توقعات باستمرار التضخم المنخفض عالمياً لفترة أطول

أسباب الضغط التنازلي على الأسعار لا تزال مستمرة

توقعات باستمرار التضخم المنخفض عالمياً لفترة أطول
TT

توقعات باستمرار التضخم المنخفض عالمياً لفترة أطول

توقعات باستمرار التضخم المنخفض عالمياً لفترة أطول

هناك وفرة في جميع أنحاء العالم تشتمل على آبار النفط، ومصانع الصلب، والعمالة الراغبة في الحصول على عمل، ولسوف يستغرق الأمر أكثر من مجرد انتخابات رئاسية أميركية واحدة للتعامل مع هذا الأمر. وهذا الوضع، إجمالاً للقول، هو الواقع الذي ظل يطارد الاقتصاد العالمي طيلة الثلث الأول من العام الحالي.
وعلى مدى سنوات، كان انخفاض التضخم عبر أغلب أنحاء العالم المتقدم يعد جزءاً من الحلقة المفرغة التي تنضوي على أعباء الديون المرهقة، وانخفاض النمو الاقتصادي. وتكافح البنوك المركزية الرئيسية حول العالم لرفع التضخم إلى المعدل السنوي المستهدف من نقطتين مئويتين.
وفي نهاية المطاف، وبعد ارتفاع أسعار النفط في عام 2016، والتحول المفاجئ في المشاعر عقب انتخاب دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، يبدو كما لو أن الاقتصاد العالمي قد خرج مبتعداً عن هذه الحلقة المفرغة. وأطلق البعض على تلك الظاهرة اسم «تأثير ترمب التضخمي». ولكن يبدو في الوقت الراهن أن إعلانات الانتصار كانت مبكرة للغاية، وأن عالم التضخم المنخفض سوف يستمر في الوجود بيننا لفترة أطول، على أدنى تقدير.
وفي منطقة اليورو الأوروبية، بلغ التضخم مستوى 2 نقطة مئوية في العام الذي انتهى بحلول فبراير (شباط) الماضي، وذلك للمرة الأولى منذ عام 2013. وفي الولايات المتحدة، تجاوز معيار التضخم المفضل لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي مستوى 2 نقطة مئوية، وذلك للمرة الأولى كذلك منذ 5 سنوات.
ويبدو أن هناك كثيراً من الزخم في طريقه إلينا - أو على الأقل، ذلك هو المستقبل الذي بدأ المستثمرون العالميون في الاستعداد له. فقد أشارت أسعار السندات في الصيف الماضي إلى أن أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة سوف تشهد ارتفاعاً بمقدار 1.4 نقطة مئوية على أساس سنوي عبر السنوات الخمس المقبلة، والتي ارتفعت محققة نسبة 1.96 المئوية في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي.
ولكن التقديرات الحالية قد تراجعت بصورة جزئية، مع هبوط المعيار نفسه إلى نسبة 1.85 المئوية من التضخم المتوقع خلال الخمس سنوات المقبلة. ومعايير التضخم الأساسية، التي تستبعد من حساباتها أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة باستمرار، ظلت مستقرة بصورة أساسية لعدة شهور. والمعيار الذي يراقبه بنك الاحتياطي الفيدرالي عن كثب، وهو التغيير على أساس سنوي في مؤشر الأسعار لإنفاقات الاستهلاك الشخصية، بلغ مستوى 1.75 في المائة لمدة 3 أشهر على التوالي. وجزء كبير مما تغير، ويبدو أكثر وضوحاً، هو الارتفاع المسجل في التضخم خلال فصل الشتاء، الذي كان بدافع الانتعاش في أسعار النفط العالمية من انخفاضها الكبير السابق في أوائل عالم 2016.
ولقد استقرت أسعار النفط، فسعر برميل النفط من غرب تكساس الوسيط يتراوح بين 48 دولاراً و54 دولاراً منذ بداية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ارتفاعاً من سعر 26 دولاراً للبرميل في فبراير من عام 2016. كما أن هناك إشارات قليلة على استمرار ارتفاع أسعار النفط بصورة إجمالية خلال الشهور المقبلة.
