البرازيل وأوروغواي.. صراع انتقل من السياسة إلى عوالم الرياضة

البرازيل وأوروغواي.. صراع انتقل من السياسة إلى عوالم الرياضة

نهائي مونديال 1950 وراء العلاقة المعقدة بين المنتخبين
الخميس - 8 رجب 1435 هـ - 08 مايو 2014 مـ
مواجهة نهائي كأس العالم 1950 ما زالت تلقي بظلالها على علاقة المنتخبين البرازيلي والأوروغواياني حتى اليوم

تبدو أسباب الصراع والعداوة بين البرازيليين وأبناء أوروغواي قديمة ومتعددة. حيث أفلت ذلك الإقليم الصغير الممتد على مساحة 176 ألف كم مربع والموجود في منطقة المخروط الجنوبي من الاستعمار البرازيلي سنة 1828، وأصبح دولة قائمة بذاتها تسمى أوروغواي، بعدما كان ما بين 1817 و1825 تابعا لدولة البرازيل المستقلة سنة 1822 عن البرتغال، وكان اسمه حينها «إقليم سيسبلاتينا».
وقد انتقل الصراع من السياسة ومصالحها إلى عوالم الرياضة أيضا، وربما تبدو أسبابه أوضح في هذا المجال. إذ لن ينسى البرازيليون أبدا أن أبناء أوروغواي كانوا وراء أكبر خيبة أمل في تاريخ الساحرة المستديرة في هذا البلد، وأنهم ألحقوا بمنتخبهم هزيمة مذلة ومؤلمة ذاع صيتها عبر العالم تحت اسم ماراكانازو.
ورغم أن تاريخ العلاقات بين البرازيل وأوروغواي حافل بلحظات الصراع والتوتر، فإنه في الوقت ذاته تاريخ صداقة وإعجاب متبادل، حيث زادت الأسباب السالفة الذكر من تقارب شعبي البلدين، ولم تفلح المنافسة في ميادين الرياضة في التفريق بينهما.
ونجد هذا التقارب واضحا للعيان منذ نهاية موقعة 16 يوليو (تموز) 1950 بملعب ماراكانا، حيث صرح خوان سكيافينو، مسجل هدف أوروغواي الأول، ليلة النصر 1/2، مباشرة بعد التتويج باللقب العالمي «بكيت حينها أكثر من البرازيليين، وتألمت لرؤيتهم يعانون، كما لو كنت أبكي عليهم»، مضيفا «لم أتمالك نفسي ونحن ننتظر تسليم الكأس داخل الملعب، وهرعت إلى غرفة ملابس اللاعبين. وكان التأثر باديا على الجميع».
لقد عززت ليلة الماراكانازو من العلاقات بين شعبي البرازيل وأوروغواي، وجعلتها أكثر تعقيدا. لذلك لا غرابة في عبور أبناء تشارواس الحدود الفاصلة بين البلدين، وتألق الكثيرين منهم في سماء الكرة البرازيلية، حيث أضحى بعضهم رموزا قائمة الذات في مجموعة من الأندية.
ويعتبر فريق ساو باولو دليلا حيا على ما سبق ذكره، حيث يرتبط تاريخه ارتباطا وثيقا بمجموعة من النجوم المنحدرين من أوروغواي، خصوصا أربعة لاعبين، مما دفع المسؤولين عن النادي سنة 2012 إلى تصميم قمصان تذكارية تختلط فيها ألوان كتيبة باوليستا الثلاثة، أي الأحمر والأبيض والأسود، بلون منتخب أوروغواي، أي الأزرق الفاتح. بينما خصص الباحث لويس أوغوستو سيمون كتابا كاملا لهذه الظاهرة، وأطلق عليه عنوان «تريكولور السيليستي».
وبدأت علاقة ساو باولو مع أبناء أوروغواي عند التعاقد مع نجمين من نجوم كتيبة بينيارول التي هيمنت على الساحة بداية السبعينات، والتي ضمت أيضا الحارس لاديسلاو مازوركييفتشز الملتحق بنادي أتليتكو مينيرو، وهما الثنائي بيدرو روتشا وبابلو فورلان. وكان روتشا صانع ألعاب ماهرا وذكيا، وتميز بالتمريرات الدقيقة والقدرة على التحكم في إيقاع المباريات، حيث قال في حقه الداهية بيليه إنه أحد أفضل خمسة لاعبين شاهدهم في حياته على الإطلاق. وقد وجد هذا اللاعب الملقب بـ«إيل فيردوجو» (الجلاد) في البرازيل المكان المناسب لإظهار علو كعبه والاستمتاع بأسلوبه، إذ صرح يوم تقديمه إلى وسائل الإعلام: «البرازيل هو البلد الذي تلعب فيه كرة القدم على أحسن وجه، وأتمنى أن أثبت أن الفريق كان محقا عندما قرر الاستثمار في التعاقد معي».
وهذا ما حدث بالفعل. فبعد سنوات من الغياب والتقشف، وبعد أن خصص الفريق معظم موارده المالية لتشييد ملعب مورومبي، عاد ساو باولو بقيادة الثنائي بيدرو روتشا وبابلو فورلان إلى معانقة الألقاب. إذ أنهى فترة نحس طويلة دون تتويج قبل التعاقد مع روتشا، وكان ذلك سنة 1970. بينما نال دوري ولاية ساو باولو من 1971 إلى 1975، وكان ثنائي أوروغواي من أبرز لاعبيه، كما لم يتجرع سنة 1974 مرارة الهزيمة طوال 47 مباراة.
