5 سجناء ينتظرون «وعد أوباما»... و26 يحملون لقب «معتقل إلى الأبد»

5 سجناء ينتظرون «وعد أوباما»... و26 يحملون لقب «معتقل إلى الأبد»
TT

5 سجناء ينتظرون «وعد أوباما»... و26 يحملون لقب «معتقل إلى الأبد»

5 سجناء ينتظرون «وعد أوباما»... و26 يحملون لقب «معتقل إلى الأبد»

في اليوم الأخير للرئيس الأميركي السابق بارك أوباما في البيت الأبيض، أصدر قرارا بترحيل بعض سجناء معتقل غوانتانامو الشهير الذي كان إغلاقه بالكامل ضمن وعود حملته الانتخابية قبل 8 سنوات.
رحّلت إدارة المعتقل ثلاثة إلى الإمارات، بلدهم الأم، وأعادت ياسين إسماعيل قاسم إلى اليمن، وجبران القحطاني إلى السعودية. لكن خمسة ممن شملهم قرار أوباما تعطلت صفقات ترحيلهم لتأخر الأوراق بعد رحيل إدارته.
وحين تولى أوباما منصبه في عام 2008، كان في غوانتانامو 242 معتقلاً. وتبقى الآن 41 معتقلا من 13 دولة، منهم 26 معتقلا لأجل غير مسمى، أو ممن يطلق عليهم «سجناء إلى الأبد»، و5 معتقلين تمت الموافقة على ترحيلهم، لكن تعطلت صفقات ترحيلهم. وبين الخمسة الذين ينتظرون تنفيذ «وعد أوباما» المغربي عبد اللطيف ناصر (51 عاماً)، والجزائري سفيان برهومي (43 عاماً)، اللذان لجأ محاموهما إلى القضاء في محاولات باءت بالفشل لترحيلهما.
ويواجه 10 معتقلين آخرون إجراءات اللجنة العسكرية للمحاكمة، بينهم اثنان أقرا بارتكاب الجرم، ودفعا بالذنب في الاتهامات الموجهة إليهما. واستنادا إلى الميزانية الأميركية عام 2015، فإن تكلفة الاحتفاظ بالسجين الواحد تبلغ نحو 10 ملايين دولار سنوياً.
ويقوم نحو ألف و650 جنديا ومدنيا بمهامهم المختلفة في المعتقل. ويبدو أن إدارة الرئيس دونالد ترمب ستتخذ نهجا مغايرا بصورة كاملة لنهج سلفه، إذ تتزايد التوقعات بنهج أكثر تشددا مع المعتقلين، قد يوقف فرص ترحليهم إلى بلادهم، ويلغي ما تم من موافقة على ترحيل بعضهم خلال عهد أوباما. وفيما يلي نبذة عن أبرز من تبقى من المعتقلين في غوانتانامو:
* خالد شيخ محمد، باكستاني، من مواليد 14 أبريل (نيسان) 1965، يعد العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وحكمت عليه اللجنة العسكرية بعقوبة الإعدام، وتم اعتقاله في 1 مارس (آذار) 2003 في باكستان، وأمضى ألفا و260 يوما محتجزا لدى وكالة الاستخبارات الأميركية، وخضع لأساليب الاستجواب المعززة (الإيهام بالغرق) مرتين، وهو محتجز في سجن سري داخل معتقل غوانتانامو، باعتباره من «العشرة الكبار».
* رمزي محمد عبد الله بن الشيبة، يمني، من مواليد حضرموت في 1972. اتهمته اللجنة العسكرية بتهمة التآمر في هجمات سبتمبر، واعتقلته السلطات الباكستانية في 11 سبتمبر 2002، في مدينة كراتشي بباكستان، وتم ترحيله إلى غوانتانامو في سبتمبر 2006. وهو محتجز في سجن سري، وأمضى 280 يوما محتجزا لدى وكالة الاستخبارات المركزية، وهو يعد واحدا من 10 معتقلين في غوانتانامو وجهت إليهم تهم بارتكاب جرائم.
* مصطفى أحمد الحوساوي، سعودي، من مواليد جدة في 1968، ويعد أحد كبار القادة في تنظيم القاعدة، والمدير المالي، وجهت له تهم التآمر بالتخطيط لهجمات سبتمبر، واعتقلته السلطات الباكستانية في 2003 في باكستان، وأمضى ألفا و260 يوما محتجزا لدى الاستخبارات المركزية الأميركية، ونقل إلى غوانتانامو في 2006، ويعد من المعتقلين «العشرة الكبار».
* وليد محمد صالح بن عطاش، يمني، من مواليد عام 1978، اتهمته اللجنة العسكرية بتهمة التآمر في هجمات 11 سبتمبر، وتوفير المواد اللازمة لتفجير المدمرة «كول» في عدن، وساعد خالد شيخ محمد وابن أخيه عمار البلوشي لتخطيط هجمات ضد مطار هيثرو في لندن، وقد اعتقلته السلطات الباكستانية في 2003 بكراتشي، واحتجزته الاستخبارات الأميركية لمدة ألفا و180 يوماً، ونقل إلى غوانتانامو في 2006، ويعد واحدا من «العشرة الكبار»، وقد وجهت إليه اتهامات بارتكاب جرائم.
