نتائج الانتخابات الفرنسية تطمئن أسواق المال العالمية

المستثمرون يندفعون لـ«المخاطرة الآمنة» في كنف ثنائي ماكرون ـ لوبان المريح

إيمانويل ماكرون بين أنصاره أمس في باريس بعد تصدره الجولة الأولى للانتخابات (أ.ف.ب)
إيمانويل ماكرون بين أنصاره أمس في باريس بعد تصدره الجولة الأولى للانتخابات (أ.ف.ب)
TT

نتائج الانتخابات الفرنسية تطمئن أسواق المال العالمية

إيمانويل ماكرون بين أنصاره أمس في باريس بعد تصدره الجولة الأولى للانتخابات (أ.ف.ب)
إيمانويل ماكرون بين أنصاره أمس في باريس بعد تصدره الجولة الأولى للانتخابات (أ.ف.ب)

بارتياح كبير، استقبلت أسواق العالم نتائج الجولة الأولى للانتخابات الفرنسية، التي جاءت وفق التوقعات السابقة ببلوغ كل من مرشح الوسط إيمانويل ماكرون ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان المرحلة النهائية للانتخابات. وتمثل هذا الارتياح في صعود المخاطرة بالأسواق، وتراجع الملاذات الآمنة على وجه العموم.
وقبل إجراء الجولة الأولى للانتخابات، كانت الترشيحات تصب في خانتي ماكرون ولوبان للفوز بغالبية الأصوات، وهو الثنائي الأكثر إراحة لأسواق المال والمستثمرين في المرحلة الأولى؛ وذلك على الرغم من حقيقة أن لوبان تمثل خطرا داهما على الاقتصاد الدولي في حال فوزها بالرئاسة نظرا لمعاداتها للوحدة الأوروبية وميولها الانفصالية، إضافة إلى تشجيعها الواضح للحمائية التجارية.
لكن صعود ماكرون ولوبان معا - في رأي محللي الأسواق وخبراء الاقتصاد - يعني أن حظوظ ماكرون ستكون الأكبر للفوز بالرئاسة في الجولة الثانية المزمع أجرائها في 7 مايو (أيار) المقبل، نظرا لأن الأطراف الخاسرة للجولة الأولى ستجتمع خلفه كونها تتفق بالأساس في معارضة لوبان؛ وهو ما حدث بالفعل بإعلان كل من المرشحين الخاسرين فرنسوا فيون وبنوا هامون تأييدهما لماكرون في الجولة الثانية. أما إذا ما كانت الأوراق اختلطت بتركيبة ثنائية مختلفة من الفائزين في الجولة الأولى، فإن النتائج النهائية كانت ستصبح أكثر ارتباكا، وأشد قلقا بالنسبة إلى أسواق المال العالمية. ويرى محللو بنك ناتيكسيس أن «الاقتراع الثاني إيجابي للأسواق»، مشيرين إلى «إن المستثمرين يشعرون بالارتياح».
* ابتهاج بالأسواق العالمية:
وانعكست نتائج الانتخابات على الفور على التعاملات العالمية أمس، إذ انخفض سعر الذهب بأكثر من 1 في المائة صباح أمس مع اتجاه المستثمرين بشكل أكبر نحو «المخاطرة»، والتي أصبحت أكثر «أمنا» في كنف ثنائية ماكرون - لوبان، وارتفع سعر اليورو مقابل سلة العملات ليصل إلى أعلى مستوياته منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وانخفض الين - الذي يعد ملاذا أمنا بدوره - بنحو 2 في المائة أمام العملة الأوروبية.. فيما ارتفعت مؤشرات الأسهم الأوروبية بشكل كبير وسط موجة صعود للأصول عالية المخاطر، بقيادة أسهم الشركات والبنوك الفرنسية على وجه الخصوص، حيث ارتفعت الأسهم الفرنسية لأعلى مستوى لها منذ تسعة أعوام، كما ارتفعت الأسهم الألمانية لمستوى قياسي.
واعتبر سيباستيان غالي، المحلل لدى دويتشه بنك إيه جي بنيويورك، في تصريح لقناة بلومبرغ، إنه «السيناريو المثالي الذي كانت تحلم به الأسواق»؛ وذلك بعد صدمات استفتاء الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي في يونيو (حزيران) الماضي، وتولي «الحمائي» دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة.
وارتفع مؤشر «يورو ستوكس 50» بنسبة 3.95 في المائة ليصل إلى 3576.05 نقطة، محققا أعلى مستوى له منذ أغسطس (آب) 2015، وارتفع مؤشر «كاك 40» الفرنسي بنسبة 4.51 في المائة، ليبلغ مستوى 5287.13 نقطة، فيما يعد أعلى معدل له منذ يناير (كانون الثاني) عام 2008، كما ارتفع مؤشر «داكس» في بورصة فرانكفورت بنسبة 2.85 في المائة، ليصل إلى 12392.38 نقطة خلال بداية التداولات أمس، وارتفعت أسهم بورصة لندن بنسبة 1.76 في المائة لتصل إلى 7239.91 نقطة.
وفي مؤشر هام، تقلص الفارق بين السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات مع نظيرتها الألمانية بشكل واضح، ما يدل على تفاؤل المستثمرين إزاء نوعية الدين الفرنسي وعودتهم مجددا إلى المخاطرة.
وقبل افتتاح بورصات أوروبا، كانت أسواق المال الآسيوية حددت الاتجاه، فأنهت بورصة طوكيو على ارتفاع بنسبة 1.37 في المائة، في حين كانت بورصات أخرى في المنطقة ذاتها على ارتفاع أيضا.
وفي الولايات المتحدة، سجل مؤشر «ناسداك» مستوى قياسيا مرتفعا عند الفتح أمس مع صعود المؤشرين الآخرين أيضا. وارتفع مؤشر «داو جونز الصناعي» 212.56 نقطة، بما يعادل 1.03 في المائة، ليصل إلى 20760.32 نقطة، وهي أعلى مستوياته في أكثر من شهر. وزاد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 25.41 نقطة، أو 1.08 في المائة، ليسجل 2374.1 نقطة. وتقدم مؤشر «ناسداك المجمع» 69.55 نقطة، أو 1.18 في المائة، إلى 5980.08 نقطة.
وقال يوجي سايتو، المحلل لدى «كريدي أغريكول» لوكالة الصحافة الفرنسية، إن «رد الفعل الأولي للأسواق كان أقوى من المتوقع، ما يؤشر إلى أنها كانت في وضع تأهب».. مضيفا أن الأسواق «كانت لديها أسباب وجيهة للحذر، حيث إن المنافسة كانت محتدمة بين أربعة مرشحين وسط صعوبة في التكهن بالنتيجة».
أما بالنسبة للمستثمرين، فيبدو أن الأمر حسم. وقال المحلل راي اتريل: «إنهم يعتبرون أن الأمر حسم، وأن ماكرون سيكون الرئيس المقبل للجمهورية بعد أسبوعين». وقال محللو ساكسو بنك إن «السؤال سيطرح على الأمد الطويل بشأن قدرة ماكرون على جمع أغلبية برلمانية مستقرة حوله. والموعد القادم سيكون في يونيو مع الانتخابات التشريعية».
* تباين الرؤى الاقتصادية:
وبالنظر إلى توجهات مرشحي الرئاسة، وفي الشق الاقتصادي منها على وجه الخصوص، فإن لوبان تعتزم التفاوض مع بروكسل حول الخروج من منطقة اليورو ومن فضاء شينغن. وفي ختام المفاوضات، سوف تنظم استفتاء شعبيا حول انتماء فرنسا إلى الاتحاد الأوروبي، فيما يعرف بـ«الفريكسيت» على غرار «البريكسيت» البريطاني. كما تطالب لوبان بوقف العمل بالمذكرة الأوروبية حول تنقل العمال الأوروبيين بين دول الاتحاد، وترفض «الاتفاقية الاقتصادية والتجارية الشاملة» (سيتا) الموقعة بين الاتحاد الأوروبي وكندا. وأيضا تقف ضد الهجرة وترفض تسوية أوضاع الأجانب «غير الشرعيين» في فرنسا، وتدعو إلى «طرد تلقائي» ومباشر للأجانب المخالفين من بلادها، وإلى إلغاء الحق المباشر بالجنسية للمولودين على الأراضي الفرنسية، ووقف المساعدات الطبية للأجانب، وحظر مظاهر الملابس الإسلامية بشكل كبير.
أما ماكرون، فيعرض عقد «مؤتمرات ديمقراطية» في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي بعد الانتخابات الألمانية في خريف 2017، بهدف التوصل إلى وضع مشروع تتبناه جميع الدول الراغبة بذلك. كما يدعو إلى إنشاء ميزانية وبرلمان لمنطقة اليورو، مع استحداث وزير للمالية خاص بها. ويعتزم تخفيض المهلة المسموح بها لإقامة عامل أجنبي من الاتحاد الأوروبي في فرنسا إلى سنة فقط، كما يدافع عن اتفاقية «سيتا»، ومواقفه من الأجانب والمهاجرين والأقليات أكثر توافقية من لوبان.
على الجانب الآخر، فإن خطط ماكرون إزاء العمالة أكثر حدة، إذ يعتزم إلغاء نحو 120 ألف وظيفة رسمية وتعليق المساعدات لـ«العاطلين بإرادتهم»، فيما تدعو لوبان إلى إعادة سن التقاعد إلى الستين، وزيادة عدد الوظائف الحكومية.
وتدعو لوبان إلى فرض ضرائب بنسبة 35 في المائة على منتجات الشركات التي تنقل مصانعها إلى خارج فرنسا، وتغريم توظيف أجانب. كما تعتزم خفض ضريبة الدخل بـ10 في المائة على شرائحه الثلاث الأكثر تدنيا. وستلغي الاقتطاع الضريبي من المصدر المقرر العمل به اعتبارا من عام 2018، فيما يعتزم ماكرون اختبار هذا الإجراء لمدة عام.
ويدعو ماكرون إلى إعفاء 80 في المائة من الأسر من ضريبة السكن في غضون مهلة ثلاث سنوات، وتحويل الضريبة على الثروة إلى «ضريبة على الثروة العقارية» مع إعفاء الثروة المالية منها. أما لوبان، فلن تمس بهذه الضريبة.
وستخفض لوبان ضريبة القيمة المضافة على مربي المواشي الفرنسيين، فيما تعهد ماكرون بعدم إضافة أي معايير فرنسية إلى المعايير الأوروبية المفروضة على المزارعين.



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.