روائيون وناشرون من 12 بلداً عربياً في «ملتقى فلسطين الأول للرواية»

ذاهبون «انتصاراً للثقافة»... وبعضهم انتقد الحديث عن «التطبيع» حين يتعلق الأمر بكسر الحصار

يحيى يخلف  -  واسيني الأعرج
يحيى يخلف - واسيني الأعرج
TT

روائيون وناشرون من 12 بلداً عربياً في «ملتقى فلسطين الأول للرواية»

يحيى يخلف  -  واسيني الأعرج
يحيى يخلف - واسيني الأعرج

«قبلت بكل فرح»... أجابت الناشرة المصرية صاحبة دار «العين» الدكتورة فاطمة البودي، عن سؤال «الشرق الأوسط»، حول تلقيها دعوة للمشاركة في «ملتقى فلسطين الأول للرواية»، الذي يعقد في مدينة رام الله بالضفة الغربية من 7 إلى 11 مايو (أيار) الحالي. وأضافت البودي بمشاعر عميقة وصادقة: «من ذا يتأخر عن دعوة من فلسطين؟».
وفي حين رحب يحيى يخلف، وزير الثقافة الفلسطيني الأسبق، بمشاركة الروائيين العرب، قال واسيني الأعرج، إنه ذاهب لحضور «أعراس فلسطين ومآتمها مهما كانت المسافة ثقيلة»، ذاهب إلى من «يحلمون بالحرية والعصافير والخير والخبز والفرح والإنسان». وتعتقد مها حسن، أن الدعوة إلى فلسطين، تحررها من الهزيمة التي ولدت معها ولاحقتها العمر كله. فيما ذهبت نجوى بن شتوان؛ لعزمها على إسقاط ما تبقى من تبعات نظام القذافي الذي كتب على جوازات السفر «يمنع من دخول فلسطين المحتلة». واستهجن الحبيب السالمي، الحديث عن «التطبيع حين يتعلق الأمر بزيارة أهلنا في فلسطين». ورأى إلياس فركوح في مشاركته أمرا يعني له الكثير. أما كمال الرياحي فاعتبر قبول دعوة وزارة الثقافة الفلسطينية: «اعترافا بدولة فلسطين».
أكثر من خمسين روائيا عربيا وروائية، بينهم ناشرون، ينتمون إلى كل من: فلسطين، والأردن، ومصر، وسوريا، والجزائر، والمغرب، وإريتريا، وتونس، وليبيا، والعراق، والكويت، والسودان، تلقوا دعوة من وزارة الثقافة الفلسطينية للمشاركة، جاء فيها: «إن حضوركم ومشاركتكم في ملتقى فلسطين الأول للرواية العربية، دعم لنضال شعبنا، في مواجهة سياسات العزل وخطوة على طريق كسر الحصار الثقافي على فلسطين».
وفي المقابل، ثمة من يعتبر أي مشاركة في أي أنشطة ثقافية أو فنية في فلسطين، تطبيعا كاملا مع إسرائيل لا يمكن الدفاع عنه أو حتى تبريره. وأن زيارة فلسطين، غير مقبولة قبل تحريرها.
فماذا قال بعض من لبّوا الدعوة وبدأوا يحزمون حقائبهم استعدادا لملاقاة فلسطين والفلسطينيين، وكيف ينظرون إلى هذه الخطوة «الإشكالية»، التي لم تزل تجر الكثير من المتاعب؟
الروائي الفلسطيني، يحيى يخلف، خصّ «الشرق الأوسط» بكلمة رحب فيها بالروائيين العرب، وتوقع حضورا جيدا ومشاركات فاعلة، وقال: «نحن المثقفين الذين نعيش في فلسطين، ونتشبث بثقافة الصمود، وينمو إبداعنا في جو التحدي ومقاومة المحتل بكل الوسائل المتاحة، نعتبر المجيء والمشاركة والتواصل معنا، نوعا من الدعم لنا ولشعبنا المتعطش للتواصل مع محيطه القومي. يقال إن زيارة السجين لا تعتبر زيارة للسجان... ولا يعجبنا كثيرا هذا القول؛ لأن أبطالنا أسرى الحرية في سجون الاحتلال، يحاصرون السجان بمعركة الإضراب عن الطعام، ويقاومون حتى وهم وراء القضبان، في كفاح أسطوري تعجز عن وصفه الكلمات».وأضاف وزير الثقافة الأسبق: «نحن ضد التطبيع بمعناه الفج والقبيح، ونعتبر الثقافة قلعتنا وهويتنا، ولا نقبل حتى مثقفا عربيا أو أجنبيا يزور إسرائيل ثم يطلب زيارتنا. وأحب هنا أن أؤكد أن المثقفين الإسرائيليين لا يتطلعون إلى التطبيع؛ لأن نصوصهم مليئة بالحقد والكراهية واحتقار الآخر. ويمارسون التمييز حتى على أدبائنا داخل الخط الأخضر. ولا يرغبون حتى في ترجمة أدبهم أو الاطلاع عليه، باستثناء ما ترجمه بعض اليسار للراحل محمود درويش. وحتى هذه القصائد، هاجموها في الكنيست ودوائر الحكومة. إن زيارة أي أديب عربي إلى فلسطين، هي دعم وإسناد لكفاح شعبنا وتأكيد على عروبة فلسطين وعلى مكانتها بصفتها قضية مركزية للأمة العربية».
* شمس ممنوعة
وقال الروائي الجزائري واسيني الأعرج: «مشاركتي تدخل في سياق التزام نشأ في منذ طفولتي الأولى. لا أريد أن أخونها كيفما كان الحال، طفولتي صنعتني. أن أحضر أعراس فلسطين ومآتمها مهما كانت المسافات الثقيلة، والظروف الفاصلة. وليس ملتقى فلسطين للرواية إلا واحدا من هذه الأفراح المشتركة. في فلسطين لا يوجد فقط الموت، يوجد أيضا ناس يحلمون بالحرية والعصافير والخير والخبز والفرح والإنسان. لا أهتم بعدها كثيرا بما يمكن أن يقال. لا يُحاسب من يحب أرضه. ومن حاسبه فهو يكره تلك الأرض التي تسرق يوميا. التطبيع؟ ليكن. لهم تطبيعهم كما يصفونه وينتشون به وراء الكذبة الكبرى، ولي شوقي وحبي. أعرف كما يعرفون، أن التطبيع أن تسير وفق شهوة القاتل، أن تقبل بعزلة أرض الملائكة والأنبياء، وبرميها في جهنم النسيان، وقتلها في الصمت الخبيث. لي فلسطيني التي كبرت في حضن ذاكرتها التي لا تموت أبدا. أتحمل بؤس المعابر وقسوتها، وخبث الذي يتفرس أشواقي، لأني أعرف سلفا أني بمجرد وصولي سأنسى الغبار، ولن تبقى في قلبي إلا رائحة التربة الأولى وعطر فلسطين وتكبر فيّ رغبة أخرى للحياة وفتح البوابات الثقيلة مع ملايين الأيدي لتدخل الشمس الممنوعة.
* حررني من الهزيمة
وتعتقد الروائية السورية، مها حسن، أن الدعوة إلى فلسطين، تحررها من الهزيمة التي ولدت معها ولاحقتها العمر كله، عبر استعادة «الزمن الضائع»، والقبض على حقها في الكتابة. لم تتردد مها في قبول الدعوة، أو تتلعثم في صياغة موافقتها، والدفاع عن موقفها. وقالت: «وُلدت في عام النكسة، وحملتُ معي دائماً بذور تلك الهزيمة، حتى أنني اشتغلت في أول طريقي الروائي، على فكرة الجيل المهزوم، عبر روايتي (جدران الخيبة أعلى)، الصادرة سنة 2002. منذ ولادتي وحتى صباي، رافقني إرث الهزيمة، حتى يمكنني التحدث عن الهزيمة الجمعية لجيلي على الأخص. ولكنني آمنت أيضاً، بقدري الشخصي: الكتابة. اليوم، تأتي فكرة الذهاب إلى فلسطين، كأنها تحقيق لحلم قديم ضائع. لم أفكر يوماً بهذا. فقط جاءت الفكرة في العامين الأخيرين، حين وجدتُ أن كتابتي تحتاج إلى ذلك المكان الضائع. الذهاب اليوم إلى فلسطين، يماثل ضد (الزمن الضائع)، لأدخل فصل: الزمن المُستعاد، تماشيا مع رواية مارسيل بروست، وتحقيقاً لحقّي في الكتابة والتخيّل ومقارنة الواقع، والتحرر من الهزيمة التي فرضها الآخر».
* ليس ذنب الفلسطيني أنه محتل
أما الروائي التونسي، كمال الرياحي، فقال: «زيارة فلسطين حلم يراود كل عربي منذ الطفولة، والوصول إليها من خلال نشاط ثقافي أمر جيد. وقبول دعوة وزارة الثقافة الفلسطينية هو اعتراف بفلسطين دولة. ومشاركتنا هي جزء من مساندتنا نضال الشعب الفلسطيني، كما جاء في نص الدعوة. مقاطعة أهلنا تحت الاحتلال لم تخدم إلا الإسرائيلي. أن يهبّ الكتاب العرب إلى فلسطين، فهذا إعلان منهم أنهم لم يتخلوا عن الفلسطينيين في محنتهم، وليس ذنب الفلسطيني أنه محتل، بل ذنب العربي الذي يحاصره في المطارات العربية ويحتج على بقائه في أرضه. لا يمكن لزيارتنا لفلسطين، ومشاركتنا في مؤتمر تنظمه دولة فلسطين، إلا أن يكون دعما لشعب فلسطين».
* آخر تبعات نظام القذافي
وأخذت الروائية الليبية، نجوى بن شتوان، التحدي إلى مسافات بعيدة، حين قالت: «يشكل قبولي الدعوة لملتقى الرواية العربية الأول في فلسطين، مساندة ودعما للثقافة العربية في شخصيتها الفلسطينية، فلماذا أقبل دعوات العرب هنا وهناك وأتحفظ على قبولها من فلسطين؟ لقد كانت فلسطين محتلة ولم تزل، وهي في جواز سفري ما زالت أرضاً ممنوع عليّ دخولها بقرار من النظام الليبي السابق، ولكني سأتخطى ما تقرره السياسة دعماً للأدب ولأهلنا في الأرض المحتلة وسأقبل العبور مثلهم، أنا ذاهبة إلى فلسطين وإلى الفلسطينيين ولست ذاهبة إلى إسرائيل أو الإسرائيليين، أنا هناك تلبية لنداء فلسطين وسيجري عليّ ما يجري عليهم. إن دعمهم أقل ما يمكن أن نقدمه لهم، وماذا ترانا قدمنا لهم عندما كنا في أوطاننا وكنا نتكلم عن القضية الفلسطينية من بعيد؟ سأشارك حتى لو اضطرت إلى أن يختم لي الحاجز الإسرائيلي على جواز سفري، سأشارك كرامة وإكراماً لفلسطين وليس لشيء آخر، بل إني سأسقط آخر ما بقي من تبعات نظام القذافي عليّ، حين كتب لنا في جوازات سفرنا يمنع من دخول فلسطين المحتلة... شخصياً ستكون لحظة فارقة في حياتي أن أكون هناك، وأن أصلي أيضا في القدس».
* لم أتردد وضد التطبيع
بهدوئه الذي يشبه سرد روايته الجميلة «روائح ماري كلير»، قال الروائي التونسي، الحبيب السالمي: «حين تلقّيت دعوة من وزارة الثقافة الفلسطينية للمشاركة في فعاليات ملتقى فلسطين الأول للرواية العربية، لم أتردد لحظة في الموافقة، خصوصا أن الدعوة تشير إلى أن حضورنا ومشاركتنا دعم لنضال شعبنا في مواجهة سياسات العزل وخطوة على طريق كسر الحصار الثقافي على فلسطين. أرى أن واجبي بصفتي عربيا أولا، ومثقفا ثانيا، أن أذهب إلى فلسطين. ولا أفهم كيف يمكن الحديث عن تطبيع أو شيء من هذا القبيل إذا تعلق الأمر بزيارة أهلنا في فلسطين. قبل بضعة أعوام، كنت ضيفا على المؤتمر الأدبي العالمي في برلين. أخبرتني المسؤولة عن الاتصال، بأن صحافيا إسرائيليا من جريدة «يديعوت أحرنوت»، إذا لم تخني الذاكرة، يريد أن يجري لي حوارا فرفضت. أنا عموما ضد التطبيع. ولكن ما علاقة زيارة فلسطين بالتطبيع. يشرفني أن أنزل ضيفا على إخواننا الفلسطينيين، وأن أساهم في كسر الحصار الثقافي على فلسطين.
* أذهب ولديّ ما أقول
أما الروائي الأردني، إلياس فركوح، فقال: «أن أشارك في حَدَثٍ ثقافي أدبي فوق جزء من فلسطين، لهو أمرٌ يعني لي الكثير. ومن معانيه التي من الصعب إظهارها بوضوح؛ امتحان فلسطين في داخلي وتجذرها بأبعادها كافة: أرضاً عشتُ عليها وبدأ وعيي على الحرية بالتشكُّل في فضائها حين كنتُ صبياً في إحدى مدارسها، وإعادة قراءة لجزء من تاريخي الشخصي بوصفها كتاباً لن تنتهي صفحاته أبداً. إنها المرة الأولى، بعد نحو عشرين سنة، أعود إليها بوصفي كاتباً لديه ما يقوله، ويجهد أن يكون قولاً يحترم نُبْلَ قضيتها، وشرف مناضليها».
* الى فلسطين خذوني معكم
وقالت الناشرة المصرية د. فاطمة البودي، المدير العام لدار العين: «عندما جاءتني دعوة للمشاركة بمؤتمر الرواية الأول بفلسطين، سيطرت علي مشاعر كثيرة، أولها الفرحة لزيارة هذه البقعة العزيزة جداً على نفسي، وثانيها (نوستالجيا) ذكرتني بكل ما مر علي في عمري من مشاعر تجاه القضية الفلسطينية والمدن الفلسطينية في أغاني عبد الحليم حافظ وأم كلثوم. وتذكرت على الفور (إلى فلسطين خذوني معكم)، ولكن من دون بندقية، بل على جناح الثقافة والمعرفة والأدب. كم تمنيت أن يكون محمود درويش على قيد الحياة ليأخذني إلى الأماكن التي كثيراً ما حكي عنها. بكل الفخر والفرح ألبي هذه الدعوة الكريمة، التي تحمل في كلماتها معاني المشاركة في كسر الحصار الثقافي عن فلسطين».



رحيل مايك والاس... مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية


مايك والاس
مايك والاس
TT

رحيل مايك والاس... مؤرخ التحوّل من الإقطاع إلى الرأسمالية


مايك والاس
مايك والاس

رحل يوم الأحد في مكسيكو سيتي عن 83 عاماً مايك والاس، المؤرخ، صاحب السيرة التاريخية الضخمة لمدينة نيويورك والمعنونة «غوثام» - التي ألفها بالاشتراك مع إدوين جي بوروز- والتي فازت بجائزة «بوليتزر»، وألهمت تأليف مجلدين ضخمين آخرين عن المدينة.

وأكدت زوجته، الشاعرة والكاتبة المسرحية كارمن بولوسا، خبر وفاته في المستشفى، مشيرة إلى أنه كان يعاني من «خرف أجسام ليوي» (Lewy body dementia) (وهو اضطراب عصبي تدريجي يحدث بسبب تراكم بروتينات غير طبيعية تسمى«أجسام ليوي» في خلايا الدماغ).

واشتهر مايك والاس، مؤلف التاريخ المرموق لمدينة نيويورك، بكتابه الصادر عام 1998 بعنوان «غوثام» (Gotham) - والذي سرد قصة المدينة حتى عام 1898 - على الصراعات الاجتماعية والاقتصادية. وقد حصل الكتاب على جائزة «بوليتزر» 2017، وألهم تأليف جزأين تاليين له.

والاس (يساراً) وبوروز (في صورة غير مؤرخة) (المصدر: أسوشييتد برس)

وذكرت لجنة جائزة «بوليتزر» حينها أن كتاب «غوثام» -الذي ألفه والاس بالاشتراك مع إدوين جي بوروز- قد جمع خيوطاً متعددة «في نسيج سردي واحد يُقرأ كأنه رواية سريعة الأحداث». وذكرت أيضاً في معرض وصفها للكتاب: «ينسج المؤلفان تواريخ متنوعة - تتراوح بين الجنس وأنظمة الصرف الصحي، والتمويل والعمارة، والهجرة والسياسة، والشعر والجريمة. إن أبطال الكتاب هم مئات الأفراد - سواء كانوا مشاهير أو مغمورين - الذين أدى امتزاجهم وتصادمهم إلى توليد طاقة حركية هائلة، وابتكار ثقافي، ورؤية تقوم على الوحدة في ظل التنوع؛ وهي رؤية أصبحت تشكل مساهمة مميزة في الحضارة العالمية».

في أوائل الستينيات، كان والاس - وهو من مواليد بروكلين - يسعى لتحقيق حلم والدته بأن يصبح طبيباً، حيث درس المواد التمهيدية للطب في جامعة كولومبيا، لكن بعد أن كاد يرسب في مادة الكيمياء العضوية، تبنى أفكاراً راديكالية في السنوات التي سبقت أحداث عام 1968، حين سيطر الطلاب على مباني الحرم الجامعي احتجاجاً على حرب فيتنام، (وقد كان والاس من بين مئات الطلاب الذين اعتُقلوا خلال تلك المظاهرات).

بعد ذلك، حوّل والاس مسار دراسته إلى التاريخ، وما أطلق عليه مصطلح «راديكالي»، الذي عرفه بأنه التاريخ الاجتماعي الذي ينطلق من القاعدة (من عامة الناس) إلى القمة، وشرح فيه التأثير العميق للرأسمالية؛ ما أدى إلى تفاقم الفوارق والصراعات الطبقية والاقتصادية والاجتماعية. وقد ذهب للقول بأن معظم الروايات التقليدية للتاريخ شهدت قيام «الطبقات المهيمنة في الولايات المتحدة - سواء عن وعي أو دون وعي - بالاستحواذ على الماضي»؛ ولذا حرص في عمله على إدراج أصوات النساء والسود والطبقة العاملة وغيرهم ممن تم تهميشهم أو استبعادهم غالباً.

بدأ المشروع البحثي - الذي استغرق إنجازه نصف قرن - عام 1976، حين حصل والاس وبوروز على منحة قدرها 7000 دولار لتأليف كتاب شامل يتناول التحول العالمي من الإقطاع إلى الرأسمالية، لكنهما قررا لاحقاً أن سرد القصة من منظور مدينة نيويورك، وعبر فترة تمتد 500 عام، يُعد في حد ذاته تحدياً هائلاً وكافياً.

في كتاب «غوثام: تاريخ مدينة نيويورك حتى عام 1898» -الذي نُشر تزامناً مع الذكرى المئوية لتأسيس «نيويورك الكبرى» طرح والاس وجهة نظر مفادها أن توحيد المناطق التي أصبحت تُعرف بـ «الأحياء الخمسة» (boroughs) كان بمنزلة خطوة طبيعية اتخذتها الحكومة المحلية، تماثل ما حققته الشركات الكبرى في أواخر القرن التاسع عشر من مساعٍ للقضاء على المنافسة عبر تشكيل «التروستات» (اتحادات الشركات) والاحتكارات.

وفي حديثه لصحيفة «نيويورك تايمز» عام 2017، قال والاس: «رغم ما يُفترض أن كبار المصرفيين ومديري الشركات يكنّون حباً للأسواق الحرة، فإن الرأسماليين الحقيقيين في تلك الحقبة كانوا يرون أن المنافسة ضرب من الجنون؛ فهم يضطرون لخفض الأجور؛ ما يؤدي لظهور النقابات العمالية التي تستوجب القمع من وجهة نظرهم، وهو ما يقود بدوره إلى الاشتراكية».

أعقب كتاب «غوثام» (Gotham) جزآن تاليان وصلا بقصة مدينة نيويورك إلى نهاية الحرب العالمية الثانية.

مايك والاس

وعالج والاس - الذي انفرد بتأليف العملين اللاحقين - موضوعات مماثلة في كتاب «غوثام الكبرى: تاريخ مدينة نيويورك من عام 1898 إلى 1919» (Greater Gotham: A History of New York City From 1898 to 1919) الصادر عام 2017، حيث تتبع كيف أزاحت المدينةُ أوروبا عن مكانتها كعاصمة مالية عالمية مع بروز الولايات المتحدة كدولة دائنة عقب الحرب العالمية الأولى؛ وكذلك في كتاب «غوثام في زمن الحرب: تاريخ مدينة نيويورك من عام 1933 إلى 1945» (Gotham at War: A History of New York City From 1933 to 1945)، والذي يتناول كيف تبوأت المدينة مكانة العاصمة العالمية حين نجحت في مسعاها - الذي لم تكن التوقعات تصب في صالحه - لتصبح مقراً للأمم المتحدة.

بلغ مجموع صفحات المجلدات الثلاثة نحو 3500 صفحة. ومع ذلك، أشار النقاد إلى أن حيوية والاس وبراعته في السرد، إلى جانب تناوله الصريح وغير المتحيز لشخصيات أسهمت في بناء المدينة، جعلت من قراءة هذه الكتب تجربة سلسة وممتعة. فعلى سبيل المثال، كتب والاس أنه في عام 1908 - أي قبل انتشار السيارات - كان هناك أكثر من 120 ألف حصان تخلّف وراءها 60 ألف غالون من البول و2.5 مليون رطل من الروث في الشوارع كل يوم!

جمع في سفره الضخم خيوطاً متعددة «في نسيج سردي واحد يُقرأ كأنه رواية سريعة الأحداث


فسيفساء قصر هشام في البادية الفلسطينية

تفصيل من فسيفساء قصر هشام تقابله لوحة توثيقية لمجمل مكوّناته
تفصيل من فسيفساء قصر هشام تقابله لوحة توثيقية لمجمل مكوّناته
TT

فسيفساء قصر هشام في البادية الفلسطينية

تفصيل من فسيفساء قصر هشام تقابله لوحة توثيقية لمجمل مكوّناته
تفصيل من فسيفساء قصر هشام تقابله لوحة توثيقية لمجمل مكوّناته

تحوي البادية الفلسطينية صروحاً أموية عدة، أهمها صرح يعود إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، كشفت عنه بعثة بريطانية في خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة، نواحي شمال مدينة أريحا. أُطلق على هذا الصرح اسم «الخربة» التي خرج منها، ثم اشتهر باسم «قصر هشام»، وأهم معالمه سجادة فسيفسائية ضخمة تزيِّن أرض حمّامه الكبير، توصف بـ«أكبر فسيفساء في العالم». تمتد على مساحة 835 متراً مربعاً، وتتألف من مجموعة خانات فسيفسائية مترابطة، تشكِّل كلها، بعضها مع بعض، أرضيّة جامعة.

حافظت هذه الفسيفساء على مكوّناتها بشكل كامل، كما تشهد الصور الفوتوغرافية التوثيقية التي التُقطت عند اكتشافها في الثلاثينات.

كيف نجت هذه السجادة من الخراب؟ وكيف خرجت مكوّناتها من بين الردم بشكلها الأصلي؟

في الواقع، أظهرت الدراسات العلمية المتأنية أنَّ الموقع شُيّد في عهد هشام بن عبد الملك، واستمرَّت حركة البناء فيه بعد رحيل الخليفة، إلى أن تعرَّضت المنطقة لزلزال كبير خلال عام 746، فتهاوى القصر إثر هذا الزلزال، إلا أن الأتربة والأنقاض المتراكمة حفظت أرضياته الفسيفسائية، وشكّلت لها ستاراً واقياً.

في عام 1959، نشرت جامعة أكسفورد دراسة شاملة تناولت هذا الموقع الأثري الأموي، وحملت عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء».

في هذا الكتاب المرجعي، قدَّم العالم البريطاني روبرت هاملتون دراسةً تحليليةً شاملةً تناولت أرضيات القصر الفسيفسائية، وحوت رسوماً توثيقية خاصة بهذه السجادات شكّلت أساساً لدراسة هذا الأثر الفريد.

عُرف «قصر هشام» في الميادين الخاصة بعلم الآثار، واقتصرت شهرته على هذه الميادين. في عام 1994، عاد اسم هذا القصر إلى الواجهة الإعلامية بعد نقل صلاحيات إدارته إلى السلطة الفلسطينية، وسارعت دائرة الآثار الفلسطينية الوليدة إلى العمل على تأهيله وإحيائه بالتعاون مع «اليونيسكو»، و«معهد الآثار الفرنسيسكاني»، وأجرت مسحاً طوبوغرافياً جديداً للموقع، وأنشأت معهداً لترميم الفسيفساء بدعم من الحكومة الإيطالية في عام 1999. بعدها، نظفت دائرة الآثار هذه الفسيفساء ونقّتها وثبّتتها خلال عام 2010، ثم قيّمت حالة حفظها وصيانتها. في تلك الحقبة، قام الباحث الفلسطيني حمدان طه بحملة لتصوير هذا الأثر الكبير بالتعاون مع فريق محلّي ضمّ 4 علماء من فلسطين، وفي عام 2015، نشر مجلداً خاصاً بهذه الفسيفساء، حوى عرضاً توثيقياً شاملاً لمكوّناتها.

كشفت وزارة السياحة الفلسطينية عن فسيفساء قصر هشام لفترة وجيزة عام 2010، ثم أعادت طمرها بغية الحفاظ عليها، وأعادت الكشف عنها استثنائياً في عام 2016، بحيث أصبحت متاحةً للسياح والزوار لمدة شهر واحد فقط. بعدها، عقدت الوزارة اتفاقاً مع «الوكالة اليابانية للتعاون الدولي» لترميم الموقع وتحديثه وتجهيزه، وأثمر هذا الاتفاق عن إعادة الكشف عن الفسيفساء في خريف 2021، بعد تأمين كل السبل لحمايتها، وبلغت تكلفة هذا المشروع 12 مليون دولار. أُقيم فوق هذه الأرضية سقف واقٍ، جاء على شكل قبة معدنية تغطّي أرضية الفسيفساء، وشُيّد هذا السقف فوق 4 قواعد رئيسية مثبتة في الزوايا. وجرى تأمين ممرات داخلية للدخول إلى الموقع، مع مسارات علوية للزوار والسياح، استناداً إلى المعايير الدولية المتبعة في تنظيم مسألة الحفاظ على الآثار. هكذا تحوَّل قصر هشام إلى موقع سياحي مفتوح، بعدما كان على مدى عقود من الزمن موقعاً أثرياً يعرفه أهل الاختصاص فحسب.

تتكوَّن هذه الفسيفساء الضخمة من 38 خانة مترابطة، ووفقاً للدراسة التي أنجزها روبرت هاملتون، تتبنّى هذه الخانات 7 أنماط تصميمية، شكّلت أساساً لتأليف فسيفساء الحمّام الملكي. تتوسّط هذه الفسيفساء الضخمة سجادة دائرية بديعة تحت القبة المركزية، وتتكوّن من مجموعة أقواس متداخلة تشع من الوسط في اتجاه الخارج. يحوي تأليف الفسيفساء الجامع 4 سجادات دائرية أصغر حجماً، تقع كل منها بين 4 أعمدة. تشكّل هذه السجادات الدائرية الـ4إطاراً مربّعاً يحيط بالسجادة الكبيرة التي تحتل مركز الوسط، وتحوي كل منها شبكة من التصاميم الدائرية تبدو كأنَّها خيوط منسوجة. كذلك يحوي هذا التأليف الجامع سجادتين مستطيلتين، تقع إحداهما عند مدخل القاعة الشرقية، والأخرى في الجانب الجنوبي. ثمة سجادات مستطيلة أخرى تزينها زخارف مجدولة.

من جهة أخرى، يحوي هذا التأليف 3 سجادات طويلة تشكِّل إطاراً له، وتحدّ هذا الإطار سلسلة من الحنيات تماثل المحاريب، زيّنت كل منها بتأليف خاص، ومنها ما زُيِّن بزخارف نباتية مجرّدة، ومنها ما زُيِّن بزخارف تحاكي ما تُسمّى بـ«أشكال قوس قزح». تجاور إحدى هذه الحنيات الباب الشرقي للقاعة، وتتفرّد بصورة ثنائية في وسط عتبتها تمثّل سكيناً وفاكهة على شكل عنقود من العنب.