* عبد الرحمن حسين الناشري، يمني، من مواليد 1965، اتهمته اللجنة العسكرية بالتآمر في التفجير الانتحاري للمدمرة الأميركية «كول»، وحكم عليه بالإعدام. اعتقل في دبي، وأمضى ألفا و370 يوما محتجزا لدى وكالة الاستخبارات، وهو محتجز في سجن سري بغوانتانامو مع المحتجزين ذوي القيمة العالية، ويعد من «العشرة الكبار».
* زين العابدين محمد الحسين، فلسطيني، من مواليد 1971، معروف باسم أبي زبيدة، ويعد من أخطر الإرهابيين، مثل أسامة بن لادن، ولديه معلومات قيمة عن أفراد «القاعدة» وعملياتها، وشارك في عمليات إرهابية عدة ضد الولايات المتحدة. وفي 2010، أوصت لجنة اتحادية بالنظر في محاكمته، لكن لم يتم توجيه اتهام له، وقضى ألفا و590 يوما محتجزا لدى الاستخبارات الأميركية، وتم رفض الإفراج عنه، مما أدى إلى تصنيفه «معتقل إلى الأبد».
* مصطفى أبو فراج محمد الليبي، من مواليد طرابلس بليبيا، عام 1970، اعتقلته السلطات الباكستانية في مايو (أيار) 2005، في ماردان بباكستان، ويعد من كبار قادة تنظيم القاعدة، ولديه ارتباط وثيق بأسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وقد احتجزته الاستخبارات الأميركية لمدة 460 يوماً، ونقل إلى غوانتانامو في سبتمبر 2006، وهو محتجز في سجن سري مع العشرة الكبار من المعتقلين ذوي القيمة العالية، وقد أوصت لجنة اتحادية بالنظر في محاكمته، لكن لم يوجه إليه اتهام بارتكاب جريمة، وأعلنت اللجنة أنه محتجز لأجل غير مسمى، أو معتقل إلى الأبد.
* عمار البلوشي، كويتي، من مواليد 29 أغسطس (آب) 1977. اتهمته اللجنة العسكرية بتهمة التآمر في هجمات 11 سبتمبر، باعتباره المخطط البارز وقريب خالد شيخ محمد، وقد قام بتمويل وتسهيل سفر 9 خاطفين للطائرات في الهجمات، ويعد أيضا من العشرة الكبار المحتجزين في سجن سري، وهو أحد 10 معتقلين تم اتهامهم بارتكاب جرائم.
* عبد الهادي العراقي، المعروف باسم نشوان عبد الرزاق عبد الباقي، عراقي، من مواليد 1967، وصل إلى غوانتانامو في أبريل 2007، بعد أن أمضى 170 يوما محتجزا لدى وكالة الاستخبارات، وهو محتجز في سجن سري، حيث يعد من «العشرة الكبار»، ويواجه حاليا جلسات استماع تحضيرا لمحاكمته العام المقبل، وفي حال إدانته سيقضي عقوبة السجن مدى الحياة.
* عثمان عبد الرحمن محمد عثمان، يمني الجنسية، من مواليد 1980، وله أسماء عدة، منها محمد عثمان، وحذيفة العدني، وياسر المدني. ويعد أحد حراس أسامة بن لادن، زعيم «القاعدة». حارب في أفغانستان، وتلقى تدريبا عسكريا في المعسكرات السرية للتنظيم، وتورط في عملية تفجير المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» قبالة ميناء عدن في عام 2000. اعتبرته لجنة فيدرالية أميركية «خطرا كبيرا على الولايات المتحدة ومصالحها وحلفائها... ومصدرا مهما للمعلومات الاستخباراتية».
* معاذ حمزة أحمد العلوي، يمني الجنسية، من مواليد مدينة الحديدة عام 1977. تخرج في معهد الفرقان في تعز عام 1998، وعمل إماما في مسجد عزام بمدينة الحديدة، وهو عضو بتنظيم القاعدة، ويعد أحد حراس أسامة بن لادن، واعترف بالقتال على الخطوط الأمامية لحركة طالبان في «اللواء 55»، وهو لواء تنظيم القاعدة وكتائب المقاتلين العرب. تلقى تدريبات قتالية متقدمة أدارها وليد محمد صالح بن عطاش، وتولى إدارة دار ضيافة تابعة لـ«القاعدة» في قندهار.
* رضا بن صالح بن مبروك اليزيدي، تونسي، من مواليد 1965، نقل إلى معتقل غوانتانامو في 2002، ويعد ممثلا لتنظيم القاعدة في تونس، وارتبط بالتنظيم في أفغانستان، وحارب في البوسنة، وله صلات واسعة مع عدد من الجماعات المتطرفة، واتصالات كثيرة بكبار قادة تنظيم القاعدة، بمن فيهم أسامة بن لادن. حصل على تدريب مكثف لاستخدام الأسلحة والمتفجرات، وشارك في الأعمال القتالية ضد القوات الأميركية وقوات التحالف، وكان عضوا في «اللواء 55».
* علي حمزة أحمد سليمان البهلول، يمني، من مواليد مدينة الحديدة عام 1969، معروف باسم أبو أنس المكي، وأبو عبد الملك اليمني، وقد نقل إلى غوانتانامو في اليوم نفسه الذي افتتح فيه المعتقل في 11 يناير (كانون الثاني) 2002، وأدانته لجنة عسكرية في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2008 بارتكاب جرائم حرب، وحكم عليه بالسجن في غوانتانامو، وقام فريق الدفاع عنه برفع دعوى استئناف ضد الحكم الصادر بإدانته، وهو يقبع في زنزانة منفصلة عن بقية المعتقلين باعتباره واحدا من 10 معتقلين تمت إدانتهم بارتكاب جرائم، وليس له حق طلب إجراء تقييم دوري من لجنة استعراض أوضاع المعتقلين لإطلاق سراحه، ويوجد بمنطقة المعسكر السادس داخل معتقل غوانتانامو. ويعد البهلول بمثابة «وزير الإعلام» لأسامة بن لادن في أفغانستان، وأحد حراسه الشخصيين، وسكرتيره الخاص. وقد اعترف البهلول بانضمامه إلى «القاعدة»، وقيامه بمسؤوليات قيادية، منها التخطيط لهجمات 11 سبتمبر 2001.
* خالد أحمد قاسم، يمني، من مواليد عدن في 21 يناير 1977، معروف أيضا باسم خالد أحمد العدني، وأبو أسامة العدني، وهو «معتقل إلى الأبد» في غوانتانامو. ويقول محاميه إنه تلقى دورات تدريبية في فن الرسم داخل المعتقل. وفي أواخر 2016، أصبح يعرض لوحاته في جولات الصحافيين.
* عبد اللطيف ناصر، من مواليد المغرب في 1965، ويلقب بأبي طه المغربي، وأبو حمزة المغربي، وأبو الليث، وعبد الكبير، وهو من فئة «المعتقل إلى الأبد» في غوانتانامو، لكن لجنة الإفراج المشروط التي يطلق عليها لجنة المراجعة الدورية وافقت في 11 يوليو (تموز) 2016 على إعادته إلى بلاده، ورتبت إدارة أوباما ترتيبات ترحيله، إلا أن أوراقه وصلت إلى مكتب وزير الدفاع آشتون كارتر متأخرة، وفي وقت كانت إدارة أوباما ترحل فيه عن السلطة.
* حسن محمد علي بن عطاش، سعودي، من مواليد جدة عام 1985، وهو أصغر المعتقلين في غوانتانامو، وشقيق أحد أهم المعتقلين، وهو وليد بن عطاش، وقد سافر تحت تأثير أخيه إلى أفغانستان، واعترف بمعرفته المسبقة بمؤامرات لتنفيذ هجمات، وكان قريبا من مخطط العمليات البحرية عبد الرحيم حسين محمد الناشري، ويعد من المحتجزين إلى الأبد.
* عبد الرحيم غلام رباني، باكستاني من مواليد 1969، وصل غوانتانامو في 19 سبتمبر 2004، واحتجزته الاستخبارات الأميركية لمدة 550 يوماً، وقد اعترف بالعمل مباشرة مع خالد شيخ محمد، وله علاقة مباشرة بأسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وقد تورط في التخطيط لعمليات إرهابية، وتلقى تدريبا في معسكر في أفغانستان على استخدام المتفجرات.
* عبد السلام الحيلة، يمني، من مواليد صنعاء في 1968، ضابط سابق في الأمن اليمني، تتهمه الولايات المتحدة بأنه المسؤول في تنظيم القاعدة عن توفير الأموال والمقاتلين، وقد اعترف بمعرفته بتفجير مركز التجارة العالمي عام 1993، والهجوم على السفارة البريطانية في صنعاء عام 2000، وبمخططات هجمات 11 سبتمبر، وشارك في هجمات بسيارات مفخخة على مقر منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسل وبلجيكا، وقد احتجزته الاستخبارات الأميركية لمدة 590 يوماً، وهو محتجز «لأجل غير مسمى».
* هارون شيرزاد، أفغاني، من مواليد 1981، وهو ملقب بأسد الله عبد الغفار، وأبو قاسم، ويعد مساعد عبد الهادي العراقي وخالد شيخ محمد، وساعد في تسهيل حركة المقاتلين والأسلحة لتنظيم القاعدة، وفي صنع عبوات ناسفة، وقدم خلال استجوابه معلومات فريدة عن التنظيم وهيكله وعملياته. وأوصت لجنة فيدرالية بالنظر في محاكمته، ولم يتم اتهامه بجريمة، لكن لجنة المراجعة الدورية أوصت في يوليو 2016 بتصنيفه من فئة «المعتقلين إلى الأبد».



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.