«عسكرة» سوريا... حصيلتها «بعثنة» المجتمع و«لبرلة» الديكتاتورية

العائلة التي ليس لها أحد في سلك الجندية تموت جوعاً وقهراً

«عسكرة» سوريا... حصيلتها «بعثنة» المجتمع و«لبرلة» الديكتاتورية
TT

«عسكرة» سوريا... حصيلتها «بعثنة» المجتمع و«لبرلة» الديكتاتورية

«عسكرة» سوريا... حصيلتها «بعثنة» المجتمع و«لبرلة» الديكتاتورية

عند أي حاجز لقوات النظام في دمشق يزدحم الخط العسكري بالسيارات التي تمر سريعاً دون تفتيش وتدقيق في البطاقات الشخصية، فيما يبدو الخط المدني أقل ازدحاماً لولا توقفها والانتظار طويلاً في طوابير التفتيش والتفييش. هذا المشهد اليومي الاعتيادي خلال السنوات الست الأخيرة، يظهر مدى استفحال حالة العسكرة في المجتمع السوري، في ظل حرب داخلية بدأها النظام على معارضيه، قبل أن تتحول إلى حرب مفتوحة بمشاركة قوى دولية وميليشيات خارجية إلى جانب الأطراف السورية. ويتحدث معارض سوري، يعيش في ريف دمشق، عن «طغيان» ظاهرة العسكرة على جميع مناحي الحياة في سوريا، لا سيما في المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام، فيقول إن هناك كوات ومنافذ بيع في محطات الوقود والأفران والمؤسسات مخصصة للعسكريين إلى جانب كوات مخصصة للنساء وأخرى للرجال من المدنيين، ولأن الأفضلية للعسكر في كل شيء، يترك المدني ليأكله انتظار لساعات طويلة، بينما يحصل العسكري على حاجاته بسرعة. ويرى المعارض السوري الذي رفض الإفصاح عن اسمه أو استخدام اسم مستعار: «بما أن الأفضلية في كل الأمور للعسكري، في المشافي والمدارس والجامعات والوظائف وغيرها، فمن الطبيعي أن يتجه الفقراء إلى دفع أبنائهم للالتحاق بالجيش للحصول على تلك الامتيازات». ويتابع المعارض قوله: «في عقدي الثمانينات والتسعينات كانت الأفضلية لمنتسبي حزب البعث الحاكم، بالترافق مع عملية (تبعيث) الشعب من خلال تنسيب تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات بشكل شبه إلزامي، لم تواجه رفضاً اجتماعياً معلناً إما بسبب الخوف من اضطهاد النظام وإما خوفاً من التهميش وفقدان فرص العمل. في مرحلة كان من المتعارف عليه أن (أصغر مجند أو بعثي في الجيش بإمكانه التحكم بمصير أي مدني أعزل)». ويضيف المعارض: «اليوم تعاد التجربة ذاتها على نحو أكثر فجاجة، إذ تستغل حاجة الذين أفقرتهم وأضعفتهم الحرب لزجهم في الجيش، فالعائلة الفقيرة التي ليس من بين أفرادها عسكري تحتمي به، ويعينها على تلبية احتياجات العيش الأساسية، تموت من الجوع والقهر».
إنعام، أرملة سورية، عمرها 46 سنة، نزحت مع أولادها من المناطق المدمرة إلى أطراف دمشق، وهي ترتزق من العمل في توضيب الخضار، دفعت ابنها للتطوع في إحدى الميليشيات المقاتلة إلى جانب النظام، بهدف الحصول على موافقة أمنية لاستئجار غرفة تؤويها وأبنائها. إنعام تقول: «لولا ابني العسكري لكنت الآن أبيت في الحديقة العامة، فالموافقة الأمنية على استئجار غرفة سكنية منحت باسم ابني، ولو لم يكن عسكرياً لما حصلنا عليها، ولا على أي شيء آخر، بالأخص، عند اشتداد أزمات تأمين الغاز والمازوت والخبز والماء... إلخ». مع هذا، لا تخفي إنعام قلقها الدائم على حياة ابنها التي انقلبت رأساً على عقب منذ تطوعه، وحولته إلى شخص شرس وعدائي مع عائلته، لكن - حسب كلامها - «لا يوجد حل آخر، فإذا لم يتطوع كان سيُساق إلى الخدمة الإلزامية أو سينتسب إلى الجماعات المسلحة!».
من جهة أخرى، هناك لينا، التي بعد نيلها الشهادة الثانوية، تطوعت في إحدى الفرق النسائية التابعة لقوات النظام، مبررة ذلك بأنه «أفضل سبيل للعمل والحياة الكريمة» - كما تقول. إلا أن هذا القرار، الذي رفضه أهلها رفضاً قاطعاً، اتخذته أثناء تقدمها لامتحان الثانوية العامة على خلفية حادثة وقعت أمامها، إذ ضبط مراقب القاعة طالبة تتلقى الإجابات من خارج القاعة عبر تطبيق (واتساب)، فهدّدته الطالبة بقريبها العسكري ما لم يتركها وشأنها. ولدى إصرار المراقب على سحب الورقة وطردها من قاعة الامتحان، حضر العسكري إلى القاعة بسلاحه، وعندها اضطر المراقب للاعتذار طالباً الصفح والمغفرة. ولأن لينا ليس لديها أشقاء ذكور قررت هي حمل السلاح «لتأخذ حصتها من السلطة وتحصيل حقها بالعيش»، حسب تعبيرها، بدل «إضاعة الوقت بالدراسة والبحث عن فرص عمل تافهة»!!.

شراء الولاء
التوجه إلى حمل السلاح جاء ضمن سياق السياسة التي اتبعها النظام في شراء ولاءات الشباب العاطلين عن العمل، وتجنيدهم في ميليشياته، منذ اندلاع الثورة ضده عام 2011. إذ استخدم المال والأمن لجذب أكبر عدد من الشباب والشابات، وأغدق عليهم امتيازات خاصة كالسلاح والسيارات والأذون الأمنية عبر مؤسسات الأحزاب الموالية والمنظمات التابعة لها والأجهزة الأمنية وشبكاتها المتغلغلة في النسيج الاجتماعي السوري. وفي هذا السياق، مثال آخر يجسده مدرس ثانوي اشتكى صراحة من أنه عاجز عن توجيه أي ملاحظة لطلابه، لأن بينهم مجندين في الأجهزة الأمنية، فإذا تأخر أحدهم عن الحصة أو الامتحان فإنه - أي المدرس - لا يجرؤ على منع أحدهم من الدخول، وخصوصاً، إذا تذرع الطالب لتبرير غيابه بتكليفه بمهمة أمنية!

ميليشيات لكل المكونات
خلال 6 سنوات من الحرب يمكن القول إن المجتمع السوري بات «ثكنة عسكرية»، تضم العشرات من الجماعات المسلحة المعارضة ومقابلها العشرات موالية للنظام، تحض على الالتحاق بالأخيرة جهات «مدنية» منها مجموعات نسائية، كـ«مجموعة سيدات سورية الخير»، التي تقود حملات إعلانية إعلامية تدعو الشباب والشابات عبر ملصقات وإعلانات طرقية، إلى حمل السلاح، وتؤنب من يقف منهم على الحياد متفرجاً!!
ومعظم هذه الحملات نشطت بعد عام 2012 الذي شهد تنظيم وتجنيد أكثر من مائة ألف من المتطوعين ضمن ما سُمّي «قوات الدفاع الوطني» التي أشرف على تشكيلها وتنظيمها وتدريبها الحرس الثوري الإيراني، وأوكل مهمة قيادتها للسوريين. وتوالى عام 2013 ظهور الميليشيات الرديفة للقوات النظامية في مناطق سيطرة النظام، لتغطي أطياف المجتمع السوري السياسية والطائفية ومكوناته، بهدف استقطاب أكبر عدد ممن لا يمكن ضمهم إلى عديد القوات النظامية كاليافعين والكهول والنساء. من هذه الميليشيات «نسور الزوبعة» التي هي الجناح العسكري لـ«الحزب السوري القومي الاجتماعي»، و«كتائب البعث» المشكّلة من المنتسبين لحزب البعث، و«الحرس القومي العربي» التي تدّعي حمل الفكر الناصري القومي و«المقاومة السورية - كتائب تحرير إسكندرون» في الساحل، إلى جانب ميليشيات فلسطينية تتبع لفصائل فلسطينية موجودة في سوريا ومحسوبة على خط نظام بشار الأسد السياسي كـ«فتح - الانتفاضة» و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة»، ومنها «لواء القدس» و«حركة فلسطين حرة».
كذلك ثمة ميليشيات شكلت على أساس طائفي شيعي، مثل لواء «الإمام الباقر» من شيعة عشيرة البقّارة بمحافظة حلب، و«الغالبون» و«جنود المهدي» و«قوات الرضا» وغيرها من الميليشيات التي نظمتها ورعتها إيران. أما الكتائب المسيحية والدرزية التي شجّع النظام على تشكيلها ورعاها، فأبرزها «كتائب سوتورو» في مناطق المسيحيين السريان بشمال شرقي سوريا، و«قوات الغضب» وتضم مسيحيين من محافظة حمص، و«كتائب الموحّدين» و«كتائب حماة الديار» تضم أتباع النظام من دروز الجنوب السوري.
هذه الميليشيات تقاتل إلى جانب تشكيلات عسكرية أخرى انبثقت عن قوات النظام وتحظى ببعض الاستقلالية عنها، أبرزها «قوات النمر» و«قوات الفهود»، وتشكيلات أخرى أسسها رجال أعمال داعمون للنظام، كـ«ميليشيات البستان» التابعة لـ«جمعية البستان للأعمال الخيرية» برئاسة رامي مخلوف (ابن خال بشار الأسد) و«صقور الصحراء» التي شكلها محمد جابر في محافظة اللاذقية من ضباط سابقين ومحاربين متطوّعين، و«لواء أسود الحسين» الذي شكله محمد توفيق الأسد، قريب رئيس النظام السوري، الذي قتل في مارس (آذار) 2015. وغيرها من ميليشيات يموّلها رجال أعمال من المستفيدين من النظام ورجاله.

«الفيلق الخامس»
ثم بعد التدخل الروسي العسكري أكتوبر (تشرين الأول) 2015، أشرفت موسكو على تشكيل ميليشيات جديدة، منها «الفيلق الخامس - اقتحام» لتجنيد الشباب، وأعلن عن تشكيله عام 2016، عبر حملة إعلانية واسعة شملت خطب الجمعة وبرامج التلفزيون والإذاعة ورسائل الهواتف الجوالة والصحف والإعلانات الطرقية. وراحت تزين للشباب الحياة العسكرية وتمجّد البطولة وفداء الوطن و«قائد الوطن»، مع إغراءات بالحصول على راتب 200 دولار، أي ضعفي ما يتقاضاه المتطوع في ميليشيا الدفاع الوطني (100 دولار). أو العسكري الإلزامي (50 دولاراً). وتركزت حملة الدعوة إلى الالتحاق بـ«الفيلق الخامس» على حملة الشهادات الجامعية العالية بمختلف الاختصاصات من الموظفين في الدولة. وخضع مَن كان منهم في سن المطلوبين لخدمة الاحتياط للتخيير بين السوق إلى الاحتياط أو التطوع في «الفيلق الخامس»، وهما خياران «أحلاهما مرّ»، حسب تعبير طبيب عسكري متقاعد جرى سوق ابنه المهندس إلى الاحتياط، وتابع: «اخترنا الاحتياط على أن نسعى عبر معارفنا ليخدم قرب مدينته، لأن الفيلق الخامس اقتحام لا يوحي اسمه بالخير أبداً».

تشكيلات نسائية
عملية «العسكرة» الحالية على قدم وساق لم تقتصر على الذكور، بل سعى النظام منذ عام 2012 إلى زج النساء (من عمر بين 18 و50 سنة) في أتون المعركة، فشُكّلت كتائب نسائية، أبرزها «لبؤات الدفاع الوطني» و«المغاوير النسائية». وخلال مارس 2017، خُرّجت الدفعة الأول دفعة من فصيل «خنساوات سوريا»، في قرية حامو قرب مدينة القامشلي بشمال شرقي سوريا بإشراف الأمين القطري في حزب البعث هلال هلال، المكلف من قبل النظام بإدارة ملف تجنيد النساء ضمن كتائب عسكرية.
نسرين (30 سنة) من الساحل، وتعمل ممرضة في دمشق، تفاخر أمام زملائها بأنها حملت السلاح للدفاع عن «بيتها وعائلتها ووطنها وقائدها». وتدّعي أن ليس أمامها أي خيار آخر بعد مقتل 3 من إخوتها الشباب على أيدي من تسميهم «الإرهابيين» و«مقتل أعداد كبيرة من أبناء قريتها الساحلية، ولم يعد هناك سوى النساء والعجائز والأطفال وهؤلاء بحاجة للحماية». وتشير إلى انعدام الأمان في القرى وانتشار عصابات السرقة والخطف في تلك المناطق نظراً لغياب الرجال في المعارك، «ظهرت عصابات متخصّصة في سرقة مؤن البيوت».
للعلم، حمل المرأة السلاح في سوريا ليس جديداً. إذ سبق للنساء أن أشركن بحمل السلاح على نحو محدود في «حرب تشرين» (أكتوبر) 1973 ضد إسرائيل، بعدما كانت معسكرات تدريب النساء تقتصر على الدفاع المدني والإسعاف خلال عقدي الخمسينات والستينات اللذين شهدا مواجهات مع إسرائيل. ولكن مع بداية الثمانينات التي شهدت مواجهات دامية بين نظام حافظ الأسد والإخوان المسلمين، ضُمّت النساء إلى صفوف الجيش والشرطة في كليات تدريب خاصة، بجانب تشكيلات مُسلحة تابعة لحزب البعث.

مسيرة العسكرة
مع هذا، فإن مظاهر «عسكرة» المجتمع التي يعمّمها ويعمقها النظام اليوم، بدأت مع بداية عهد حكم آل الأسد في السبعينات بعد إقرار الدستور بـ«قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي للدولة والمجتمع» التي أفرزت فكرة «الجيش العقائدي»، وشرّعت احتكار البعث للجيش، مع حظر نشاط الأحزاب والتيارات السياسية الأخرى في المدارس والجامعات والمؤسسة العسكرية. وضمن هذا السياق، جاء إدخال مادتي التربية العسكرية والثقافة القومية البعثية إلى مناهج التدريس الأساسي (ابتدائي - إعدادي - ثانوي). وخُصّص يوم دراسي أسبوعي لها شتاءً ومعسكرات تدريب صيفاً، يخضع لها الذكور والإناث في مراحل التعليم الأساسي وتقتصر على الذكور في مراحل التعليم الجامعي، وذلك بإشراف «منظمة الطلائع» للمرحلة الابتدائية ومنظمة «اتحاد شبيبة الثورة» للمرحلتين الإعدادية والثانوية، وفي المرحلة الجامعية تحت إشراف «اتحاد طلبة سورية».
ثم هناك دورات تدريب عسكرية أطلقها رفعت الأسد، شقيق حافظ الأسد، كدورات المظلية والصاعقة للمرحلتين الإعدادية والثانوية، التي نشطت في الثمانينات، لكنها لم تصمد طويلاً لنفي رفعت الأسد خارج البلاد بعد محاولته الانقلاب على شقيقه، وأيضاً لسوء الصيت الذي رافق خريجي دورات المظليين، لا سيما الفتيات اللاتي تورّطن في حملة شنها رفعت الأسد لنزع الحجاب عن رؤوس النساء في الشوارع والمدارس، وكانت من أبشع الأحداث الاستفزازية الراسخة في الذاكرة السورية.
وترافق إدخال مادة التدريب العسكري الجامعي خلال السبعينات مع دخول الآليات العسكرية الثقيلة إلى حرم الجامعات بغرض تدريب الطلاب الذكور، بالتوازي مع انتقال مركز صنع القرار من وزارة التعليم إلى مكتب التعليم العالي في القيادة القطرية لحزب البعث، وإبعاد الكادر التدريسي غير البعثي عن الجامعة.

البعث «العجوز»
خلال التسعينات، بعد سحقه الإخوان المسلمين داخل سوريا، توطّد حكم الأسد الأب، مدعوماً بقاعدة توازنات اقتصادية دمشقية، شكّلت مع كبار المسؤولين في النظام «درع حماية» للحكم. وبعدها دخلت البلاد مرحلة ركود عام، تغولت خلالها الأجهزة الأمنية وتغلغلت في كل مفاصل الحياة السورية لتصيبها بالفساد الكامل.
وفي غضون ذلك، أخذت تتكوّن طبقة جديدة من أبناء المسؤولين وشركائهم من رجال المال تحت السطح، وجدت فرصتها للصعود مع وصول الأسد الابن إلى السلطة بعد رحيل والده. هذه مثلت الرافع الأساسي للعهد الجديد الذي بدا خلاله إرث الأب ثقيلاً ومظاهر «العسكرة» العقائدية منّفرة. أيضاً راح حكم البعث العجوز يضغط على الطبقة الشابة الصاعدة، ليشكل عبئاً يصعب - إن لم يكن مستحيلاً - التخلص منه.
وجاءت حملة «التطوير والإصلاح» التي أطلقها الابن للحد من سلطة البعث «الاشتراكي»، والعمل على إحداث انقلاب اقتصادي على مرحلة التحول الاشتراكي التي استغرقت 4 عقود، والتوجه نحو ما اصطلح على تسميته بـ«اقتصاد السوق الاجتماعي المفتوح». وهو مصطلح وجد للاستهلاك السوري حصراً، جرى الترويج له كإجراء لا بد منه للانضمام إلى الشراكة الأوروبية التي تعني كذلك إنهاء مظاهر «العسكرة»، والتخلص من وزر التركة العقائدية. وهكذا تقرّر تغيير لون الزي المدرسي الذي كان كاكياً (مثل البزات العسكرية) في كل مراحل التعليم ما قبل الجامعي إلى أزرق ورمادي للذكور وأزرق ووردي للإناث. وعام 2003، إضافة لإلغاء مادة التربية العسكرية من المناهج المدرسية، ألغي التدريب العسكري في الجامعات.
ويروي أيمن ن. (47 سنة)، اللاجئ السوري في ألمانيا، ذكرياته في مدارس البعث، فيقول: «عندما لجأت إلى ألمانيا قبل 4 سنوات وتابعت كيف يتلقى الأولاد تعليمهم في المدارس، أدركت أنني لم أتلقَّ تعليمي في مدرسة مدنية، بل في ثكنة عسكرية. في المرحلة الابتدائية كنا نصطف صباحاً لتأدية تحية العلم وترديد الشعارات البعثية بشكل ببغائي. يقول المدرس: رفيقي الطليعي، كن مستعداً لبناء الوطن العربي الموحّد والدفاع عنه. فنجيب بصوت واحد: مستعدٌ دائماً. وفي الإعدادية والثانوية، كنا نردد ما هو أشنع في الاجتماع الصباحي... عهدنا: أن نتصدى للإمبريالية والصهيونية والرجعية. ونسحق، أداتهم المجرمة عصابة الإخوان المسلمين العميلة. وهذه العبارة كانت مكتوبة على لوحة ضخمة وتتصدر مدخل الجامعة تطالعنا طوال الوقت. الآن أحاول تذكر ماذا كانت تعني لي تلك الشعارات فلا أتذكر سوى أنها كانت كلمات وطلاسم وأن من المحرمات الخروج على النظام». وعن ذكرياته عن الجامعة والتدريب العسكري، يروي بحسرة: «لم تكن سوى علك صوف... علاك فارغ. حرمنا من الإحساس بوجودنا كطلبة يرغبون بالتعلم والمعرفة والارتقاء بمكانتهم في المجتمع كسائر البشر، كنا عساكر دون حرب».

«لبرلة» الديكتاتورية
بعد اندلاع الثورة ضد نظام الأسد في مارس 2011، عادت أصوات قدامى البعثيين لتعلو مطالبة بإعادة مادة التربية العسكرية إلى المدارس. ومنهم من رد أسباب خروج الشباب في مظاهرات مناهضة للنظام إلى «حالة التسيب» التي حصلت جراء إلغاء حصة التربية العسكرية، حتى أن مجلس محافظة دمشق طالب عام 2012 بإعادة مادة التربية العسكرية إلى المدارس بعد إلغائها بنحو 10 سنوات. كما اقترح فصل كل موظف ثبتت مشاركته في المظاهرات المناهضة للنظام باعتبارها أعمال «تخريب».
لم تسمع تلك الأصوات لأن حكم الأسد الابن، في مواجهة الثورة ضده، لم يعد بحاجة لغطاء البعث وحده ليأخذ شرعية البقاء. بل برزت حاجة لغطاء يمثل كل الأطياف والتيارات والأحزاب الأخرى إلى جانب الطوائف والقوميات والفئات. وبالتالي، انطلقت عقائد جديدة مغايرة لعقيدة البعث. عقائد لمحاربة «التطرف الإسلامي» والإرهاب، استلزمت إطلاق عملية عسكرة واسعة لا تقتصر على الأطفال والشباب في المؤسسات العلمية والعسكرية، بل تستهدف جميع المكوّنات دون استثناء. ولعل الملصق الذي نشرته إحدى تلك المجموعات وتظهر فيه خريطة سوريا تلبس اللباس العسكري القتالي (المموّه) وممهورة بشعار القوات المسلحة، تعبّر تماماً عن سوريا اليوم بعد 6 سنوات من حرب عبثية، قتلت وشردت نصف السوريين، وأفقرت 80 في المائة منهم، ودمّرت ثلثي المناطق المأهولة.
ويمكن القول إن «عسكرة» المجتمع السوري التي تعود بداياتها إلى مرحلة الانقلابات العسكرية، تكرّست بآخر انقلاب (يوم 8 مارس 1963) عندما استدعت اللجنة العسكرية للانقلاب قادة حزب البعث «للمشاركة معها»، وهو ما سهّل استيلاء قائد القوى الجوية (يومذاك) حافظ الأسد على الجيش والحزب بشكل نهائي في انقلاب 16 أكتوبر 1970.
أخيراً، لا بد اليوم من القول إن «العسكرة» تبلورت وباتت اليوم تعبر بفظاعة عن انفلات الديكتاتورية. إذ أصبح كل عسكري يحمل سلاحاً ليقمع الأدنى منه رتبة ويُرهب المدنيين. وبذا تمكنت الحرب من «لبرلة» الديكتاتورية وتعزيز حالة العداء للمجتمع المدني بتعبيراته السياسية والدينية والثقافية والإعلامية.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.