى دخول حركة طالبان من العاصمة كابل. واليوم يعود حكمتيار إلى كابل للمرة الأولى بعد غياب طال أكثر من 20 سنة، وذلك في أعقاب توقيعه على اتفاق سلام مع السلطات الأفغانية قبل ثمانية أشهر.

«الحزب الإسلامي»... إلى أين؟
جدير بالذكر أن الحزب الإسلامي، الذي كان يقاتل ضد القوات الغربية بعد غزوها أفغانستان في 2001، لعب دوراً ثانوياً في الحركة المسلحة المناوئة للحكومة الأفغانية وحلفائها الغربيين خلال السنوات الأخيرة. كذلك تخلّى زعيمه حكمتيار عن معارضته الحكومة الأفغانية الحالية عندما وقع على اتفاق سلام معها في عام 2016، غير أن المزاج العام السائد في أوساط المسؤولين الأفغان يتسم بالتخوف من الدور الذي قد يضطلع به حكمتيار وأتباعه في حكومة أفغانستان الهشة أصلاً، ولا سيما، أنه لوحظت بوادر استياء لدى قادة عرقيات الطاجيك والأوزبك والهزارة من بعض تصريحات حكمتيار. وكان حكمتيار، الذي يبلغ من العمر اليوم نحو 70 سنة، قد أشار إلى أنه لا ينوي لعب دور ثانوي في الحياة السياسية في أفغانستان. وشكك في اتفاق تقاسم السلطة - الذي توسطت الولايات المتحدة في إبرامه - بين الرئيس أشرف غني أحمد زي ورئيس الهيئة التنفيذية عبد الله عبد الله بعد انتخابات مثيرة للجدل قبل سنتين.

متأثر بسيد قطب
فكرياً يعد قلب الدين حكمتيار من المتأثرين فكرياً وعقائدياً بحركة الإخوان المسلمين وأحد كبار قادتها سيد قطب. وعند بدء الاحتلال السوفياتي لأفغانستان عام 1979 شرعت وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية بتمويل مجاهدي «الحزب الإسلامي» بواسطة الاستخبارات الباكستانية. وكان حكمتيار يقيم آنذاك في مخيمات اللاجئين في باكستان. وبعد ذلك، حصل حكمتيار على مساعدات من الدول العربية وباكستان والولايات المتحدة إبان الغزو السوفياتي لأفغانستان. ثم عقب سقوط نظام حكم طالبان إثر الغزو الأميركي في عام 2001، توجه حكمتيار إلى باكستان، حيث قاد الميليشيا المسلحة التي شكلها حزبه في حملة ضد حكومة حامد كرزاي، الرئيس الأفغاني السابق التي دعمه الأميركيون وحلفاؤهم الغربيون.
حكمتيار، الذي يقال إنه ارتبط بتعاون وثيق مع زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في أوائل التسعينات، أعلن معارضته الغزو الأميركي عقب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، كما أنه انتقد باكستان لدعمها واشنطن. ورفض حكمتيار أيضاً الاتفاق الذي تم التوصل إليه بوساطة الأمم المتحدة يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 2001 في ألمانيا، الذي أسفر عن تشكيل أول حكومة أفغانية مؤقتة عقب الإطاحة بحكم حركة طالبان.

ضغوط وتهم... ثم عفو!
ونتيجة الضغوط التي مارستها حكومة كرزاي والإدارة الأميركية، أغلقت السلطات الإيرانية مكاتب «الحزب الإسلامي» في إيران وطردت الأخيرة حكمتيار من أراضيها. وكانت الولايات المتحدة تتهم حكمتيار بتشجيع مسلحي حركة طالبان على محاربة قوات التحالف داخل أفغانستان، كما أنه اتهم بالإعلان عن منح مكافآت لكل من يقتل الجنود الأميركيين.
ثم في 19 فبراير 2003 أدرجت وزارة الخارجية الأميركية حكمتيار في قائمة الإرهابيين الدوليين. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2006، نشر حكمتيار شريطا قال فيه إن «المصير الذي آل إليه الاتحاد السوفياتي ينتظر الولايات المتحدة أيضا».
ولكن، بعد مرور عشر سنوات، وحدوث كثير من التغيرات، على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، أصدرت الحكومة الأفغانية برئاسة أشرف غني يوم 22 سبتمبر 2016 عفوا عن حكمتيار، وذلك في إطار اتفاق للسلام أبرمته مع «الحزب الإسلامي». ونص الاتفاق على إطلاق سراح المعتقلين من الحزب وعودة حكمتيار إلى الحياة السياسية.

المشهد الأفغاني المرتقب
ولكن ماذا الآن؟
مع عودة قلب الدين حكمتيار إلى معترك السياسة في كابل يبدو أن الميدان السياسي سيشهد سخونة كبيرة، خاصة أن كل التوقعات تشير إلى أن زعيم «الحزب الإسلامي» لن يرضى بحصة صغيرة في الحكم، بل سيطالب - كعادته - بمناصب رفيعة في الحكومة، وهذا مع أنه قال في أول خطاب له إنه جاء لدعم عملية السلام وليس من أجل منصب معين.
ولكن في ضوء تحالفات حكمتيار السابقة والمتناقضة في كثير من الأحيان، يتوقع راصدو الحركة السياسية في كابل أن تشهد الساحة الأفغانية ستشهد عقد تحالفات جديدة بعد قدومه إلى العاصمة. وفي المقابل، يتوقع أن يعمل الرئيس الأفغاني الحالي أشرف غني - الذي ينحدر مثل حكتيار من قبيلة باشتونية - إلى تعزيز نفوذه وصفوف أتباعه بنتيجة عودة حكمتيار، ولكن هذا الأمر لن يكون - وفق كثيرين - مفروشاً بالورود لأنهم لا يستبعدون أن تظهر تحالفات مناهضة لحكمتيار حتى من بين قبائل الباشتون أنفسهم.

الخصوم المحتملون
وفي الجهة المقابل، يبدو أن «تحالف الشمال» السابق، المناهض لطالبان و«الحزب الإسلامي»، الذي يبرز فيه الطاجيك والأوزبك والذي كان قد حصل على حصة الأسد من المناصب في فترة حكم الرئيس الأفغاني السابق بعد سقوط حكم طالبان، قد يكون المتضرر الأكبر من عودة حكمتيار إلا إذا ظهرت مفاجآت أخرى. والمعروف أن «الحزب الإسلامي» بقيادة حكمتيار هو في المقام الأول حزب باشتوني يسعى إلى تعزيز مكانة الباشتون في السلطة. وإلى جانب هذا الحزب هناك أحزاب باشتونية أخرى لا تقل أهمية عن «الحزب الإسلامي»، وأهمها: حزب «الدعوة الإسلامية» بقيادة زعيم المجاهدين عبد رب الرسول سياف، وهو يتمتع بنفوذ واسع وكبير بين قبائل الباشتون، وله أيضاً حضور بين الطاجيك في شمال البلاد والعاصمة كابل. وحزب «الجبهة الوطنية» بقيادة سيد حامد جيلاني، نجل الزعيم الراحل بير سيد أحمد جيلاني، وهو حزب باشتوني أيضا ينشط في مناطق شرق أفغانستان ووسطها.
أيضا يرى مراقبون أن حكمتيار سيجد نفسه في مواجهة مع جماعة طالبان التي أعلنت رفضها لدعوة حكمتيار بإلقاء السلاح والانخراط في العمل السياسي، كما أنه سيجد معارضة شديدة من المجتمع المدني النشط والصحافة التي بدأت تكشف عن جرائم الرجل في تسعينات القرن الماضي في كابل وباقي المناطق. ويرى آخرون أنه من الممكن جداً أن يواجه تحالفاً سياسياً عريضاً قد يتشكل من قادة «تحالف الشمال» السابق وبعض قادة الباشتون من مناطق الجنوب مثل ولايتي قندهار وهلمند. وحينئذٍ سيدرك حكمتيار أن الزمن تغير كثيراً، ولن يتمكن من تنفيذ أجندته التي يبدو أنه لم يغير فيها كثيرا ما لم يتنازل عن مطالبه الكثيرة. وهنا يقول الكاتب والمحلل السياسي الأفغاني وحيد مجدة إن «حكمتيار دائما يتخذ القرارات الخاطئة في الوقت الضائع وأيضاً في الوقت الخاطئ»... مشيرا إلى أن حكمتيار ينضم إلى الحكومة في الوقت الذي تواجه هذه الحكومة هزات كبيرة من الداخل حتى إنها بالكاد تستطيع الوقوف على قدميها.

