روائيون وناشرون من 12 بلداً عربياً في «ملتقى فلسطين الأول للرواية»

ذاهبون «انتصاراً للثقافة»... وبعضهم انتقد الحديث عن «التطبيع» حين يتعلق الأمر بكسر الحصار

يحيى يخلف  -  واسيني الأعرج
يحيى يخلف - واسيني الأعرج
TT

روائيون وناشرون من 12 بلداً عربياً في «ملتقى فلسطين الأول للرواية»

يحيى يخلف  -  واسيني الأعرج
يحيى يخلف - واسيني الأعرج

«قبلت بكل فرح»... أجابت الناشرة المصرية صاحبة دار «العين» الدكتورة فاطمة البودي، عن سؤال «الشرق الأوسط»، حول تلقيها دعوة للمشاركة في «ملتقى فلسطين الأول للرواية»، الذي يعقد في مدينة رام الله بالضفة الغربية من 7 إلى 11 مايو (أيار) الحالي. وأضافت البودي بمشاعر عميقة وصادقة: «من ذا يتأخر عن دعوة من فلسطين؟».
وفي حين رحب يحيى يخلف، وزير الثقافة الفلسطيني الأسبق، بمشاركة الروائيين العرب، قال واسيني الأعرج، إنه ذاهب لحضور «أعراس فلسطين ومآتمها مهما كانت المسافة ثقيلة»، ذاهب إلى من «يحلمون بالحرية والعصافير والخير والخبز والفرح والإنسان». وتعتقد مها حسن، أن الدعوة إلى فلسطين، تحررها من الهزيمة التي ولدت معها ولاحقتها العمر كله. فيما ذهبت نجوى بن شتوان؛ لعزمها على إسقاط ما تبقى من تبعات نظام القذافي الذي كتب على جوازات السفر «يمنع من دخول فلسطين المحتلة». واستهجن الحبيب السالمي، الحديث عن «التطبيع حين يتعلق الأمر بزيارة أهلنا في فلسطين». ورأى إلياس فركوح في مشاركته أمرا يعني له الكثير. أما كمال الرياحي فاعتبر قبول دعوة وزارة الثقافة الفلسطينية: «اعترافا بدولة فلسطين».
أكثر من خمسين روائيا عربيا وروائية، بينهم ناشرون، ينتمون إلى كل من: فلسطين، والأردن، ومصر، وسوريا، والجزائر، والمغرب، وإريتريا، وتونس، وليبيا، والعراق، والكويت، والسودان، تلقوا دعوة من وزارة الثقافة الفلسطينية للمشاركة، جاء فيها: «إن حضوركم ومشاركتكم في ملتقى فلسطين الأول للرواية العربية، دعم لنضال شعبنا، في مواجهة سياسات العزل وخطوة على طريق كسر الحصار الثقافي على فلسطين».
وفي المقابل، ثمة من يعتبر أي مشاركة في أي أنشطة ثقافية أو فنية في فلسطين، تطبيعا كاملا مع إسرائيل لا يمكن الدفاع عنه أو حتى تبريره. وأن زيارة فلسطين، غير مقبولة قبل تحريرها.
فماذا قال بعض من لبّوا الدعوة وبدأوا يحزمون حقائبهم استعدادا لملاقاة فلسطين والفلسطينيين، وكيف ينظرون إلى هذه الخطوة «الإشكالية»، التي لم تزل تجر الكثير من المتاعب؟
الروائي الفلسطيني، يحيى يخلف، خصّ «الشرق الأوسط» بكلمة رحب فيها بالروائيين العرب، وتوقع حضورا جيدا ومشاركات فاعلة، وقال: «نحن المثقفين الذين نعيش في فلسطين، ونتشبث بثقافة الصمود، وينمو إبداعنا في جو التحدي ومقاومة المحتل بكل الوسائل المتاحة، نعتبر المجيء والمشاركة والتواصل معنا، نوعا من الدعم لنا ولشعبنا المتعطش للتواصل مع محيطه القومي. يقال إن زيارة السجين لا تعتبر زيارة للسجان... ولا يعجبنا كثيرا هذا القول؛ لأن أبطالنا أسرى الحرية في سجون الاحتلال، يحاصرون السجان بمعركة الإضراب عن الطعام، ويقاومون حتى وهم وراء القضبان، في كفاح أسطوري تعجز عن وصفه الكلمات».وأضاف وزير الثقافة الأسبق: «نحن ضد التطبيع بمعناه الفج والقبيح، ونعتبر الثقافة قلعتنا وهويتنا، ولا نقبل حتى مثقفا عربيا أو أجنبيا يزور إسرائيل ثم يطلب زيارتنا. وأحب هنا أن أؤكد أن المثقفين الإسرائيليين لا يتطلعون إلى التطبيع؛ لأن نصوصهم مليئة بالحقد والكراهية واحتقار الآخر. ويمارسون التمييز حتى على أدبائنا داخل الخط الأخضر. ولا يرغبون حتى في ترجمة أدبهم أو الاطلاع عليه، باستثناء ما ترجمه بعض اليسار للراحل محمود درويش. وحتى هذه القصائد، هاجموها في الكنيست ودوائر الحكومة. إن زيارة أي أديب عربي إلى فلسطين، هي دعم وإسناد لكفاح شعبنا وتأكيد على عروبة فلسطين وعلى مكانتها بصفتها قضية مركزية للأمة العربية».
* شمس ممنوعة
وقال الروائي الجزائري واسيني الأعرج: «مشاركتي تدخل في سياق التزام نشأ في منذ طفولتي الأولى. لا أريد أن أخونها كيفما كان الحال، طفولتي صنعتني. أن أحضر أعراس فلسطين ومآتمها مهما كانت المسافات الثقيلة، والظروف الفاصلة. وليس ملتقى فلسطين للرواية إلا واحدا من هذه الأفراح المشتركة. في فلسطين لا يوجد فقط الموت، يوجد أيضا ناس يحلمون بالحرية والعصافير والخير والخبز والفرح والإنسان. لا أهتم بعدها كثيرا بما يمكن أن يقال. لا يُحاسب من يحب أرضه. ومن حاسبه فهو يكره تلك الأرض التي تسرق يوميا. التطبيع؟ ليكن. لهم تطبيعهم كما يصفونه وينتشون به وراء الكذبة الكبرى، ولي شوقي وحبي. أعرف كما يعرفون، أن التطبيع أن تسير وفق شهوة القاتل، أن تقبل بعزلة أرض الملائكة والأنبياء، وبرميها في جهنم النسيان، وقتلها في الصمت الخبيث. لي فلسطيني التي كبرت في حضن ذاكرتها التي لا تموت أبدا. أتحمل بؤس المعابر وقسوتها، وخبث الذي يتفرس أشواقي، لأني أعرف سلفا أني بمجرد وصولي سأنسى الغبار، ولن تبقى في قلبي إلا رائحة التربة الأولى وعطر فلسطين وتكبر فيّ رغبة أخرى للحياة وفتح البوابات الثقيلة مع ملايين الأيدي لتدخل الشمس الممنوعة.
* حررني من الهزيمة
وتعتقد الروائية السورية، مها حسن، أن الدعوة إلى فلسطين، تحررها من الهزيمة التي ولدت معها ولاحقتها العمر كله، عبر استعادة «الزمن الضائع»، والقبض على حقها في الكتابة. لم تتردد مها في قبول الدعوة، أو تتلعثم في صياغة موافقتها، والدفاع عن موقفها. وقالت: «وُلدت في عام النكسة، وحملتُ معي دائماً بذور تلك الهزيمة، حتى أنني اشتغلت في أول طريقي الروائي، على فكرة الجيل المهزوم، عبر روايتي (جدران الخيبة أعلى)، الصادرة سنة 2002. منذ ولادتي وحتى صباي، رافقني إرث الهزيمة، حتى يمكنني التحدث عن الهزيمة الجمعية لجيلي على الأخص. ولكنني آمنت أيضاً، بقدري الشخصي: الكتابة. اليوم، تأتي فكرة الذهاب إلى فلسطين، كأنها تحقيق لحلم قديم ضائع. لم أفكر يوماً بهذا. فقط جاءت الفكرة في العامين الأخيرين، حين وجدتُ أن كتابتي تحتاج إلى ذلك المكان الضائع. الذهاب اليوم إلى فلسطين، يماثل ضد (الزمن الضائع)، لأدخل فصل: الزمن المُستعاد، تماشيا مع رواية مارسيل بروست، وتحقيقاً لحقّي في الكتابة والتخيّل ومقارنة الواقع، والتحرر من الهزيمة التي فرضها الآخر».
* ليس ذنب الفلسطيني أنه محتل
أما الروائي التونسي، كمال الرياحي، فقال: «زيارة فلسطين حلم يراود كل عربي منذ الطفولة، والوصول إليها من خلال نشاط ثقافي أمر جيد. وقبول دعوة وزارة الثقافة الفلسطينية هو اعتراف بفلسطين دولة. ومشاركتنا هي جزء من مساندتنا نضال الشعب الفلسطيني، كما جاء في نص الدعوة. مقاطعة أهلنا تحت الاحتلال لم تخدم إلا الإسرائيلي. أن يهبّ الكتاب العرب إلى فلسطين، فهذا إعلان منهم أنهم لم يتخلوا عن الفلسطينيين في محنتهم، وليس ذنب الفلسطيني أنه محتل، بل ذنب العربي الذي يحاصره في المطارات العربية ويحتج على بقائه في أرضه. لا يمكن لزيارتنا لفلسطين، ومشاركتنا في مؤتمر تنظمه دولة فلسطين، إلا أن يكون دعما لشعب فلسطين».
* آخر تبعات نظام القذافي
وأخذت الروائية الليبية، نجوى بن شتوان، التحدي إلى مسافات بعيدة، حين قالت: «يشكل قبولي الدعوة لملتقى الرواية العربية الأول في فلسطين، مساندة ودعما للثقافة العربية في شخصيتها الفلسطينية، فلماذا أقبل دعوات العرب هنا وهناك وأتحفظ على قبولها من فلسطين؟ لقد كانت فلسطين محتلة ولم تزل، وهي في جواز سفري ما زالت أرضاً ممنوع عليّ دخولها بقرار من النظام الليبي السابق، ولكني سأتخطى ما تقرره السياسة دعماً للأدب ولأهلنا في الأرض المحتلة وسأقبل العبور مثلهم، أنا ذاهبة إلى فلسطين وإلى الفلسطينيين ولست ذاهبة إلى إسرائيل أو الإسرائيليين، أنا هناك تلبية لنداء فلسطين وسيجري عليّ ما يجري عليهم. إن دعمهم أقل ما يمكن أن نقدمه لهم، وماذا ترانا قدمنا لهم عندما كنا في أوطاننا وكنا نتكلم عن القضية الفلسطينية من بعيد؟ سأشارك حتى لو اضطرت إلى أن يختم لي الحاجز الإسرائيلي على جواز سفري، سأشارك كرامة وإكراماً لفلسطين وليس لشيء آخر، بل إني سأسقط آخر ما بقي من تبعات نظام القذافي عليّ، حين كتب لنا في جوازات سفرنا يمنع من دخول فلسطين المحتلة... شخصياً ستكون لحظة فارقة في حياتي أن أكون هناك، وأن أصلي أيضا في القدس».
* لم أتردد وضد التطبيع
بهدوئه الذي يشبه سرد روايته الجميلة «روائح ماري كلير»، قال الروائي التونسي، الحبيب السالمي: «حين تلقّيت دعوة من وزارة الثقافة الفلسطينية للمشاركة في فعاليات ملتقى فلسطين الأول للرواية العربية، لم أتردد لحظة في الموافقة، خصوصا أن الدعوة تشير إلى أن حضورنا ومشاركتنا دعم لنضال شعبنا في مواجهة سياسات العزل وخطوة على طريق كسر الحصار الثقافي على فلسطين. أرى أن واجبي بصفتي عربيا أولا، ومثقفا ثانيا، أن أذهب إلى فلسطين. ولا أفهم كيف يمكن الحديث عن تطبيع أو شيء من هذا القبيل إذا تعلق الأمر بزيارة أهلنا في فلسطين. قبل بضعة أعوام، كنت ضيفا على المؤتمر الأدبي العالمي في برلين. أخبرتني المسؤولة عن الاتصال، بأن صحافيا إسرائيليا من جريدة «يديعوت أحرنوت»، إذا لم تخني الذاكرة، يريد أن يجري لي حوارا فرفضت. أنا عموما ضد التطبيع. ولكن ما علاقة زيارة فلسطين بالتطبيع. يشرفني أن أنزل ضيفا على إخواننا الفلسطينيين، وأن أساهم في كسر الحصار الثقافي على فلسطين.
* أذهب ولديّ ما أقول
أما الروائي الأردني، إلياس فركوح، فقال: «أن أشارك في حَدَثٍ ثقافي أدبي فوق جزء من فلسطين، لهو أمرٌ يعني لي الكثير. ومن معانيه التي من الصعب إظهارها بوضوح؛ امتحان فلسطين في داخلي وتجذرها بأبعادها كافة: أرضاً عشتُ عليها وبدأ وعيي على الحرية بالتشكُّل في فضائها حين كنتُ صبياً في إحدى مدارسها، وإعادة قراءة لجزء من تاريخي الشخصي بوصفها كتاباً لن تنتهي صفحاته أبداً. إنها المرة الأولى، بعد نحو عشرين سنة، أعود إليها بوصفي كاتباً لديه ما يقوله، ويجهد أن يكون قولاً يحترم نُبْلَ قضيتها، وشرف مناضليها».
* الى فلسطين خذوني معكم
وقالت الناشرة المصرية د. فاطمة البودي، المدير العام لدار العين: «عندما جاءتني دعوة للمشاركة بمؤتمر الرواية الأول بفلسطين، سيطرت علي مشاعر كثيرة، أولها الفرحة لزيارة هذه البقعة العزيزة جداً على نفسي، وثانيها (نوستالجيا) ذكرتني بكل ما مر علي في عمري من مشاعر تجاه القضية الفلسطينية والمدن الفلسطينية في أغاني عبد الحليم حافظ وأم كلثوم. وتذكرت على الفور (إلى فلسطين خذوني معكم)، ولكن من دون بندقية، بل على جناح الثقافة والمعرفة والأدب. كم تمنيت أن يكون محمود درويش على قيد الحياة ليأخذني إلى الأماكن التي كثيراً ما حكي عنها. بكل الفخر والفرح ألبي هذه الدعوة الكريمة، التي تحمل في كلماتها معاني المشاركة في كسر الحصار الثقافي عن فلسطين».



ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني
TT

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، من إصدار دار غاليمار مارس (آذار) 2026، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين، من خلال علاقتها الملتبسة باللغة العربية. تفتح صاحبة «أغنية هادئة» و«بلد الآخرين» أدراجها الداخلية على آخرها، لتُنجز نصاً من نوع نادر في المشهد الأدبي الفرنكفوني، نصٌّ يتكلم بالفرنسية عن الخسارة الكبرى للعربية. وتشرح سليماني في حوار مع دار غاليمار العمقَ الشخصي لهذه الخسارة، إذ تكشف أن العربية كانت بالنسبة إليها «اللغة الأبوية» بالمعنى المزدوج، فتقول: «تخيّلتُ أنها ستكون اللغة الأبوية، وأن غيابها يوازي غياب أبي، لأنه مات، ولأنه كان يجد صعوبة بالغة في نقل ثقافته». هكذا يتداخل في الكتاب الحدادُ على شخص والحداد على لغة، في نسيج اعترافي نادر يمنح النص عمقاً شخصياً يتجاوز مجرد التأمل الثقافي.

غلاف الكتاب

في قلب هذا النص يتصدّر سؤالٌ ظل يطارد ليلى سليماني منذ طفولتها: لماذا لا أتحدث العربية ولا أتقنها؟ والمعروف أن ليلى سليماني، الحائزة جائزة غونكور عام 2016، وُلدت في الرباط لعائلة بورجوازية مغربية تتحدث الفرنسية؛ والدها مصرفي رفيع المستوى، ووالدتها طبيبة من أصل ألزاسي. في هذا البيت الذي كانت الفرنسية لغةَ حياته اليومية، نشأت ليلى على تعدد لغوي مميز: الدارجة المغربية في الشارع والسوق، والألمانية في أغاني جدّتها الألزاسية وحكاياتها، والإسبانية في صيف المتوسط، والشلحة الأمازيغية على لسان عمّال الضيعة العائلية. بيد أن العربية الفصحى ظلّت في منطقة الحضور الغائب: مسموعةً، مألوفةَ الإيقاع، غير أنها لم تنمُ في فم الطفلة بصورة طبيعية، ولم تسكن مخيّلتها حتى تصير أداة تعبير.

تصف ليلى سليماني هذا الوضع بصورة جسدية قاسية: كمن يعيش مع عضو مبتور يُحسّ بوجوده رغم غيابه. وهذه الاستعارة ليست زينةً أسلوبية، بل هي الإطار الدقيق الذي تُنظّم فيه الكاتبة علاقتها بلغتها: حنينٌ لا يمكن إشباعه لأن موضوعه لم يُفقد فجأةً، بل لم يتشكّل أصلاً على النحو الكامل. وتستحضر في هذا السياق اسم الشاعرة والرسامة اللبنانية الراحلة إيتيل عدنان، تلك المبدعة التي كتبت بالفرنسية وعاشت تحت وطأة السؤال ذاته، والتي قالت ذات يوم إنها وجدت نفسها عند باب تلك اللغة فجعلتها أسطورة وجنةً مفقودة.

يبدأ النص من مكان شخصي للغاية: الطريقة التي تتحدث بها سليماني العربيةَ اليوم، وهي طريقة تشبه حديث الطفل أمام الكبار، المُحرج من نقصانه والخائف من الاستهزاء. وفي هذا الاعتراف ما يتجاوز مجرد الخجل الشخصي؛ إنه يكشف البنية الاجتماعية للغة. فالفرنسية في المغرب لم تكن مجرد إرث استعماري طارئ، بل أضحت في زمن الاستقلال وما بعده لغةَ الترقّي الاجتماعي ولغةَ النخب المدنية، في حين ظلّت العربية في بعض الأوساط محصورةً في دور الوجدان والدين والهوية الرمزية. وهكذا نشأ جيلٌ من الأبناء المغاربة يحمل اسماً عربياً ولساناً فرنسياً، وروحاً تُدرك حدودها دون أن تعرف كيف تتخطّاها.

غير أن هذا الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني بصوت مرتفع لا يُعدّ استثناءً فردياً، بل هو الموروث السّرّي لجيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة. فمن كاتب ياسين الذي رأى في الفرنسية «غنيمة حرب» استردّها من المستعمِر، إلى آسيا جبّار التي عاشت طوال حياتها في المساحة الممزّقة بين الكتابة بالفرنسية والتفكير بالعربية والحلم بالأمازيغية، وصولاً إلى ألبير ميمّي الذي حلّل في «المُستعمِر والمُستعمَر» كيف تُصبح لغة المستعمِر أداةَ صعود اجتماعي لنخب المستعمَر وتُفضي إلى ما سماه «ازدراء الذات»، هذا الإرث الثقيل هو ما تتقاطع معه سليماني في نصّها، بوعي طبقي أكثر صراحةً مما أبداه أسلافها. فهي لا تتردّد في وصف نفسها بـ«كليشيه البورجوازية الفرنكفونية التي لا تتحدث لغتها»، وفي هذه الجملة القاسية إدانةٌ مزدوجة: إدانة لطبقة اجتماعية أفادت من الانقسام اللغوي وورثت منه امتيازاتها، وإدانة لنظام تعليمي خلّف على مدى أجيال نخباً مغاربة تتكلم لغةَ الآخر بطلاقة ولغتها الأولى بتعثّر. والفارق بين سليماني وكتّاب الجيل الأول أن الأوائل كانوا يكتبون بالفرنسية كأنها فعل مقاومة أو ضرورة تاريخية لا مهرب منها، أما هي فتكتب عنها وعن حدودها، أي أنها تفتح النافذة على الغرفة المغلقة التي لم يجرؤ كثيرون على النظر إليها.

يبلغ النص ذروته الدرامية في مشهد كابوسي تعود إليه سليماني مراراً: «أحلم دائماً بالكابوس ذاته. أجدني في قاعة محكمة، وحولي رجال لا غير. أعلم أنني على وشك أن أُدعى إلى الكلام، وحلقي جافٌّ وكفّاي مرتجفتان. أشعر بخجل لا أعرف له سبباً. قاضٍ يدعوني إلى التحدث فأبدأ بتبرير نفسي، أتكلم بسرعة واضطراب، أتكلم بالفرنسية. يقاطعني القاضي بقسوة: «لسنا في فرنسا هنا. تكلّمي بالعربية». تملأ الدموع عينيّ ويُشلّني القلق. أبحث عن كلماتي. لا شيء يأتي. وأدرك حينها أنني خسرتُ، وأنني لن أستطيع إثبات براءتي أبداً». هذا الكابوس لا يصف عجزاً لغوياً فحسب، بل يُشخّص أزمة هوية بكاملها: براءةٌ لا يمكن إثباتها إلا بلغة افتُقدت. ولعل هذه العبارة الاخرى للكاتبة التي تقول فيها: «الكتابة ربما تعني التصالح مع هذه الهزيمة، أو على الأقل البحث عن لغتي الخاصة، لغة لا تخضع لأي تصنيف»، هي التي تكشف كيف صار الكابوسُ نفسُه مادةَ الكتابة وسببَها في آنٍ واحد.

على أن الكتاب لا يقف عند حدود الاعتراف الشخصي، بل يتمدّد ليصير بياناً سياسياً صريحاً. تُعلن سليماني رفضاً مزدوجاً وحاداً: رفض الخطاب المغربي المحافظ الذي يرى في أحادية اللغة العربية درعاً ضد الإمبريالية الثقافية، ورفض الخطاب الفرنسي الرسمي المتشبّث بلغة نقية لا تقبل التحوّل. وبين هذين الرفضين ترسي موقفها: اللغات كائناتٌ حية تتطور وتتشرب من بعضها، ولا يُلجمها إلا الآيديولوجيا. في هذا تلتقي مع كاتب ياسين والشاعر المغربي محمد بنيس وسواه من المفكرين الذين رأوا في التعددية اللغوية ثروةً بدل أن تكون وصمة.

الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني هو موروث جيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة

أما أسلوب الكتاب فيستحق وقفة خاصة. سليماني معروفة بنثر يقوم على الجملة القصيرة والإيقاع المحكم، غير أن جمل هذا النّص تتسع قليلاً ويصبح الصوت أكثر مباشرةً، كأنها تكتب تحت وطأة الاعتراف الواجب لا تحت إكراه الخيال الروائي. هذا الأسلوب يُذكّر في لحظات بما فعله طه حسين في «الأيام» حين حوّل السيرة إلى نص أدبي يتخطّى التوثيق الشخصي، وبما صنعه محمد شكري في «الخبز الحافي» حين رأى في الاعتراف الجريء تحريراً لا كشفاً للعار.

يكتسب الكتاب راهنيةً مضاعفة في سياق زمني يشهد صعوداً لخطابات الهوية المغلقة في أوروبا وخارجها: حدود تُضيَّق، وثقافات تُصنَّف، ولغات تُوظَّف في خدمة السياسة. في هذا المناخ، يُذكّر نص سليماني بأن الانغلاق على لغة واحدة ليس احتماءً بل إفقار، وأن الجرح الأعمق ليس في الحدود الجغرافية، بل في تلك الهوّة التي تفصل الإنسان عن لغته وذاكرته الأولى. وإذا كان العالم العربي يعيش صراعاً خفياً بين أنماط الانتماء اللغوي والثقافي، وهو صراع تغذّيه جراح الاستعمار وسياسات التعليم والتحوّل الاجتماعي العميق، فإن سليماني تعيد فتح هذا الملف من زاوية إنسانية لا شعاراتية: اللغة ليست ساحة امتحان للولاء، بل فضاءٌ لتكوين الذات. وسؤال الهوية عندها ليس مسألة تمثيل ثقافي فحسب، بل هو سؤال في صميم الكتابة ذاتها: هل يمكن للكاتب أن يكون صادقاً مع نفسه وهو يكتب داخل لغة لا يعيشها بالكامل؟ والجواب، كما يوحي النص، ليس نعم أو لا، بل كتابةٌ مستمرة في البحث عن صيغة أوسع من الصدق.

تكمن أهمية «هجوم على الحدود» في أنه يُقدّم تصوراً مغايراً: الهوية ليست جداراً بل مفترق طرق، واللغة ليست ملكيةً نهائية بل علاقة تاريخية حية ومفتوحة على التحوّل. وما يمنح هذا النص مداه الأبعد هو أن خجل سليماني من عربيتها المفقودة ليس استثناءً بورجوازياً بل مرآة لتشوّه موروث، وأن الجرأة على تسميته علناً هي في حد ذاتها فعلٌ من أفعال المقاومة.


«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة
TT

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال، وتتبع مصائر وتحولات أبناء وزوجة هذا المناضل القديم، وما ستؤول إليه حيواتهم؛ إذ يتخبطون بين الجنون والفقد والوحدة، بل التصفية الجسدية، رغم أن الأبناء جميعاً كانوا منذورين لنبوغ ما، لكن تبدلات الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تسحقهم، وتغدو هذه الأسرة تمثيلاً لطبقة اجتماعية عانت في سبيل تحرير البلاد من الاستعمار، دون أن تجني ثمار الاستقلال، فسرعان ما دخلوا في نفق مظلم، ولم يشعر أحد بتضحيات الأب، ومعاناة الأم التي تشبه الوتد، وصارت أسرتهما في مهب ريح عاتية تعصف بهم من كل الاتجاهات.

الرواية صدرت عن «دار العين» في القاهرة، ووصلت للقائمة القصيرة في جائزة البوكر، وصدرت طبعتها الرابعة منذ أيام. يرتكز العنوان على فترة نوم القيلولة التي كانت جزءاً ثابتاً من عادات القرية، وكانت تحدث فيها معظم الأحداث المفصلية المروعة، لكن هذا النوم يبدو، وبشكل أكثر جذرية، كناية عن نوم مجتمع وثقافة بأكملها، وعدم اليقظة لما يحاك لهما؛ إذ يدخل المجتمع كله في «نوم قيلولة»، بالمعنى السياسي والاجتماعي والثقافي، ليستيقظ على كوارث مروعة، أخطرها كارثة تمدد تيار الإسلام السياسي الراديكالي، بكل ما ينطوي عليه من عنف، ورغبة مجنونة لإعادة هندسة الواقع حسب رؤيته المتطرفة، في غفوة من السلطة الحاكمة.

وإذا كان نوم القيلولة يتخذ معاني ودلالات أكبر من مجرد عادة قروية، فإن الجنون - كذلك - يبدو كناية عمّا يصيب المجتمع بأسره، وليس أفراد هذه الأسرة وحدها، فالجنون هنا يبدو معنى سياسياً وآيديولوجياً؛ إذ يتغول جنون الجماعات الراديكالية، وتجتاح المجتمع حالة من العنف، بمعنييه السياسي والمادي، تنتهي بمقتل «عبد القادر المخ»، ابن المناضل السابق ضد الاحتلال. عبد القادر الذي كان يحلم وهو طفل أن يكون رئيساً للجمهورية، فانتهى به الحال على يد زملائه السابقين في مدرسة المعلمين وزوج شقيقته، بعد أن تحولوا إلى آيديولوجيا الإسلام السياسي المتطرف؛ حتى لا ينافسهم في الانتخابات البلدية، التي كان مرشحاً قوياً للفوز بها؛ كي تخلو الساحة لتيارهم الذي يسعى للسيطرة على المجتمع عنوة. ما يؤكد أن الجنون هنا ليس مقصوداً به فقط هذه العائلة، بل أشبه بحالة اجتماعية، وهو ما يصفه في حواره الأخير مع أمه قبل مقتله مباشرة يقوله: «ها هي البلاد أضحت أرخبيلاً للجنون، غابة وحوش، لا أحد يدري أين سيترك روحه بعد أن يغادر بيته صباحاً».

تدور الرواية حول مسعودة القارح، وأبنائها الثلاثة: إدريس، وحليمة، وعبد القادر. ونتتبع مسارات كل منهم، واتجاه هؤلاء الأبناء للجنون والهذيان بدرجات متفاوتة، بدءاً من الابن الأكبر إدريس الغول، الذي كان أول الواقعين في فخ المرض العقلي، وحاول الاعتداء على شقيقته، وانطلق في الشوارع واختفى من القرية، وأودعته السلطات بمستشفى للأمراض العقلية في مدينة وهران، وسرعان ما طردته المستشفى بعد سلوكه العنيف مع بقية المرضى والمريضات؛ ليتحول مشرداً في الشوارع، ولا يعرف له أهله مكاناً، بل يتحول شبحاً يخيف أخته حليمة، التي يصيبها الرعب من أن يجدها ويكرر تحرشه الجسدي بها أو محاولة قتلها، ويتحول هذا الرعب مرضاً نفسياً وهذيانات متتالية، خصوصاً بعد فشل زيجتها من مدرس الألعاب «سليم بوعزة»، الذي يختفي، ويلتحق بالجماعات الدينية المسلحة عقب اكتشاف عبثه بأجساد طلابه الأطفال. وأخيراً، عبد القادر المخ، صاحب الطموحات السياسية الجامحة، والذي كان على شفا الجنون أثناء دراسته، ودخل فترة في مستشفى الأمراض العقلية.

اعتمدت الرواية على تعدد الرواة والأصوات، فرغم استخدام ضمير الراوي العليم في معظم البناء السردي بشكل رئيس، لكنه يتحول أحياناً راوياً مشاركاً حيناً، ومراقباً حيناً آخر، خاصة في مفتتح الرواية ومنتهاها، وتحديداً في مشهد السيارة التي تأخذ مسعودة القارح، إلى مستشفى المجانين، وهو نفسه مشهد البدء ومشهد الختام؛ إذ يبدأ الراوي بهذا المشهد، ثم يعود عبر تقنية الاسترجاع إلى بدايات الحكاية ومساراتها وتحولات شخوصها، حتى نصل في الختام إلى المشهد نفسه، بعد أن يكون القارئ قد عرف المقدمات التي أدت لهذه النتيجة، فيسرده الراوي مرة أخرى، بعين المراقب والمشارك والمتسائل عن سر اختطافها بهذه الطريقة. ورغم سيطرة الراوي العليم على السرد، فإن ثمة فصولاً كثيرة متروكة لأصوات أبطالها كي يحكوا بأنفسهم، مثل حليمة وعبد القادر المخ، فكلاهما كثيراً ما يروي حكايته وتخوفاته وهواجسه بنفسه، ليتراجع الراوي العليم مُفسحاً المجال لأصواتهم وخطاباتهم لتحتل الصدارة.

زمنياً، تمتد الرواية على مدار عقود عدة، منذ مرحلة ثورة التحرير، التي انضم لها حميد النوري، مروراً بمرحلة الاستقلال، التي شهدت جنون أولاده ومعاناة زوجته، وكذا انتشار الفساد، فضلاً عن أن «كثيراً من أرامل الشهداء وجدن أنفسهن يشتغلن عاملات تنظيف في بيوت الأغنياء أو في المؤسسات التعليمية والإدارية»، وصولاً إلى تغلغل الإسلاميين الراديكاليين، واكتساحهم لانتخابات البلديات، ومقتل عبد القادر على أيديهم، بما يمثله من رمزية الطموح المدني للوصول للرئاسة، حلمه القديم منذ طفولته، والذي بدأه بانتخابات البلدية مرشحاً مستقلاً. هذا الامتداد الزمني يجعل الرواية أشبه بجدارية كبرى لصيرورة المجتمع المروي عنه.

على المستوى المكاني، تدور معظم الأحداث بين قريتي «أعنان» و«ينبو»، ومدينة وهران، ونرى تحول التركيبة السكانية لهذه الأمكنة، بخاصة تركيبة المدينة، فعقب الاستقلال، وبعد أن كانت وهران تتسع لجنسيات مختلفة، خشيت المرأة الفرنسية صاحبة المخبز على نفسها من حملات الكراهية ضد الأجانب، فرحلت إلى فرنسا على أمل العودة يوماً بعد صلاح الأحوال، وتركت مخبزها لحبيبها الجزائري بنعلال الرومي، لكن الأحوال تزداد سوءاً، لدرجة أن بنعلال نفسه يهاجر مع انتشار سطوة الإسلاميين وعصفهم بكل مختلف، في إشارة إلى أن المجتمع كله لا يتقدم، بل يسقط من أعلى منحدر شاهق. ثمة أماكن أخرى لها رمزيتها وحمولاتها الدلالية، بما يجعلها أكثر من مجرد فضاء مكاني، وأقرب إلى تمثيل سوسيوسياسي، مثل الجبل الذي كان يعتصم به الثوار المجاهدون ضد الاحتلال في زمن الثورة، وأضحى هو المكان نفسه الذي يأوي «الجماعة» التي تستقوي على المجتمع من أبناء جلدتهم، فالمكان واحد، لكن ثمة تباعداً بين الشخوص والغايات. أيضاً حديقة الاستقلال، التي كانت تنظر إليها حليمة من نافذة المطبخ، فتشاهد العشاق يجلسون فيها ويختلسون متعاً صغيرة عابرة، وما آلت إليه هذه الحديقة من خراب مع سطوة الإسلاميين، بل ربما ما آل إليه الاستقلال ذاته.

