مستشارو الأمن القومي الأميركيون منذ 1953

هنري كيسنجر ......كوندوليزا رايس
هنري كيسنجر ......كوندوليزا رايس
TT

مستشارو الأمن القومي الأميركيون منذ 1953

هنري كيسنجر ......كوندوليزا رايس
هنري كيسنجر ......كوندوليزا رايس

* روبرت كتلر (23 مارس/آذار 1953 - 2 أبريل/نيسان 1955)
كتلر كان أول مستشار أمن قومي في تاريخ الولايات المتحدة، وشغل المنصب في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور. والواقع أن كتلر شغل هذا المنصب مرتين، الأولى من 1953 إلى 1955، ثم من 1957 إلى 1958، وهو خبير استراتيجي يتمتع بخبرة عسكرية ميدانية إذ شارك كجندي في معارك الحرب العالمية الثانية، كما شغل منصبا في وزارة الحرب التي ترأسها آنذاك هنري ستيمسون خلال الحرب العالمية الثانية.
* ديلون أندرسون (2 أبريل 1955 - 1 سبتمبر/أيلول 1956)
كان أندرسون موظفا في الحكومة الأميركية قبل أن يتقلد منصب مستشار الأمن القومي. وقبل ذلك، عمل أندرسون محامياً في شركة المحاماة «بيكر بوتس» بمدينة هيوستن في ولاية تكساس.
* ويليام جاكسون (1 سبتمبر 1956 - 7 يناير/كانون الثاني 1957)
محام وموظف حكومي ومصرفي، تولى أيضا منصب نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية.
* روبرت كتلر (7 يناير 1957 - 24 يونيو/حزيران 1958)
* غوردن غراي (24 يونيو 1958 - 13 يناير 1961)
شغل غراي مناصب حكومية تحت رئاسة كل من هاري ترومان ودوايت أيزنهاور، وتنقل خلال هذه الفترة بين الدفاع والأمن القومي. بدأت خدمة غراي الحكومية بعدما عينه الرئيس ترومان مساعدا لوزير الجيش عام 1947 قبل أن يتسلم منصب الوزير.
* ماك جورج بندي (20 يناير 1961 - 28 فبراير/شباط 1966)
شغل بندي مناصب استشارية في السياسات الخارجية والدفاعية إبان فترتي الرئيسين جون كنيدي وليندون جونسون. ويتذكر السياسيون والمعلقون الأميركيون بندي كأحد مهندسي التصعيد الأميركي في حرب فيتنام أيام كيندي وجونسون.
* والت روستو (1 أبريل 1966 - 20 يناير 1969)
روستو أكاديمي سياسي واقتصادي يهودي لامع، عرف خلال سنوات خدمته كمستشار للأمن القومي بمعارضته القوية للشيوعية، وهندسته السياسة الأميركية تجاه جنوب شرقي آسيا في الستينات، كذلك اشتهر بإيمانه بمبادئ الرأسمالية والأسواق الحرة ودعمه لحرب فيتنام. شقيقه يوجين روستو المساعد السابق لوزير الخارجية.
* هنري كيسنجر (20 يناير 1969 - 3 نوفمبر/تشرين الثاني 1975)
سياسي وأكاديمي أميركي يهودي ولد في جنوب ألمانيا وحمل اسم هاينز ألفريد كيسنجر. فرّت عائلته اليهودية عام 1938 من ألمانيا إلى الولايات المتحدة الأميركية خوفاً من النازيين الألمان. درس في جامعة هارفارد حيث حصل على الدكتوراه. وحصل على الجنسية الأميركية عام 1948 والتحق بالجيش في العام نفسه. شغل منصب وزير الخارجية الأميركية من 1973 إلى 1977 في عهد الرئيس جيرالد فورد، وكان قبل ذلك مستشارا للأمن القومي في حكومة الرئيس ريتشارد نيكسون. لعب دوراً بارزاً في رسم السياسة الخارجية للولايات المتحدة مثل سياسة الانفتاح على الصين وزياراته المكّوكية بين العرب وإسرائيل، التي انتهت باتفاقية كامب ديفيد عام 1978. عيّنه الرئيس رونالد ريغان عام 1983 رئيساً للهيئة الفيدرالية التي شُكّلت لتطوير السياسة الأميركية تجاه أميركا الوسطى.
* برنت سكوكروفت (3 نوفمبر 1975 - 20 يناير 1977)
سكوكروفت عسكري محترف وصل لرتبة جنرال، وشغل منصب مستشار الأمن القومي للولايات المتحدة تحت رئاسة جيرالد فورد وجورج بوش الأب. وعمل أيضا مساعداً عسكرياً للرئيس ريتشارد نيكسون ونائب مساعد للرئيس لشؤون الأمن القومي في إدارتي نيكسون وفورد. شغل منصب رئيس المجلس الاستشاري الاستخباراتي في عهد الرئيس جورج بوش الابن من عام 2001 إلى عام 2005، وكذلك ساعد الرئيس باراك أوباما في اختيار فريق الأمن القومي.
* زبيغنيو بريجنسكي (20 يناير 1977 - 21 يناير 1981)
بريجنسكي أكاديمي وباحث سياسي ودبلوماسي أميركي بولندي الأصل، صاحب خبرة كبيرة في شؤون الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية. شملت الأحداث الرئيسة للسياسة الخارجية خلال فترة شغله منصب مستشار الأمن القومي إبان رئاسة جيمي كارتر تطبيع العلاقات مع الصين الشعبية (وقطع العلاقات مع تايوان)، وتوقيع المعاهدة الثانية للحد من الأسلحة الاستراتيجية (سولت)، والوساطة في اتفاقيات كامب ديفيد، وانتقال إيران من حليف أميركي مهم إلى دولة دينية مناهضة للغرب.
* ريتشارد آلن (21 يناير 1981 - 4 يناير 1982)
آلن عمل مستشاراً للرئيس رونالد ريغان من 1981 إلى 1982، وبعدما كان مستشاراً للسياسة الخارجية، عُيّن يصبح مستشارا للأمن القومي. في عام 1981، اتهم بتلقي رشوة من صحافي في اليابان لإجراء مقابلة في يناير 1981 مع «السيدة الأولى» نانسي ريغان.
* ويليام كلارك (4 يناير 1982 - 17 أكتوبر/تشرين الأول 1983)
قبل دخول كلارك إلى عالم السياسة، كان قاضياً، ثم موظفاً حكومياً إبان عهد الرئيس رونالد ريغان. عُيّن كلارك نائباً لوزير الخارجية بين 1981 إلى 1982. ومستشارا الأمن القومي للولايات المتحدة خلال الفترة من 1982 إلى 1983، ووزيراً للداخلية من 1983 إلى 1985.
* روبرت «بوب» ماكفارلاين (17 أكتوبر 1983 - 4 ديسمبر/كانون الأول 1985)
بعد سنوات في البحرية الأميركية، التحق ماكفارلاين بإدارة الرئيس رونالد ريغان وشارك في تأسيس «مبادرة الدفاع الاستراتيجي» (حرب النجوم) للدفاع عن الولايات المتحدة ضد هجوم صاروخي عابر للقارات. وفي وقت لاحق، ثبت تورّطه في فضيحة إيران - كونترا، واعترف بمسؤوليته فيها.
* جون بوينديكستر (4 ديسمبر 1985 - 25 نوفمبر 1986)
بوينديكستر ضابط عسكري متقاعد ومسؤول سابق في وزارة الدفاع. شغل منصبي نائب مستشار الأمن القومي ومستشار الأمن القومي لإدارة ريغان. وأدين في أبريل 1990 بجنايات متعددة نتيجة لتصرفاته في فضيحة إيران - كونترا، غير أن إداناته عُكِست في الاستئناف عام 1991. في الآونة الأخيرة، عمل لفترة وجيزة في منصب مدير مكتب «داربا» للتوعية الإعلامية، في إدارة جورج بوش.
* فرانك كارلوتشي (2 ديسمبر 1986 - 23 نوفمبر 1987)
عمل كارلوتشي في عدد من المناصب الحكومية الرفيعة، بما في ذلك مدير مكتب الفرص الاقتصادية في إدارة ريتشارد نيكسون، ونائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) إبان رئاسة جيمي كارتر. وعيّن وزيراً للدفاع بين 23 نوفمبر 1987 و20 يناير 1989. بعد شغله منصب مستشار شؤون الأمن القومي في إدارة رونالد ريغان.
* كولن باول (23 نوفمبر 1987 - 20 يناير 1989)
الجنرال باول، ابن العائلة الجامايكية، كان أول أميركي أفريقي حتى الآن يشغل رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأميركية. تولّى منصب وزير الخارجية إبان عهد الرئيس جورج بوش الابن بين 20 يناير 2001 و26 يناير 2005.
* برنت سكوكروفت (20 يناير 1989 - 20 يناير 1993)
* أنتوني ليك (20 يناير 1993 - 14 مارس 1997)
ليك أكاديمي وباحث ودبلوماسي لامع، كان مستشاراً للسياسة الخارجية لكثير من الرؤساء والمرشحين الرئاسيين في الولايات المتحدة، وتولى منصب مستشار شؤون الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين 1993 إلى 1997. ويعد ليك أحد أبرز الذين ساهموا في إنهاء الحرب في البوسنة والهرسك. وهو اليوم المدير التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف).
* صامويل بيرغر (14 مارس 1997 - 20 يناير 2001)
بيرغر محام يهودي ومستشار سياسي نافذ كان شخصية مركزية في صياغة السياسة الخارجية لإدارة بيل كلينتون، ولعب دوراً أساسياً في النهوض بأهداف الإدارة التي لخصتها في «النهوض بالديمقراطية والرخاء المشترك والسلام».
* كوندوليزا رايس (22 يناير 2001 - 25 يناير 2005)
أكاديمية ومستشارة سياسية من أصول أفريقية من مواليد عام 1954. كانت أستاذة وعميدة كانت في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا. شغلت منصب وزيرة الخارجية بين 26 يناير 2005 و20 يناير 2009. خلفاً لكولن باول الذي قدم استقالته ولم يشارك بحكومة الفترة الرئاسية الثانية للرئيس جورج بوش الابن. قبل توليها وزارة الخارجية، شغلت رايس منصب مستشارة للأمن القومي بين عامي 2001 و2005، وبالتالي، كانت أول امرأة وثاني أميركي أفريقي في هذا المنصب.
* ستيفن هادلي (26 يناير 2005 - 20 يناير 2009)
هادلي، وهو محام ومستشار سياسي، كان المستشار الـ21 لشؤون الأمن القومي، ولقد خدم في عهد الرئيس جورج بوش الابن خلال الفترة الثانية من إدارته. وقبل ذلك كان نائباً لمستشار الأمن القومي خلال فترة بوش الأولى. قبل ذلك، شغل هادلي مناصب حكومية في مجالات الدفاع والأمن القومي.
* جيمس جونز (20 يناير 2009 - 8 أكتوبر 2010)
الجنرال جونز عسكري محترف التحق بعد تقاعده من الخدمة في سلاح مشاة البحرية (المارينز) بوظائف في الأمن القومي والسياسة الخارجية. عام 2007. شغل جونز منصب رئيس اللجنة المستقلة للكونغرس حول قوات الأمن العراقية التي حققت في قدرات الشرطة العراقية والقوات المسلحة. وفي نوفمبر 2007 عيّنه وزير الخارجية الأميركي مبعوثاً خاصاً لأمن الشرق الأوسط. شغل منصب رئيس مجلس حلف شمال الأطلسي (ناتو) من يونيو 2007 إلى يناير 2009. وبعدها تولى منصب مستشار الأمن القومي إبان رئاسة الرئيس السابق باراك أوباما حتى أكتوبر 2010.
* توماس دونيلون (8 أكتوبر 2010 - 1 يوليو/تموز 2013)
دونيلون محام أميركي ومسؤول حكومي سابق عمل مستشارا للأمن القومي في إدارة أوباما. قبل شغله هذا المنصب، عمل مع الدبلوماسية ويندي شيرمان ضمن فريق مراجعة الوكالة خلال فترة أوباما الانتقالية، كما عمل نائباً لمستشار الأمن القومي جيمس جونز في وقت مبكر من إدارة أوباما. حل دونيلون محل جونز كمستشار للأمن القومي يوم 8 أكتوبر 2010.
* سوزان رايس (1 يوليو 2013 - 20 يناير 2017)
سوزان إليزابيث رايس، وهي أكاديمية وباحثة كانت ثاني امرأة أميركية أفريقية (بعد كوندوليزا رايس) تشغل منصب مستشار الأمن القومي في الفترة من 2013 إلى 2017. كانت سابقاً دبلوماسية وزميلة في معهد بروكينغز، وسفيرة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة. كما عملت في فريق موظفي مجلس الأمن القومي ومساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية خلال فترة ولاية الرئيس بيل كلينتون الثانية.
> مايكل فلين (20 يناير 2017 - 13 فبراير 2017)
فلين جنرال متقاعد، ومستشار الأمن القومي المستقيل في مطلع عهد الرئيس الحالي دونالد ترمب. شغل مناصب عسكرية كثيرة، كان آخرها منصب رئيس وكالة استخبارات الدفاع منذ يوليو 2012، وحتى 2014. طُرح اسمه ضمن الأسماء المرشحة لمنصب نائب الرئيس في حملة ترمب الانتخابية الرئاسية، ولكن الأخير اختار مايك بنس بدلاً منه. أعلن البيت الأبيض يوم 13 فبراير 2017 استقالة الجنرال فلين تحت وطأة فضيحة الاتصالات مع روسيا. إذ اتهم بمناقشة موضوع العقوبات الأميركية مع السفير الروسي لدى واشنطن قبيل تولي ترمب مهام الرئاسة، كما ادعت تقارير بأنه ضلل مسؤولين أميركيين بشأن محادثته مع السفير الروسي.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.