جيفري لـ «الشرق الأوسط»: نهج ترمب عودة إلى السياسة الأميركية التقليدية

الدبلوماسي الأميركي السابق قال إن الإدارة الجديدة ترغب في التعاون مع السعودية ودول الخليج في سوريا واليمن والعراق

جيمس جيفري («الشرق الأوسط»)
جيمس جيفري («الشرق الأوسط»)
TT

جيفري لـ «الشرق الأوسط»: نهج ترمب عودة إلى السياسة الأميركية التقليدية

جيمس جيفري («الشرق الأوسط»)
جيمس جيفري («الشرق الأوسط»)

يملك الدبلوماسي الأميركي السابق جيمس جيفري رؤية ثاقبة وملمة بخبايا السياسة الأميركية من جانب، والتضاريس السياسية لمنطقة الشرق الأوسط من جانب آخر، بسبب المناصب الهامة التي تولاها في واشنطن وفي عواصم إقليمية مثل أنقرة وبغداد، إضافة إلى إدارته عدداً من الملفات المتعلقة بالمنطقة، وأبرزها الملف الإيراني، خلال عمله في إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن، مساعداً للرئيس ونائباً لمستشار الأمن القومي.
يعمل جيفري حالياً في «معهد واشنطن لدارسات الشرق الأدنى»، وله صوت مسموع في الكونغرس والأوساط السياسية الأميركية فيما يخص الاستراتيجيات الدبلوماسية والعسكرية في الشرق الأوسط، خصوصاً ما يتعلق بتركيا والعراق وإيران. ويتطرق في هذا الحوار إلى تصاعد التصريحات الأميركية المعادية لإيران، وإمكانية انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، واحتمالات وقوع مواجهات عسكرية في المنطقة. كما يشدد على ضرورة مساندة واشنطن لدول التحالف في اليمن. وفيما يلي نص الحوار:
* بعد 100 يوم من رئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ما تقييمك للسياسات والخطوات التي اتبعها حتى الآن في مجال السياسة الخارجية والتعامل مع الأزمة السورية و«داعش» وتحديات منطقة الشرق الأوسط؟
- أعتقد أن هناك أخباراً سارة وأخرى سيئة. الأخبار السارة أن سياسات ترمب الخارجية وأولئك الذين استعان بهم لتنفيذ سياساته يعملون في إطار المبادئ الرئيسية للسياسات الخارجية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية، التي شهدت سياسيين أكثر حدة أحياناً، أو متحفظين أحياناً، أو مثاليين في أحيان أخرى، لكنهم كانوا في النهاية، يتبعون نهجاً عاماً في قيادة النظام الأمني الدولي، وسيادة القانون والدفاع عن هذا النظام ضد التحديات، وأعتقد أن إدارة الرئيس ترمب تتبع هذا النهج، وهذه أنباء سارة.
من الأنباء السارة أيضاً أنه في بعض القضايا والمناطق التي ابتعد عنها الرئيس السابق باراك أوباما، ومعظمها في الشرق الأوسط، فإن الرئيس ترمب يعيدنا إلى السياسة الأميركية التقليدية التي تتمثل في العمل مع حلفائنا التقليديين في منطقة الشرق الأوسط في ظل نظام أمني عالمي، وهؤلاء الحلفاء هم بالطبع الدول العربية وتركيا وإسرائيل، وكذلك أفغانستان وباكستان. وهذه هي الخطوط العريضة التي تعكس السياسة الخارجية الأميركية التقليدية، وقد انحرف عنها الرئيس أوباما، وقد كان مخطئاً في ذلك من وجهة نظري، لأنه رأى أن تلك السياسات أدت إلى التزامات قتالية ضخمة في العراق وأفغانستان، ولم تنجح الجهود المبذولة في نشر الديمقراطية في الدولتين.
كان أوباما يعتقد أن تلك السياسات أدت إلى عزلة الولايات المتحدة عن العالم الإسلامي، ودفعت العالم الإسلامي إلى هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وقد عبر عن ذلك خلال خطابه في القاهرة عام 2009، وأعتقد أن تقييم الرئيس أوباما كان خطأ، والسبب وراء الوضع الرهيب الذي لدينا اليوم في الشرق الأوسط يرجع إلى أخطاء حدثت في ولايته الثانية، جنباً إلى جنب مع بعض الأخطاء في عهد الرئيس بوش، لذا لدينا إدارتان ابتعدتا عن التيار الرئيسي للسياسة الأميركية، وها هو الرئيس ترمب يعيدنا مرة أخرى إلى التيار الرئيسي.
الأخبار السيئة أن الرئيس ترمب لا يملك خبرة سابقة بالشؤون الخارجية، لكنه سريع في اتخاذ القرارات، وهذا أمر قد يكون جيداً، فلو كان الرئيس ترمب انتظر كما انتظر الرئيس أوباما للحصول على جميع المعلومات عن استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا، لما جاء الرد الأميركي القوي بالضربة العسكرية ضد النظام السوري.
ففي العادة عندما يحدث حدث خطير مثل استخدام الأسلحة الكيماوية، فإن أمام الإدارة الأميركية بضع ساعات فقط لتقوم بتصرف حاسم. وفي هذه الحالة اتجهت إدارة ترمب إلى الأمم المتحدة أولاً، فواجهت الاعتراض الروسي، ثم اتخذت قراراها بإطلاق صواريخ «توماهوك» ضد النظام السوري. وحقق الرئيس ترمب في هذا الأمر نجاحاً كبيراً وحاسماً وحصل على نجاح آخر عندما امتنعت الصين عن التصويت في الأمم المتحدة على هذا الأمر، فيما استخدمت روسيا «الفيتو». وأيضاً نجح ترمب في إطلاق سراح آية حجازي (الناشطة المصرية - الأميركية التي كانت تحاكم في بلدها الأم) وإعادتها من مصر إلى الولايات المتحدة.
أعتقد أن الأمر الذي نواجهه هو أن ترمب يتحدث بلا تحفظ، وبصفة خاصة عندما يتحدث للجمهور المحلي، لكن عندما يوجه حديثه إلى العالم، فإنه يعتمد في ذلك على وزير الخارجية ريكس تيلرسون أو وزير الدفاع جيمس ماتيس أو مستشار الأمن القومي الجنرال هربرت ماكماستر الذين يثق بهم الجميع. لذا يمكن القول إن الأيام المائة الأولى من إدارة ترمب كانت بداية جيدة.
* العالم رأى تحرك ترمب السريع للرد على النظام السوري في هجماته الكيماوية، فماذا عن التعامل مع دول مثل روسيا وإيران، وهما لاعبتان أساسيتان في الساحة السورية؟
- الضربة الأميركية ضد النظام السوري أرسلت رسالة بها قدر من المخاطرة، وتقول: لا تستهينوا بما يمكنني أن أقوم به، فقد أقوم بشيء مجنون. لذلك على روسيا أن تتعامل مع الوضع السوري، وعلى الصين أن تتعامل مع كوريا الشمالية، فسوريا ليست مصدر التهديد للاستقرار في الشرق الأوسط، وإنما إيران هي التي تعد أكبر تهديد للاستقرار في الشرق الأوسط.
أيضاً كوريا الشمالية ليست مصدر التهديد للاستقرار في منطقة شرق آسيا، رغم الدوافع الشريرة لديها، لكن كلاً من الصين وروسيا تستخدم هذه الدول بيادق في لعبة الشطرنج ضد الولايات المتحدة والقوى العالمية. والهدف في بكين وموسكو هو إسقاط القوى العالمية لأنها تقف في طريق توسعهما، وتجبرهما على العمل بموجب القانون الدولي. فعندما تنتهك روسيا القانون الدولي في شبه جزيرة القرم، أو تقوم الصين بانتهاكات في بحر الصين الجنوبي، فإن تلك الانتهاكات تواجه بإدانة دولية وتحركات عسكرية من الحلفاء. وقد أدانت المحكمة الدولية في لاهاي تصرفات الصين في بحر الصين الجنوبي. وفرض العالم عقوبات اقتصادية ضد روسيا بعد استيلائها على القرم، وهذا النظام العالمي هو الذي تحاول روسيا والصين تحطيمه.
الوضع صعب جداً لأنهما تترقبان خطوات الولايات المتحدة تجاه كوريا الشمالية وإيران وسوريا، وما إذا كانت أميركا ستعمل على تصعيد الأمور، وتحترسان من أي خطوة قد تؤدي إلى حرب تنجران إليها، لذا فالتصرف الأفضل هو دعوة كيم جونغ أون رئيس كوريا الشمالية إلى وقف استفزازاته، ودعوة بشار الأسد إلى وقف اعتداءاته، ودعوة قادة إيران إلى التهدئة. المشكلة أن هدف روسيا والصين هو استخدام كوريا الشمالية وسوريا وإيران لتعقيد الأمور أمام الولايات المتحدة والنظام العالمي، ومن الصعب إقناعهما بالتراجع، وهما تضعان مزيداً من الضغوط الدبلوماسية والعسكرية على بلدان أخرى في المنطقة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، وعلى الدول المحيطة بسوريا مثل العراق والأردن ولبنان.
* في ظل هذا الموقف، هل هناك احتمالات أن يؤدي الأمر إلى مواجهة عسكرية؟
- ما قام به الرئيس ترمب من ضرب سوريا بصواريخ «توماهوك»، وضرب أفغانستان بأقوى قنبلة غير نووية، وإرسال حاملة طائرات في منطقة شرق آسيا، يرسل رسالة تقول: ربما أقوم بمواجهة عسكرية، وإذا كانت سوريا وكوريا الشمالية لا تريدان مواجهة عسكرية، فإن عليهما التوقف عن سوء التصرف. التحدي هنا هو كيف سيتصرف ترمب إذا لم تتوقف سوريا أو كوريا الشمالية عن تصرفاتهما السيئة، فإما أن يظهر كأنه كان يخادع بتصريحاته وتحركاته، أو أن يقوم بتصعيد أكبر، مما يعني المواجهة. وعلى الولايات المتحدة أن تجد طريقاً للضغط على سوريا وروسيا والصين وإيران من دون إثارة حرب.
* ماذا ستكون الخطوة المقبلة لإدارة ترمب بعد نبرتها التصعيدية ضد إيران؟ هل يمكن أن يقرر الرئيس الانسحاب من الاتفاق النووي مع طهران بعد الانتهاء من مراجعته؟
- إدارة ترمب قالت إنها ستراجع الاتفاق النووي وخطة العمل المشركة ومدى امتثال إيران لالتزاماتها وفقاً للاتفاق، لكن ما قاله تيلرسون في خطاب للكونغرس الأسبوع الماضي يشير إلى أن إيران إلى الآن ملتزمة بالتزاماتها. والموقف هنا أن الرئيس أوباما رفض خلال المفاوضات مع إيران، كما رفضت بقية الدول، إدراج كل ما يتعلق بالتصرفات الإيرانية في الإقليم (من رعاية للإرهاب، إلى التدخل في شؤون دول، إلى غسيل للأموال، إلى انتهاك لحقوق الإنسان) في إطار الاتفاق النووي، لذا فالاتفاق لا يشمل هذه التصرفات الإيرانية السيئة، وإنما ينص على تخفيض أجهزة الطرد المركزي وتخفيض تخصيب اليورانيوم والسماح بالتفتيش الدولي، مقابل رفع التجميد عن أموالهم التي كانت تحتجزها الولايات المتحدة والسماح لهم بتصدير النفط مرة أخرى. وقد بدأ الإيرانيون بالفعل تصدير النفط وحصلوا على أموالهم أو معظمها، فلماذا نمزق الاتفاق، خصوصاً أننا لن نستطيع الحصول على اتفاق آخر. هذا الاتفاق تم إبرامه بسبب فرض عقوبات دولية قوية جداً ضد إيران، ولن يوافق المجتمع الدولي على تمزيق الاتفاق وسيوجه اللوم إلى الولايات المتحدة، وليس إلى إيران، ولن يدعم فكرة الدخول في مفاوضات جديدة.
* لكن الإدارة الأميركية تلوح بذلك بشكل غير مباشر من خلال تصريحاتها...
- أعتقد أن الإدارة تريد إثارة الذعر لدى روسيا وإيران لدفعهما إلى اتخاذ سلوك أفضل، لكنها لن تقدم على تمزيق الاتفاق والانسحاب منه.
* وماذا ستكون الخطوة التالية إذا لم تفلح إثارة الذعر في دفع إيران إلى تحسين سلوكها؟
- سيكون هذا موقفاً صعباً، وإذا كنت مكان الإدارة الأميركية، فإن جدول أعمالي سيكون تقديم الدعم العسكري للسعودية ودول التحالف في حرب اليمن لسببين؛ الأول لأن الولايات المتحدة في حاجة إليهم كحلفاء، والثاني لأن السعودية لا تريد الحوثيين ذراعاً لإيران يهددون حدودها الجنوبية. وخلال مساندتنا للمملكة وقوات التحالف علينا أن نجد طريقاً لفرض وقف إطلاق النار في اليمن، والتأكد من عدم وجود أي سبيل لإطلاق صواريخ على الحدود السعودية.
وفي سوريا، سيكون علينا أولاً هزيمة تنظيم «داعش»، وهذا أمر مهم جداً في حد ذاته، فطالما بقي «داعش» سيعطي الروس والنظام السوري عذراً للادعاء بأنهم يحاربون الإرهابيين. وعلينا العمل مع تركيا وتهدئة مخاوفها إزاء «حزب العمال الكردستاني»، والتعاون لإنشاء منطقة آمنة، ثم إعادة العلاقات مع جماعات المعارضة السورية وتسليحها، وتوجيه رسالة إلى الروس بأن الأسد ليس جاداً في التفاوض، وعليكم الضغط عليه مقابل الإبقاء على النفوذ الروسي في سوريا وكل القواعد الروسية.
وفي العراق، على واشنطن الإبقاء على وجود عسكري على المدى الطويل لمواجهة النفوذ الإيراني، فالعرب السُنّة لا يريدون الهيمنة الإيرانية. وفي مقابل ذلك كله، يمكن لإيران أن تحتفظ بصفقتها النووية وأن تحتفظ بالأسد. يجب أن ترى إيران أن هناك ثمناً غالياً تدفعه إذا لم تمتثل، ويجب أن نجعل الأمور صعبة على الإيرانيين حتى يتفاوضوا.
* تعهدت إدارة ترمب بالقضاء على «داعش». ما الذي يضمن بعد القضاء على هذا التنظيم الإرهابي ألا تظهر جماعة أخرى تتبع الأفكار نفسها؟ وكيف يمكن أن تؤدي هزيمة «داعش» إلى إعادة الاستقرار للمنطقة؟
- تنظيم داعش فريد لأنه يمتلك جيشاً ويخضع لسيطرته ما بين 4 إلى 5 ملايين شخص ولديه اقتصاد بمليارات الدولارات، ولا بد من القضاء على ذلك كله، وهذه هي أول خطوة.
الخطوة الثانية هي العمل مع دول المنطقة للقضاء على الأسباب التي أدت إلى ظهور «داعش»، مثل سوء الحكم في المناطق السُنيّة ومشكلات الأراضي الخارجة عن سيطرة الدولة (مثل سيناء في مصر)، وخلال عملي سفيراً لدى العراق، كان البغدادي يدير منظمة إجرامية صغيرة في غرب الموصل ولم تكن لديه أموال. وكل فترة يشن هجوماً على مقاطعة أو كنيسة أو جامع، فما الذي جعله زعيماً يملك جيشاً قوامه 35 ألف شخص ويسيطر على 5 ملايين إنسان؟ السبب أن 20 مليون سني بين بغداد ودمشق كانوا يعانون من حكم زعماء غير سنيين مثل المالكي والأسد تعاملوا بقمع مع الغالبية السنية. والطريقة الوحيدة لمنع ظهور «داعش» جديد هي ألا نسمح بقمع السنة مرة أخرى.
* هل يعني ذلك التخلص من الأسد ورحيله عن السلطة، كما تطالب بعض الأصوات في الكونغرس مثل السيناتور جون ماكين، بالتزامن مع التخلص من «داعش»؟
- الروس يتخوفون من أن إزاحة الأسد تعني أن تسيطر أميركا على دمشق. وهم يتذكرون عندما كانت لدى روسيا قوات تبلغ 400 ألف جندي روسي في شرق ألمانيا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا في 1989، ولا يريدون أن يتكرر في سوريا ما حدث في أوروبا الشرقية. لكن الأسد لا يستطيع السيطرة على سوريا بأكملها، ويجب العمل لوقف إطلاق النار وبدء عملية سياسية سلمية تتضمن الأغلبية العربية السنية.
* بعض المحللين السياسيين يرى أن تقسيم سوريا قد يكون الحل الأمثل، فما رأيك؟
- من الخطأ المطالبة بتقسيم بلد أو تغيير حدوده، فمن الناحية التطبيقية أين تبدأ هذه الحدود وأين تنتهي؟ هناك أماكن يختلط فيها السكان من العرب السُنة والأكراد والمسيحيين والشيعة والتركمان، فمن سيسيطر عليها؟ مثل هذه الحلول ليست واقعية، وعلينا أن تكون لدينا حلول مبتكرة، فعلى سبيل المثال، قوات «البيشمركة» هي التي تسيطر على كردستان العراق وليس الحكومة العراقية، والجميع راضون بذلك. وفي النهاية، فإن (رئيس إقليم كردستان العراق مسعود) بارزاني يرفع العلم العراقي.
* في تقديرك، ما مدى أهمية العلاقة بين إدارة ترمب والسعودية ودول الخليج، خصوصاً مع الحديث عن زيارة محتملة لترمب إلى المنطقة؟
- أعتقد أن العلاقة هامة للغاية، واجتماع ترمب بولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أظهر أن ترمب يحترم المملكة، ويحتاج التعاون معها فيما يتعلق بسوريا واليمن والعراق، وأعتقد أن السعوديين على استعداد لتقديم المساعدة، بل إن لديهم تقديراً لما تقوم به إدارة ترمب في التعامل مع منطقة الشرق الأوسط.



متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، وأكد أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

تحوّلات ونماذج بديلة

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

امتحان التكيّف والتعاون

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.


سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
TT

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن واشنطن لا تمانع عودة تركيا إلى برنامج إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35»، متوقعاً أن يتم معالجة مسألة العقوبات الأميركية المفروضة عليها بسبب شرائها منظومة الدفاع الصاروخي الروسية «إس - 400» قريباً.

وفي تكرار لتصريحات أطلقها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال براك، خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي انطلقت دورته الخامسة، الجمعة، في مدينة أنطاليا جنوب تركيا،: «أعتقد أن مشكلة منظومة (إس – 400) ستحل قريباً، ومن وجهة نظر رئيسي (دونالد ترمب)، لا مانع من قبول تركيا في برنامج طائرات (إف - 35)».

وأخرجت الولايات المتحدة تركيا من برنامج مقاتلات «إف - 35»، التي تنتجها شركة «لوكهيد مارتن»، عقب حصولها على منظومة «إس - 400» في صيف عام 2019، لتعارضها مع منظومة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفرض عليها ترمب عقوبات بموجب قانون «كاتسا» في أواخر عام 2020، فيما اعتبرته تركيا قراراً غير عادل، لا سيما أنها دفعت نحو 1.4 مليار دولار لشراء مقاتلات «إف - 35».

منظومة «إس - 400» الروسية (موقع الصناعات الدفاعية التركية)

وعلى الرغم من اتجاه تركيا للبحث عن بدائل مثل طائرات «يوروفايتر تايفون» الأوروبية أو إنتاج بدائل محلية، فإنها تواصل السعي لرفع العقوبات الأميركية والحصول على مقاتلات «إف - 35».

وفي ديسمبر الماضي، قال براك، إن أنقرة باتت أقرب إلى التخلي عن المنظومة الروسية، متوقعاً إمكانية حل هذا الملف خلال فترة تتراوح بين 4 و6 أشهر، لافتاً إلى أن القانون الأميركي لا يسمح لتركيا بتشغيل أو حيازة المنظومة الروسية إذا أرادت العودة لبرنامج إنتاج وتطوير المقاتلة الأميركية.

واقترحت تركيا، في مارس (آذار) الماضي، تشغيل منظومة «إس - 400» بشكل مستقل عن أنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) لحل الخلاف مع الولايات المتحدة، وإنهاء أزمة استبعادها من مشروع إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35» والحصول عليها.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

ولم تفعّل تركيا المنظومة الروسية منذ حصولها عليها، بموجب الصفقة التي وقعت مع روسيا في عام 2017، أو نقلها إلى مكان آخر أو بيعها لدولة أخرى.

وقال وزير الدفاع التركي، يشار غولر، «إن الحل الذي اقترحته تركيا بات واضحاً، تم إبلاغ نظرائنا الأميركيين بفكرة تشغيل منظومة (إس – 400) كنظام مستقل، دون دمجها في أنظمة الناتو، وإن هذا هو الحل الأمثل».

وعن مسار العلاقات التركية - الأميركية، قال براك إن العلاقات بين أنقرة وواشنطن شهدت تقدماً ملحوظاً خلال الـ16 شهراً الماضية يفوق ما تحقق خلال الـ15 عاماً الماضية.

ولفت إلى إحراز تقدم في مجالات السياسة الخارجية والاستخبارات والشؤون العسكرية والتجارية، لا سيما في ظل العلاقات الجيدة بين الرئيسين، رجب طيب إردوغان ودونالد ترمب.

براك متحدثاً عن العلاقات التركية - الأميركية خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (إعلام تركي)

وأضاف براك: «يجري إعادة تشكيل التحالف بين البلدين، ما حدث في سوريا (منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024) كان في صالح تركيا إلى حد كبير، تستحق تركيا والسعودية ثناءً كبيراً لدعمهما هذا «الهيكل الناشئ» في سوريا.

وتابع أنه «حتى مع وجود بعض العيوب؛ في الواقع، كانت تركيا العامل الحاسم في هذه العملية، العلاقات بين البلدين أفضل من أي وقت مضى، أعتقد أنه سيتم التوصل إلى حل لمسألة منظومة (إس – 400) قريباً، ومن وجهة نظري، فإن إعادة قبول تركيا في برنامج (إف - 35) أمر ممكن أيضاً».