انفتاح السرد الروائي على الجنون، جنون الشخوص أو جنون الواقع، منح السارد مساحة كبيرة لإضفاء مسحة من الغرابة والسريالية على الأحداث، سواء في هذيانات حليمة ورؤاها لأشياء غير منطقية، أو ما كان يحدث في شقة جارتها التي تحولت من مكان للسكن إلى حديقة حيوان مصغرة، ترى فيها أنواعاً غريبة من الحيوانات والطعام غير المعتاد. وعلى هذا المنوال، يحفل السرد بمساحات كبرى من الهذيان تنتاب الشخوص، في مقابل الهذيان الذي يتفشى اجتماعياً وسياسياً، في مجتمع أصبح وكأنه مسرح عبثي مفعم بتحولات تنتمي إلى اللامعقول.


«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية
TT

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

صدر عن دار «منشورات الربيع»، في القاهرة، الترجمة العربية لرواية «شجر الدر... امرأة متفردة»، للكاتبة والمناضلة النسوية المصرية درية شفيق، التي كتبت الرواية بالفرنسية في عام 1952، وظلت غائبة عن المكتبة العربية طوال هذه العقود، حتى صدرت الطبعة العربية أخيراً بترجمة الدكتورة فاطمة خليل.

في هذه الرواية، تعود المؤلفة إلى القرن الثالث عشر، لحظة أفول الدولة الأيوبية وصعود دولة المماليك، لتضع في قلب هذا التحول امرأة استثنائية، خرجت من الهامش إلى قلب التاريخ، وانتقلت من موقع الجارية إلى مقام السلطانة. طوال السرد، تلتزم الكاتبة بصرامة تاريخية، فجميع الأحداث والوقائع موثقة، وكأنها تعلن أنها ليست مجرد رواية تاريخية، ولكنها مشروع معرفي يطرح تساؤلات حول: ما التاريخ؟ ولماذا تُهمّش بعض شخصياته، وخصوصاً النساء؟

تكتسب الرواية أهميتها أولاً من اسم مؤلفتها، درية شفيق، ذات التاريخ النضالي والنسوي الكبير، والتي لها منجز إبداعي وفكري، فقد كتبت الشعر والرواية، وفي أدب الرحلات، فضلاً عن الكتابات الفكرية والسياسية. وثانياً من البطلة المروي عنها، شجر الدر، والتي تمثل - بالنسبة لكثيرات الآن - رمزاً نسوياً لامرأة صعدت إلى سدة الحكم في مصر، متحدية كل الظروف الصعبة في مسيرتها، فضلاً عن أهمية الرواية في مسيرة المدونة الروائية المنشغلة بإعادة سرد وكتابة التاريخ، وكذا الأعمال الأدبية التي كتبها أدباء عرب بلغات أجنبية في منتصف القرن العشرين.

ولدت درية شفيق في مدينة طنطا، شمالي القاهرة، في عام 1908، ونالت درجة الدكتوراه في الفلسفة الحديثة من جامعة السوربون في عام 1940، ورغم تفوقها، رفضت الجامعة المصرية تعيينها ضمن هيئة التدريس؛ لأنها امرأة. وأصدرت الراحلة مجلة «بنت النيل»، كأول مجلة نسائية معنية بتثقيف النساء المصريات. وتطور دورها بعد ذلك لتقود حراكاً سياسياً نسوياً باسم «اتحاد بنت النيل» في الأربعينات، ثم استمر نضالها ورفيقاتها حتى بداية الخمسينات، ليقتحمن البرلمان المصري (مجلس النواب) في 1951، بمظاهرة قوامها 1500 امرأة، للمطالبة بحق المرأة المصرية في المشاركة في الحياة السياسية، وألا يكون العمل السياسي حكراً على الرجال.

وانتهت قصة نضال درية شفيق بسقوطها من الطابق السادس في عام 1975، عقب 18 عاماً من الإقامة الجبرية، تاركة إرثاً كبيراً من النضال والعمل النسوي، والكثير من الانتصارات في مجال حقوق المرأة، فضلاً عن مزيد من الحيرة والتساؤلات حول حقيقة نهايتها المفجعة.

من أجواء الرواية نقرأ: «لم تكن فترة المراهقة بالنسبة لشجر الدر أمراً يبعث السعادة عليها، كانت الهوة بينها وبين المحيطين بها تتسع يوماً بعد يوم، وبكل ما في داخلها من طموحات، كانت تنتمي إلى عالم آخر، أي عالم؟ لا تدري، لكنها كانت مقتنعة بأن موقعها في مكان آخر. كل ما يحيط بها كان يشعرها بالغثيان؛ المكان القذر الذي كانت تعيش فيه، ونافذته الوحيدة تطل على شارع يكسوه اللون الرمادي، ولا تدخله الشمس؛ الثوب السمل الذي كانت ترتديه؛ الخبز الأسود في وجباتها، ثم الفظاظة وبلادة الذهن التي كانت يتميز بها البشر الذين كانت تعيش بينهم».