محطات في تاريخ حكمتيار
فيما يلي أهم المحطات التاريخية في حياة قلب الدين حكمتيار منذ سيطر المجاهدون على كابل عام 1992:
25 – 4 - 1992: سارعت قوات الزعيم الميداني الطاجيكي الشمالي أحمد شاه مسعود - الملقب بـ«أسد بانشير» - تساندها ميليشيات الجنرال عبد الرشيد دوستم، أبرز الزعماء الأوزبك، إلى قتال قوات حكمتيار التي سبقتهما إلى كابل، واستمر القتال يومين أجبر بعدها حكمتيار على الانسحاب إلى جنوب العاصمة.
28 – 4 - 1992: تسلم صبغة الله مجددي الحكم من إدارة كابل.
28 – 6 - 1992: تسلم برهان الدين ربّاني الحكم من مجدّدي.
6 - 7 - 1992: تسلم عبد الصبور فريد، أحد قادة حكمتيار، رئاسة الوزراء بموجب «معاهدة بيشاور» الموقعة بين فصائل المجاهدين.
10 - 8 - 1992: قصفت قوات حكمتيار العاصمة كابل بشدة بذريعة وجود ميليشيات (القائد الشيوعي آنذاك) عبد الرشيد دوستم، ما أدى إلى مقتل وجرح الألوف.
16 – 8 – 1992: فصل رباني حكمتيار من مجلس القيادة، وفصل كذلك عبد الصبور من رئاسة الوزراء.
29 – 8 - 1992: اتفق رباني وحكمتيار بعد ثلاثة أسابيع من المعارك العنيفة على وقف إطلاق النار الذي خلف أكثر من 4 آلاف قتيل وقرابة مائتي ألف مشرد من العاصمة.
31 – 10 - 1992: تمديد رئاسة رباني 45 يوماً.
30 – 12 - 1992: رفض حكمتيار انتخاب رباني رئيساً لأفغانستان من قبل «مجلس شورى أهل الحل والعقد».
7 – 3 - 1993: وقعت اتفاقية سلام في إسلام آباد بين الفصائل الأفغانية، ونصت على أن يكون رباني رئيساً لمدة 18 شهرا وحكمتيار رئيسا للوزراء.
17 – 6 - 1993: أدى حكمتيار اليمين الدستورية رئيساً للوزراء.
1994: نشبت الخلافات بين حكمتيار ورباني وقدم استقالته، ووقع قتال شديد بين القوات الحكومية وقوات حكمتيار شرق العاصمة في محاولة من الطرفين للسيطرة على المناطق الاستراتيجية.
24 – 5 - 1996: اندلعت معارك شرسة بين قوات حكمتيار وقوات رباني انتهت بعقد اتفاقية سلام بينهما، وذلك بعدما ظهرت على الساحة حركة طالبان وكادت تقضي عليهما معا. ويومذاك قضى الحال التنسيق بينهما فاتفق الطرفان على تشكيل حكومة انتقالية تحضر للانتخابات، واتفقا على أن تكون رئاسة الوزراء والدفاع والمالية لـ«الحزب الإسلامي».
7 - 1996: استمرت قوات حكمتيار في قصف كابل بحجة إخراج قوات عبد الرشيد دوستم، وسقطت نتيجة لذلك القصف أعداد كبيرة من المدنيين وتدمير المدينة بصورة شبه كاملة.
8 - 1996: استولت حركة طالبان على كابل، ما اضطر حكمتيار للفرار إلى المناطق الشمالية التي تسيطر عليها «الجبهة المتحدة الإسلامية القومية لتحرير أفغانستان» (التحالف الشمالي الساب بقيادة أحمد شاه مسعود غريم حكمتيار) والعمل معهم على إسقاط حركة طالبان.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.