إيمانويل ماكرون... «سوبر ستار» فرنسي

لمن تقرع أجراس باريس مساء غد؟

إيمانويل ماكرون... «سوبر ستار» فرنسي
TT

إيمانويل ماكرون... «سوبر ستار» فرنسي

إيمانويل ماكرون... «سوبر ستار» فرنسي

في الساعة الثامنة تماماً من مساء غد (الأحد)، ستظهر على شاشات التلفزة الفرنسية صورة الرئيس (أو الرئيسة) المقبل لفرنسا الذي سيتسلم من الرئيس المنتهية ولايته فرنسوا هولاند مقدرات البلاد لخمس سنوات، قابلة للتجديد مرة واحدة. وبما أن الأخير أعلن أكثر من مرة أنه سيمارس صلاحياته الرئاسية حتى آخر لحظة من عهده، فمن المنتظر أن تجري عملية التسلم والتسليم في قصر الإليزيه يوم الأحد 14 مايو (أيار)، وهو تاريخ انتهاء ولاية هولاند. وإذا ما تم العمل بهذا السيناريو، فإنها ستكون المرة الأولى التي تحصل فيها هذه العملية يوم أحد منذ 110 سنوات. ذلك أنه خلال 170 سنة من عمر الجمهورية الفرنسية، فقد جرت مرة واحدة يوم الأحد 18 فبراير (شباط) في عام 1906 مع تسلم الرئيس آرمان فاليير مهامه الرئاسية.
حتى طباعة هذه السطور، كانت المؤشرات كلها تدل على أن مرشح الوسط إيمانويل ماكرون سيحقق حلمه ليصبح بعد ساعات الرئيس الثامن لـ«الجمهورية الخامسة» في فرنسا؛ إذ إن استطلاعات الرأي تجمع على أنه سيكون الفائز في هذه المبارزة الانتخابية بفارق مريح (60 في المائة مقابل 40 في المائة لمنافسته مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان) يتجاوز هامش الخطأ في هذا النوع من الاستطلاعات (ما بين 2.5 و3 نقاط في المائة).
ما يرسخ قناعة مناصري ماكرون بأن «المبارزة» التلفزيونية التي تواجه فيها مع لوبان مساء الأربعاء الماضي حسمت لصالحه. ومقابل عنف منافسته وإقدامها منذ اللحظات الأولى من المناظرة على كيل سيل من الاتهامات، لا بل الشتائم، نجح ماكرون في المحافظة على هدوئه من غير ضعف وبدأ دوماً ساعياً لشرح برنامجه الانتخابي والتدابير التي ينوي اعتمادها لإخراج فرنسا من محنتها.
لقد بدأ المرشح الشاب متمكنا من ملفاته الاقتصادية والاجتماعية، بينما اكتفت لوبان بتكرار مواقف عامة وعناوين حرص ماكرون على تفنيدها. والأسوأ من ذلك بالنسبة لمرشحة اليمين المتطرف أنها بدت متأرجحة وغير واثقة مما تقوله في موضوع أوروبا والعملة الموحّدة. وفي ملفات الإرهاب والأمن والهجرة والإسلام، التي كانت لوبان تعوّل عليها لسد الفجوة التي ما زالت تفصلها عن ماكرون، نجح الأخير إلى حد كبير في الرّد عليها. كذلك، لم تنفع اتهاماتها له بأنه «مرشح النخبة والبورصات وأسواق المال»، وبأنه «منبطح» أمام المستشارة الألمانية، ولا يعرف هموم الشعب وأنه مرشح هولاند... وآخر ما تفتق به ذهنها الإيحاء، خلال المناظرة التلفزيونية، بأن ماكرون يملك حسابات «أوف شور» سرية في جزر الباهاما.

«لمسات» موسكو؟
وجاءت اتهامات «آخر لحظة» على خلفيات أخبار وكتابات وردت في مواقع إلكترونية أميركية. وكان رد ماكرون قاطعاً؛ إذ نفى بقوة امتلاكه أي حساب في الخارج، وفي اليوم التالي للمناظرة، وبعدما شهد يوم الخميس انتشاراً واسعاً لهذه الشائعات، تقدم ماكرون بشكوى إلى القضاء الفرنسي الذي بادر فوراً إلى فتح تحقيق بالنظر إلى خطورة الاتهامات، وما يمكن أن تفضي إليه من تأثير على الناخبين الفرنسيين. وبحسب معلومات للفريق الإلكتروني العامل مع ماكرون، فإن أولى الشائعات انطلقت من الولايات المتحدة عبر مواقع عملت لصالح دونالد ترمب في انتخابات الرئاسة الأميركية. أما في فرنسا، فقد تلقفتها مواقع قريبة من الدوائر الروسية الرسمية التي اعتادت أن تنشر تقارير وكالة «سبوتنيك» أو مجموعة «روسيا اليوم» الروسيتين.
الواضح أن فريق لوبان لعب في الساعات الماضية ورقته «الأخيرة» لوقف تقدم ماكرون نحو قصر الإليزيه. بيد أن المراقبين يستبعدون أن تنجح خطته في تغيير مسار الأحداث بنهاية معركة انتخابية ربما تكون الوحيدة من نوعها في تاريخ الرئاسيات الفرنسية. ونجاح ماكرون - إذا تحول إلى واقع - ووصل إلى رئاسة الجمهورية، سيكون مثالاً يُدرّس في معاهد العلوم السياسية. كذلك، فإن مجريات الحملة الانتخابية وتطوراتها بمجملها كانت أشبه بمسرحية كثيرة المفاجآت، ومن تداعياتها إعادة تشكيل المشهد السياسي في فرنسا، وستظهر مؤشراته الأولى بدءا من مساء الأحد؛ لأن الانتخابات التشريعية (البرلمانية) ستجرى في يونيو (حزيران) المقبل ومصيرها سيكون له تأثير بالغ على مسار العهد الجديد. ذلك أن ماكرون سيكون في حاجة إلى أكثرية برلمانية ليحكم. والسؤال المطروح: ممن ستتشكل هذه الأكثرية، خصوصاً أن كثيرين ممن سيقترعون له غداً، وسيمكنونه من الرئاسة، سيكونون فعلوا ذلك ليس من باب تبني برنامجه... بل لقطع الطريق على لوبان.

قصة نجاح
في شهر أبريل (نيسان) من العام الماضي، أطلق إيمانويل ماكرون - وزير الاقتصاد حينذاك - حركة سياسية فرنسية جديدة سماها «إلى الأمام». عندها بدأ المعلقون السياسيون يتحدثون عن الطموحات الرئاسية للشاب البالغ من العمر 38 سنة.
وشيئاً فشيئاً، حمي وطيس الجدل بين فريق يقول إنه «لن يجرؤ» على الترشح ضد الرئيس هولاند لأنه «صنيعته». ذلك أن الرئيس الاشتراكي هو من أخرجه من المجهول أولاً، عندما عيّنه مستشاراً اقتصاديا له بناءً على نصيحة من جاك أتالي، المستشار الخاص للرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا ميتران. وبعدما فاز هولاند بالرئاسة، انتقل ماكرون - خريج المعهد الوطني للإدارة - معه إلى الإليزيه ليكون نائب مدير عام الرئاسة، مع الاستمرار في عمله مستشارا اقتصاديا. أما الخطوة اللاحقة، فقد تمّت عندما كلفه بتولّي حقيبة وزارة الاقتصاد في حكومة مانويل فالس ليغدو أصغر وزير فيها. لمجموع هذه الأسباب، لم يكن متوقعاً أن ينافس ماكرون ولي نعمته، ولا سيما، أن رؤساء الجمهورية في فرنسا، يميناً ويساراً، دأبوا على الترشح لولاية ثانية يتيحها الدستور. فالجنرال شارل ديغول، أول رئيس لـ«الجمهورية الخامسة»، حكم لولايتين، لكنه لم يكمل الثانية بسبب «الثورة الطلابية» وأحداث مايو 1968، ومن ثم وخسارته للاستفتاء الخاص بإدخال إصلاحات سياسية وإدارية ففضّل الاستقالة. وحل بعد ديغول في قصر الإليزيه، رئيس حكومته جورج بومبيدو. إلا أن مرض السرطان لم يمكنه من إكمال ولايته الأولى فتوفي إبان رئاسته. ولكن في عهد بومبيدو لمع اسم وزير الاقتصاد والمال وسليل عائلة أرستقراطية من وسط فرنسا هو فاليري جيسكار ديستان الذي فاز بالرئاسة عام 1974 على منافسه الاشتراكي فرنسوا ميتران. لكن جيسكار - كما يسميه الفرنسيون - أخفق في عام 1981 في الفوز بولاية ثانية. وكانت النتيجة وصول غريمه الاشتراكي ميتران إلى القصر الرئاسي لولاية من سبع سنوات، أعقبها فوزه بولاية ثانية انتهت عام 1995. ومثل ميتران، نجح «الديغولي» جاك شيراك في أن يحكم فرنسا لولايتين، ولقد فاز بالثانية عام 2002 بنسبة 80 في المائة وكان منافسه يومذاك جان ماري لوبان، زعيم «الجبهة الوطنية» اليمينية المتطرفة ووالد المرشحة الحالية مارين لوبان. ومن ثم، انتقلت الرئاسة من شيراك إلى يميني آخر هو نيكولا ساركوزي. لكن الأخير أخفق عام 2012 في الحصول على ثقة الفرنسيين مرة ثانية، فخسر الانتخابات لتذهب الرئاسة إلى الاشتراكي فرنسوا هولاند.