وبعيداً عن أسعار النفط، فإن الديناميات العالمية الكامنة تدفع في اتجاه انخفاض الأسعار، حيث يبدو أن هناك عرضاً كبيراً على مستوى العالم بالنسبة للسلع الأساسية، مثل الصلب والألمنيوم، أكثر من الطلب عليها، ويرجع ذلك في جزء منه إلى حماية الصين للمؤسسات التي تديرها الحكومة من تقلبات وانتكاسات الأسواق. ولا يزال إدماج الدول ذات الكثافة السكانية العالية، مثل الصين والهند، في الاقتصاد العالمي يسير على قدم وساق، مما يخلق ما يمكن تسميته بوفرة كبيرة في الأيدي العاملة على مستوى العالم.
ومن الناحية الأساسية، فإن كل العوامل التي أدت إلى الضغط التنازلي على الأسعار طيلة القرن الحادي والعشرين لا تزال مستمرة، بصرف النظر تماماً عما يفعله أو لا يفعله الرئيس دونالد ترمب. وعلاوة على ذلك، فإن بعض من خطط إدارة الرئيس ترمب، التي تبدو وكأنها تتحرك في اتجاه ارتفاع التضخم، وارتفاع أسعار الفائدة، يظهر أنها ليست أكثر من خيال محض. على سبيل المثال، من شأن برنامج الاستثمار واسع النطاق في مشروعات البنية التحتية الأميركية أن يدفع كلاً من أسعار الفائدة والتضخم لمستويات أعلى داخل الولايات المتحدة. ولكن تركيز الإدارة الأميركية على مشروعات البنية التحتية لم يُترجم، حتى الآن، إلى أفكار سياسية محددة.
والجمع بين القوى المؤثرة طويلة الأمد وشبكة السياسات المعقدة في واشنطن يعني أنه من غير المرجح أن نشهد بعض اللحظات السحرية المذهلة، مع ابتعاد وحش التضخم المنخفض عن الأجواء. بدلاً من ذلك، من شأن العالم المعاصر أن يواصل تسلق المرتقى الصعب.
يقول جوزيف غاغنون، الزميل البارز لدى معهد بيترسون للاقتصاد الدولي: «لقد انعطفنا عند زاوية التضخم المنخفض»، واصفاً ذلك بأنه من توقعاته الأساسية حول هذه المسألة، وأردف يقول: «ولكن الزيادات المتوقعة في المستقبل سوف تكون تدريجية، ولن تخلو من انتكاسات عرضية في بعض الأحيان. حيث تكمن المخاطر الكبيرة في كلا الاتجاهين».
وإذا ما تمكنت إدارة الرئيس ترمب من توفير دفعة مالية كبيرة مما يجري بالفعل حالياً في الأسواق، فمن شأن ذلك أن يؤدي إلى ارتفاع التضخم، ولسوف يفعل الارتفاع غير المتوقع في أسعار السلع الأساسية الشيء نفسه. وحالة عدم الاستقرار الجيوسياسية حول العالم، مثل الصراع المفتوح مع كوريا الشمالية، من شأنه أن يتحرك في الاتجاه المعاكس، ويدفع بالعالم مرة أخرى نحو الانكماش.
ولكن في غياب أمر مثير للدهشة، يبدو أن المسار الأكثر احتمالا هو عملية طاحنة وطويلة الأمد: يواصل الطلب العالمي على السلع والخدمات الارتفاع ببطء، حتى تفسح وفرة العرض الطريق تدريجياً أمام تشديد أسواق العمل، ويصير الاقتصاد العالمي مقيداً بحدود القدرات الصناعية.
وهذا ما يجري بالفعل داخل الولايات المتحدة، مع معدل البطالة الذي بلغ 4.5 نقطة مئوية مع ارتفاع الأجور. وإذا ما واصل الاقتصاد العمل بالطريقة نفسها التي تمليها الكتب والدراسات، فمن شأن ذلك أن يعود بنتائج على ارتفاع الدخول، وارتفاع الطلب لدى المستهلكين، وارتفاع الأسعار في الشهور المقبلة.
وتجدر الإشارة إلى أن كثيراً من القوى الكبيرة في الاقتصاد لا تعلن عن نفسها عبر الانتخابات أو بيانات البنوك المركزية، ولكن من خلال التحولات المؤثرة في القوى الكامنة التي تحرك الاقتصاد العالمي... ومثل هذه القوى الكامنة لا تتغير بين عشية وضحاها.
* خدمة «نيويورك تايمز»



«شظايا» حرب إيران تضرب قطاع الأعمال في أوروبا وبريطانيا

خط إنتاج شركة «مرسيدس- بنز» الألمانية لصناعة السيارات في مصنع بمدينة راستات بألمانيا (رويترز)
خط إنتاج شركة «مرسيدس- بنز» الألمانية لصناعة السيارات في مصنع بمدينة راستات بألمانيا (رويترز)
TT

«شظايا» حرب إيران تضرب قطاع الأعمال في أوروبا وبريطانيا

خط إنتاج شركة «مرسيدس- بنز» الألمانية لصناعة السيارات في مصنع بمدينة راستات بألمانيا (رويترز)
خط إنتاج شركة «مرسيدس- بنز» الألمانية لصناعة السيارات في مصنع بمدينة راستات بألمانيا (رويترز)

مع احتدام التوترات في الشرق الأوسط، وما يرافقها من قفزات في أسعار الطاقة واختناقات متزايدة في سلاسل التوريد، بدأت تداعيات الحرب تتسلل بوضوح إلى صميم النشاط الاقتصادي في أوروبا؛ إذ يقف قطاع الأعمال في منطقة اليورو والمملكة المتحدة، اليوم، أمام موجة مركَّبة من الضغوط؛ حيث تكشف أحدث مسوحات مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال» عن تباطؤ ملحوظ في وتيرة نمو القطاع الخاص، بالتوازي مع تسارع الضغوط التضخمية وتراجع ثقة الشركات.

ويعكس هذا المشهد تحولاً تدريجياً من مرحلة التعافي الهش إلى بيئة أكثر هشاشة، تتداخل فيها صدمات الأسعار مع ضعف الطلب، مما يعزز المخاوف من انزلاق الاقتصادات الأوروبية نحو تباطؤ أعمق، وربما مرحلة من الركود التضخمي إذا استمرت تداعيات الحرب في التفاقم.

منطقة اليورو: خطر الركود التضخمي

أظهر مسح نُشر يوم الثلاثاء أن مؤشر مديري المشتريات المركب لمنطقة اليورو انخفض إلى 50.5 نقطة في مارس (آذار)، مقابل 51.9 في فبراير (شباط)، مسجلاً أدنى مستوى له منذ 10 أشهر، ولكنه ظل فوق مستوى 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش. هذا التراجع جاء على خلفية انخفاض الطلبات الجديدة لأول مرة منذ 8 أشهر، مدفوعاً بشكل رئيسي بضعف قطاع الخدمات، في حين استمرت طلبات التصنيع في التوسع، رغم تراجع الإنتاج الصناعي إلى 51.7 نقطة.

وأكد كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، كريس ويليامسون، أن المؤشر الأولي «يدق ناقوس الخطر بشأن الركود التضخمي؛ حيث تدفع الحرب الأسعار إلى الارتفاع الحاد بينما تكبح النمو».

وعكست البيانات ارتفاع تكاليف المدخلات الإجمالية بأسرع وتيرة منذ فبراير 2023، مع تسجيل أكبر فترات تأخير في تسليم الموردين منذ أغسطس (آب) 2022، وهو ما أثر على الإنتاج الصناعي والخدمات في معظم دول المنطقة. وتراجعت ثقة قطاع الأعمال إلى أدنى مستوى لها منذ عام تقريباً، مسجلة أكبر انخفاض شهري منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في أوائل 2022. ورغم تفاؤل الشركات بشأن الإنتاج خلال العام المقبل، فإن معنوياتها كانت أدنى من المتوسط.

ألمانيا وفرنسا: نمو مفقود في ألمانيا

تباطأ نمو القطاع الخاص إلى أضعف وتيرة له في 3 أشهر خلال مارس، وانخفض مؤشر مديري المشتريات المركب الألماني الأولي إلى 51.9 نقطة في مارس من 53.2 نقطة في فبراير، بينما كان الاقتصاديون الذين استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا قراءة عند 52 نقطة.

وتراجع نشاط قطاع الخدمات إلى أدنى مستوى له في 7 أشهر عند 51.2 نقطة، بينما ارتفع مؤشر مديري المشتريات التصنيعي إلى 51.7 نقطة، وهو أعلى مستوى له في 45 شهراً. وسجلت الشركات المصنعة ارتفاعاً شهرياً ثالثاً على التوالي في الطلبات الجديدة، مسجلة أسرع نمو لها في 4 سنوات.

وبلغ تضخم أسعار المدخلات في القطاع الخاص أعلى مستوى له منذ أكثر من 3 سنوات، وارتفعت تكاليف مدخلات التصنيع بأسرع وتيرة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، بينما بلغ تضخم أسعار المنتجات عند باب المصنع أعلى مستوى له منذ أكثر من 3 سنوات.

وانخفض التوظيف مجدداً في كلا القطاعين، على الرغم من أن وتيرة فقدان الوظائف الإجمالية تراجعت إلى أدنى مستوى لها في 3 أشهر. وأظهر المسح انخفاضاً حاداً في توقعات الأعمال للعام المقبل، لتسجل أدنى مستوى لها في 11 شهراً، ولكنها ظلت إيجابية.

أما فرنسا، فقد سجل القطاع الخاص أسرع وتيرة انكماش منذ أكتوبر الماضي، مع انخفاض النشاط التجاري إلى أدنى مستوياته منذ عدة أشهر، متأثراً بضعف الطلب والاضطرابات في سلاسل التوريد. وانخفض مؤشر مديري المشتريات المركب الفرنسي إلى 48.3 نقطة، بينما انخفض الإنتاج الصناعي إلى 48.5 نقطة، في حين ارتفعت تكاليف المدخلات إلى أعلى مستوياتها منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، مع أسرع زيادة في أسعار البيع منذ مارس 2023.

وتراجعت ثقة قطاع الأعمال بشكل ملحوظ، مما أدى إلى تراجع كبير في التحسن الذي شهده منذ بداية عام 2026، إذ أشارت الشركات إلى مخاطر الحرب في الشرق الأوسط على الطلب والتضخم.

بريطانيا: ضغوط الحرب تضعف نشاط الشركات

أظهر مؤشر مديري المشتريات المركب انخفاضاً إلى 51 نقطة في مارس، مقابل 53.7 في فبراير، مسجلاً أبطأ وتيرة نمو للقطاع الخاص خلال 6 أشهر. وسجل مؤشر أسعار مدخلات الإنتاج للمصنِّعين البريطانيين 70.2 نقطة، مسجلاً أكبر زيادة شهرية منذ عام 1992، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والنقل والمواد الخام كثيفة الاستهلاك للطاقة، ما أجبر الشركات على رفع أسعارها بأسرع وتيرة منذ أبريل (نيسان) 2025. وأدى ذلك إلى تعقيد مهمة بنك إنجلترا في كبح التضخم، في وقت تتباطأ فيه النشاطات الاقتصادية.

وأشار كريس ويليامسون، كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس» إلى أن الشركات ألقت باللوم على الأحداث في الشرق الأوسط في ضعف النشاط الاقتصادي، سواء عبر ارتفاع تكاليف الإنتاج، أو تراجع الطلب، أو اضطرابات السفر وسلاسل التوريد، أو حتى نفور العملاء من المخاطرة. وتبقى توقعات الإنتاج المستقبلي للشركات البريطانية الأضعف منذ يونيو (حزيران) 2025، مع استمرار تراجع التوظيف للشهر الثامن عشر على التوالي، وهو أطول فترة تراجع منذ عام 2010.


21 % زيادة في تحويلات المصريين بالخارج خلال شهر يناير

ارتفعت التحويلات خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يناير 2026 بمعدل 28.4 % لتصل إلى 25.6 مليار دولار (تصوير: عبد الفتاح فرج)
ارتفعت التحويلات خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يناير 2026 بمعدل 28.4 % لتصل إلى 25.6 مليار دولار (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

21 % زيادة في تحويلات المصريين بالخارج خلال شهر يناير

ارتفعت التحويلات خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يناير 2026 بمعدل 28.4 % لتصل إلى 25.6 مليار دولار (تصوير: عبد الفتاح فرج)
ارتفعت التحويلات خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يناير 2026 بمعدل 28.4 % لتصل إلى 25.6 مليار دولار (تصوير: عبد الفتاح فرج)

أعلن البنك المركزي المصري أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج، خلال شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، ارتفعت بمعدل 21 في المائة لتصل إلى نحو 3.5 مليار دولار، مقابل 2.9 مليار دولار خلال شهر يناير 2025.

وقال البنك في بيان صحافي، الثلاثاء، إن التحويلات ارتفعت خلال الفترة من يوليو (تموز) 2025 إلى يناير 2026، بمعدل 28.4 في المائة، لتصل إلى نحو 25.6 مليار دولار، مقابل 20 مليار دولار خلال نفس الفترة المقارنة.


الصين تُرسّخ مكانتها قوة اقتصادية مستقرة في عالم مضطرب

عمال يحمّلون أجولة من السماد في ميناء مدينة يانتاي الصينية (أ.ف.ب)
عمال يحمّلون أجولة من السماد في ميناء مدينة يانتاي الصينية (أ.ف.ب)
TT

الصين تُرسّخ مكانتها قوة اقتصادية مستقرة في عالم مضطرب

عمال يحمّلون أجولة من السماد في ميناء مدينة يانتاي الصينية (أ.ف.ب)
عمال يحمّلون أجولة من السماد في ميناء مدينة يانتاي الصينية (أ.ف.ب)

طمأن قادة ثاني أكبر اقتصاد في العالم المديرين التنفيذيين للشركات العالمية الذين حضروا مؤتمر الأعمال السنوي الرئيسي في الصين هذا الأسبوع، بأن بكين لا تزال ركيزة موثوقة في ظل التقلبات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين العالمي.

وقال محللون إن نبرة منتدى التنمية الصيني لهذا العام، الذي اختُتم يوم الاثنين، كانت أكثر ثقة بشكل ملحوظ من السنوات الأخيرة، مما يُشير إلى تحول عن المنتديات السابقة التي عُقدت بعد الجائحة، حيث كان المسؤولون يميلون إلى التركيز على تدابير الدعم ومسارات التعافي.

وقال مدير مكتب الصين في مجموعة آسيا للاستشارات الاستراتيجية الأميركية، هان لين: «مقارنةً بمنصات منتدى التعاون الاقتصادي السابقة، كانت رسالة الصين هذه المرة أكثر ثقةً». وأضاف: «مع تحديد التحديات في النظام الدولي، ودون ذكر الولايات المتحدة صراحةً، ركّز خطاب رئيس الوزراء لي تشيانغ الافتتاحي على ما تقوم به الصين بشكل صحيح لتشجيع الابتكار والتجارة وفرص التعاون الأخرى».

وقد أسهم توقيت انعقاد المنتدى في تعزيز هذه الرسالة؛ إذ جاء بعد مرور عام تقريباً على حرب تجارية شرسة، وقبل انعقاد قمة مؤجلة بين الرئيس شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب، في حين تواجه بكين توتراً في علاقاتها مع واشنطن، وتواجه تصاعداً في الحواجز التجارية في أماكن أخرى، وذلك في أعقاب فائض تجاري قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار في عام 2025.وقد تسببت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في ارتفاع حاد بأسعار الطاقة، مما أدى إلى تداعيات واسعة النطاق على الاقتصاد العالمي، ومنح بكين فرصة أخرى للترويج لنفسها بصفتها حصناً للهدوء يحترم السيادة والنظام الدولي القائم على القواعد.

تغيرات المشهد الجيوسياسي

وعكست أنماط الحضور تغيرات الحدود الجيوسياسية، فقد سافر عدد أكبر من قادة الشركات الأميركية إلى بكين مقارنة بالسنوات السابقة، ومن بينهم الرؤساء التنفيذيون لشركات «أبل»، و«ماكدونالدز»، و«إيلي ليلي»، و«تابستري» (الشركة الأم لـ«كوتش»)، و«ماستركارد».

ويشير حضورهم إلى أنه على الرغم من التوترات، لا تزال الشركات الأميركية متعددة الجنسيات حريصة على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع بكين، في ظل إعادة ضبط البلدين لتدفقات التجارة والاستثمار.

وقال أستاذ الاقتصاد في كلية الصين وأوروبا الدولية للأعمال في شنغهاي، ألبرت هو، إن الاستقرار، وهو موضوع متكرر في منتدى التعاون الاقتصادي والتنمية للعام الماضي، كان له صدى أقوى هذا العام.

وأضاف هو: «بالنظر إلى جميع السياسات المتقلبة التي انتهجها دونالد ترمب، وحالة عدم اليقين التي أحدثتها سياساته في الاقتصاد العالمي، فمن المرجح أن تجد رسالة الصين بوصفها قوة استقرار آذاناً مصغية هذا العام أكثر من العام الماضي». إلا أن غياب المديرين التنفيذيين اليابانيين كان واضحاً، وهو ما يتناقض تماماً مع العام الماضي، حين شملت مشاركتهم اجتماعاً حظي بتغطية إعلامية واسعة بين كبار المديرين التنفيذيين العالميين وشي جينبينغ. ويأتي غيابهم هذا العام وسط خلاف دبلوماسي بين بكين وطوكيو، مما يؤكد أن وعود الصين بتجديد الانفتاح لا تزال محصورة ضمن حدود جيوسياسية متشددة.

لقاء محتمل

ولم يُحسم بعد قرارُ شي جينبينغ بشأن ما إذا كان سيُعيد ممارسته الأخيرة المتمثلة في استضافة اجتماع مائدة مستديرة مع نخبة من الرؤساء التنفيذيين، وذلك حتى اختتام المنتدى.

ويعتقد هان لين أن عدم صدور إعلان فوري يعكس ترتيباً للأحداث لا تردداً. وقال: «أعتقد أن شي ينوي لقاء الرؤساء التنفيذيين، ولكن بعد زيارة ترمب. تريد بكين تحديد شروط التجارة على مستوى القيادة أولاً، ثم تتلقى الشركات متعددة الجنسيات إشارتها بشأن الخطوات التالية».

كما استغلّ صانعو السياسات الصينيون منتدى هذا العام لتأكيد الأولويات التي تُحدد الآن استراتيجيتهم متوسطة المدى: الاكتفاء الذاتي التكنولوجي، والتحديث الصناعي، و«التنمية عالية الجودة». وتُعدّ هذه الركائز الثلاث أساسية في خطة البلاد الخمسية الأخيرة، التي صدرت في وقت سابق من هذا الشهر، والتي حُدّدت بوصفها موضوعاً لمنتدى التنمية الصينية لهذا العام.

ومع ذلك، لم يغادر جميع المشاركين وهم مقتنعون، فقد اشتكى بعض الحضور من أن محتوى المنتدى أصبح جامداً بشكل متزايد. وقال مسؤول تنفيذي صيني رفيع المستوى في سلسلة فنادق عالمية: «أصبحت الاجتماعات بيروقراطية بشكل متزايد. لقد اختصرت رحلتي وأعود إلى بلدي الآن». وأضاف: «يفقد منتدى تنمية الاتصالات بريقه. كنت آمل أن أحضر بعض الجلسات الشائقة، لكن تبين أنها بيروقراطية للغاية ومضيعة تامة لوقتي».