وصف روبرت هاملتون خصائص كل لوحة من ألواح هذه الأرضية، وقارنها بالأمثلة التي سبقتها زمنياً في الشرق الأوسط، وأظهرت هذه المقارنة متانة تأليف فسيفساء «قصر هشام»، ودقة أسلوبها الهندسي الذي تميّزت به بشكل خاص. لا يشكّل هذا الأسلوب التجريدي الهندسي خصوصيّة أمويّة، إذ نقع على كنائس محلية من العهد البيزنطي تعتمد هذا الأسلوب، منها على سبيل المثل كنيسة تُعرف بـ«الكنيسة الشمالية»، في موقع «اليصيلة» الأثري شمال الأردن، على بعد نحو 9 كيلومترات إلى الشرق من مدينة إربد. تعود هذه الكنيسة إلى القرن الخامس الميلادي، وتزيِّنها أرضية فسيفسائية تخلو من أي عناصر تصويرية آدمية وحيوانية، وتعتمد التقاسيم الهندسية البحتة. تتبنّى فسيفساء قصر هشام هذا الطراز، وتتميّز بضخامتها وبتأليفها المسبوك.

توقَّف روبرت هاملتون أمام الصورة الثنائية التي تحضر استثنائياً في إحدى حنيات الباب الشرقي للقاعة، وتتمثّل بسكين وفاكهة على شكل عنقود من العنب، فرأى هذا العالِم البريطاني أنِّ هذه الصورة الثنائية ترمز إلى ثنائية الذكر والأنثى، وتشير إلى الولادة، وهي تختزل رمزيّاً اسم الخليفة الوليد. في المقابل، دحض غازي بيشة هذه القراءة التأويلية في كتابه «القصور الأموية في الأردن» الصادر سنة 1974، وأشار إلى حضور هذه الصورة الثنائية في كثير من الأرضيات الكنسية الأردنية، ورأى أنَّها تشكِّل في العالم البيزنطي رمزاً للخصوبة والعطاء والازدهار.


أدباء اكتشفوا في باريس جوهر هويتهم اللاتينية

اوكتافيو باث
اوكتافيو باث
TT

أدباء اكتشفوا في باريس جوهر هويتهم اللاتينية

اوكتافيو باث
اوكتافيو باث

لم تكن باريس في ستينات وسبعينات القرن العشرين مجرد مدينةٍ أوروبيةٍ، بل كانت «المِرجلَ» الذي انصهرت فيه طموحاتِ أدباء أميركا اللاتينية، لتولد من رحمِ غربتها «طفرة» أدبيةً أعادت صياغة الخريطة الروائية العالمية. لقد شكّل عمالقةٌ من أمثال غابرييل غارسيا ماركيز، وماريو فارغاس يوسا، وخوليو كورتاثار، وكارلوس فوينتس، مجتمعاً أدبياً متوقداً، حوّل شوارع «مدينة الأضواء» إلى ساحاتٍ للتجريب والتمرد الفكري، فتحولت باريس إلى المَهد الذي احتضنَ «طفرة» الأدب اللاتيني.

ماركيز

ومن القامات التي سكنت ضفاف «السين» وتميز كل واحد منهم عن الآخر: ماريو فارغاس يوسا (البيرو)، ففي كنف باريس، وبين جدران وكالة الصحافة الفرنسية، تفتحت موهبته لتثمر «مدينة الكلاب»؛ الرواية التي دوّت في الآفاق وأعلنت ميلاد كاتبٍ سيغير وجه الرواية الحديثة. وغابرييل غارسيا ماركيز (كولومبيا)، الذي قاسى في باريس شظف العيش وفقرَ البدايات، لكنه في رحم هذا الفقر، استلهمَ خيوط ملحمته الخالدة «مائة عام من العزلة»، محولاً عزلته الباريسية إلى كونٍ سحريٍّ لا ينسى. وهناك خوليو كورتاثار (الأرجنتين)، الذي اتخذ من باريس مستقراً أبديّاً منذ الخمسينات، وفي أزقتها ودروبها المتاهية، نسج تحفته «الحجلة» (Rayuela)، التي جعلت من المدينة بطلةً حقيقيةً في سياقٍ من الغرائبية والعبث. وكارلوس فوينتس (المكسيك)، الذي كان الجسرَ الحيّ الذي يربط أدباء القارة ببعضهم البعض، وحلقة الوصل التي عززت حضورهم في المشهد الأدبي العالمي.

أوستورياس

أيقونات ثقافية

لم تكن إقامة هؤلاء العمالقة عشوائية، بل تمحورت حول مساحاتٍ صارت أيقوناتٍ ثقافية: الحي اللاتيني؛ القلب النابض الذي ضخَّ الحياة في عروق إبداعهم، حيث تلاقت الأفكار فوق موائد المقاهي العتيقة. ومكتبة «شكسبير وشركاه»: الملاذ الذي احتضن أرواح المغتربين، وظلَّ حتى يومنا هذا منارةً تجمع المبدعين من كل فجٍّ عميق. وفندق «لويزيانا»: الشاهدُ الصامتُ على بداياتهم المتواضعة، حيث كان الفندقُ «محطةَ انتظار» قبل أن يحلقوا في سماء العالمية ويذيع صيتهم في الآفاق.

كانت باريس «المسافة» الضرورية التي منحتهم موضوعيةً قاسيةً لرؤية أوطانهم بوضوح؛ فمن بُعدِ كيلومتراتٍ طويلة، اكتشفوا جوهر هويتهم اللاتينية. ولم يكن هذا التماسّ الأدبي محض صدفة، بل دعمته مؤسسات نشرت إبداعهم (مثل دار «غاليمار»)، مما فتح أمامهم أبواب العالمية. وفي خضمِّ هذا العطاء، لم تخلُ مسيرتهم من دراما إنسانية؛ حيث تحولت علاقاتهم من صداقاتٍ أخويةٍ وطيدة إلى خلافاتٍ أيقونية كالعراك الشهير بين يوسا وماركيز عام 1976، لتصبح هذه المواقف جزءاً من الأسطورة التي أحاطت بـ«طفرة» الأدب اللاتيني.

في كتابه المثير للدهشة تحت عنوان «أنوار الوطن: قرنٌ من أدباء أميركا اللاتينية في باريس»، يجسّد مؤلفه جايسون فايس، بأسلوبٍ يجمع بين الرصانة الفكرية والعمق البلاغي، مفارقةً فلسفية عميقة؛ وهي معادلة الإبداع في المنفى والغربة، فالوطن الذي غادره هؤلاء الكُتّاب قسراً أو طوعاً، لم يغب عنهم، بل استحال «نوراً» داخلياً يُضيء عتمة المنفى، ومنح نصوصهم بريقاً لا يضاهى. يمكننا تأمل هذه العلاقة من عدة زوايا أدبية وروحية: المنفى كمرآة للذات: حين يبتعد المبدع عن جغرافيا وطنه، يكتشف أن الوطن ليس مجرد تضاريس، بل هو لغة وذكريات وإيقاع نفسي. باريس هنا لم تكن مجرد مدينة أوروبية، بل كانت «المرآة» التي انعكس فيها الوطن بوضوح أكبر. ففي الغربة، يزداد الحنين حدةً، وتتحول الصور الباهتة للأرض الأم إلى مشاهد نابضة بالحياة في أعمالهم الروائية.

يأتي بعد ذلك، تلاقح الحضارات (التثاقف)، بكون باريس «مختبراً عالمياً» للأفكار، منحت هؤلاء الكتّاب أدواتٍ حداثية، وتقنيات سردية متطورة، لكنهم لم يذوبوا فيها. لقد كان نجاحهم يكمن في «التهجين الأدبي»؛ حيث صهروا عبثية باريس، وفلسفتها، وتاريخها، مع «الواقعية السحرية» وأساطير أميركا اللاتينية، فخرج إلينا أدبٌ عالميٌّ بامتياز، مُحمّلٌ بروحٍ محليةٍ غائرة في القدم. لذلك أصبحت باريس بوصلة النجاح التي توثق «محطة الوعي»؛ فبمجرد أن يُقرأ الكاتب اللاتيني في باريس، أو يُترجم عبر دور نشرها العريقة، فإنه يحصل على اعترافٍ دوليٍّ يُعيده إلى وطنه بطلاً أدبياً، ويمنحه شرعية العبور إلى العالمية. وهكذا تحولت باريس إلى «جسرٍ» يربط بين هوامش أميركا اللاتينية ومركزية الثقافة العالمية. وفي هذا المجال، لو غصنا في تجربة كتّاب وأدباء أمثال ماريو فارغاس يوسا، أو غابرييل غارسيا ماركيز، أو خوليو كورتاثار، نكتشف أن هؤلاء حملوا «أنوار أوطانهم» ليضيئوا بها سماء باريس، وتمسكوا بلغتهم الأم، وكذلك كتّاب آخرون «يتنفسون» المدينة (مثل كورتاسار وفارغاس يوسا). هؤلاء الأخيرون بقوا أوفياء للغتهم الأم (الإسبانية)، لكن باريس عملت في نصوصهم كـ«مُحفّزٍ سريالي». وصول فارغاس يوسا إلى الأكاديمية الفرنسية - وهو الذي يكتب بالإسبانية - هو اعترافٌ فرنسي بأن «الأدب اللاتيني» قد أصبح جزءاً لا يتجزأ من صيرورة الثقافة العالمية. ولكن هناك مَن تحول إلى الكتابة بلغة الآخر؛ أي هؤلاء الذين اتخذوا من «لغة موليير» جسراً ليعبروا فيه عن ذواتهم المهاجرة، إذ قامت النقاشات حول «المثقف المهاجر» و«اللغة كوطن بديل». إن هؤلاء الكتاب، الذين اختاروا الفرنسية، لم يكتفوا بكونهم «مترجمين» لذواتهم، بل تحولوا إلى «مبدعين» استلهموا من روح اللغة الفرنسية هيكلاً جديداً لأفكارهم، مما يثري مشهد الأدب العالمي أمثال إدواردو مانيت الذي عانى تجربة المنفى القسري، وروايته «الغرباء»، وهيكتور بيانشوتي من ضفاف الأرجنتين إلى قبة الأكاديمية، يعتبر بيانشوتي حالة استثنائية؛ فهو لم يكتفِ بالكتابة بالفرنسية، بل صعد سلّم الاعتراف الثقافي الفرنسي حتى نال مقعداً في «الأكاديمية الفرنسية». وراؤول دامونتي بوتانا والمعروف بالاسم المستعار كوبي الذي يُعتبر تجسيداً للتمرد السريالي.

ثمة لحظةٌ فارقةٌ في حياة المبدع، حين يجد نفسه واقفاً على أعتاب مدينةٍ ليست مدينته، يقتات من ذكرياتِ أرضٍ باتت بعيدة، ويكتبُ بلغةٍ قد لا تكون لغته الأم، أو يكتبُ عن وطنٍ يراه بوضوحٍ أكبر كلما زادت المسافة. هذا ما تعبّر عنه تجربة أدباء أميركا اللاتينية في باريس، التي تتقاطع مع حكاية أولئك المبدعين الذين اختاروا «الفرنسية» موطناً لأقلامهم، ليشكلا معاً لوحةً فريدة لـ«إنسان الغربة».

على الجانب الآخر، نجد تلك الكوكبة التي اختارت الفرنسية لغةً للإبداع، مثل كونديرا وماكين ويونسكو. إذا كان أدباء أميركا اللاتينية قد لجأوا لباريس ليحفظوا «ذاكرة الوطن»، فإن هؤلاء المبدعين لجأوا إلى «اللغة الفرنسية» ليجدوا «وطناً للروح»، إذ إن اختيار اللغة ليس مجرد أداة للكتابة، بل هو قرارٌ فلسفيٌّ بتفكيك الهوية وإعادة بنائها. فعندما يكتب المرء بلغةٍ غير لغته الأم، فهو لا يكتبُ فقط، بل هو يتخلص من زوائد المألوف، ويصل إلى جوهر الفكرة دون أن تعيق حركة خياله قيودُ التراث والنشأة.

لم يكن أدباء أميركا اللاتينية في باريس - مثل غارسيا ماركيز أو خوليو كورتاثار - يكتبون عن باريس التي كانت بالنسبة لهم «مختبراً» للنضج، ومكاناً يمنح الكاتب المسافة اللازمة لرؤية وطنه بـ«عدسةٍ كونية»، بل إنهم كانوا يفرون من أتون السياسة والاقتصاد، ليجدوا في المقاهي الباريسية صومعةً لترميم الذات، حيث يمتزج صخب السريالية الفرنسية بواقعية أميركا اللاتينية السحرية، ليصنعوا أدباً يفوح برائحة الغابات الاستوائية في أزقة مدينة الأضواء. في كلتا التجربتين، تظهر باريس ككائنٍ حيّ، كما وصفها الأدباء الآخرون: «الملاذ»، «العيد»، «اللعوب» و«الفاتنة»، و«الواحة» التي تمنحهم الحرية لتأكيد ذواتهم أو بالأحرى الجسر الذي يربط بين «تخوم العالم» و«مركزه»، والامتزاج بين الحنين والمجهول.

يوسا

إن هؤلاء المبدعين - سواء كانوا لاتينيين يحملون إرث القارة البعيدة، أو «مهاجرين لغويين» اختاروا فرنسية النص - يؤكدون على شيءٍ واحدٍ هو أنّ الإبداع لا يعترف بالحدود الجغرافية، و«الوطن» الحقيقي ليس رقعة أرضٍ نولد عليها، بل هو تلك المساحة الرحبة من الحرية التي يصنعونها بأنفسهم عبر استحضار ذكريات الماضي أو عبر استنطاق لغةٍ جديدة.

لقد أثبت هؤلاء أنَّ الكاتب، حين يغترب، لا يضيع بالضرورة، بل يجد صوته الحقيقي في أصداء الصمت، ويحول ألمه الشخصي إلى «أنوار» تضيء دروب القراء في كل زمان ومكان. ويمكن للكاتب أن يكون «مغترباً» حتى داخل لغته الأم، وأنَّ الإبداع الحقيقي لا يولد إلا في المسافة الفاصلة بين الانتماء والرحيل بفعلِ تلاطم أمواجِ الأزمات السياسية، والاختناقات الثقافية، والانهيارات الاقتصادية في أوطانهم، لذلك وجد أدباء أميركا اللاتينية ملاذاً في الهجرة إلى باريس التي لطالما كانت قبلةَ المنفيين والمغضوب عليهم كأنهم يشتركون في «سيرة جماعية» للإبداع، متجذرةً في تربة أوطانهم الأولى رغم الغربة.

لم يقف هؤلاء الأدباء عند حدود الجدل الأدبي التقليدي بين «الفانتازيا» و«الغرائبي»، بل غاصوا عميقاً في نقد «صنمية السلعة» التي تلتهمُ الإبداع. وقد تم توثيق ذلك من خلال محاوراتهم وجدلهم وشتات رسائلهم، ومذكراتهم. وكانت بينهم مظلاتٍ إنسانية مشتركة؛ كالدبلوماسية، أو النزوح القسري، أو التجاوز الجنسي، أو حتى التغرب في لغةٍ أخرى (الفرنسية). ومع كل تلك الاختلافات بينهم إلا لأنّ ثمة «نغمة خفية» توحدُ بين أدباء أميركا اللاتينية، وهي حالة لم تعرفها الأمم المهاجرة الأخرى في باريس التي تحولت قنديلاً يُضيءُ طريقهم نحو إعادة اكتشاف هويتهم اللاتينية.

سوبولفيدا

هؤلاءَ العمالقة صاغوا تاريخ باريس «الهسباني»: كورتاسار، ساردوي، أستورياس، كاربنتيير، ريبيرو، بريس إيشينيكي، فارغاس يوسا، وغارسيا ماركيز، أوكتافيو باث، وأليخاندرا بيزارنيك وغيرهم، نرى في أعمالهم مختلف التأثيرات، ومنها «التأثيرات السريالية في روايات خوليو كورتاثار» أو «تمثيلات الغربة في أدب ماريو فارغاس يوسا»، و«خبايا» إقامتهم في باريس. وهناك أسماء أدبية نسوية مهمة، وفي مقدمتهن لويزا فوتورانكس، التي حظيت بترجماتٍ إنجليزية بارعة. ولا يمكن إهمال رؤية تأثير الثورة الكوبية على تنامي الاهتمام الأوروبي بأميركا اللاتينية، وحضور أسماء أدبية مهمة في جلسات المقاهي الباريسية.

يُشكّل وجود هؤلاء الأدباء في المنفى، تجسيداً لـ«ظاهرة باريس» كمركز ثقلٍ أبدي في حياة النخبة المثقفة في أميركا اللاتينية. وبينما لا يزال بعض النقاد يشككون في قدرة باريس على الاحتفاظ بهيبتها الأدبية لكنها كانت آنذاك كـ«مختبرٍ وجودي» صقل «تحول أميركا اللاتينية» من مجرد ملاذٍ للمنفيين إلى فضاءٍ فكري، كما دمجوا في أعمالهم، وهذا هو التأثير الأهم في كتابتهم، التحليل النفسي وما بعد البنيوية، بل إن هؤلاء الأدباء المغتربين من أميركا اللاتنية حولوا اغترابهم إلى نصوصٍ عابرة للحدود، تعيد خلق الوطن من رحم العدم. في الختام، نتساءل: هل كان من الممكن أن يحدث هذا التحول الفلسفي في أعمالهم ووصوله إلى العالمية دون التماسّ مع باريس؟

صهروا عبثية باريس وفلسفتها وتاريخها مع «الواقعية السحرية» وأساطير أميركا اللاتينية