ماكرون «الظاهرة»
يجمع المحللون السياسيون على أن هولاند كان ينوي السير على خطى مَن سبقه في الترشح لولاية ثانية. إلا أن ضعفه السياسي، قبل عام من الاستحقاق الانتخابي بسبب غياب النتائج الاقتصادية والاجتماعية الإيجابية، واتباعه سياسة ليبرالية مخالفة لوعوده الانتخابية، وأخطاءه الشخصية، قلّصت حظوظه في الترشح والفوز. لكن الشعرة التي قصمت ظهر البعير جاءت عندما أعلن «ربيبه» ماكرون في أغسطس (آب) الماضي ترشحه للرئاسة بغض النظر عما سيقرّره هولاند. وعمد وزير الاقتصاد السابق إلى الاستقالة من منصبه الوزاري ليتفرّغ لمعركة ترشحه. ثم رئيس الحكومة الشاب برر طموحاته باعتباره أن ضعف هولاند سياسيا يفتح له - أي ماكرون - الباب واسعاً للترشح. وخسارته الانتخابات الداخلية بوجه منافسه بونوا هامون، ممثل التيار اليساري في الحزب الاشتراكي، أزاحته من المنافسة حقاً... وأوجدت المساحة السياسية التي يحتاج إليها ماكرون. وهذا، الأخير، في هذه الأثناء، أراد تخطي الاصطفافات التقليدية بين اليمين واليسار، وعلى جانبيهما اليمين المتطرف واليسار المتشدد. مع هذا، رأى كثيرون أن ماكرون مجرد «فقاعة إعلامية» أو «مرشح افتراضي» أو حتى «صنيعة مؤسسات استطلاع الرأي». وبناءً عليه؛ لن يصمد في السباق الانتخابي لأنه سيعجز عن إثبات وجوده في وجه أحزاب متجذّرة في المجتمع الفرنسي، ولها «ماكيناتها» السياسية والإدارية والتنظيمية. يمثل صعود ماكرون ظاهرة سياسية حقيقية في المجتمع الفرنسي. فهو، بداية، يعكس رغبة التجديد والانفتاح رغم وصف منافسيه له بأنه «مرشح البورصة» و«أوليغارشيا المال»، أو أنه «الطفل المدلل» للوسائل الإعلامية القوية ولأرباب العمل. وتذهب منافسته مارين لوبان أبعد من ذلك فلا تتردد في وصفه بـ«مرشح الخارج» و«المجموعات الإسلامية» و«المهاجرين»، وتتهمه بالتخلي عن «الهوية الفرنسية»... إلى غير ذلك من النعوت التي يراد منها نزع الشرعية عنه.

هذه هي السياسة
لكن الواقع، أن ماكرون، الذي من المرجح له أن يكون الرئيس المقلل لفرنسا، نجح في التسويق لخط سياسي اقتصادي ليبرالي أوروبي من دون أن يتخلى عن أساسيات توفير الحماية للمواطن والمحافظة على الضمانات الاجتماعية الأساسية في المجتمع الفرنسي. والتحدي الكبير أمامه إذا ما أصبح الرئيس الثامن للجمهورية، هو النجاح في تأمين أكثرية نيابية تدعم عمله في مجلس النواب وتوفر الاستقرار السياسي الضروري من أجل إنجاز الإصلاحات التي وعد المواطنين بها. غير أن انتخاب ماكرون - في حال فاز - لن يعني بالضرورة، كما سبقت الإشارة، تبنيا له أو لبرنامجه، بل إنه في جزء كبير منه لقطع الطريق على مارين لوبان مرشحة اليمين المتطرف... ولتلافي أن تغدو فرنسا أول دولة غربية كبرى يحكمها اليمين المتطرف. والمفهوم أن لهذا الأمر تبعات تهدد البناء الأوروبي والعملة الموحّدة، وتعزز صعود القومية المتعصبة، وتروّج الخطاب الشعبوي المعادي للمهاجرين والإسلام، وتحفّز لقيام سياسات حمائية، وإلغاء اتفاقية التنقل الحر المعروفة باسم «اتفاقية شينغن»، فضلا عن الإساءة لصورة فرنسا ومكانتها وسمعتها بصفتها أول دولة في العالم كرّست في نص مكتوب شرعة حقوق الإنسان.
بكلام آخر، فإن وصول لوبان من شأنه أن يدشّن عصراً غامضاً مليئاً بالمطبات الخارجية والداخلية.

الوريثة العقوق
في المقابل، منذ بداية الحملة الرئاسية، دأبت مارين لوبان على تمييز ترشحها عن الآخرين؛ إذ إنها تقدم ذاتها على أنها «ضد النظام» القائم، وأنها «مرشحة الشعب». لكن حقيقة الأمر أنها «الوريثة السياسية» الوحيدة من بين مرشحي الدورة الأولى الـ11؛ حيث إن لوبان ورثت رئاسة حزب «الجبهة الوطنية» من والدها الذي تخاصم مع قدامى رفقائه لتنصيبها زعيمة له، ولتصبح بشكل آلي مرشحته للرئاسة. المرة الأولى كانت في عام 2012، والمرة الثانية في 2017.
كذلك، فإن قول لوبان أنها «ابنة الشعب» ومرشحته يجافي الحقيقة؛ إذ إنها عاشت منذ ولادتها في قصر ورثه والدها بطريقة غامضة من أحد قدامى أثرياء «الجبهة الوطنية»، كما ورث أمواله وأصبح بالتالي غنياً.
مع هذا، تخاصمت لوبان لاحقا مع والدها لأنها برأيه «حادت» عن خط الجبهة وتبنّت مساراً «معتدلا». وذهبت الأمور إلى المحاكم، ونزعت عنه الرئاسة الفخرية كما سعت الابنة إلى إخراج أبيها من الحزب لأنها وجدت أنه تحوّل إلى عائق في طريقها إلى السلطة. وربما ما يجمع بين المرشحين ماكرون ولوبان أن كليهما تصدق عليهما حالة «قتل الأب» الرمزية. فالأول قضى على آمال أبيه الروحي فرنسوا هولاند، والثانية «حيّدت» والدها ووضعته عملياً على الرف. وبالنسبة للوبان، قامت استراتيجيتها فعلياً على «تطبيع» وضع «الجبهة» وتحويلها إلى حزب كبقية الأحزاب الفرنسية أكانت يمينا (الجمهوريون) أو يساراً (الاشتراكيون). وخلال السنوات السبع التي انقضت على ترؤسها «الجبهة»، استفادت لوبان من أخطاء الأحزاب التقليدية، ونجحت في توسيع قاعدتها الانتخابية، ولقد برز ذلك في الانتخابات الإقليمية والمحلية. إلا أن البرلمان الفرنسي بقي عصيا على «الجبهة» المتطرفة التي لم تنجح إلا في إيصال نائبين في الانتخابات التي أجريت قبل خمس سنوات. ولذا؛ فإن حلول لوبان في المرتبة الثانية خلال الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية ليس سوى «ترجمة» لتقدمها المستمر منذ 2011؛ وبذا تكون لوبان «الظاهرة» الانتخابية الثانية؛ إذ إن «الجبهة الوطنية» تحولت إلى ثاني قطب سياسي وضع حدا مع إيمانويل ماكرون لـ«الثنائية القطبية» القديمة القائمة على تداول السلطة بين يمين تقليدي ويسار اشتراكي.
وإذا لم تصل لوبان إلى قصر الإليزيه هذه المرة، فإنها على الأقل اجتازت أكثر من نصف الطريق التي تفصلها عنه. فضلا عن ذلك، لم يعد من الصعب على «الجبهة» أن تحصل في الانتخابات التشريعية التي ستجرى في يونيو المقبل بعد أقل من شهر على الرئاسيات، على عدد كاف من النواب لتكوين مجموعة مستقلة تحت قبة البرلمان؛ الأمر الذي سيضمن لها حضورا سياسيا ونيابيا، ويمكّنها من التغلغل أكثر فأكثر في شرايين الدولة الفرنسية. وبعدما كان محازبو اليمين المتطرف يخفون انتماءهم لهذا التيار الفكري والسياسي وتبنيهم آيديولوجيته، فإنهم اليوم يعلنون جهاراً انتماءهم له... ما يعني أن كسر الحاجز النفسي الذي كان يحول دون تقدّم فكر اليمين المتطرف وتغوّله. وجاءت الأعمال الإرهابية التي ضربت فرنسا في العامين الأخيرين، معطوفة على موجات الهجرة المكثفة باتجاه أوروبا، لتنفخ في أشرعة اليمين المتطرف ولتضعه على أبواب السلطة.

السقف الزجاجي
تعبير «السقف الزجاجي» سياسيا يعني في اللغة الفرنسية وجود «حاجز» غير مرئي يحول دون وصول حزب أو حركة إلى موقع معين. والمقصود في حالة «الجبهة الوطنية»عجز مارين لوبان عن الوصول إلى رئاسة الجمهورية لأسباب تتعلق بتطرف «الجبهة» وماضيها وبالاسم الذي تحمله. لكن المراقبين يلاحظون أنه عندما تأهل جان ماري لوبان للجولة الثانية في انتخابات الرئاسة عام 2002، سارت المظاهرات الشعبية في الشوارع، وتوافقت كل الأحزاب يميناً ويساراً على التصويت ضده. أيضا اللافت أن الأجهزة الإعلامية كانت تقاطع جان ماري لوبان.

غير أن الصورة تبدّلت الآن
ابنة مؤسس «الجبهة الوطنية» موجودة ملء السمع والبصر على شاشات كل القنوات التي تتنافس على دعوتها. وما يصح على الإعلام المسموع والمرئي يصح أيضا على الصحافة المكتوبة؛ الأمر الذي يبين مرة أخرى أن نظرة الناس إلى اليمين المتطرف قد تغيرت. وثمة أشخاص يرون أن اليمين واليسار قد أخفقا، فلماذا الامتناع عن تجربة شيء جديد؟
أضف إلى ذلك، أن الاتفاق على برنامج «حكم مشترك» الذي أبرمته لوبان مع نيكولا دوبون دينيان، مرشح حزب «فرنسا انهضي» اليميني المتشدد - الذي يدعي أنه ديغولي الهوى والسياسة -، وهو أول اتفاق تبرمه «الجبهة» مع رئيس حزب، بيّن أن لوبان تريد أن تطبع في عقول الناس أنها أصبحت «جاهزة» لتولي أعلى المسؤوليات في الجمهورية الفرنسية.
وبموازاة ذلك، فإن تردد بعض قادة اليمين في الدعوة الصريحة للاقتراع لصالح ماكرون، وفتور اليسار الاشتراكي، وتردد - لا بل امتناع - مرشح اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون عن القيام بذلك، دلائل تظهر بشكل واضح أن «الجبهة الجمهورية» التي تصدّت بنجاح في الماضي للوبان «الأب» غير قائمة عملياً اليوم في وجه لوبان «الابنة»؛ وهو ما يجعل الأبواب مفتوحة على الكثير من الاحتمالات.
حتى الساعة، يبدو شبه مؤكد أن فرنسا لن تسلم مفاتيح القيادة هذه المرة لزعيمة اليمين المتطرف. لكن، رغم ذلك، فإن «الجبهة الوطنية» تحوّلت تحت قيادتها إلى لاعب رئيسي على الساحة الفرنسية، وستكون الانتخابات التشريعية فرصة لها لإرسال مجموعة واسعة من النواب إلى البرلمان. ففرنسا التي تداول على حكمها اليمين التقليدي واليسار المعتدل أصبحت اليوم من الماضي. وبعد الثنائية القطبية، تفتت المشهد السياسي وهو اليوم في طور إعادة التركيب والترتيب.
إنها ولادة عسيرة تأتي بعد مخاضات مؤلمة، ليس فقط لزعيمة اليمين المتطرف التي اعتقدت أن دورها قد حان للوصول إلى السلطة، ولكن أيضاً وخصوصاً، لمن غابوا عن التنافس في الجولة النهائية (اليمين مع حزب الجمهوريين واليسار مع الحزب الاشتراكي)، وهم يحلمون بأن تفتح لهم الانتخابات التشريعية الباب للعودة إلى مواقعهم المألوفة.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.