احتدام المنافسة بين ماكرون ولوبان... والحسم الأحد المقبل

مرشحة اليمين المتطرف اعتبرت منافسها {رهينة بأيدي عالم المال}

ماكرون مرشح الوسط في الانتخابات الرئاسية الفرنسية خلال فعالية انتخابية بباريس أمس (إ.ب.أ)
ماكرون مرشح الوسط في الانتخابات الرئاسية الفرنسية خلال فعالية انتخابية بباريس أمس (إ.ب.أ)
TT

احتدام المنافسة بين ماكرون ولوبان... والحسم الأحد المقبل

ماكرون مرشح الوسط في الانتخابات الرئاسية الفرنسية خلال فعالية انتخابية بباريس أمس (إ.ب.أ)
ماكرون مرشح الوسط في الانتخابات الرئاسية الفرنسية خلال فعالية انتخابية بباريس أمس (إ.ب.أ)

دخل السباق الرئاسي في فرنسا مسافة المائة متر الأخيرة، التي ما زالت تفصل عن الجولة الحاسمة يوم الأحد القادم وسط تقلص نسبي للفارق في الأصوات بين المرشحين المتبقيين؛ مرشح الوسط إيمانويل ماكرون، ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان.
وبانتظار المناظرة التلفزيونية الوحيدة بينهما، مساء الأربعاء، وما يمكن أن تفضي إليه، فإن كلا منهما استفاد من يوم أمس الذي كان يوم عطلة ومسيرات عمالية بمناسبة عيد العمل ليندد بمنافسه وببرنامجه. لكن الواضح أن مارين لوبان التي ترى أن الفرصة قد حانت أمامها لاقتناص السلطة كانت الأكثر عنفا، وذلك في المهرجان الانتخابي الذي أقامته في «مركز المعارض» الواقع في ضاحية فيلبانت، شمالي باريس، أمام نحو عشرين ألفا من أنصارها. كل الوجوه المعروفة في حملة لوبان كانت حاضرة. لكن كرسي الشرف خصص للمرشح نيكولا دوبون دينيان، الذي انضم إلى حملتها مقابل وعد بأن يكون رئيس الحكومة القادمة في حال نجحت في الفوز في المنافسة الرئاسية.
وعكس المشهد السياسي الاستعراضي على الطريقة الأميركية، حرص فريق لوبان على تمكينها من إيصال الرسائل التي تريد أن تلتصق بذهن الناخبين حتى السابع من مايو (أيار)، ورغبتها في اجتذاب كل من تستطيع اجتذابه لتسبق ماكرون وتحل في المرتبة الأولى.
الصورة الكاريكاتورية التي رسمتها لوبان عن ماكرون تريدها متناقضة تماما لصورتها. هو «مرشح رأس المال والبورصات»، وهي «مرشحة الشعب». هو «عدو الشعب الفرنسي» ومن دعاة العولمة، وهي من المدافعين عن «الهوية الفرنسية». ولم تتردد لوبان في استعارة جملة شهيرة للرئيس فرنسوا هولاند قالها قبل خمس سنوات وبمناسبة الحملة الرئاسية الماضية، حيث أكد أن «عدوه الحقيقي ليس له اسم ولا وجه ولا حزب ولكنه معروف: إنه عالم المال».
وقالت لوبان إن «عدو الشعب الفرنسي اليوم هو نفسه عالم المال، ولكنه هذه المرة له اسم ووجه وحزب ويتقدم والجميع يحلمون بفوزه: إنه إيمانويل ماكرون».
وبعكس ماكرون الذي هو، وفق وصفها، مرشح رأس المال والأغنياء، فإنها هي «مرشحة الذين يعانون ويتعذبون ويعملون وينهضون باكرا». كذلك فإن لوبان تعتبر أن ماكرون هو «الابن الروحي» لهولاند، ولذلك فإنها تدعو الناخبين إلى «إرسالهم إلى صالات سوق الأموال» يوم الأحد القادم.
واتضح من كلام لوبان أنها تسعى إلى اجتذاب ناخبي مرشح اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون، الذي رفض مرة أخرى الدعوة للاقتراع لصالح ماكرون رغم الضغوط السياسية التي مورست عليه منذ مساء الـ23 من أبريل (نيسان). وجل ما «تبرع» به ميلونشون الذي حصل على أقل بقليل من عشرين في المائة من الأصوات، هو طلبه من محازبيه عدم التصويت لصالح لوبان، ولكن من غير أن يدعوهم لإسقاط الورقة التي تحمل اسم ماكرون، ما يعني أن أمامهم إما الامتناع عن التصويت وإما الاقتراع بورقة بيضاء.
والحال، أن أيا من الخيارين الأخيرين يصب في صالح لوبان، التي تبين استطلاعات الرأي أن ناخبيها هم الأكثر تعبئة وثباتا واستعدادا للتصويت. وذهبت لوبان إلى حد استخدام العبارات نفسها إلى استخدمها ميلونشون بما فيها الانتقادات التي كان يوجهها لماكرون. وبحسب مرشحة اليمين المتطرف التي حذفت من دعايتها الانتخابية اسم عائلتها، مركزة على اسمها الأول مارين، وألغت أي إشارة إلى الجبهة الوطنية التي «تنحت» عن رئاستها طيلة الحملة الانتخابية لتكون «مرشحة الشعب» وليست مرشحة حزب.
ثمة ميدان آخر تريد لوبان أن تكون بطلته، وهو «حماية الفرنسيين» والدفاع عن تاريخ فرنسا وإشعاعها ودورها. هي تريد حمايتهم من الإرهاب ومن الهجرة الكثيفة، لا بل إنها تريد وضع حد للهجرة الشرعية، على حد قولها. كذلك فإنها تعد بأن تحمي «أسلوب الحياة» الفرنسي، في إشارة إلى الجدل الذي يدور دوريا حول البرقع والبوركيني.
ومرة أخرى، وجهت لوبان سهامها للاتحاد الأوروبي ووعدت الفرنسيين باستعادة السيادات الأربع، ومنها الرقابة على الحدود والسيادة التشريعية ولكن أيضا السيادة الاقتصادية والمالية التي صادرها الاتحاد الأوروبي. وإعادة جميع هذه السيادات إلى سيادة الشعب. لكن لوبان لم تعد تركز على الخروج من العملة الأوروبية الموحدة، لأن تدبيرا كهذا يخيف الفرنسيين، وخصوصا المتقاعدين وناخبي اليمين بشكل عام.
ووعدت لوبان بأن تضرب بيد من حديد ضد كل من يهدد أمن الفرنسيين، متهمة منافسها بأنه ضعيف ولا برنامج له في هذا المجال. وكان مهرجان لوبان أمس هو الأخير من هذا النوع قبل ثلاثة أيام من نهاية الحملة الانتخابية مع انطلاق «الصمت الانتخابي» منتصف ليل الجمعة - السبت القادم. كذلك، فإن ماكرون أحيا أمس آخر مهرجان انتخابي كبير له فيما كان مناصروه ينتظرون خطابا تاريخيا يفتح له باب الإليزيه.
ردود ماكرون جاءت لاحقا بعد ظهر أمس في مهرجان انتخابي حافل في صالة كبرى شرق باريس، غلب عليه عنصر الشباب والأجواء الاحتفالية سعيا من منظميه لبث روح من البهجة والتفاؤل تتناقض مع التشدد والتزمت والتعصب لدى لوبان. والتحدي الأكبر بوجه ماكرون يتمثل في قدرته على التقرب من الطبقات الشعبية الدنيا والوسطى وكسر الصورة التي روجت عنه بأنه مرشح النخبة والأغنياء، واجتذاب الناخبين الذين سيغيبون عن صناديق الاقتراع، وتحفيزهم بما يمكن أن يقوم به من أجل تحسين أوضاعهم المادية والاجتماعية.
وفي خطاب دام ساعة كاملة، قوطع عشرات المرات بالتصفيق والهتافات «ماكرون رئيس»، اعتبر الأخير أن السابع من مايو (أيار) «سيرسم مصير فرنسا وأوروبا وبمعنى ما العالم للكثير من العقود». وحرص مرشح الوسط ألا ينزل إلى الهاوية واستخدام «الشتائم والبذاءات التي أطلقتها مرشحة الجبهة الوطنية»، مفضلا على ذلك الدعوة إلى «إعادة بناء أسس الديمقراطية»، ومعتبرا أن الفرنسيين يريدون إعادة إحياء الأمل والتفاؤل ولكن في الوقت عينه «تغيير مسار الأمور» والرد على الخوف من الغد وإصلاح المسار أوروبا.
في كل خطاباته، حرص ماكرون على مقارنة برنامجه ببرنامج منافسته مفندا إياه بندا بندا. وأمس، اتهمها بأن التدابير التي تريد العمل بها، أي إغلاق الحدود، الخروج من الاتحاد الأوروبي ومن العملة الموحدة، خفض سن التقاعد، فرض الضرائب على الواردات، كلها تدابير ستدفع فرنسا نحو هاوية الفقر والانعزال والتقهقر، وستقود إلى حروب اقتصادية أو غير اقتصادية.
كذلك عمد ماكرون إلى طمأنة من يخاف من سياساته ومقترحاته، مؤكدا أنه «استمع وفهم الرسالة» المتضمنة في نتائج الأحد الماضي. كذلك توقف طويلا لشرح برنامجه الاقتصادي الذي لخصه بـ«مجتمع الحرية» مؤكدا أن الغرض منه «إفساح المجال أمام الطاقات المختلفة لتعبر عن نفسها» في مجتمع حر ديمقراطي. وانتهى مرشح الوسط بدعوة الجميع إلى الاقتراع وإلى تأكيد أن معسكره سيخرج منتصرا يوم الأحد القادم.
وأمس، حصل ماكرون على دعم إضافي جاءه من عالم الثقافة والمثقفين كذلك من مهنة المحاماة. ولخص المخرج السينمائي الفرنسي المعروف لوك بيسون الذي حث الناخبين للاقتراع لصالح ماكرون من غير أن يسميه. وقال بيسون: «لنظهر للعالم كله ماذا يعني أننا فرنسيون: شعب منفتح، شجاع وأخوي. العالم كله ينظر إلينا والتاريخ لنا بالمرصاد. لنذهب إلى صناديق الاقتراع يوم الأحد القادم». وعلى هامش المسيرات العمالية، حصلت مناوشات تقليدية بين رجال الأمن ومندسين أوقعت جرحى من الطرفين وأدت إلى مجموعة اعتقالات.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.