احتدام المنافسة بين ماكرون ولوبان... والحسم الأحد المقبل

احتدام المنافسة بين ماكرون ولوبان... والحسم الأحد المقبل

مرشحة اليمين المتطرف اعتبرت منافسها {رهينة بأيدي عالم المال}
الثلاثاء - 5 شعبان 1438 هـ - 02 مايو 2017 مـ رقم العدد [ 14035]
ماكرون مرشح الوسط في الانتخابات الرئاسية الفرنسية خلال فعالية انتخابية بباريس أمس (إ.ب.أ)

دخل السباق الرئاسي في فرنسا مسافة المائة متر الأخيرة، التي ما زالت تفصل عن الجولة الحاسمة يوم الأحد القادم وسط تقلص نسبي للفارق في الأصوات بين المرشحين المتبقيين؛ مرشح الوسط إيمانويل ماكرون، ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان.

وبانتظار المناظرة التلفزيونية الوحيدة بينهما، مساء الأربعاء، وما يمكن أن تفضي إليه، فإن كلا منهما استفاد من يوم أمس الذي كان يوم عطلة ومسيرات عمالية بمناسبة عيد العمل ليندد بمنافسه وببرنامجه. لكن الواضح أن مارين لوبان التي ترى أن الفرصة قد حانت أمامها لاقتناص السلطة كانت الأكثر عنفا، وذلك في المهرجان الانتخابي الذي أقامته في «مركز المعارض» الواقع في ضاحية فيلبانت، شمالي باريس، أمام نحو عشرين ألفا من أنصارها. كل الوجوه المعروفة في حملة لوبان كانت حاضرة. لكن كرسي الشرف خصص للمرشح نيكولا دوبون دينيان، الذي انضم إلى حملتها مقابل وعد بأن يكون رئيس الحكومة القادمة في حال نجحت في الفوز في المنافسة الرئاسية.

وعكس المشهد السياسي الاستعراضي على الطريقة الأميركية، حرص فريق لوبان على تمكينها من إيصال الرسائل التي تريد أن تلتصق بذهن الناخبين حتى السابع من مايو (أيار)، ورغبتها في اجتذاب كل من تستطيع اجتذابه لتسبق ماكرون وتحل في المرتبة الأولى.

الصورة الكاريكاتورية التي رسمتها لوبان عن ماكرون تريدها متناقضة تماما لصورتها. هو «مرشح رأس المال والبورصات»، وهي «مرشحة الشعب». هو «عدو الشعب الفرنسي» ومن دعاة العولمة، وهي من المدافعين عن «الهوية الفرنسية». ولم تتردد لوبان في استعارة جملة شهيرة للرئيس فرنسوا هولاند قالها قبل خمس سنوات وبمناسبة الحملة الرئاسية الماضية، حيث أكد أن «عدوه الحقيقي ليس له اسم ولا وجه ولا حزب ولكنه معروف: إنه عالم المال».

وقالت لوبان إن «عدو الشعب الفرنسي اليوم هو نفسه عالم المال، ولكنه هذه المرة له اسم ووجه وحزب ويتقدم والجميع يحلمون بفوزه: إنه إيمانويل ماكرون».

وبعكس ماكرون الذي هو، وفق وصفها، مرشح رأس المال والأغنياء، فإنها هي «مرشحة الذين يعانون ويتعذبون ويعملون وينهضون باكرا». كذلك فإن لوبان تعتبر أن ماكرون هو «الابن الروحي» لهولاند، ولذلك فإنها تدعو الناخبين إلى «إرسالهم إلى صالات سوق الأموال» يوم الأحد القادم.

واتضح من كلام لوبان أنها تسعى إلى اجتذاب ناخبي مرشح اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون، الذي رفض مرة أخرى الدعوة للاقتراع لصالح ماكرون رغم الضغوط السياسية التي مورست عليه منذ مساء الـ23 من أبريل (نيسان). وجل ما «تبرع» به ميلونشون الذي حصل على أقل بقليل من عشرين في المائة من الأصوات، هو طلبه من محازبيه عدم التصويت لصالح لوبان، ولكن من غير أن يدعوهم لإسقاط الورقة التي تحمل اسم ماكرون، ما يعني أن أمامهم إما الامتناع عن التصويت وإما الاقتراع بورقة بيضاء.

والحال، أن أيا من الخيارين الأخيرين يصب في صالح لوبان، التي تبين استطلاعات الرأي أن ناخبيها هم الأكثر تعبئة وثباتا واستعدادا للتصويت. وذهبت لوبان إلى حد استخدام العبارات نفسها إلى استخدمها ميلونشون بما فيها الانتقادات التي كان يوجهها لماكرون. وبحسب مرشحة اليمين المتطرف التي حذفت من دعايتها الانتخابية اسم عائلتها، مركزة على اسمها الأول مارين، وألغت أي إشارة إلى الجبهة الوطنية التي «تنحت» عن رئاستها طيلة الحملة الانتخابية لتكون «مرشحة الشعب» وليست مرشحة حزب.

ثمة ميدان آخر تريد لوبان أن تكون بطلته، وهو «حماية الفرنسيين» والدفاع عن تاريخ فرنسا وإشعاعها ودورها. هي تريد حمايتهم من الإرهاب ومن الهجرة الكثيفة، لا بل إنها تريد وضع حد للهجرة الشرعية، على حد قولها. كذلك فإنها تعد بأن تحمي «أسلوب الحياة» الفرنسي، في إشارة إلى الجدل الذي يدور دوريا حول البرقع والبوركيني.

ومرة أخرى، وجهت لوبان سهامها للاتحاد الأوروبي ووعدت الفرنسيين باستعادة السيادات الأربع، ومنها الرقابة على الحدود والسيادة التشريعية ولكن أيضا السيادة الاقتصادية والمالية التي صادرها الاتحاد الأوروبي. وإعادة جميع هذه السيادات إلى سيادة الشعب. لكن لوبان لم تعد تركز على الخروج من العملة الأوروبية الموحدة، لأن تدبيرا كهذا يخيف الفرنسيين، وخصوصا المتقاعدين وناخبي اليمين بشكل عام.

ووعدت لوبان بأن تضرب بيد من حديد ضد كل من يهدد أمن الفرنسيين، متهمة منافسها بأنه ضعيف ولا برنامج له في هذا المجال. وكان مهرجان لوبان أمس هو الأخير من هذا النوع قبل ثلاثة أيام من نهاية الحملة الانتخابية مع انطلاق «الصمت الانتخابي» منتصف ليل الجمعة - السبت القادم. كذلك، فإن ماكرون أحيا أمس آخر مهرجان انتخابي كبير له فيما كان مناصروه ينتظرون خطابا تاريخيا يفتح له باب الإليزيه.

ردود ماكرون جاءت لاحقا بعد ظهر أمس في مهرجان انتخابي حافل في صالة كبرى شرق باريس، غلب عليه عنصر الشباب والأجواء الاحتفالية سعيا من منظميه لبث روح من البهجة والتفاؤل تتناقض مع التشدد والتزمت والتعصب لدى لوبان. والتحدي الأكبر بوجه ماكرون يتمثل في قدرته على التقرب من الطبقات الشعبية الدنيا والوسطى وكسر الصورة التي روجت عنه بأنه مرشح النخبة والأغنياء، واجتذاب الناخبين الذين سيغيبون عن صناديق الاقتراع، وتحفيزهم بما يمكن أن يقوم به من أجل تحسين أوضاعهم المادية والاجتماعية.

وفي خطاب دام ساعة كاملة، قوطع عشرات المرات بالتصفيق والهتافات «ماكرون رئيس»، اعتبر الأخير أن السابع من مايو (أيار) «سيرسم مصير فرنسا وأوروبا وبمعنى ما العالم للكثير من العقود». وحرص مرشح الوسط ألا ينزل إلى الهاوية واستخدام «الشتائم والبذاءات التي أطلقتها مرشحة الجبهة الوطنية»، مفضلا على ذلك الدعوة إلى «إعادة بناء أسس الديمقراطية»، ومعتبرا أن الفرنسيين يريدون إعادة إحياء الأمل والتفاؤل ولكن في الوقت عينه «تغيير مسار الأمور» والرد على الخوف من الغد وإصلاح المسار أوروبا.

في كل خطاباته، حرص ماكرون على مقارنة برنامجه ببرنامج منافسته مفندا إياه بندا بندا. وأمس، اتهمها بأن التدابير التي تريد العمل بها، أي إغلاق الحدود، الخروج من الاتحاد الأوروبي ومن العملة الموحدة، خفض سن التقاعد، فرض الضرائب على الواردات، كلها تدابير ستدفع فرنسا نحو هاوية الفقر والانعزال والتقهقر، وستقود إلى حروب اقتصادية أو غير اقتصادية.

كذلك عمد ماكرون إلى طمأنة من يخاف من سياساته ومقترحاته، مؤكدا أنه «استمع وفهم الرسالة» المتضمنة في نتائج الأحد الماضي. كذلك توقف طويلا لشرح برنامجه الاقتصادي الذي لخصه بـ«مجتمع الحرية» مؤكدا أن الغرض منه «إفساح المجال أمام الطاقات المختلفة لتعبر عن نفسها» في مجتمع حر ديمقراطي. وانتهى مرشح الوسط بدعوة الجميع إلى الاقتراع وإلى تأكيد أن معسكره سيخرج منتصرا يوم الأحد القادم.

وأمس، حصل ماكرون على دعم إضافي جاءه من عالم الثقافة والمثقفين كذلك من مهنة المحاماة. ولخص المخرج السينمائي الفرنسي المعروف لوك بيسون الذي حث الناخبين للاقتراع لصالح ماكرون من غير أن يسميه. وقال بيسون: «لنظهر للعالم كله ماذا يعني أننا فرنسيون: شعب منفتح، شجاع وأخوي. العالم كله ينظر إلينا والتاريخ لنا بالمرصاد. لنذهب إلى صناديق الاقتراع يوم الأحد القادم». وعلى هامش المسيرات العمالية، حصلت مناوشات تقليدية بين رجال الأمن ومندسين أوقعت جرحى من الطرفين وأدت إلى مجموعة اعتقالات.


فرنسا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة