أسطورة الطعام العضوي

ليس أفضل طعماً أو فائدة ويحتاج إلى موارد أكثر

أسطورة الطعام العضوي
TT

أسطورة الطعام العضوي

أسطورة الطعام العضوي

الطعام العضوي الذي يتم الترويج له منذ سنوات بأنه طعام صحي له مذاق أفضل، ويوفر نسبة أعلى من الفيتامينات للمستهلك؛ ولذلك يباع بأسعار أعلى، قد تكون فوائده قليلة. ولكن معظم ما يروج له عضويا يعد من باب التسويق الهادف إلى الربح، وبه الكثير من المبالغات التي يجب التعامل معها بحرص.
ليس هذا فقط، بل إن الطعام العضوي له أيضا أضرار بيئية؛ لأنه يحتاج إلى المزيد من الأراضي الزراعية لإنتاج الكميات نفسها من الطعام، كما أنه يضيف إلى الانبعاثات الحرارية. وفي بريطانيا أجرت وزارة البيئة دراسة على إنتاج الألبان العضوية، وأشارت النتائج إلى أن صناعة الألبان بوجه عام من مصادر انبعاثات الغازات الضارة، وأن إنتاج اللتر الواحد من الحليب العضوي يحتاج إلى 80 في المائة من مساحة الأراضي الإضافية بالمقارنة مع الحليب غير العضوي، ويفرز 20 في المائة إضافية من غازات التأثير الحراري، ويساهم في زيادة الأمطار الحمضية بنسبة 70 في المائة إضافية.
وتفرز الأبقار التي ترعى في حقول عضوية نسبة مضاعفة من غاز الميثان عن أبقار المزارع غير العضوية، ويعد الميثان من الغازات الضارة بنسبة 20 ضعفا من ثاني أكسيد الكربون. ولذلك؛ فإن أسطورة أن أساليب الزراعة العضوية مفيدة للبيئة ليست صحيحة.
من الأساطير الأخرى المرتبطة بالزراعة العضوية هي أنها مستدامة. ولكن هذا النوع من الزراعة يحتاج إلى المزيد من الأراضي الزراعية. فالهكتار الواحد من الأراضي ينتج ضعفين ونصف الضعف من البطاطس ما ينتجه هكتار البطاطس العضوية، والذي يستهلك المزيد من الطاقة لاستخراج البطاطس من التربة.
كما أن الطماطم التي تتم زراعتها في صوبات دافئة في بريطانيا تستهلك مائة ضعف من الطاقة بالمقارنة مع الطماطم التي تزرع في حقول في أفريقيا؛ ولذلك فاستيراد الطماطم في هذه الحالة أفضل من ناحية التأثير السلبي على البيئة. وتقدر مصادر وزارة الزراعة البريطانية أن إنتاج الطماطم العضوية في بريطانيا يستهلك نسبة 25 في المائة إضافية من المياه.
وليس صحيحا أن الزراعة العضوية لا تستخدم المبيدات الحشرية، بل إن بعض المبيدات «الطبيعية» التي تستخدمها الزراعة العضوية تعد أكثر ضررا، ولا تخضع للمعايير الدقيقة التي تخضع لها المبيدات الكيميائية الحديثة التي تستخدم في الزراعة العادية. فالزراعة العضوية تعالج الإصابات الفطرية بمحلول النحاس بدلا من المبيدات الكيميائية التي تذوب بعد فترة. أما محلول النحاس فيظل ساما في التربة لفترات طويلة. وهناك بعض الأسمدة العضوية التي لها تأثيرات عصبية سلبية على الإنسان، ولها علاقة بالإصابة بأمراض الكبد وباركنسون، ولكنها مع ذلك لا تعد سببا كافيا لعدم الإقبال على الطعام العضوي.
ويقول مشجعو الطعام العضوي: إن الأطعمة غير العضوية تحتوي على «كوكتيل» من الكيماويات التي تسبب السرطان. ولكن ليس هناك أي إثبات علمي على أن معدلات السرطان زادت في السنوات الأخيرة، بل على العكس انخفضت هذه المعدلات خلال نصف القرن الماضي قياسا بسنوات العمر. كما أن الفلاحين الذين يقومون بزراعة المحاصيل باستخدام الأسمدة الكيماوية لا تظهر بينهم معدلات عالية من السرطان، بل العكس هو الصحيح.
وقبل 60 عاما كان كل الطعام المنتج في بريطانيا عضويا؛ ومع ذلك كان متوسط عمر الإنسان حينذاك 65 عاما، وكانت حالات التسمم الغذائي والأنيميا الغذائية منتشرة. والآن توفر أساليب الزراعة الحديثة الطعام الرخيص والصحي، وارتفع متوسط العمر إلى الثمانينات.
كما أن المزارع العضوية تستخدم هي أيضا المبيدات الحشرية لمقاومة الآفات. وهناك نحو 20 نوعا من المبيدات الكيماوية المعتمدة من وزارة الزراعة الأميركية للمزارع العضوية. ولا تسجل أي هيئة حكومية أميركية نسبة المبيدات التي تستخدم في المزارع العضوية.
ويقول مايكل بولان، مؤلف كتاب عن الزراعة العضوية: إن المزارع العضوية تلتزم اسما بالوسائل العضوية، ولا تؤمن بها، ولو زارها المستهلك وعرف وسائل الإنتاج فيها لاكتشف أنه يتعرض لعملية غش كبيرة.
ولا تختلف الزراعة العضوية عن غيرها بعدم استخدام المبيدات، وإنما الأمر يتعلق بأصل هذه المبيدات. في المزارع العضوية تكون المبيدات من أصل عضوي وليس كيماويا أو اصطناعيا. والافتراض هنا هو أن المبيدات العضوية أفضل من الكيماوية المصنعة. ولكن هذا الافتراض ليس صحيحا. فليس كل شيء عضوي غير سام أو غير ضار؛ فالكثير من أنواع البكتريا والفطريات والنباتات تفرز السموم والكيماويات التي لا يجب استخدامها في رش المحاصيل.
أما ادعاء أن الطعام العضوي أكثر فائدة غذائية، فإن دراسة من جامعة هوهنهايم أشارت إلى أنه ليست هناك استنتاجات واضحة عن فوائد إضافية للطعام العضوي يمكن إثباتها بالدراسات الحالية. وفي دراسات أخرى في هولندا والدنمارك والنمسا أن نسب الإصابة بالفيروسات والبكتريا كانت أكثر بين الدجاج في مزارع عضوية عنها بين الدجاج غير العضوي.
ويفخر أصحاب مزارع الدواجن العضوية أنهم لا يحقنون الدجاج بالمضادات الحيوية ولا بالأدوية الأخرى، ولكن ذلك يعني أن نسبة الأمراض والعدوى أعلى بين الدجاج العضوي. وينطبق الأمر نفسه على بقية حيوانات المزارع، حيث نقص الوزن فيها بالمقارنة مع الحيوانات غير العضوية يعود إلى ارتفاع نسب المرض بينها.
وفيما يتعلق بتحسن الطعم في الأغذية العضوية، أثبتت دراسة بريطانية أن الطماطم العضوية لها طعم أقوى من الطماطم غير العضوية، كذلك فإن الحليب العضوي يحتوي على نسبة أعلى من أحماض أوميغا 3، ولكن الطماطم غير العضوية يمكن أيضا تعزيز طعمها بتخزينها أياما عدة قبل الاستهلاك؛ لأن ذلك يستنفد نسبة المياه والرطوبة منها. ويعد طعم الطماطم العضوية القوي علامة على نقص النيتروجين.
وتقول شركات الطعام العضوي إن الطلب على هذا النوع من الأغذية يرتفع بقوة عاما بعد عام. وفي بريطانيا لا تزيد نسبة مبيعات الأغذية العضوية على واحد في المائة من إجمالي مبيعات الغذاء، لكن لوبي الغذاء العضوي يضخم من أهمية هذا القطاع وكأنه يهم شريحة كبيرة من السكان. ومن بين مبيعات طعام يبلغ حجمها في بريطانيا 104 مليارات إسترليني لا يزيد حجم مبيعات الأغذية العضوية على مليار إسترليني واحد.
ومنذ عام 2003 تتناقص مساحة الأراضي المخصصة للزراعة العضوية في بريطانيا. والمزيد من الفلاحين يعودون تدريجيا إلى وسائل الإنتاج العادية لأنها أكثر ربحا لهم من الإنتاج العضوي. ويقول الدكتور روب جونستون، خبير الأغذية: إن الطعام البريطاني صحي أكثر من أي وقت مضى، وإن المناقشات الجدية حول المستقبل يجب أن تتركز على أهمية توفير الطعام لمن يحتاجه بسعر مناسب، وليس على ترويج المخاوف بين الحين والآخر وبث معلومات خاطئة من أجل زيادة أرباح أنواع معينة من الطعام.
وتقول المطبوعة العلمية «ساينتفيك أميريكان»: إن مبيعات الطعام العضوي في العالم بلغ حجمها 52 مليار دولار، على الرغم من أنها تباع أحيانا بضعفي ثمن المنتجات العادية. وينفق المزيد من المستهلكين أموالهم على ما يعتقدون أنه أفضل أنواع الطعام. ويعتقد هؤلاء أنهم يحصلون على قيمة غذائية أعلى للأطعمة العضوية التي يشترونها من ناحية، وينقذون العالم من شرور وسائل الزراعة التقليدية من ناحية أخرى.
ولكن المطبوعة تعترف بأن هناك الكثير من الأساطير حول الأغذية العضوية، والمزيد من الدعاية التي تروج لها. ولا يعني هذا بالطبع أن الأغذية العضوية رديئة، فهناك بعض الفوائد المثبتة لها. فالابتعاد عن زراعة محصول واحد وزراعة محاصيل مختلطة مفيد للأرض الزراعية. ومع ذلك، فلا بد للتصدي للمبالغات حول فوائد الطعام العضوي.
فالمسألة رمادية وليست محددة الملامح؛ فالزارعة العضوية لها بعض الفوائد وقد تصلح في المستقبل، لكن ما لم تنتج بنفس حجم وكفاءة المزارع العادية لا يمكن اعتبارها بديلا نافعا لمعظم دول العالم. ويمكن اعتبار الطعام العضوي مثل المنتجات ذات الأسماء التجارية التي يدفع فيها المستهلك أسعارا أعلى لرغبته في الحصول عليها، لكنها ليست علاجا لكل المشكلات. والمستهلك العادي يمكن أن يحسن من صحته باستهلاك كميات أكبر من الفواكه والخضراوات بدلا من استبدال المنتجات العادية بأخرى عضوية.

