سياسة ماكرون في الشرق الأوسط... استمرارية منقّحة

أولويته في سوريا القضاء على «داعش» ثم خروج الأسد عبر عملية «انتقال سياسي»

سياسة ماكرون في الشرق الأوسط... استمرارية منقّحة
TT

سياسة ماكرون في الشرق الأوسط... استمرارية منقّحة

سياسة ماكرون في الشرق الأوسط... استمرارية منقّحة

تابع العالم باهتمام، مساء الأحد، نتائج الدورة الأولي في الانتخابات الفرنسية، لما تحمله من تداعيات على مستقبل الاتحاد الأوروبي، كما على سياسة فرنسا الخارجية في الشرق الأوسط. ورغم أن أصوات الناخبين الفرنسيين أهلت كلاً من المرشح الوسطي إيمانويل ماكرون، ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، فإن حظوظ الأول للوصول إلى سدة الرئاسة تفوق منافسته.
وفي حين ركز المرشحون في حملاتهم الانتخابية على قضايا الاقتصاد والهجرة وعضوية الاتحاد الأوروبي، إلا أن تصريحات ماكرون تعطي لمحة عن السياسة التي قد ينتهجها تجاه سوريا، والنزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، ومكافحة الإرهاب، والتي يبدو أنها تتسم باستمرارية السياسات المعتمدة في الحكومة الحالية، مع بعض التعديلات.
ويشغل الرئيس الفرنسي، وفق دستور الجمهورية الخامسة التي أرساها الجنرال ديغول في عام 1958، موقعاً مركزياً في رسم وقيادة السياسة الخارجية والدفاعية، فضلاً عن كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة الفرنسية وحامل «مفتاح» السلاح النووي. لذا، فإن هوية الرئيس الثامن للجمهورية الخامسة ستكون لها تأثير حاسم على خيارات باريس السياسية والدبلوماسية، فضلاً عن العمل العسكري الذي قد تقوم به في السنوات الخمس المقبلة.
الملاحظة الأولى بالنسبة لماكرون (39 عاماً)، هي أنه لا يتمتع بخبرة في ميدان العلاقات الدولية، باستثناء خبرته كوزير للاقتصاد، وهي الحقيبة التي شغلها لمدة عامين، بعد أن كان مستشاراً اقتصادياً للرئيس هولاند. ولأنه يعي نقطة ضعفه، فقد أحاط نفسه بمجموعة من الدبلوماسيين، الحاليين والقدماء، لإنارة دربه الدبلوماسي. والأهم من ذلك أنه استعان بوزير الدفاع الحالي، جان إيف لو دريان، في المسائل الأمنية والعسكرية. وقد وقف لو دريان إلى جانبه في مرحلة مبكرة، متخلياً عن دعم المرشح الرسمي للحزب الاشتراكي.
تمثل الاستمرارية الصفة الأولى لسياسة إيمانويل ماكرون الخارجية. ومن بين المرشحين الـ11، كان ماكرون ومرشح الحزب الاشتراكي بونوا هامون الأقرب للخط السياسي والدبلوماسي الذي التزمت به حكومات الرئيس هولاند المتعاقبة. رغم ذلك، فإن ماكرون يسعى لإدخال بعض «التعديلات» التي تجعله يتميز عن الرئيس هولاند. ففي الملف السوري، يعتبر ماكرون أن «لفرنسا عدو هو (داعش) والتنظيمات الإرهابية الأخرى»، لكن «للشعب السوري عدو واحد، هو الأسد».
وفي مقابلة إذاعية أجريت معه يوم 9 أبريل (نيسان)، ندد ماكرون بقوة باستخدام السلاح الكيماوي ضد خان شيخون، وحمل بشار الأسد مسؤولية هذه الجريمة، وشدد على ضرورة «مثوله أمام المحاكم الدولية» بسبب الجرائم الكيماوية التي «تدوس كل قواعد القانون الدولي». كذلك طالب ماكرون بفرض عقوبات على النظام السوري، وأعرب عن موافقته على مشاركة فرنسا في عمليات عسكرية ضد النظام السوري، «لكن في إطار مجلس الأمن الدولي، وليس بصفة أحادية». وركز على القاعدة الأساسية التي ينطلق منها في التعامل مع بؤر التوتر في الشرق الأوسط والعالم، القائمة على «المقاربة الجماعية»، وعلى أن يكون أي تدخل عسكري مندرجاً في إطار البحث عن حل سياسي.
بيد أن ماكرون، في الملف السوري، يريد «ترتيب الأولويات»، والتصرف على هذا الأساس. وأولى الأولويات، بالنسبة إليه، هي محاربة «داعش»، والقضاء على هذا التنظيم الإرهابي، ويصف ذلك بـ«الأولوية المطلقة».
وانطلاقاً من هذا المعطى، يرى ماكرون أنه «لا يتعين ارتكاب الخطأ» الذي ارتكب في السنوات الأخيرة، وهو المطالبة برحيل الأسد فوراً، لأن من شأن ذلك «شق جبهة محاربة الإرهاب» من جهة، ولأن هذا الهدف «لم يتحقق» في السنوات السابقة من جهة أخرى.
بموازاة ذلك، يبدي ماكرون حذراً مما يسميه «الدول الفاشلة» التي آل إليها التدخل الغربي، أكان ذلك في العراق أو ليبيا. ولذا، فإنه ضمنياً يقبل بقاء الأسد مؤقتاً، على أن يكون خروجه من السلطة «في إطار عملية انتقال سياسية» تكون جامعة، بمعنى أن تضم كل الأطراف، باستثناء «التنظيمات الإرهابية».
وجديد ماكرون أنه لا يثق بالعملية الانتخابية التي ينص عليها القرار الدولي رقم 2254، لأنه يعتبر أنها «لن تكون ذات صدقية»، وبالتالي يجب أن يكون خروج الأسد في إطار التوافق داخل عملية الانتقال السياسي «التي لا يتعين أن تنحصر فقط في محادثات جنيف، بل أيضاً في إطار طاولة مفاوضات تضم جميع الأطراف الداخلية والخارجية». وفي أي حال، يلوم ماكرون بلاده والاتحاد الأوروبي لأن صوتهما «ليس مسموعاً»، ولأنهما تركا الكلمة لروسيا وإيران.
بالنظر لهذا الوضع، يطالب ماكرون بـ«خريطة طريق» للخروج من الحرب في سوريا، ويعتبر أن دور فرنسا وأوروبا، بما أنهما «متضررتان» مما يحصل في هذا البلد، سواء على مستوى العمليات الإرهابية أو الهجرة الكثيفة، هو بلورة مثل هذه الخريطة، والدفع نحو تنفيذها.
أما بخصوص روسيا بالذات، فإن موقف ماكرون يبقى بالغ التشدد، وهو يرفض رفع العقوبات المفروضة عليها لضمها شبه جزيرة القرم، كما أنه يندد بـ«القيم» التي يتبناها الرئيس فلاديمير بوتين «البعيدة كل البعد عن القيم الغربية». لكنه في الوقت عينه، لا يرفض الحوار مع موسكو، التي يرى أن «التعاون معها ضروري»، إذ إنها «طرف أساسي نحتاج إليه لإيجاد حلول لمجموعة من المشكلات»، أبرزها سوريا وأوكرانيا، وقبلهما القضاء على «داعش» ومحاربة الإرهاب. وما يصح على روسيا، يصح بالنسبة لدول أخرى وفق ماكرون، مثل إيران وتركيا وبعض الدول الخليجية. وبصدد النقطة الأخيرة، يريد ماكرون «توضيحات وشروحات» بخصوص محاربة الإرهاب، والطرق الآيلة إلى ذلك.
في ملف النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، يتمايز موقف ماكرون عن موقف الحكومة الفرنسية الحالية، لاعتباره أن الاعتراف فوراً بالدولة الفلسطينية، وفق ما طالب به البرلمان الفرنسي قبل عامين، ووفق ما وعد به وزير الخارجية السابق لوران فابيوس، «لن يكون مجدياً». وفي أي حال، فإن هولاند سيترك السلطة من غير الاعتراف المشار إليه.
ويرى ماكرون أن الاعتراف الأحادي «سيزيد من حدة عدم الاستقرار»، كما أنه سيسحب من فرنسا ورقة مهمة تلعبها لصالح الاستقرار في المنطقة. وكانت «الشرق الأوسط» قد علمت، الأسبوع الماضي، في لقاء مع وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، أن الرئيس أبو مازن طلب من هولاند الإقدام على الاعتراف، إلا أن الأخير رفض، لأنه «من غير المتعارف عليه» المبادرة إلى عمل دبلوماسي من هذا العيار في الأسابيع الأخيرة من عهده، تاركاً القرار في عهدة الرئيس المقبل. ويختلف ماكرون بهذا الموقف عن مرشحين يساريين، هما بونوا هامون ومرشح اليسار المتشدد، اللذين يدعوان إلى الاعتراف «الفوري» بالدولة الفلسطينية.
ومقابل «حذره» إزاء الاعتراف، يتبنى ماكرون موقف الحكومة من موضوع الاستيطان. ففي حديث لـ«راديو جي»، الناطق باسم الجالية اليهودية في فرنسا، ندد ماكرون بتوسع الاستيطان الإسرائيلي، وبالسياسة التي يسير عليها بنيامين نتنياهو التي اعتبرها «مخالفة للقوانين الدولية».
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل حذر مرشح الوسط تكتيك سياسي، أم أنه سيكون أكثر «تفهماً» لما تقوم به إسرائيل في الأراضي الفلسطينية؟ وفي أي حال، فإن اسم وزير الخارجية في أول حكومة لعهده سيكون مؤشراً لتوجه السياسة التي يريد اتباعها.
وفي الزيارة التي قام بها ماكرون إلى الجزائر قبل الانتخابات، أثارت عبارته عن الاستعمار الذي وصفه بـ«جريمة ضد الإنسانية» جدلاً واسعاً في فرنسا، وأصبح ماكرون هدفاً لحملات اليمين المتطرف والتقليدي، وخصوصاً من قبل الفرنسيين الذين تركوا الجزائر بعد الاستقلال. وتفاقمت الأمور إلى حد أن ماكرون اضطر للاعتذار لأنه «جرح حساسية بعض الأشخاص». وعمدت مجموعة من مدينة بربينيان، جنوب شرقي فرنسا، إلى تقديم دعوى قضائية ضده، الأمر الذي يبين أن العلاقات الفرنسية - الجزائرية حساسة على ضوء رفض فرنسا الدائم تقديم «الاعتذار» لما قامت به باريس في الجزائر التي استعمرتها طيلة 132 عاماً.
وكان هولاند، في خطاب أمام مجلس الشعب الجزائري، قد تحدث عن «أخطاء فادحة» ارتكبها الاستعمار، لكنه لم يأت على ذكر الاعتذار، أو ما يسميه الجزائريون «التوبة». وفي أي حال، فإن ماكرون، إذا ما أصبح رئيساً، وهو المرجح، سيكون عليه أن يكون حذراً في العلاقات التي سيقيمها مع الجزائر والمغرب. وقد أفصح أخيراً أنه ينوي زيارة المغرب سريعاً، وأنه يلتزم بما تقوله الأمم المتحدة وبقراراتها الدولية فيما خص نزاع الصحراء، رافضاً الذهاب أبعد من ذلك، علماً بأن المواقف التقليدية لفرنسا تميل بشكل عام لصالح الرباط.
أما عن تركيا، فقد أعلن المرشح الوسطي خلال احتفال أقيم في باريس أمس بمناسبة ذكرى الإبادة التي تعرض لها الأرمن مطلع القرن الماضي، أنه «يعارض» الخط الذي تنتهجه تركيا مع الرئيس رجب طيب إردوغان.
وقال ماكرون الذي تأهل إلى الدورة الثانية في السابع من مايو (أيار) المقبل: «آسف كثيرا للخط الذي تسلكه تركيا اليوم، وأعارضه». وأكد ماكرون أنه سيحمي «الديمقراطيين في كل الدول» في حال وصوله إلى قصر الإليزيه، «لأن دور فرنسا هو بالطبع الحفاظ على النظرة التي لديها إزاء أوروبا وقيمها».



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.