ليبيا... تقارب الجنرالات

أول حوار بين ضباط الجيش منذ 2011

ليبيا... تقارب الجنرالات
TT

ليبيا... تقارب الجنرالات

ليبيا... تقارب الجنرالات

انفتحَ باب جديد للحوار بين ضباط في الجيش الليبي، قبل أيام، يعد هو الأول من نوعه منذ الانتفاضة المسلحة التي أدت إلى إسقاط نظام معمر القذافي ومقتله في عام 2011. وبعيدا عن الأضواء، يعوِّل فريق من السياسيين والنشطاء والوجهاء الليبيين، في الوقت الراهن، على إحداث تقارب بين جنرالات القوات المسلحة، لإنقاذ الدولة من الفوضى، بشرط أن يتم التوافق أولا على كل شيء، قبل الإعلان عن تشكيل مؤسسة متكاملة مثلما كانت عليه قبل ست سنوات. ويتخوف الليبيون من تدخل دول أجنبية في شؤونهم، بما في ذلك التلويح الأوروبي بإرسال قوات إلى شواطئها.
كان الجيش الليبي موحدا في عهد معمر القذافي، ثم تعرض لانقسامات حادة بسبب تباين مواقف كبار قادته من تدخل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ما بين مؤيد ومعارض. ومنذ ذلك الوقت تورط الكثير من القادة العسكريين، من توجهات مختلفة، في حروب داخلية أدت إلى تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية، وتسببت في إثارة مخاوف دول الجوار من خطر انتشار الجماعات المتطرفة وهشاشة الحراسة على الحدود البرية ومنافذ الدولة البحرية والجوية. ويشعر قادة الجيش اليوم بأن الخطر يزداد، وإمكانية التدخل العسكري الخارجي أصبحت تلوح في الأفق، وهو أمر مثير لقلق جنرالات القوات المسلحة.
وبالإضافة إلى الأمم المتحدة والدول الكبرى، تبذل مصر وتونس والجزائر جهودا حثيثة لمساعدة الليبيين على الخروج من المأزق الذي يهدد الدولة الغنية بالنفط، والحيلولة دون أن تصبح «دولة فاشلة». وعلى باب فندق فاخر يقع على مرمى حجر من مطار القاهرة الدولي، توقف جنرال ليبي في بدلة سوداء وربطة عنق حمراء، وقال وهو يبتسم في أمل «لم نصل بعد إلى تصور. ما زلنا في مرحلة اختبار الدرب». وفي المساء كان هناك لقاء آخر في حديقة فندق على شاطئ النيل، بين ثلاثة ضباط ليبيين، كل منهم برتبة عميد.
الأول من القيادات العسكرية في مدينة مصراتة ذات التسليح القوي. وهي مدينة تقع على بعد 200 كيلومتر إلى الشرق من العاصمة طرابلس. وكان هذا العميد من المؤيدين لتدخل الناتو للتخلص من نظام القذافي. واليوم، يبدو ممسكا بكوب القهوة، وهو يشعر بالإرهاق من سنوات الاحتراب التي راح ضحيتها ألوف الشباب، وتشريد نحو مليوني ليبي، وخسائر بمليارات الدولارات.
أما الثاني، فمن قيادات مدينة الزنتان، في جنوب غربي طرابلس، وكان أيضا من مؤيدي تدخل الناتو، بل أشرف على فتح المجال لإسقاط أسلحة قادمة من إحدى الدول الأجنبية، للمنتفضين المسلحين الذين كانوا يطلقون على أنفسهم لقب «ثوار». وأشار في كلمات مقتضبة إلى ما معناه أن الوقت قد حان لـ«توحيد المؤسسة العسكرية وفتح حوار بين العسكريين بعيدا عن التجاذبات السياسية والجهوية. ما نريده هو إعادة بناء الجيش وترك السياسة لما يقرره الليبيون بعد وضع دستور للدولة. الخطر الآن هو أن ليبيا يمكن أن تنتهي كدولة».
ومع أن هذين القائدين كان يجمعهما النضال المشترك للقضاء على حكم القذافي، إلا أن الخلافات نشبت بينهما بداية من عام 2014؛ بسبب الصراع على تقاسم النفوذ بين المسلحين في العاصمة، حيث تسبب هذا النزاع في احتراق مطار طرابلس الدولي. واليوم يسعى كل منهما لطي صفحة الماضي وفتح ملف جديد من أجل المستقبل. ولكن لكل منهما «مخاوف من تزايد النشاط الإيطالي في مناطق عدة في ليبيا بحجة مواجهة الهجرة غير الشرعية».
العميد الثالث من بنغازي. ووصل متأخرا إلى الفندق آتياً من مطار برج العرب قرب مدينة الإسكندرية المصرية. وهو عسكري محسوب على المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي. وكان حفتر نفسه من المناصرين لتدخل الناتو. إلا أنه حين أعلن إعادة تنظيم جانب من صفوف الجيش، قبل ثلاث سنوات، واجه معارضة من جانب عدد كبير من القيادات العسكرية في الغرب الليبي، أي من مصراتة وجبل نفوسة والزنتان وغيرها، معتبرين ما قام به «انقلابا».

النظرة إلى حفتر
لكن جهود حفتر باتت الآن تثير الانتباه، وتجبر الخصوم على إعادة النظر. ومد عسكريون من المحسوبين على نظام القذافي يد العون لحفتر، أخيرا، في مواجهة التنظيمات المسلحة والمتطرفة. ويقول العميد المشار إليه «ليبيا أصبحت في خطر. نخشى من مزيد من الفوضى ومن الانقسامات. نحن، كما قال المشير حفتر مرارا، لا شأن لنا بالسياسة، ما نريده وما نتحاور حوله كعسكريين، في الوقت الراهن، هو أن مؤسسة الجيش لا بد أن تعود، وهذا ما فشل فيه السياسيون خلال السنوات الماضية، وآن الأوان لكي يقوم رجال القوات المسلحة بالمهمة».
الأمم المتحدة، من جهتها عملت لإنجاح الحل السياسي الذي نتج من الاتفاق المعروف باسم «الصخيرات»، لكن المجلس الرئاسي الذي انبثق عن هذا الاتفاق، منذ أواخر عام 2015، عجز عن حل مشكلة إدارة الحكم في ليبيا. وحالياً توجد ثلاث حكومات وثلاثة برلمانات. في الغرب هناك حكومتا «الوفاق الوطني» برئاسة فايز السراج، و«الإنقاذ» برئاسة خليفة الغويل. وفي الشرق «الحكومة المؤقتة» برئاسة عبد الله الثني. أيضاً، في طرابلس نرى المؤتمر الوطني (البرلمان السابق) برئاسة نوري أبو سهمين، ومجلس الدولة (جزء من البرلمان السابق) برئاسة الدكتور عبد الرحمن السويحلي. ويوجد في طبرق شرقا البرلمان الحالي برئاسة المستشار عقيلة صالح. ولقد وقفت هذه الأجسام السياسية والتشريعية وراء مجاميع مسلحة يحارب بعضها بعضا، وهي، في معظمها، عبارة عن خليط من ضباط وجنود كانوا في الجيش الليبي القديم، ومدنيين يحملون السلاح.
الجنرال الآتي من مصراتة، المدينة التي كان عليها العبء الأكبر في محاربة تنظيم داعش وطرده من مدينة سرت أواخر العام الماضي، يقول: «بعد نهاية الحرب في سرت، حاولت بعض الجماعات السياسية في طرابلس وفي مصراتة، استغلال قوتنا للهجوم على الموانئ النفطية التي يسيطر عليها حفتر في الشرق والمشاركة في الهجوم على القبائل المعروف أنها محسوبة على نظام القذافي في الجنوب، وبخاصة في كل من مدينة سبها ومدينة بني وليد. وحين رفضنا ذلك، تعرضنا للمؤامرات. وانقلب المتشددون، قبل نحو شهر، على المجلس البلدي لمصراتة».
ويضيف موضحا، أن عدد مَن قُتلوا في الحرب على «داعش» في سرت يبلغ أكثر من 800، وليس 300 كما كان يتردد. ونحو 700 من هؤلاء الضحايا من أبناء مدينة مصراتة، ونحو 120 من المدن الليبية الأخرى. بينما بلغ عدد المصابين نحو 3 آلاف. ما أريد أن أقوله وأن يفهمه إخوتنا من العسكريين الليبيين الذين بدأنا فتح قنوات تواصل بيننا لأول مرة منذ رحيل القذافي، هو أننا لن نحارب من أجل جماعة أو تيار أو جهة. سنحارب من أجل ليبيا فقط».
للعلم، وصل من مصراتة وطرابلس، إلى القاهرة، دفعتان من الجنرالات، خلال شهر. كانت جلسات تمهيدية لرتب عسكرية مهمة مصابة بالإرهاق من طول فترة الاقتتال والاحتراب في الصحراء الليبية الشاسعة. وبعد ذلك بأسبوعين وصل نحو عشرين رتبة عسكرية من مناطق جبل نفوسة والزنتان وورشفانة وغيرها. ويقول أحد القادة العسكريين من القبائل القوية في غرب ليبيا «هناك حراك جديد في عموم البلاد. تستطيع القول إننا نتخلص رويدا رويدا من حالة الاستقطاب التي كانت موجودة بين العسكريين المنتمين أساسا للجيش. الحراك الجديد حراك وطني يتواصل مع الجميع، ويرفع شعار «توحيد المؤسسة العسكرية».
من ناحية أخرى، منذ بداية الأزمة الليبية كان يتواصل مع الأطراف الداخلية، دبلوماسيون ومسؤولون دوليون وإقليميون محاولين رأب الصدع السياسي. ووفقا لمصادر اجتماعات الضباط الليبيين في القاهرة، شاركت تونس بقوة في تسهيل اللقاء الذي عقد بين المستشار صالح والدكتور السويحلي، في العاصمة الإيطالية روما، الأسبوع الماضي. كما قام وزير الشؤون المغاربية والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، الجزائري، عبد القادر مساهل، بجولة في ليبيا من أجل تقريب وجهات النظر بين الزعماء المتخاصمين.
في المقابل، أخذت مصر تعمل على الملف الليبي، بطريقة مختلفة، منذ أشهر، حين أوكلت هذا الملف للفريق محمود حجازي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية. وأشرفت لجنة حجازي على عقد لقاءات استماع «مفتوحة وصريحة» لمئات عدة من خصوم القوى السياسية والقبلية والإعلامية الليبية، لكن الخطوة اللافتة تعد، وفقا للمصادر العسكرية الليبية، فتح الباب المصري للقاءات في القاهرة لأول مرة بين قادة عسكريين كانوا يحاربون بعضهم بعضا حتى وقت قريب.
مصدر أمني مصري قريب من لقاءات الجنرالات الليبيين، قال «يبدو أنهم يسعون لاستغلال حالة الإرهاق التي أصابت الجميع في ليبيا. أعتقد أنهم يريدون رفع شعار يهدف إلى جمع الليبيين حول توحيد الجيش والبحث عن سبل للتوافق بين كبار القادة العسكريين».

أنواع ثلاثة
واليوم يوجد ثلاثة أنواع من القيادات العسكرية الليبية: الأول، العاملون مع المشير حفتر. والثاني، المنخرطون في المجالس العسكرية للمدن، وهم يعملون مع مسلحين مدنيين، وتتركز هذه الظاهرة في المنطقة الغربية من البلاد. والثالث، الضباط الذين يطلق عليهم أنصار النظام السابق، ومنذ مقتل القذافي ظلوا يرفضون المشاركة في العمل في الجيش تحت علم «الثورة» ذي الخطوط الملونة. وما زال بعض منهم يرفع علم الدولة في عهد القذافي ذي اللون الأخضر.
حفتر ظل منذ 2014 يحاول إنشاء مؤسسة عسكرية، ولكن واجهته عراقيل تتمثل في تمسكه بمبادئ «ثورة 17 فبراير 2011»، وهو أمر يرفضه عدد من قادة الجيش السابقين الذين كانوا يحاربون مع القذافي. غير أن لقاءات العسكريين الأخيرة في القاهرة أعطت زخما جديدا يمكن البناء عليه. كما أن بعض القادة ممن كانوا يتهمون حفتر بأنه يدير «ميليشيا انقلابية وليس جيشا»، ويرفضون أي دور له، بدأوا يتحدثون حول الطاولة بطريقة مختلفة.
ويقول جنرال مصراتة، وهو يعدل من ربطة عنقه الحمراء «لقد بدأت تحدث عملية تواصل شبه مستمرة من أجل تطوير الحوار والنقاش. جئنا للقاهرة للأسباب نفسها... وعلى عكس التصورات السابقة، توصلنا إلى أنه «لا توجد مدينة ذات لون أبيض وأخرى ذات لون أسود، واتفقنا على أن كل المناطق فيها مشتركات وفيها تباين أيضا. وأن كل هذه الأمور قابلة للمناقشة والأخذ والرد».
كذلك، جرى التطرق إلى أنه في «بعض الأحيان تتغلب بعض التيارات في بعض المناطق، بحكم خلو الساحة. لكن، الأكيد، أن كل منطقة تستطيع أن تخلق مشكلة للطرف الآخر، كما أن الطرف الآخر لديه القدرة على خلق مشكلة عكسية». ولهذا؛ يبدو أن حوار الجنرالات يسير على نحو فيه قدر من الندية والجدية وحساب القوى الشعبية والقوة العسكرية... «حين يتمكن طرف في المنطقة الغربية من صنع مشكلة مع حفتر، فإن الطرف المقابل يمكنه خلق مشكلة مماثلة».
ويوضح أحد الزعماء العسكريين أنه... «من غير المقبول الاستمرار في شيطنة مدينة، أو الزعم بأن كل سكانها كذا وكذا (يقصد جانبا من ميليشيات مصراتة التي شاركت مع ميليشيات الإسلاميين في محاربة حفتر وبرلمان صالح)، أو أنهم مسؤولون عن المشكلات التي تمر بها البلاد. الليبيون لديهم العنف في كل شيء، وهم عصبيون جدا... الحب بعنف والكراهية بعنف. كل شيء لدينا بعنف».
ويضيف، أنه من المعروف أن الوضع في غرب ليبيا شديد التعقيد عموما؛ إذ إن القوة العسكرية للقذافي كانت تتركز هناك، وجرى فيها معظم القتال المهم في عام 2011: «وبالتالي تكونت مراكز قوى استغلتها بعض الأطراف. والمقصود بها بعض التيارات الإسلامية»، مشيرا إلى أن «الميليشيات المتطرفة استغلت ألوف الشبان، غالبيتهم من مصراتة، من أجل خوض حروب خاصة بها خلال الأعوام الأخيرة، وهذا الأمر اتضح الآن ونعمل على عدم تكراره... ما نحن فيه حقا هو القيام بتهدئة شاملة بين المدن والقبائل في المنطقة الغربية، باستثناء بعض الأعمال الإجرامية، مثل إغلاق طريق هنا وآخر هناك».
أيضاً، يتحدث العسكريون الليبيون الذين يترددون على القاهرة عن أن الحل، انطلاقا من مؤسسة الجيش، أمر ممكن... «كان الأمر قابلا للتحقق حين أوقف ضباط في الجيش - بغض النظر عن انتمائهم لحفتر أم لا - الاحتراب بين مدن عدة في الغرب، كما حدث في الزاوية وورشفانة والزنتان. هذا الأمر الجديد أصبح واضحا على الأرض منذ العام الماضي، إلا أنه لم يتم تطويره والبناء عليه بشكل إيجابي؛ لأن المناكفات السياسية بين البرلمان والمؤتمر الوطني (البرلمان السابق) تلقي بظلالها على الأوضاع».
في هذه الأثناء، في الخلفية، يقوم تيار وطني يضم عناصر قبلية وناشطين من مناطق غرب ليبيا، بدور مهم من وراء الستار، من أجل إنجاح محاولات توحيد الجيش في مؤسسة قوية. ويقول أحد عناصره، وكان برفقة ضباط وصلوا أخيرا للعاصمة المصرية: «طبعا الحوار الذي نؤيده ونسهل له الطريق، يستفز التيارات المتشددة في ليبيا. وكان من آخر التداعيات التي تُشير إلى فاعلية التيار الوطني، الهجوم من جانب المتشددين على المجلس البلدي في مصراتة». ويضيف: ومع هذا لن نتوقف عن العمل؛ لأن علاقتنا جيدة بجميع الأطراف، سواء في المجلس الرئاسي، أو مجلس الدولة، أو المؤتمر الوطني، أو البرلمان. لقد فتحنا أبوابا كثيرة خلال وقت قصير.
مما أثمرت عنه لقاءات القاهرة، إعادة الجانب المصري لفتح خط الطيران الجوي بين مطار مدينة مصراتة ومطار برج العرب، لكن مع استمرار شرط مراجعة وثائق السفر في مطار الأبرق الموجود في الشرق لليبي، ويخضع لسلطات برلمان صالح وجيش حفتر. وبنظرة من قرب، من السهل أن تلاحظ وجود استعدادٍ للحوار بين أطراف رئيسية لم يكن من المتصوّر، حتى وقت قريب أن تجلس معا في غرفة واحدة.

لقاء صالح والسويحلي
من ناحية أخرى، مع أنه لم تخرج عن لقاء روما بين صالح والسويحلي نتائج ذات شأن، إلا أن لقاء الرجلين، يُنظر إليه باعتباره يعكس القدرة على التواصل بين زعماء الشرق وزعماء الغرب. ويقول جنرال ليبي، وهو يهم بمغادرة الفندق للعودة إلى بلاده مع مجموعة من معاونيه: اليوم هناك تحولات في الموقف السياسي لكثير من الشخصيات التي لم تكن ترضى بأي حوار مع الأطراف في الشرق. ويضيف: لم يستطع أحد الاستفادة من الإقصاء المتبادل. ويتابع: «اليوم، نحن نقول لخليفة حفتر، لا تطلب الشرعية من البرلمان. ولكن اطلبها من ضباط القوات المسلحة في المدن الليبية، من خلال حوار عسكري، وأن تعلن أن المؤسسة العسكرية لا علاقة لها بالسياسة، وأنها ستحترم رغبة الشعب الليبي عند إجراء الانتخابات، وأن يقول حفتر إنه ملتزم بأن يكون تحت السلطة السياسية حين يكون هناك دستور دائم للدولة، وأن يأتمر الجيش الوطني بأمر السلطة السياسية».
ويقول عقيد في الجيش الليبي من طرابلس أثناء مشاركته في لقاء آخر بالقاهرة «أبناء المؤسسة العسكرية في ليبيا لديهم احترام لبعضهم بعضا. ويمكن للحوار أن يثمر بين حفتر والضباط الكبار في المناطق العسكرية، مثل (كتلة مصراتة) وما حولها، و(كتلة ورشفانة) وما حولها، و(كتلة طرابلس) وما حولها، و(كتلة الزاوية)، و(كتلة جيل نفوسة والزنتان) وما حولها، و(كتلة المنطقة الجنوبية الغربية والجنوبية الوسطى)، مثل سبها وبراك الشاطئ». ويضيف أن «مراكز الثقل العسكرية الرئيسية هي، في الحقيقة، مجرد أربع أو خمس مراكز، وأعتقد أن إقامة حوار عسكري يحدد قيادة عسكرية جامعة توافقية، أفضل من النظام الهرمي. هذا هو المناسب لليبيا؛ لأن ليبيا دولة شاسعة. دول أخرى تعمل وفقا لنظام الجيوش... لكن القذافي كان يخدم بنظام المناطق العسكرية؛ لأن المناطق العسكرية هي الأنسب لدينا»، مشيرا إلى أنه «من الخطأ توحيد المؤسسة العسكرية بقرارات سياسية؛ لأنه حتى الآن لا يوجد طرف سياسي جامع يمكن الاتفاق عليه. الأمن أصبح مطلبا أول لليبيين قبل السياسة وقبل الاقتصاد».

بوادر حسن نية
وفيما يعد بوادر حسن نية من جانب قطاع من عسكريي المنطقة الوسطى والغربية والمعروفين بأنهم خصوم الجنرال حفتر، جرى رفض تحريك القوات في نطاق نفوذ الجيش الوطني، والابتعاد عن خطوط التماس مع رجال حفتر. أما أهم ثلاث نقاط بدت من لقاءات العسكريين الليبيين في القاهرة حتى الآن، فهي كالتالي:
الأولى، بذل جهود حثيثة وغير مسبوقة من جانب العسكريين لاستعادة مؤسسة الجيش وتوحيدها، على أن يبدأ ذلك بتشكيل لجنة من سبعة ضباط للتحضير لحوار واسع. وهذا أمر لا يتعارض مع تطلعات الأمم المتحدة واتفاق الصخيرات ودول الجوار. والثانية، دعم الحراك الوطني المدني المؤيد لحوار قيادات الجيش، وهو الحراك الذي يتمركز في غرب ليبيا، ويرفض استخدام المجاميع المسلحة في حروب ضد مدن أو قبائل. والثالثة، استقطاب الجناح المعتدل في التيار الإسلامي، واستبعاد المتشددين و«جناح الصقور» الذي يريد إطالة عمر الميليشيات على حساب إيجاد مؤسسة عسكرية قوية وموحدة بغض النظر عن اسم من يقودها.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.