ماذا بعد تمديد {أوبك} لاتفاق خفض الإنتاج؟

اقتراحات بعودة نظام الحصص

ماذا بعد تمديد {أوبك} لاتفاق خفض الإنتاج؟
TT

ماذا بعد تمديد {أوبك} لاتفاق خفض الإنتاج؟

ماذا بعد تمديد {أوبك} لاتفاق خفض الإنتاج؟

يبذل وزير الطاقة والصناعة السعودي خالد الفالح جهداً كبيراً هذه الأيام من أجل التجهيز للاجتماع الوزاري القادم لمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) الذي سينعقد في الخامس والعشرين من مايو (أيار) القادم.
ويسعى الفالح إلى إقناع 24 دولة أو على الأقل غالبيتها تمديد اتفاق خفض الإنتاج الذي انضمت له هذه الدول في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. ويبدو أن تمديد الاتفاق بين دول أوبك وكبار المنتجين المستقلين خارجها بات وشيكاً.
واختتم الفالح بالأمس جولة في وسط آسيا زار فيها كازاخستان وأذربيجان وتركمانستان. وقال الفالح على حسابه على «تويتر» بالأمس إنه توصل مع هذه الدول إلى وجهة نظر مشتركة حيال السوق النفطية ومستوى الإنتاج وأهمية الالتزام باتفاق خفض الإنتاج.
ومن المفترض أن يلتقي الفالح نظيره الروسي الشهر القادم في الصين وتحديداً خلال مؤتمر طريق الحرير الذي سينعقد في العاصمة بكين يومي 14 و15 مايو، بحسب ما قاله وزير الطاقة الروسي إلكساندر نوفاك للصحافيين أول من أمس.
ويبدو أن هناك تفاهماً عالياً بين المنتجين على أهمية وضرورة أن يلتزم الجميع بتمديد اتفاق التخفيض لمدة ستة أشهر أخرى. وبالأمس قال وزير النفط الإيراني بيجن زنغنه في تصريحات نقلتها وكالة شانا إنه يدعم تمديد اتفاق التخفيض كما أنه لمس إشارات إيجابية من باقي المنتجين برغبتهم في التمديد.
وتشير كل المؤشرات الحالية إلى أن السوق في طريقها إلى التوازن مع الاتفاق بصورة كاملة قبل نهاية العام الجاري، فبالنظر إلى أرقام وكالة الطاقة الدولية، فإن السوق النفطية لن تصل إلى حالة التوازن وحسب بل قد تشهد عجزاً هذا العام إذا ما تم تجديد اتفاق تخفيض الإنتاج.
وتشير أرقام وكالة الطاقة الدولية الصادرة هذا الشهر أن الطلب على النفط في الربع الأول بلغ 96.6 مليون برميل يومياً فيما كان المعروض العالمي يقف عند 96.3 مليون برميل يومياً، وهو ما يعني وجود عجز قدره 300 ألف برميل يومياً.
لكن السوق لم تتوازن والسبب في ذلك ليس ميزان العرض مع الطلب بل لأن المخزونات النفطية عالية بسبب الزيادة في الإنتاج التي شهدتها الأسواق في الربع الأخير من العام الماضي والتي جاءت معظمها من دول أوبك نفسها.
وبما أن مسألة تمديد اتفاق خفض إنتاج النفط باتت محسومة، فالسؤال الآن هو هل إلى متى سيستمر هذا التمديد؟ 3 أشهر، أم 6 أشهر، أم أكثر من ذلك؟
وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية وهو هل سيكفي أن تقوم أوبك بالتمديد لستة أشهر أم تحتاج أن تمدد في عام 2018 كذلك حتى تظل الأسواق متوازنة؟ وإذا ما حدث هذا فهل معنى ذلك إن أوبك عادت لتكون المنتج المرجح مجدداً بعد سنوات من تخلي أوبك عن هذا الدور؟
بالنسبة للمحلل الكويتي عبد الصمد العوضي فإن أوبك لا يوجد أمامها خيار بعد الانتهاء من تمديد الاتفاق إلا أن تستمر في العمل به أو أن تتحول إلى نظام الحصص الذي كانت تعمل به سابقاً وهو النظام الذي يشكل عبئاً نفسياً على دول المنظمة.
ويقول العوضي الذي كان ممثلاً وطنياً للكويت في أوبك حتى عام 2001: «إن المواجهة الآن في السوق هي بين أوبك وبين المنتجين الهامشيين خارجها مثل الولايات المتحدة والبرازيل وكندا. ولن تستطيع أوبك أن تواجه المنتجين الهامشيين سوى بنظام الحصص لأنه يضمن أن يظل العرض متوافقاً مع الطلب». ونظام الحصص هو النظام الذي كان معمول به منذ مطلع الثمانينات حتى عام 2011 عندما قررت السعودية التخلي عنه وأقنعت باقي دول أوبك بذلك بعد صراع ليس بالسهل مع دول مثل إيران والتي لا تزال تؤمن إلى اليوم بضرورة عودة أوبك إلى نظام الحصص كما عبر عن ذلك وزير نفطها الحالي بيجن نامدار زنغنه في آخر اجتماع لدول أوبك في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
ويقوم نظام الحصص على أساس التزام كل دولة بحصة معينة من الإنتاج لا تزيد عليها حتى يصبح إجمالي إنتاج دول المنظمة متماشيا مع المطلوب منها توفيره لكي تتوازن السوق النفطية.
لكن تطبيق نظام الحصص ليس بالأمر السهل إذ يتطلب تنسيقاً عالياً بين الدول الأعضاء على المستوى الفني والمستوى السياسي كما يقول العوضي. ويضيف العوضي: «قبل التفكير في نظام الحصص يجب أن يجتمع قادة دول أوبك ويتفقوا على الالتزام به حتى لا يعود الجميع للغش أو عدم الالتزام كما كان الوضع في السابق».
وليس العوضي هو الوحيد الذي يعتقد بأهمية عودة أوبك إلى نظام الحصص بل يشاركه في هذا الرأي المحلل الاقتصادي الدكتور محمد الرمادي والذي أصدر كتاباً في عام 2015 يتحدث فيه عن مستقبل المنظمة في ظل تنامي إنتاج النفط الصخري.
ويقول الرمادي: «أوبك تم حشرها في الزاوية الآن ولن تستطيع التخلي عن دور المنتج المرجح ولن تستطيع التخلي عن تمديد الاتفاق لأن الأسعار يجب أن تظل عالية حتى تعود الاستثمارات النفطية مجدداً وحتى يتم طرح شركة أرامكو السعودية في سوق مستقرة».
ويضيف الرمادي إن روسيا والدول خارج أوبك كلها من مصلحتها تمديد الاتفاق حتى وإن اعترضت الشركات الكبرى في روسيا على الأمر لأن من دون أي اتفاق فإن الأسعار قد تعود إلى مستوى الأربعين دولاراً وهذا غير مقبول لأي منتج.
ولعل أهم وأبرز إشارة حتى الآن على احتمالية الاستمرار في الاتفاق لفترة أطول جاءت من خالد الفالح نفسه والذي قال الأسبوع الماضي في مؤتمر الإعلام البترولي الخليجي في أبوظبي رداً على سؤال من قبل مذيعة قناة «سكاي نيوز» العربية إنه ليس من المهم تمديد الاتفاق لثلاثة أو ستة أو تسعة أو 12 شهراً بل المهم هو أن تصل السوق إلى التوازن.
والفالح أعطى قبل ذلك في إشارات سابقة أن بلاده لا تنظر إلى استقرار سوق النفط على المدى القريب وحسب بل تنظر إليه على المدى البعيد كذلك وتنظر إليه على مدى السنوات الثلاث المقبلة. كل هذا يجعل فكرة تمديد خفض الإنتاج أو عودة أوبك إلى نظام الحصص أمراً محتملاً.



قرار المحكمة العليا: الصين والهند أكثر الرابحين... وبريطانيا تدفع الثمن

عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)
عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)
TT

قرار المحكمة العليا: الصين والهند أكثر الرابحين... وبريطانيا تدفع الثمن

عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)
عمال على خط إنتاج شركة «Kids2» الأميركية لتصنيع منتجات وألعاب الأطفال في مصنع بمدينة جيوجيانغ الصينية (رويترز)

شهد الاقتصاد العالمي تحولاً دراماتيكياً وضع الهند والصين في قائمة أكبر الرابحين من قرار المحكمة العليا الأميركية إبطال الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب، بينما برزت بريطانيا كأكبر خاسر نتيجة إعادة ضبط النظام الجمركي الأميركي.

ويأتي هذا التحول ليقلب موازين القوى التجارية رأساً على عقب؛ حيث وجدت الدول التي كانت هدفاً رئيسياً لترمب نفسها في وضع تنافسي أفضل، في حين تضررت الدول التي كانت تتمتع باتفاقيات تفضيلية سابقة.

ويعود هذا التفوق المفاجئ للهند والصين إلى انخفاض معدلات الرسوم الفعلية عليهما بشكل ملحوظ؛ فبالنسبة للهند، تراجعت الرسوم من مستويات قياسية كانت قد وصلت إلى 50 في المائة قبل أن تنخفض إلى 25 في المائة في أوائل فبراير (شباط)، ثم تلتها تخفيضات أخرى إلى 18 في المائة وعدت بها واشنطن، بعدما أبرم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وترمب اتفاقية تجارية. مباشرة، بعد قرار يوم الجمعة، انخفضت الرسوم إلى 10 في المائة، ثم ارتفعت إلى 15 في المائة يوم السبت، وهو معدل يتجاوز في إيجابيته ما كان مقرراً في الإطار الثنائي السابق.

أما الصين، فقد توقع اقتصاديو «مورغان ستانلي» انخفاض متوسط الرسوم من 32 في المائة إلى 24 في المائة، مستفيدة بشكل إضافي من إلغاء رسوم «الفنتانيل» التي أبطلها القضاء، مما منح صادراتها نفَساً جديداً في الأسواق الأميركية، رغم محاولات الإدارة الحفاظ على سياسة التضييق عبر مسارات قانونية أخرى.

ومن جانبها، أشارت تقديرات «بلومبرغ» إلى أن فرض معدل عالمي بنسبة 15 في المائة سيؤدي في المحصلة إلى متوسط رسوم فعالة يبلغ نحو 12 في المائة، وهو المستوى الأدنى منذ بدء تطبيق رسوم «يوم التحرير» في أبريل (نيسان) الماضي، مما يعيد تشكيل قواعد اللعبة لشركاء أميركا التجاريين.

وفي المقابل، واجهت بريطانيا صدمة اقتصادية قوية جعلتها الخاسر الأكبر في هذه المعادلة الجديدة. فبينما كانت لندن تستفيد من معدل تفضيلي بنسبة 10 في المائة، جاء توحيد الرسوم العالمية عند 15 في المائة ليرفع التكاليف على الشركات البريطانية بشكل مفاجئ، وهو ما قد يكلف قطاع الصادرات نحو 4 مليارات دولار، ويهدد مصالح 40 ألف شركة بريطانية.

ويسعى المسؤولون البريطانيون حالياً بشكل عاجل لإقناع الإدارة الأميركية باستثناء بريطانيا من هذه الزيادة.

ولم تكن أوروبا وأستراليا بمنأى عن هذه الأضرار؛ حيث واجهت دول مثل إيطاليا وسنغافورة زيادات مماثلة، مما دفع الاتحاد الأوروبي للمطالبة بصرامة باحترام الاتفاقيات السابقة، ملوحاً بتجميد المسارات التشريعية لأي اتفاقيات تجارية جديدة مع واشنطن، حتى تتضح الرؤية القانونية والالتزامات الأميركية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، أعلنت وزارة التجارة الصينية أنها تُجري تقييماً شاملاً لتبعات هذا الحكم القضائي، داعية واشنطن بلهجة حازمة إلى إلغاء كافة التدابير الأحادية التي تنتهك قواعد التجارة الدولية. وحذرت بكين من محاولات إدارة ترمب الالتفاف على قرار المحكمة عبر إطلاق تحقيقات تجارية قطاعية بديلة، مؤكدة أنها ستدافع عن مصالحها الوطنية بكل قوة؛ خصوصاً أن هذه التوترات تتزامن مع التحضيرات لقمة مرتقبة بين الرئيسين ترمب وشي جينبينغ في نهاية مارس (آذار) المقبل، والتي كانت تهدف في الأصل لتهدئة الصراعات التجارية.

وعملياً، بدأت الوكالات الأميركية المعنية بالامتثال للواقع القانوني الجديد؛ حيث أكدت وكالة الجمارك وحماية الحدود أنها ستتوقف عن تحصيل الرسوم التي أُعلنت غير قانونية بدءاً من فجر الثلاثاء، مع تعطيل كافة الرموز التعريفية المرتبطة بقانون الطوارئ.

هذا التوقف يفتح الباب أمام مطالبات استرداد ضخمة قد تصل إلى 175 مليار دولار من خزينة الولايات المتحدة.

وفي ظل هذا الارتباك الاقتصادي، بدأت الأسواق العالمية تتفاعل بحذر؛ حيث تراجع الدولار وانتعشت الأسهم الصينية، بينما تعالت الأصوات المطالبة بأن يكون هذا الضغط الاقتصادي دافعاً لتعجيل مسارات انتهاء الحرب في أوكرانيا، وتقليل الأعباء المالية التي تثقل كاهل الاقتصاد العالمي المنهك.


ضبابية الرسوم تعود من جديد... والشركات عالقة في «دوامة التخطيط»

دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
TT

ضبابية الرسوم تعود من جديد... والشركات عالقة في «دوامة التخطيط»

دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)
دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد حكم المحكمة العليا بإلغاء رسومه الجمركية يوم 20 فبراير 2026 (رويترز)

مع استمرار الغموض بشأن معدلات الرسوم الجمركية الأميركية، عاد عدم اليقين ليخيّم مجدداً على المشهد الاقتصادي. فبعد أن بدأ مسؤولون أميركيون وأجانب، إلى جانب مديري الشركات والمحللين والمستثمرين، يأملون بانتهاء التقلبات الحادة في السياسة التجارية الأميركية التي ميّزت العام الماضي، أعاد قرار المحكمة العليا الأميركية الأسبوع الماضي خلط الأوراق؛ إذ أبطل الحكم أجزاءً رئيسية من خطط الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجمركية، قبل أن يقترح الأخير فرض رسوم كبيرة في محاولة للالتفاف على القرار.

مشهد ضبابي من جديد

في صورة تُذكّر بالأشهر الأولى من عام 2025، حين كانت مقترحات الرسوم الجمركية تتبدل بصورة مفاجئة، عادت التساؤلات بشأن السلع الخاضعة للضريبة، ونسب الرسوم، والدول المستهدفة. وتجد الشركات التي اعتقد كثير منها أنه توصّل إلى صيغة عملية للتعامل مع الرسوم المرتفعة، نفسها مضطرة لإعادة تقييم خطط التسعير، وربما الإسراع في إعادة تكوين المخزونات، أو حتى تأجيل قرارات التوظيف والاستثمار إلى حين اتضاح الرؤية.

وفي هذا السياق، قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، في مقابلة مع برنامج «واجه الأمة» على شبكة «سي بي إس»، إن أي اضطراب في القواعد التي اعتاد عليها العاملون في التجارة سيؤدي إلى اختلالات واسعة. وأضافت: «من المهم معرفة قواعد الطريق قبل ركوب السيارة، والأمر نفسه ينطبق على التجارة والاستثمار»، مشيرة إلى أن مجتمع الأعمال لا يرغب في الانخراط في نزاعات قضائية؛ بل في وضوح تنظيمي مستقر. وأعربت عن أملها في أن تكون أي خطط أميركية جديدة «مدروسة بعناية ومتوافقة مع الدستور».

كريستين لاغارد خلال اليوم الأخير من مؤتمر ميونيخ للأمن في ميونيخ بألمانيا يوم 15 فبراير 2026 (رويترز)

وكانت المحكمة العليا قد أبطلت -بأغلبية 6 قضاة مقابل ثلاثة- معظم الرسوم التي فرضها ترمب العام الماضي، معتبرة أن قانون الطوارئ الذي استند إليه لا يمنحه صلاحية فرض تلك التعريفات. وردَّ ترمب باستخدام قانون مختلف، معلناً أولاً عن تعريفة عالمية بنسبة 10 في المائة، قبل أن يرفعها إلى 15 في المائة، على أن تستمر لمدة تصل إلى 5 أشهر ريثما تبحث الإدارة عن بدائل أكثر ديمومة.

أشعة الشمس الصباحية تضرب مبنى المحكمة العليا الأميركية في واشنطن (رويترز)

تخطيط شبه مستحيل

وقال غريغوري داكو، كبير الاقتصاديين في شركة «إرنست آند يونغ- بارثينون»، إن حالة عدم اليقين لم تغب فعلياً حتى خلال الفترات التي بدت فيها الأمور أكثر استقراراً. وأضاف: «شهدنا تقلبات حادة حسب الدولة والمنتج. الوضع لا يزال غير مستقر إلى حد بعيد، ما يجعل التخطيط شبه مستحيل». وأوضح أن الشركات تواجه قرارات متقلبة: «تسمع أن الرسوم أُلغيت فتفكر في استرداد التكاليف، ثم تُفرض بنسبة 10 في المائة بعد ساعات، وترتفع إلى 15 في المائة في اليوم التالي... غياب إطار مستقر يضر بالنشاط الاقتصادي والتوظيف والاستثمار».

الفيدرالي واليقين الغائب

كان هناك اعتقاد متزايد بأن الضبابية التي طبعت عام 2025 بدأت تنحسر؛ بل إن صانعي السياسات في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» أبدوا ارتياحاً إلى أن أثر الرسوم الجمركية على التضخم قد يكون في طريقه إلى التراجع.

غير أن التطورات الأخيرة أعادت المشهد إلى حالة من السيولة العالية؛ إذ تدرس الإدارة استراتيجيات جمركية بديلة قد تستغرق شهوراً للتنفيذ، مع احتمال الطعن بها قانونياً في كل مرحلة. وقد تنخفض معدلات ضريبة الاستيراد مؤقتاً، ولكنها قد تعود للارتفاع في إطار محاولات لإعادة فرض الرسوم الملغاة عبر مسارات قانونية مختلفة، ربما تتطلب تحقيقات مستقلة أو إجراءات من الكونغرس.

وأشار القاضي نيل غورسوش، في رأيه المؤيد للأغلبية، إلى أهمية الضمانات الإجرائية في ترسيخ سياسة مستقرة، موضحاً أن المقترحات التي تمر عبر العملية التشريعية وتحظى بدعم واسع «تميل إلى الاستمرار، ما يتيح للأفراد والشركات تخطيط حياتهم وأنشطتهم، على عكس القواعد التي تتغير يومياً».

عامل يسير داخل مصنع شركة «ذا لوكشري بيرغولا» المتخصصة في تصنيع البرغولات الألومنيوم في نوبلزفيل بإنديانا (أ.ب)

تفاؤل حذر رغم الضبابية

تأتي هذه التطورات في وقت يسوده قدر من التفاؤل بشأن الاقتصاد الأميركي. ففي استطلاع أجرته الرابطة الوطنية لاقتصاديات الأعمال، أفاد نحو 60 في المائة من الاقتصاديين بأنهم لا يتوقعون حدوث ركود خلال العام المقبل، مقارنة بـ44 في المائة في أغسطس (آب). كما رأى 74 في المائة منهم أن انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة معتدلة على الأقل في نمو الإنتاجية خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، وهو تحول قد يعزز قدرة الاقتصاد الأميركي على النمو.

من جانبه، كتب برنارد ياروس، كبير الاقتصاديين الأميركيين في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»، أن موجة عدم اليقين الجديدة قد لا تغيّر المسار العام للنمو، ولكنها قد تؤثر سلباً في الأشهر المقبلة. وقدّر أن معدل التعريفة الفعلي سينخفض من 12.7 في المائة إلى 8.3 في المائة بعد استبعاد الرسوم التي أبطلتها المحكمة، مع بقاء احتمال تطبيق تعريفة 15 في المائة الجديدة على نطاق واسع، ولو لفترة مؤقتة.

وأضاف أن أي دفعة قصيرة الأجل للنمو نتيجة خفض الرسوم «من المرجح أن يقابلها جزئياً استمرار حالة عدم اليقين». وحتى إذا نجحت الإدارة في إعادة فرض مستوى إجمالي مماثل من الرسوم عبر أدوات أخرى، فإن التأثيرات القطاعية والجغرافية قد تختلف جذرياً، ما يخلق موجة جديدة من الضبابية للشركات والمستثمرين والأسر على حد سواء.


الدولار يخسر زخمه بعد نكسة رسوم ترمب القضائية

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

الدولار يخسر زخمه بعد نكسة رسوم ترمب القضائية

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

تراجع الدولار الأميركي، يوم الاثنين، بعدما رأى المتداولون أن قرار المحكمة العليا الأميركية بإلغاء سلسلة من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عامل داعم للنمو العالمي. غير أن حالة الارتباك المحيطة بالسياسات التجارية، إلى جانب مخاطر تصاعد التوتر مع إيران، أبقت تحركات الأسواق في نطاق حذر.

وارتفع اليورو بنسبة 0.4 في المائة إلى 1.1820 دولار، كما صعد الجنيه الإسترليني 0.3 في المائة إلى 1.3516 دولار خلال الجلسة الآسيوية، التي اتسمت بهدوء نسبي نتيجة عطلة في اليابان وعطلة رأس السنة القمرية في الصين. في المقابل، تراجع الدولار 0.4 في المائة إلى 154.40 ين ياباني، وفق «رويترز».

كانت المحكمة العليا قد قضت يوم الجمعة، بأن الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها ترمب تجاوزت صلاحياته القانونية. وردّ ترمب بانتقاد حاد للحكم، معلناً فرض تعريفة جمركية عامة بنسبة 15 في المائة على الواردات، ومؤكداً تمسكه باتفاقيات التعريفات المرتفعة مع الشركاء التجاريين.

وقال سيم موه سيونغ، استراتيجي العملات في بنك «أو سي بي سي» بسنغافورة، إن هذا التطور «يُضعف الدولار، إذ قد يدعم النمو خارج الولايات المتحدة». وأضاف أن الانعكاسات بعيدة المدى على أسعار الصرف لا تزال غير واضحة؛ إذ قد يؤدي تراجع الإيرادات الأميركية إلى الإضرار بالمركز المالي والدولار، في حين أن تقليص صلاحيات ترمب قد يُنظر إليه بإيجابية من زاوية الحد من تقلبات السياسات.

وارتفع الدولار النيوزيلندي بشكل طفيف ليقترب من مستوى 60 سنتاً أميركياً، بينما تراجع الدولار الأسترالي قليلاً إلى 0.7070 دولار، علماً بأن الولايات المتحدة كانت قد فرضت سابقاً تعريفة بنسبة 10 في المائة فقط على السلع الأسترالية. كما صعد الفرنك السويسري، الذي يُعد ملاذاً آمناً، بنسبة 0.5 في المائة إلى 0.7727 فرنك مقابل الدولار.

وقال جيسون وونغ، الاستراتيجي في «بنك نيوزيلندا» في ويلينغتون، إن الحكم «يمثل خطوة إضافية نحو تقييد سلطة ترمب، وهو ما يُعد إيجابياً للأسواق». لكنه أشار إلى أن المشهد لا يزال معقداً ومتغيراً، ولا يمكن التنبؤ بمساره بسهولة.

وبالإضافة إلى ملف الرسوم الجمركية، تتابع الأسواق عن كثب التعزيزات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، في ظل الضغوط على إيران للتخلي عن برنامجها النووي، كما تترقب خطاب حالة الاتحاد الذي سيلقيه ترمب يوم الثلاثاء.

رسوم مؤقتة وغموض قانوني

تسري الرسوم البديلة التي فرضها ترمب لمدة 150 يوماً، فيما لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ملزَمة برد الرسوم التي سبق أن دفعها المستوردون، إذ لم يتطرق حكم المحكمة العليا إلى هذه المسألة.

ويتوقع محللون سنوات من التقاضي وموجة جديدة من الضبابية قد تعرقل النشاط الاقتصادي، في وقت يسعى فيه ترمب إلى إيجاد آليات قانونية بديلة لإقرار حزمة رسوم عالمية بصورة دائمة.

وقال تاي هوي، كبير الاستراتيجيين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في «جي بي مورغان» لإدارة الأصول، إن التطورات «تعكس اعتماد استراتيجية الإدارة لزيادة الإيرادات على مصادر قد تكون عرضة لقدر كبير من عدم اليقين، في حين يظل الميل إلى الإنفاق مرتفعاً». وأضاف أن هذا الوضع قد يدفع مستثمري السندات إلى توخي مزيد من الحذر حيال مسار الانضباط المالي.

في سياق متصل، دعت المفوضية الأوروبية الولايات المتحدة إلى الالتزام بالاتفاق الذي جرى التوصل إليه العام الماضي مع الاتحاد الأوروبي، والذي ينص على إلغاء الرسوم الجمركية على بعض المنتجات، من بينها الطائرات وقطع الغيار. كما يدرس شركاء واشنطن التجاريون في آسيا بحذر تداعيات حالة عدم اليقين الجديدة، شأنهم شأن المستثمرين الذين سبق أن فاجأتهم ردود فعل الأسواق على الرسوم التجارية التي فرضها ترمب، والتي لم تنجح في تقليص العجز التجاري الأميركي.

تحولات في رهانات الدولار

قبل انتخاب ترمب، راهن كثير من المستثمرين على أن الرسوم الجمركية ستدعم الدولار، على أساس أن شركاء الولايات المتحدة سيعمدون إلى خفض قيمة عملاتهم لتعويض تراجع صادراتهم.

غير أن الدولار اتخذ مساراً معاكساً في عام 2025، إذ تراجع مؤشره بأكثر من 9 في المائة، مع تركّز اهتمام الأسواق على توقعات خفض أسعار الفائدة، والمخاوف المتعلقة بالعجز المالي الأميركي، إضافةً إلى التقلبات المرتبطة بسياسات ترمب.

وقال ريتشارد يتسينغا، كبير الاقتصاديين في مجموعة «إيه إن زد»، خلال بودكاست خاص بالبنك، إن «الإدارة الأميركية ستكون مقيدة إلى حد كبير في قدرتها على استخدام الرسوم الجمركية على نطاق واسع». وأضاف: «لا أعتقد أن ذلك سيُحدث تغييراً جوهرياً في مسار الاقتصاد العالمي».