حقائق عن الأغذية العضوية

> بعض المنتجات العضوية التي تعتبر صحية، مثل الشاي الأخضر ونبات الكايل لهما أضرار صحية عند استهلاكهما بكميات كبيرة.
> دراسة أميركية استمرت خمس سنوات كشفت عن عدم وجود أي فروق في صحة أبقار المزارع العضوية وأبقار المزارع التجارية.
> الأراضي التي تزرع بمحاصيل عضوية تنتج أقل من الحقول التجارية؛ ولذلك فإنتاج الكميات نفسها من المحاصيل يحتاج إلى مساحات إضافية من الأراضي، وهو الأمر غير المتاح في معظم دول العالم.
> المحاصيل العضوية تستخدم المبيدات الحشرية العضوية وبعضها أكثر ضررا من المبيدات الكيماوية مثل سلفات النحاس، التي تسبب أمراض الكبد.
> أبحاث نشرت في صحيفة «دايلي تلغراف» البريطانية تشير إلى أن أي دولة يقل معدل دخلها القومي بمبلغ 15 مليون دولار يموت فيها مواطن إضافي من سوء التغذية، أو عدم القدرة على الإنفاق على الدواء. وإذا تحولت دولة مثل الولايات المتحدة إلى الزراعة العضوية تماما فإن النقص في دخلها القومي سيعادل وفاة 13 ألف شخص سنويا.
> تعد الأطعمة العضوية من مظاهر الرفاهية في الدول الصناعية. أما في دول العالم الثالث، فإن القضية الأهم هي إنتاج ما يكفي من المحاصيل بالوسائل المتاحة كافة لتغطية حاجات السكان. أما تحويل العالم إلى مزارع عضوية فسيهدد ملايين البشر بالجوع.



«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».


«خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)
فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)
TT

«خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)
فريق العمل في مطعم "خوفو" الفائز بالمرتبة الاولى (الشرق الاوسط)

فاز «خوفو»، الواقع بمنطقة الجيزة في مصر، بجائزة أفضل مطعم في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتمَّ إعلان هذا الفوز خلال حفل «أفضل 50 مطعماً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» السنوي، برعاية «سان بيلليغرينو وأكوا بانا».

وتُوِّج بالفوز مطعم «Khufu’s»، الذي يترأس مطبخه الشيف المصري مصطفى سيف، الذي عبَّر عن سعادته العارمة بعد إعلان هذا الفوز المستحق.

وفي مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» قال الشيف مصطفى سيف إنه سعيد جداً بهذا الفوز؛ لأنه استطاع من خلاله وضع المطبخ المصري، ولأول مرة، على خريطة الطعام العالمية، خصوصاً أنها المرة الأولى التي يتبوأ فيها مطعم مصري المرتبة الأولى في حفل جوائز على هذا القدر من الأهمية.

الشيف طارق علم الدين من مطعم "بايروت" (الشرق الاوسط)

ووصف سيف مطبخه وطعامه بأنه يحتفي بنكهات وطقوس وادي النيل، مع إضافة لمساته العصرية، وإعادة صياغته بطريقة تناسب ذائقة الأجانب والسياح وأهل البلد، على حد سواء.

ويعكس صعود «Khufu’s» اللافت إلى المرتبة الأولى قدرته الاستثنائية على إعادة ابتكار الأطباق المصرية بأسلوب راقٍ ومُتقن، مع عناية دقيقة باختيار أجود المكوّنات وصياغة سردٍ معاصر يستمدّ وحيه من التراث المصري.

وقال الشيف مصطفى إن موقع المطعم على مقربة من الأهرامات، يحتِّم على الأطباق أن تكون مناسبةً للجميع لأن المنطقة سياحية جداً، وأضاف: «أستخدم في أطباقي المنتجات المصرية المحلية، ولكني قمت باستبدال بعض المكونات الثقيلة مثل السمن ليحل محلها زيت الزيتون؛ لأجعل الطعام خفيفاً على المعدة من دون التغيير الجذري بالوصفات التاريخية المصرية الأصيلة».

الفائزون من المملكة العربية السعودية (الشرق الأوسط)

«خوفو» يجمع في أجوائه بين فن الطهي المصري الحديث وإحدى أشهر الوجهات في العالم. ومن هذا الموقع الاستثنائي، يقدّم «Khufu’s» تجربةً تُجسِّد الملامح المعاصرة للمطبخ المصري.

تَصدُّر «خوفو» المرتبة الأولى كان مفاجأةً حقيقيةً للحضور وللشيف مصطفى نفسه، فهذه هي المرّة الأولى التي يتصدَّر فيها مطعم من مصر هذه القائمة المرموقة، إذ تعكس فلسفة الطهي التي يتّبعها، والمُستلهَمة من عمق الثقافة المصرية والغنية بتقاليدها، والمُنفَّذة برؤية عصرية متقنة، أرقى ما يمكن أن تقدِّمه المنطقة العربية للعالم. تُبرز قائمة هذا العام اتّساع أفق الإبداع في مجال الطهي ضمن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع صعود لافت لوجهاتٍ تشهد زخماً متجدّداً، من السعودية والقاهرة ومراكش إلى عمّان وبيروت.

هذا العام سجَّلت مصر إنجازاً لافتاً، فإلى جانب تصدُّر «خوفو» المرتبة الأولى، جاء مطعم «Reif Kushiyaki Cairo» في المرتبة الـ20، مسجِّلاً قفزةً كبيرةً من العام الماضي، بالاضافة إلى «Kazoku»، و«Zooba»، و«Sachi Cairo»، ما يعكس تقدُّم مصر المستمرّ بوصفها وجهةً بارزةً لتجارب الطعام.

ضمت القائمة 16 اسماً جديداً هذا العام، إلى جانب مطاعم فائزة من 14 مدينة مختلفة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحصد مطعم «Beihouse» في بيروت جائزة «Highest New Entry Awards»، بعد ظهوره الأوّل بالقائمة في المرتبة الخامسة.

مجموعة من الطهاة الفائزة بجوائز مختلفة (الشرق الاوسط)

وتتابع المملكة العربية السعودية مسيرتها التصاعدية في مشهد الطهي الإقليمي، مع حضور قوي لعدد من مطاعمها على القائمة. فقد حصد مطعم «Kuuru» جائزة «أفضل مطعم في المملكة العربية السعودية لعام 2026»، بينما حافظ كلّ من «Marble» على المرتبة 12 وجاء «Myazu» في المرتبة الـ45. أما لبنان، فيؤكّد من جديد صلابته وإرثه العريق في مجال الطهي من خلال مطاعم «Beihouse»، و«أم شريف»، و«بوكو»، ما يرسّخ مكانة بيروت مرجعاً أساسياً في المطبخ الشامي.

كذلك، يواصل المغرب تألّقه هذا العام، حيث تركت مدينة مراكش أثراً بارزاً عبر مطعم «La Grande Table Marocaine» الحائز جائزة «Art of Hospitality Award 2026». وفي الأردن، سجّلت العاصمة عمّان حضوراً لافتاً على القائمة من خلال مطاعم «Alee،» و«شمس البلد» و«دارا دايننغ باي سارة عقل»، في انعكاسٍ واضحٍ لمسار المدينة المتصاعد في مشهد المطبخ المعاصر.

وتُستكمل القائمة بدخول عدد من الأسماء الجديدة البارزة من الكويت، والبحرين، وتونس وقطر، من بينها «مطبخي» و«Cantina»، و«Lyra» من المنامة، إلى جانب «Le Golfe» من المرسى، و«Idam» من الدوحة، ما يُبرز تنوّع أساليب الطهي في مختلف أنحاء المنطقة.

ونالت الشيف سارة عقل جائزة «MENA's Best Female Chef Award»، كما فاز كلّ من عمر ووسيم أورفلي شيف الحلويات التنفيذي وشيف تطوير الحلويات في مطعم «Orfali Bros»، بجائزة «MENA’s Best Pastry».

نالت سلام دقام، الشيف ومؤسِّسة مطعمَي «سفرة مريم» و«بيت مريم» جائزة «Sevenrooms Icon Award». وفاز مطعم «Farmers» في المغرب بجائزة الاستدامة.

سلّطت نسخة هذا العام من الجوائز الضوء أيضاً على 3 جوائز خاصة. فقد نالت منى حداد، مؤسِّسة شركة «Baraka Destinations»، جائزة «Champions of Change Award»، تكريماً لمقاربتها الريادية والمجتمعية في قطاعَي الضيافة والسياحة في الأردن. فيما حصد «Middle Child» جائزة «One To Watch Award»، احتفاءً بروحه المجتمعية الدافئة وما يحمله من إمكانات واعدة في السنوات المقبلة.

عملية التصويت

تتولّى أكاديمية (أفضل 50 مطعما) وضع قائمة الترشيحات، وهي مجموعة مؤلفة من 250 خبيراً في قطاع المطاعم من 19 دولة في المنطقة، تم اختيارهم بفضل خبراتهم المهنية في مطاعم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. تنقسم ألاكاديمية إلى 5 مناطق: الخليج العربي، والمملكة العربية السعودية، والمشرق، وشمال أفريقيا (شرق) وشمال أفريقيا (غرب). ولكلّ منطقة لجنة خاصة يترأسها رئيس مجلس إدارة يُسمى «رئيس الأكاديمية (Academy Chair)»، إلى جانب مؤلفين، ونقّاد، وطهاة، وأصحاب مطاعم وذوّاقة رفيعي المستوى. يصوّت كل عضو لما يصل إلى 10 مطاعم لقائمة عام 2026، شرط أن يكون ما لا يقل عن 4 منها خارج البلد الذي يوجد فيه. ولكي يتم إدراج المطعم في القائمة، يجب أن يحصل على أصوات من أكثر من دولة واحدة داخل المنطقة. ولن يكون للجهات الراعية للفعالية أي تأثير على عملية التصويت.