كان بيدرو روتشا صانع ألعاب الكتيبة وعقلها المدبر، بينما كان رفيقه فورلان رجل القوة البدنية والعزيمة والحماس داخل التشكيلة. ولم يكن الظهير الأيمن في حاجة إلى المراوغات والفنيات من أجل كسب عطف الجماهير وحبها، بل كان حماسه في الركض ودفاعه عن الفريق بكل جوارحه دليلا كافيا على ولائه التام. واشتهر أسلوب فورلان في أوساط البرازيليين قاطبة، بل دخلت جملة جديدة إلى معجم الساحرة المستديرة في هذا البلد بفضله، وهي عبارة «ركضة الأوروغواياني» في إشارة إلى طريقته في الجري. وقد صرح فورلان عن علاقته بكتيبة ساو باولو قائلا «لقد كان فخري واعتزازي كبيرين عندما قال هنري أيدار (رئيس الفريق حينها) إن تاريخ النادي منقسم إلى فترة ما قبل فورلان وما بعدها. وما زلت إلى حدود اليوم أتساءل إن كنت مصيبا عندما غادرت النادي أم لا».
أضحى شغف مسؤولي التريكولور بعد نجاح هذه التجربة كبيرا باللاعبين المنحدرين من أوروغواي، وتزايدت تعاقداتهم مع أبناء تشارواس، حيث استمرت المغامرة بالتعاقد مع داريو بيريرا سنة 1977، فتم استقدامه من فريق ناسيونال مونتيفيديو العريق، وكان لاعب انتصارات بالفطرة شأنه في ذلك شأن روتشا وفورلان. إذ قاد ساو باولو إلى إحراز لقب الدوري البرازيلي لأول مرة في تاريخه بفضل العزيمة والقتالية ونكران الذات.
وقد تحدث هذا المدافع الذي مكث في صفوف التريكولور 11 سنة بالتمام والكمال عن ذلك اللقب بالقول «لم أدرك صعوبة الفوز بلقب الدوري البرازيلي إلا لاحقا. فقد أحرزنا اللقب الأول سنة 1977، ولم يتسن لنا تكرار هذا الإنجاز إلا بعد 10 سنوات».
كان بيريرا ضمن الفريق المتوّج بطلا للبرازيل سنة 1986، وشكل حلقة الوصل مع الجار أوروغواي إلى حدود سطوع نجم جديد، وهو دييغو لوغانو. وقد أصبح هذا الأخير أيقونة حقيقية في أوساط جماهير التريكولور وأنصاره، خصوصا بعد إنجازات 2005، عندما نالت كتيبة ساو باولو لقبي كوبا ليبرتادورس وكأس العالم للأندية FIFA، وقد صرّح قائلا «أنا سعيد لأنهم يسمونني القائد، حيث يتأتى النصر في كرة القدم بفضل العزيمة والإرادة، وهذه هي صفاتي».
رغم ذلك لا تقتصر سُنَّة التعاقد مع أبناء أوروغواي على ساو باولو، وشهدت العديد من الأندية البرازيلية عزيمة تشارواس وإصرارهم. إذ لن ينس أنصار غريميو أبدا تفاني هيوغو دي ليون، وسيستحضرون على الدوام صورة استلامه لقب كوبا ليبرتادورس موسم 1983 بعد الفوز على بينيارول. حيث يبدو وجهه ملطخا بدمائه، ولا أحد يعلم علم اليقين مصدرها، وهناك من قال إن المدافع المولود في مدينة ريفيرا، البعيدة عن الحدود البرازيلية بأمتار قليلة فقط، أصيب عندما أراد رفع الكأس.
لا يهمنا كثيرا مصدر تلك الدماء، الأهم أن الصورة زادت من شعبية دي ليون، وعززت أيضا البعد الأسطوري في علاقة اللاعبين المنحدرين من أوروغواي على العموم بكرة القدم البرازيلية، وكان ضمنهم في تلك الفترة الحارس رودولفو رودريغز نجم سانتوس. ورافق هذا البعد الأسطوري التحاق سيباستيان «إيل لوكو» أبرو بكتيبة بوتافوغو سنة 2010، وأضحى حقيقة ليلة حسم لقب بطولة كاريوكا 2010، حيث أعطى معنى لاشتهاره بين الجماهير بلقب «إيل لوكو» (المجنون باللغة الإسبانية)، وسدد ركلة جزاء حاسمة ضد فلامينغو بطريقة فنية بديعة في وسط المرمى، لكنها استقرت في الشباك لحسن الحظ.
وقد صرّح أبرو حينها في حوار مع موقع «فيفا»: «كانت أكثر لحظات حياتي سعادة هناك يوم صمم الجماهير لوحة في ملعب بوتافوغو تحمل صورتي. أحسست بنفسي غريبا وسط كل أولئك النجوم». ربما كان في كلام أبرو بعض المبالغة، فما مشواره في البرازيل سوى فصل واحد من فصول تاريخ نجاح أبناء أوروغواي في بلاد السامبا. وسيشعر لاعبو السيليستي بأنفسهم في عقر الدار في كأس العالم البرازيل 2014 FIFA، ولن ينطبق هذا الأمر على ساو باولو ألفارو بيريرا ونيكولاس لودييرو لاعب بوتافوغو فقط، إذ يمر جزء مهم من تاريخ تشارواس الكروي من بوابة البرازيل.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة