محيي الدين: فرص ضخمة في مجال تكنولوجيا المعلومات لتحسين اقتصادات الدول العربية

النائب الأول لمدير البنك الدولي لـ «الشرق الأوسط» : التعامل مع سوق العمل يحتاج نظرة عميقة

محيي الدين («الشرق الأوسط»)
محيي الدين («الشرق الأوسط»)
TT

محيي الدين: فرص ضخمة في مجال تكنولوجيا المعلومات لتحسين اقتصادات الدول العربية

محيي الدين («الشرق الأوسط»)
محيي الدين («الشرق الأوسط»)

\تشهد منطقة الشرق الأوسط تراجعاً في معدلات النمو خلال عام 2017، بسبب الصراعات وضعف الاستثمار وتراجع أسعار النفط وطول أمد حالة عدم اليقين. وعلى الرغم من كل المشكلات السياسية والاقتصادية التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط، فإن الدكتور محمود محيي الدين النائب الأول لمدير البنك الدولي لشؤون التنمية المستدامة يلقي الضوء في حواره مع «الشرق الأوسط» على فرص اقتصادية يمكن أن تستغلها دول المنطقة، بالاعتماد على الطاقات البشرية لديها، وبصفة خاصة الشباب، والاتجاه نحو التفوق في مجال تكنولوجيا المعلومات باعتبارها السلعة الأكثر رواجاً واحتياجاً في اقتصادات القرن الحادي والعشرين.
ويجيب الدكتور محيي الدين عن التساؤلات حول أفضل السبل لمواجهة الإجراءات الحمائية والسياسات الاقتصادية والسياسية التي تتخذها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وأشار إلى الاتجاهات الجديدة في العالم لاستغلال ما يُسمى بالتكنولوجيا المالية (FinTech) التي تُعدّ منصة تكنولوجية جديدة للتعاملات المالية، وما لها من تأثيرات على القطاع المصرفي وما تتطلبه من نظم رقابية وتأمينية.
وتتطرق نائب رئيس البنك الدولي إلى المناقشات والاجتماعات التي يعقدها البنك الدولي وصندوق النقد في اجتماعات الربيع التي بدأت الأسبوع الحالي، ومدى التقدم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة والخطوات التي قامت بها دول مثل المملكة العربية السعودية ومصر والمغرب وغيرها من الدول في مجال التنمية. وانتقل الحديث من كيفية حماية الطبقات الفقيرة إلى كيفية حماية أصحاب الدخول المتوسطة أيضاً، وتطبيق نظم تأمينية فعالة وتطوير ثلاثة مجالات أساسية، هي التعليم والرعاية الصحية والنقل والمواصلات، لتحريك عجلة النمو ودفع النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل.
ويشير محيي الدين إلى تحديات كبيرة تواجه المجتمع الدولي، مع تهديدات شبح المجاعة الذي يضرب عدة دول أفريقية، ويعرِّض أكثر من 20 مليون شخص لمجاعة قد تكون الأسوأ في التاريخ الحديث، إضافة إلى استمرار أزمة اللاجئين والنازحين الذين تصل أعدادهم إلى 65 مليون شخص. وإلى نص الحوار:

* تواجه منطقة الشرق الأوسط عدة تحديات من صراعات إقليمية وحروب إلى تباطؤ النمو وضعف الاستثمار وانخفاض أسعار النفط مما أدى إلى تباطؤ في تقدم التنمية، ما تقييم البنك الدولي للأوضاع الاقتصادية في المنطقة للعام الحالي وتأثيراتها على معدلات النمو؟ وما المطلوب عمله لتحسين الأداء الاقتصادي للمنطقة؟
- تقديراتنا لمعدلات النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2017 هو 2.6 في المائة، وهو معدل أقل من العام الماضي (3.5 في المائة) ومتوسط معدلات النمو في الفترة من 2013 إلى 2015 كان 2.4 في المائة، وهي الفترة التي شهدت انخفاضاً شديداً في معدلات النمو، وحدث قدر من التحسن النسبي في عام 2016 لتصل إلى 3.5 في المائة، ثم تراجُع متوقَّع لعام 2017. وتتحدث التقديرات لما بعد 2017 عن معدلات أعلى للمنطقة بصفة عامة، سواء للدول المصدِّرَة للنفط أو المستوردة، وأسباب الانخفاض والتراجع هي الصراعات وضعف الاستثمار، وتعاني الدول النفطية من تراجع أسعار النفط، مما أثَّر على الدخل القومي وعلى معدل نمو الاستثمارات الآتية إليها وهي أحد مصادر النمو.
والكلام نفسه ينطبق على الدول الأخرى، باستثناء بعض الدول التي نفذت إصلاحات، لكن الوضع الإقليمي كله يعاني إما بسبب تراجع أسعار السلع الأولية، وأهمها النفط، أو بسبب الصراعات الإقليمية وتأثيرها السلبي، سواء على تراجع التجارة أو الاستثمارات أو السياحة أو ضعف الأمن، بما يؤثر على حركة النشاط الاقتصادي بتوجيه جانب من الدخل القومي للجهد الأمني. إضافة إلى زيادة درجة المخاطر وعدم اليقين مما يتسبب في إحجام المستثمرين عن التوسع في الاستثمار القائمة أو الجديدة، ويجعل الناس في حالة ترقب وانتظار طالت عن المألوف لحسم القرارات بشأن الاستثمار.
الأجواء الراهنة لا توحي بتحسن، لكن الآمال معقودة إذا ما حدثت تهدئة للأوضاع المتوترة أمنياً، والتوصل لحلول في الملف السوري وتحسن الأوضاع في ليبيا، وانتهاء الحرب الأهلية في اليمن، سيكون تأثيره ليس فقط إيجابياً في تلك البلدان، وبصفة خاصة ما يتعلق بحفظ الأرواح. النمو إذن مرتَهَن في المنطقة بالاستقرار الأمني واستكمال الإصلاحات الاقتصادية والاستثمار في إعادة التعمير والبناء.
ولا يوجد اختلاف في تشخيص أسباب تراجع معدلات النمو، إضافة إلى الوضع الاقتصادي العالمي، وتشير التقديرات المتوقعة لمعدل نمو الاقتصاد العالمي لعام 2017 في حدود 2.7 في المائة، وما زال النمو في الدول المتقدمة لا يتجاوز 1.8 في المائة، كما أن إجراءات الحمائية التجارية سيكون لها آثار سلبية.
التراجع عالمياً يرجع لأسباب تتعلق بتراجع السلع الأولية والأساسية، وتتعلق أيضاً بتراجع معدلات نمو الاستثمار، فحتى عام 2010 كان معدل نمو الاستثمار السنوي يقترب من 10 في المائة، الرقم حالياً في حدود 3.4 في المائة ولم يتحسن. والاستثمار هو المحرك الدافع لحركة النمو. أيضاً مشكلات ما نطلق عليه «ظروف عدم اليقين» حول التوجهات الاقتصادية والسياسية ينعكس على الأداء الاستثماري وكلما طالت مدة «عدم اليقين» سيكون تأثيرها سلبياً على الدول.
بالنسبة للمنطقة العربية فهناك أمور ترتبط بالأسواق العالمية، مثل النفط وأسعاره، وأي زيادة في سعره عن خمسين دولاراً تشجِّع للنظر في البدائل الأخرى، مثل التوجُّه إلى زيادة عمليات إنتاج الغاز الصخري والبدائل الأخرى.
* في ظل كل تلك العوامل، في رأيك، ما المطلوب القيام به لتحسين معدلات الأداء الاقتصادي في المنطقة؟!
- على مدى عشرات السنوات، انتفعت دول بالمنطقة من الأسعار المرتفعة للسلع الأولية من القطن إلى النفط إلى السياحة، ولذا فإن اقتصادات القرن الحادي والعشرين تتطلب حلولاً مبتكرة في ظل تغيرات في التكنولوجيا، ومنافسة عاتية تأتي ليس فقط من الدول المتقدمة، وإنما من دول لم تكن من قبل على الخريطة الاقتصادية. والسؤال المطروح، ما السلع والمنتجات والخدمات التي يمكن الاستثمار فيها، وتقدم المحفزات من باب التنويع في القاعدة الإنتاجية، مع الاستمرار في المجالات التقليدية ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي. ولا ننسى أن زيادة التكنولوجيا لها أثر محفز بزيادة الكفاءة والإنتاجية، وهذا مرحَّب به، لكن لها أثر سلبي من ناحية الإحلال محل العمل، وليس كما كان العهد مع الثورة الصناعية، بأن تحل الماكينات محل ذوي الياقات الزرقاء (العمال)، لكن استخدام تكنولوجيا المعلومات، وما يُعرَف بالتطبيقات، أصبح يوثر على جميع المجالات التي كان يحسب الناس أنهم بمأمن عن المنافسة فيها، مثل مجالات العمل الذهني الإنساني، وأصبح الذكاء الاصطناعي يحل محل أعداد من البشر كانوا يشغلون هذه الوظائف من قبل.
والتعامل مع سوق العمل وتحدياته يحتاج إلى نظرة أكثر عمقاً من مجرد برامج تدريبية وتحسين المناهج الدراسية بشكل تقليدي، فالعالم انتقل نقلة غير مسبوقة في الاعتماد على تكنولوجيا المعلومات، ورغم ما يظهر من هذه العبارات من تحدٍّ وتشاؤم فإن هناك فرصةً جبارةً للدول العربية لسببن؛ الأول أن لديها تدفقاً شبابياً ضخماً، على عكس دول تعاني من الزيادة العمرية في التركيبة السكانية فيها. فالتركيبة السكانية الشبابية هي نعمة، وليست نقمة، إذا ما أحسنَّا استغلالها.
الأمر الآخر أن هناك اهتماماً كبيراً وقديماً بتعلُّم الهندسة والعلوم التطبيقية التكنولوجية الحديثة في الجامعات والمعاهد العربية، ولذا نجد أفضل المختصين في مجال تكنولوجيا المعلومات في أميركا هم العرب.
* تنعقد اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدولي الأسبوع الحالي للمرة الأولى في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وهناك مخاوف من توجهات ترمب الحمائية وإعادة مراجعة اتفاقات تجارية، إضافة إلى تفاقم مشكلات جيوسياسية، كيف يرى البنك الدولي تأثير توجهات إدارة ترمب السياسية والاقتصادية؟
- ينعكس هذا في الأجندة، في اجتماعات الربيع للصندوق والبنك، ووفقاً للاتفاقات المؤسسة للبنك الدولي، فإننا لا نعلق على سياسات دولة بعينها، أو إدارة بعينها، وهذا يمنعنا من التعليق على التوجه، ولكن لا يمنعنا من مناقشة آثاره، وظروف عدم اليقين لها تأثير على اتخاذ القرار الاستثماري وحركة التجارة والاقتصاد.
هذا التوجه ناحية الحمائية واتخاذ تدابير مانعة لحركة التجارة والاستثمار ومن قبلهما حركة البشر، يطرح سؤالاً حول أفضل السبل التي ينبغي لدول المنطقة التعامل من خلالها مع هذه التغيرات، وما نراه أن المجالات الأساسية لسلع وخدمات تقدمها الدول العربية وتتمتع فيها بميزة نسبية تجد السوق مفتوحة لها، وعدد من تلك المنتجات باستثمارات أجنبية محلية، مما يساعد أيضاً في عملية الاستثمار في تلك السلع التي تدخل إلى الأسواق.
الأثر الأخطر هو في تشكيل السياسة الاقتصادية، وعلينا أن ندرس أن من يقوم بقرارات حمائية هي دول لا ترى أن كل فئاتها المجتمعية استفادت من الانفتاح من خلال العولمة، تجارةً واستثماراً ونقلاً للتكنولوجيا.
في المقابل نجد أن دولاً نامية ذات أسواق صاعدة مهتمة بهذا الاتجاه هي الدول التي ترى أن لديها استفادة مثل دول جنوب شرقي آسيا، ودول عربية وأفريقية التي ترى أن الانفتاح شيء جيد لزيادة حجم صادراتها واستثماراتها، وبالتالي السؤال عن السياسات الاقتصادية الجديدة التي يجب على البلدان العربية - كل حسب توجهه، ومعطيات اقتصاده السياسي - أن يقوم بها وما يمكن أن يتم من تدابير خاصة.
أولاً في التعامل الاحتوائي للآثار يمكن أن نؤكد على ضمان توافر نظم التضامن الاجتماعي ومرونة العمل بها لحماية الفقراء، والحديث الآن امتد لأصحاب الدخول المتوسطة، وكل فئات الدخل لها الحق في الحصول على معلومات منضبطة، ومعرفة التوجه الاقتصادي بوضوح، فتأخذ قراراتها في تدوير أصولها وتوجيه استثماراتها.
أما أصحاب الدخول الأدنى والفقراء، فقد تم التعارف على ما يمكن تقديمه لهم من نظم دعم عينية ونقدية وبعض السلع الأساسية. والتحدي هو كيفية مساندة الطبقة الوسطي في مواجهة هذه التحديات مع التغييرات التي حدثت في عدة بلدان، مع الإجراءات الإصلاحية، وتغير أسعار الصرف والتضخم وزيادة معدلات البطالة.
ويناقش البنك الدولي في اجتماعات الربيع إجراءات نظم الضمان الاجتماعي المختلفة، ففي حالة فقدان شخص لعمله لظروف مرتبطة بالقطاع الذي يعمل به، تشير تجارب بعض الدول (مثل دول شمال أوروبا) إلى نظم تستطيع أن تغطي أجر هذا العامل بمقدار 90 في المائة، وتمتد الفترة إلى أربع سنوات إلى أن يجد عملاً آخر، في إطار نظام مرن وآمن، وفيه إلزام شديد لا يعرف التهاون في تحصيل الضرائب والتأمينات الاجتماعية على كل مشغّل.
وواحدة من المشكلات التي شهدتها بعض القطاعات الرائجة في البلاد العربية، مثل السياحة، هي أن أغلب العاملين لم يكن مؤمَّناً عليهم فكيف نتوقع من الدولة المساندة والمساعدة في حال عدم وجود تأمينات؟! والآن مع عودة مرتقبة للنشاط الاقتصادي لهذه القطاعات مطلوب شيئان: أولاً الاطمئنان على وجود نظام تأميني فعال، وثانياً أن يتم فتح حساب داخل إحدى مؤسسات النظام المالي الرسمي.
ولحماية الطبقات المتوسطة، يجب النظر إلى المجالات التي ينفق أبناء الطبقة الوسطي أموالهم فيها، وهي ثلاثة مجالات أساسية: التعليم والرعاية الصحية والنقل. ولذا يجب العمل لإيجاد تعليم جيد وإنشاء مدارس نموذجية وربطها بتكنولوجيا المعلومات. وفي قطاع الرعاية الصحية وتكلفة العلاج نجد أن عدم وجود نظم متكاملة للرعاية الصحية تعد من المشكلات الكبرى التي تواجه كل أبناء الطبقة الوسطي وبعض الأغنياء. ومن أفضل النظم في التأمين الصحي الشامل النظام الياباني، واستطاعت بعض الدول تطبيقه بشكل جيد خلال فترة وجيزة من الزمن، مثل تايلاند، لما له من مزايا حول شمولية التأمين لكل الفئات وحصر للاحتمالات المختلفة للأمراض الوبائية وغير الوبائية، وربط النظام بالوحدات الصحية المختلفة ووضع نظم للتمويل مستدامة سواء من الدولة أو جهة التشغيل أو المنتفع بالتأمين، وربط ذلك كله بنظام شامل وتفاصيل هذا النظام موجودة على موقع البنك الدولي.
البند الثالث، وهو ما يُنفَق على النقل والمواصلات. ما نفتقده في الدول العربية هو نظم النقل الجماعي اللائقة مبنية على منافسة لوسائل مختلفة للنقل، والأمر يتعلق بالاستثمار في البنية الأساسية المرتبطة بالنقل الجماعي الآدمي، ولدينا تجارب في دول أميركا اللاتينية تم عمل عدد من المشاريع وفيتنام بها نموذج بديع لحافلات مربوطة بتكنولوجيا المعلومات.
هذه البنود الثلاثة تحتاج إلى مشاركة بين الحكومات والمجتمع والحكومات والقطاع الخاص، والميزة أن الحلول التي تم تطبيقها ما نجح منها معروف، وما فشل منها معروف، وهي مجال مهم للاستثمارات العامة والخاصة وتحرك عجلة النمو وتحرك النشاط الاقتصادي وتخلق فرص عمل. وأؤكد أن الحل الأفضل دائما لزيادة الدخول من خلال زيادة الإنتاجية وفرض العمل المرتبطة بالاستثمار والنمو.
من جانب آخر، لدينا محافظات وعواصم في بعض الدول العربية يفوق عدد سكانها 5 ملايين نسمة، وهذا يعني أنها سوق دولة وليست سوق محافظة، وتعني الحاجة لنوع من التمويل للمحليات يتجاوز الطريقة التقليدية التي تمول المحليات في أغلب الدول العربية. لدينا في البنك الدولي دليل للتمويل على مستوى الحكومات المحلية، ونظم ضرائبية للمحليات مثل الضريبة العقارية على سبيل المثال التي تختلف قيمتها من مكان لمكان ومن حي لآخر وهي تنعكس على خدمات النظافة والأمن والترفيه ودور رعاية الأطفال وكبار السن والمدارس وغيرها، وأغلب النظم لإدارة المحليات في الدول العربية لديها مصادر دخل من جهتين: ما تحوِّله لها النظم المركزية الحكومية من أموال، وما تحصله من إتاوات التي تفرضها الجهات المحلية على محال والأنشطة التجارية، وهي عملية غير منضبطة وليس بها استدامة وليست اقتصادية.
ويجب أن تكون الضريبة العقارية تنفق في حدود الحي والمحافظة وليس إلى الموازنة العامة، وهذا جيد لأن كفاءة التحصيل تكون كبيرة، إضافة إلى أن المواطن يجد المردود أمامه. وهناك نحو 18 مصدراً للإيرادات المحلية، إضافة للضريبة العقارية يمكن النظر فيها من إيجار الأماكن، وحسن استخدام الأصول غير المستغلة، وإدارة المحفظة المالية للوحدة المحلية. وتطبيق هذه النظم لها تأثيران: أولهما تأثير مالي والآخر مجتمعي إيجابي، فيما يتعلق بانتخابات المحليات والمشاركة، وتقليل العبء على الموازنة العامة، وتحسين الخدمات التي يعاني المواطن من تراجعها. وعندما تزداد معدلات النمو في دولة ما، ولا يشعر المواطن بها، فهذا يرجع إلى بعض الخدمات الرئيسية لا تصل إليه، ولا يمكن توفيرها إلا من خلال أنظمة جيدة تبدأ من المركز وتنتهي عند المحليات.
وهناك دول كثيرة مرت بهذه التجربة، ونماذج من موازنات محلية لدول طبقتها، ويمكن للدول العربية أن تطلب من مراكز البنك الدولي تعريفهم بهذه التجارب؛ وأحد الأدوار التي يمكن أن يساعد البنك الدولي فيها تقديم العون الفني، واستقدام خبراء من هذه الدول.
* ما الجديد الذي تناقشه اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، وما أكثر المشكلات الملحَّة التي تبحثها المؤسسات الدولية؟
- هناك اجتماعات دورية للجنة التنمية التي يجتمع فيها كل محافظي البنك لمناقشة عمل البنك في الفترة المقبلة، واستهداف زيادة نشاط البنك، وما يرتبط به من اجتذاب رؤوس أموال، ومناقشة ورقة النظرة المستقبلية لعمل البنك الدولي، وهناك مناقشات مهمة حول تطبيق برامج 2030 للتنمية المستدامة والنظر في تجارب عدد من الدول العربية التي قامت بتنفيذ برامج للتنمية المستدامة مثل المملكة العربية السعودية، ومصر، والمغرب، وغيرها، وتشجيع دول عربية في سبيلها لتنفيذ برامج التنمية المستدامة بالتركيز على ثلاث موضوعات، مثل هيكل المعلومات المطلوب، ووسائل التمويل سواء عامة أو خاصة محلية أو خارجية، ودور المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية في تطبيق البرامج. ويتحدث وزراء وخبراء في جلسات مختلفة بمشاركة عربية والأمم المتحدة وعدد من المؤسسات المالية، إضافة إلى جلسات حول التمويل لدى الدول الأكثر فقراً، والدول التي لا تشرف على سواحل وبحار، ولقاء مهم ما بين البنك الدولي والأمم المتحدة عن موضوع تهديدات المجاعة، وهي من المشكلات التي تُعدُّ مشكلة ملحَّة في الوقت الحاضر، فلدينا في عدد من الدول النامية وأغلبها دول أفريقية، هناك أكثر من 20 مليونَ شخص مهددٍ بالمجاعة، والآن لدينا مشكلة ضخمة خاصة بالتمويل الذي تحتاج إليه الدول. وقد أصدر الأمين العام للأمم المتحدة استغاثة لمساعدة أربع دول، هي: نيجيريا والصومال وجنوب الصومال واليمن، وأضفنا لها الدول المجاورة لهذه الدول الأربع، مثل أوغندا وإثيوبيا وكينيا، التي تتأثر عندما يحدث نزوج ولجوء والاحتياجات المالية لهذه البلدان ضخمة، وآخر تقدير للاحتياجات المالية إلى نهاية عام 2017 هو 6 مليارات دولار.
كل دولة من الدول المهددة بشبح المجاعة جرت إقامة مؤتمرات تنتهي بالتزام من المشاركين بدفع معونة ومساندة لها، وتعهد البنك الدولي بنحو 1.6 مليار دولار نصفُهُم من مؤسسة التنمية الدولية، لكن المطلوب جهد لإنقاذ هذه الدول، لأنه ما لم يتم اتخاذ إجراءات سريعة فإن العالم - وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة وتقديرات البنك الدولي - سيشهد ما يمكن أن يكون أسوأ مجاعة في التاريخ الحديث بشكل أسوأ من المجاعات التي حدثت في أفريقيا والصومال في ثمانينات القرن الماضي. وما يعقِّد المشكلة أن المجاعة السابقة كانت مرتبطة بتغير المناخ وشح المياه (كلها مشكلات طبيعية)، والآن المشكلة يضاف إليها الصراع والحروب الأهلية، مما يعقد من وصول المعونة وتأمين أفراد الإغاثة واحتمالات سرقة المعونات وبيعها في الأسواق السوداء. المشكلة مضاعفة عما كانت من قبل. هناك أيضاً مناقشات حول موضوع المهجرين، وقد خفت الحديث عن أزمة المهاجرين وكأن الموضوع انتهى، لكن المشكلة باقية وملحَّة وهناك 65 مليون شخص مهجرٍ ونازح ولاجئ خارج الأوطان.
ولدينا عدد من الأنشطة حول التكنولوجيا المالية Financial Technology (FinTech,) ومدى تأثير هذه التكنولوجيا على كفاءة الوساطة المالي وكفاءة البنوك إيجابياً برفع الكفاءة، وسلبياً بإحلال تلك التكنولوجيا محل البنوك.
*هل يمكن أن تشرح أكثر، ما خصائص التكنولوجيا المالية وتأثيراتها على قطاع المصارف والبنوك؟
- البنوك منذ نشأتها كانت دائماً سبَّاقة في استخدام المستحدث من التكنولوجيا في عملها سواء في جمع المدخرات أو الإقراض، ووفرت في عدد العاملين، الجديد أن التكنولوجيا كأداة بدأت تتحرك لتحل محل المصارف، والحديث الآن يدور حول الرصيد أو المنصة لتربط ما بين مواطن أميركي وآخر برازيلي وآخر صيني، يتواصلون بهذه التكنولوجيا غير القابلة للاختراق، للتأكد من الهوية المضمونة لكل فرد للإقراض والاقتراض. وستكون التعاملات مباشر عبر ساحة أو منصة للتواصل المباشر، وهي ميزة لمقدم ومستهلك القرض، لكنها تشكل خطراً على القطاع المصرفي والحديث حول التكنولوجيا المالية يشير إلى ضرورة أن يطور القطاع المصرفي من الخدمات التي يقدمها ويرفع الكفاءة ويقلل الهامش ما بين الإيداع والإقراض.
الجديد أيضاً ما يُعرَف بحشد التمويل، وهو مبني على أن هذه القرية العالمية أصبحت متواصلة بنظام حماية لنقل الأموال، معقدٍ غير قابلٍ للاختراق، وكل من ينتقد عملة «البيت كوين» فعليه أن يعرف أن البنك حافظ للسجلات بين المتعاملين، فإذا أدت التكنولوجيا مهمة حفظ السجلات وقامت بمعرفة العميل ورقمه القومي الاجتماعي، سيكون هناك كمّ تفصيلي كبير من المعلومات والبيانات، وهي توضَع في نظام مؤمّن غير قابل للاختراق.
وبدأ تطبيق التكنولوجيا المالية بتوسع شديد في كاليفورنيا، والآن أصبح في الساحل الشرقي في نيويورك، التي تعد معقل المصارف والمؤسسات المالية و«وول ستريت». ويتطلب الأمر أربعة عناصر أساسية لتعظيم الفوائد من هذا النظام التكنولوجي المالي، وتجنب سوء الاستغلال... الأول: نظام للرقابة حتى يضمن أمان هذا النظام، ثانياً: أن تكون حقوق المستهلكين مصونة، سواء للمودع أو المقترض. وثالثاً: التوسع في الثقافة التمويلية والاهتمام بالثقافة المالية، وأن يسعى كل طالب عندما يحصل على بطاقة الهوية إلى أن يفتح حساباً بالبنك حتى يبني ثقافته المالية من خلال التعامل. رابعاً: المنافسة بين الجهات لأن مَن لديه حقوق ابتكارية في هذا المجال يمكن أن ينال حقوقاً احتكاريةً مبكِّرَة.
ونناقش التكنولوجيا المالية من مستويين؛ فهي وسيلة للشمول والدمج المالي، لكن هناك تحديات رقابية وتأمينية واستهلاكية مهمة لحماية المستهلك. نناقش أيضاً خلال اجتماعات الربيع، مستقبل المدن والاستثمار في البنية الأساسية للمدن الجديدة والقائمة لتتوافق مع الكثافة السكانية والزيادة الديموغرافية.
* تم إطلاق أهداف التنمية المستدامة 2030 في عام 2015 التي شملت 17 هدفاً عاماً (من أهمها القضاء على الفقر والجوع وتوفير الرعاية الصحية والتعليم والمياه والطاقة وتحقيق المساواة بين الجنسين) و169 هدفاً فرعياً، إضافة إلى 230 مؤشراً لمتابعة مدى تنفيذ أهداف التنمية. هل يمكن تقييم مدى التقدم في تنفيذ تلك الأهداف خلال العامين الماضيين؟
- إحدى المناقشات التي ستدور خلال اجتماعات الربيع للصندوق والبنك تتناول أهداف التنمية المستدامة وسيتم إعلان مدى تقدُّم كل الدول الأعضاء، بما في ذلك الدول العربية في تنفيذ تلك الأهداف بناء على مؤشرات التنمية، ونتابع ما حدث من خطوات ونسعى لتقديم المساعدة الفنية للدول التي بدأت في التنفيذ، ونشجع الدول الأخرى لتقوم بتنفيذ أهداف التنمية سواء مع البنك الدولي أو مع مؤسسات مختلفة.
وبصفة عامة، من المبكر تقييم ما تم إنجازه خلال عامين، لكن المؤشرات تشير إلى أن بعض الدول أخذت خطوات وقد قمتُ بكتابة فصل عن التنمية في الدول العربية، في كتاب أصدره البنك الدولي. وكان أداء الدول العربية في أهداف التنمية المستدامة محبطاً في دول، وجيداً في دول أخرى، في مجالات مثل التعليم الأساسي، والآن هناك تركيز دولي وتقييم على جودة وكفاءة التعليم وليس عدد المدارس وعدد الطلبة. وأيضاً في مجال الرعاية الصحية ولم يعد التقييم حول عدد مستشفيات والأجهزة الطبية وإنما نوعية العلاج الطبي وكفاءته وتكلفته. وهناك تحديات كبيرة مطلوب تضافر الجهود في تنفيذ أهداف التنمية.
وقد تحقق بعض النجاح في المنطقة العربية في توفير مياه الشرب، لكن هناك مشكلة كبيرة في توصيل الصرف الصحي حتى في دول تعد عالية الدخول. وفيما يتعلق بمؤشر التعليم والمشاركة في السوق والمشاركة السياسية، حدث تقدُّم في مؤشر التعليم، لكن مؤشر المشاركة في السوق والاقتصاد ليست على القدر المأمول، ومؤشر المشاركة السياسية به تبايُن شديد.
وعندما نتكلم عن تراجع المشاركة الاقتصادية للمرأة نشير إلى أنه نوع من الغباء السياسي وغبن في الحقوق، فالحق يُعطى حتى لو بتكلفة، فماذا إذا كان إعطاء الحق يزيد من الإنتاجية، ويزيد من ديناميكية الاقتصاد؛ فهو في النهاية غبن وإهدار لحقوق المرأة وغباء اقتصادي.



«بترورابغ» تكسر حاجز الخسائر المتراكمة... وتقفز بأرباحها إلى 391 مليون دولار

مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)
مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)
TT

«بترورابغ» تكسر حاجز الخسائر المتراكمة... وتقفز بأرباحها إلى 391 مليون دولار

مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)
مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)

أعلنت شركة «رابغ للتكرير والبتروكيماويات (بترورابغ)» تحولاً استراتيجياً في مركزها المالي، حيث نجحت في خفض خسائرها المتراكمة لتستقر عند 658.4 مليون دولار (2.469 مليار ريال)، ما يمثل 14.77 في المائة فقط من رأسمالها الجديد. وبهذه الخطوة، تخرج الشركة رسمياً من نطاق تطبيق تعليمات هيئة السوق المالية الخاصة بالشركات التي تبلغ خسائرها 20 في المائة فأكثر.

هيكلة رأس المال: الأداة الحاسمة

وجاء هذا الانخفاض الملحوظ نتيجة تفعيل قرار الجمعية العامة غير العادية المنعقدة في أواخر مارس (آذار) 2026، حيث أتمت الشركة عملية تخفيض رأسمالها من 5.86 مليار دولار (21.9 مليار ريال) إلى 4.45 مليار دولار (16.7 مليار ريال). وتمَّت هذه العملية عبر إطفاء خسائر بقيمة 1.4 مليار دولار (5.2 مليار ريال) من خلال شطب جزء من القيمة الاسمية لأسهم الفئة «أ».

أداء تشغيلي قوي... وأرباح قياسية

بالتوازي مع إعادة الهيكلة المالية، حقَّقت «بترورابغ» أداءً تشغيلياً لافتاً خلال الرُّبع المنتهي في 31 مارس 2026، حيث سجَّلت صافي ربح قدره 390.9 مليون دولار (1.466 مليار ريال). وعزت الشركة هذا النمو القوي إلى 3 عوامل رئيسية:

  • تحسن الأسواق: ارتفاع أسعار المنتجات المكررة عالمياً؛ مما انعكس إيجاباً على هوامش الربح.
  • الكفاءة التشغيلية: تعزيز موثوقية المصانع والأداء الإنتاجي.
  • التحرُّر من عبء الديون: انخفاض تكاليف التمويل بفضل السداد المبكر لقروض طويلة الأجل، والالتزام بجدولة المديونية، تزامناً مع بيئة أسعار فائدة منخفضة.

الخروج من «نطاق الرصد»

وأكدت الشركة، في بيانها، أنَّ المركز المالي الجديد، المدعوم بتقرير مراجع الحسابات الخارجي، يعفيها من المتطلبات النظامية الصارمة التي تفرضها المادة 132 من نظام الشركات على المنشآت ذات الخسائر المرتفعة. ويمثل هذا الإعلان نقطة تحول جوهرية للمستثمرين، حيث يعكس قدرة الشركة على استعادة توازنها المالي والتشغيلي في آن واحد، مستفيدةً من تحسُّن ظروف قطاع الطاقة العالمي، وكفاءة إدارتها الداخلية للموارد والديون.


«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية
TT

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

انطلقت السعودية في مسار التحوُّل الرقمي والاقتصاد المعرفي ضمن «رؤية 2030»، مستندةً إلى بنية تحتية رقمية مُتقدِّمة وبناء معرفي تراكم عبر سنوات طويلة، ما عزَّز قدرتها على المنافسة في اقتصادات المستقبل. وقد جاء هذا التحوُّل مدفوعاً بطموح وطني يستهدف تنويع الاقتصاد، وخلق فرص عمل جديدة، وتمكين الشباب، عبر بناء منظومة متكاملة تدعم الابتكار والبحث والتقنية.

حكومة بلا ورق

وفي إطار هذا التحوُّل، تبنَّت المملكة سياسة «حكومة بلا ورق»، التي هدفت إلى تسهيل وصول المستفيدين إلى الخدمات الحكومية من خلال منصات رقمية مُوحَّدة تغطي مختلف القطاعات مثل العدل، والصحة، والسياحة، والاستثمار، والإسكان، والخدمات اللوجستية، والعقار وغيرها. وأسهم هذا التوجه في تقليص زمن الإجراءات وتبسيطها، وتمكين المستفيدين من إنجاز معاملاتهم دون الحاجة للحضور الشخصي، سواء أكانوا مواطنين، أم مقيمين، أم مستثمرين، أم زواراً، وفق ما جاء في التقرير السنوي لـ«رؤية 2030» لعام 2025.

عرض تطبيق «بيم» الحكومي في «ملتقى الحكومة الرقمية» (الحكومة الرقمية)

برنامج «الحكومة الشاملة»

كما أطلقت هيئة الحكومة الرقمية في عام 2022 برنامج «الحكومة الشاملة»، الذي جاء بهدف تسريع التحوُّل الرقمي ورفع مستوى التكامل بين الجهات الحكومية، وتقديم تجربة رقمية متكاملة تُبسّط رحلة المستفيد وترفع كفاءة استخدام الموارد الحكومية في الفضاء الرقمي.

وقد انعكس ذلك على عدد من النجاحات النوعية، من أبرزها منصة «بلدي» التي أسهمت في إغلاق 37 منصة حكومية بنسبة إنجاز تجاوزت 80 في المائة، إضافة إلى منصة «لوجستي» التي تُقدِّم أكثر من 200 خدمة، ومنصة «صحتي» التي تخدم أكثر من 30 مليون مستفيد.

مركز عالمي للذكاء الاصطناعي

وفي مجال الذكاء الاصطناعي، رسَّخت المملكة مكانتها مركزاً عالمياً متقدماً، مستفيدةً من توفر الطاقة والبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات، ما جعلها وجهةً جاذبةً لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وقد تمَّ إطلاق شركة «هيوماين» بوصفه مشروعاً وطنياً متكاملاً يهدف إلى توطين تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير نماذج لغوية كبيرة تدعم المحتوى العربي، إلى جانب تشغيل تطبيقات متقدمة في مراكز البيانات؛ ومنها تقنيات الذكاء الاصطناعي في الدمام.

كما يجري الاستثمار في بناء القدرات البشرية عبر إدخال الذكاء الاصطناعي في المناهج التعليمية، وإطلاق برامج تدريبية تستهدف الطلاب والمواهب الوطنية، بما يعزِّز جاهزية الأجيال القادمة.

يقف زوار عند جناح شركة الذكاء الاصطناعي السعودية «هيوماين» خلال «مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار» في الرياض (أ.ف.ب)

شركة هيوماين

وكان قد تمَّ إطلاق «هيوماين» في عام 2025 وهي تعمل على تطوير حلول ذكاء اصطناعي متقدمة تشمل مساعداً عربياً ذكياً، ونماذج لغوية رائدة، ونظام تشغيل يعمل بالذكاء الاصطناعي بالكامل، إضافة إلى أجهزة وتقنيات مُطوَّرة داخل المملكة، تخدم مئات الآلاف من المستخدمين، حيث يتجاوز عدد المستخدمين النشطين 300 ألف مستخدم، وتمتد خدماتها إلى 5 أسواق مختلفة، مع دعم أكثر من 150 تطبيقاً وخدمة رقمية.

تحول القطاع العدلي الرقمي

وفي القطاع العدلي، شهدت الخدمات الرقمية نقلةً نوعيةً عبر تقديم أكثر من 160 خدمة إلكترونية وفَّرت نحو 90 مليون ورقة سنوياً، وأسهمت في الاستغناء عن 65 مليون زيارة، إلى جانب رقمنة أكثر من 200 مليون وثيقة عقارية، وتطبيق التقاضي الإلكتروني الذي أدى إلى خفض عُمر القضايا بنسبة 79 في المائة، مع إطلاق «المحكمة الافتراضية» و«كتابة العدل الافتراضية».

وزير العدل الدكتور وليد الصمعاني خلال كلمته في الجلسة الوزارية بـ«ملتقى الحكومة الرقمية» (واس)

ويستند هذا التطوُّر إلى بنية تحتية رقمية متقدمة وفضاء رقمي آمن وموثوق؛ ما جعل المملكة تتجه نحو مرحلة أكثر تقدماً تتجاوز تقديم الخدمات إلى تحسين تجربة المستخدم وإزالة التعقيد منها.

الاقتصاد الرقمي والمعرفي

وعلى صعيد الاقتصاد الرقمي والمعرفي، رسَّخت المملكة مكانتها بوصفها أحد الاقتصادات الصاعدة بقوة في اقتصادات المستقبل، من خلال تطوير منظومة تشريعية ومؤسسية متكاملة، شملت تأسيس الهيئة السعودية للملكية الفكرية، وهيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار، ووكالة الفضاء السعودية، إلى جانب إعادة تنظيم هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، وإنشاء البرنامج الوطني لتنمية تقنية المعلومات، وتعزيز دور مراكز البحث والابتكار؛ مثل جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية (كاكست).

الأمن الرقمي

كما أُنشئ إطار وطني لتعزيز أمن الفضاء الرقمي بوصفه جزءاً من الأمن الوطني، بما يسهم في دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتمكين الشركات التقنية، وتعزيز نمو الخدمات الرقمية. وقد جاء ذلك مدعوماً بتأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة الوطنية للأمن السيبراني، إلى جانب مبادرات دولية مثل مبادرة حماية الطفل في الفضاء السيبراني؛ ما أسهم في تعزيز ريادة المملكة عالمياً في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

جناح «سدايا» في معرض «ليب» (واس)

سوق الاقتصاد الرقمي

وتُظهر المؤشرات الاقتصادية حجم هذا التحوُّل، إذ بلغ حجم سوق الاقتصاد الرقمي في المملكة 745.98 مليار ريال (198.9 مليار دولار)، بينما وصل حجم سوق الاتصالات وتقنية المعلومات إلى 199 مليار ريال، كما برزت شركات تقنية سعودية عدة لتصبح شركات مليارية، من بينها «نون»، و«برق»، و«جاهز»، و«نايس ون»، و«تمارا»، و«نينجا»، و«تابي»، في دلالة على نمو القطاع الرقمي وتسارع نضجه.

مراكز ريادية في المؤشرات العالمية

تعكس المؤشرات الدولية المُتقدِّمة المكانة التي حقَّقتها المملكة في المجال الرقمي والتقني، حيث جاءت الأولى عالمياً في مؤشر تنمية الاتصالات والتقنية، والأولى عالمياً في مؤشر الأمن السيبراني للعام الثاني على التوالي وفقاً لتقرير التنافسية العالمية، كما تصدَّرت عالمياً في تمكين المرأة في مجال الذكاء الاصطناعي بحسب مؤشر «ستانفورد».

امرأة تقف أمام شاشة معلومات في معرض «ليب» (واس)

وحلَّت السعودية الأولى عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات.

وعلى المستوى الإقليمي، جاءت المملكة في المرتبة الأولى في مؤشر سلامة الذكاء الاصطناعي مع تحقيقها المركز الـ11 عالمياً، كما تصدَّرت إقليمياً في الحاسوب العملاق «شاهين 3» محتلة المرتبة الـ18 عالمياً.

وحلَّت المملكة الأولى إقليمياً في جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي، وفق تقرير «أوكسفورد إنسايتس».

وعلى صعيد المؤشرات العالمية، حقَّقت المملكة المرتبة الثانية عالمياً في مؤشر نضج الحكومة الرقمية، والثالثة عالمياً في نسبة نمو وظائف الذكاء الاصطناعي، وكذلك الثالثة عالمياً في عدد نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة، وفقاً لمؤشر ستانفورد، إلى جانب كونها ضمن 7 دول عالمياً نشرت نماذج ذكاء اصطناعي رائدة.

كما جاءت في المرتبة الثانية بين دول مجموعة العشرين في مؤشر تطور تنظيمات قطاع الاتصالات والتقنية، والسادسة عالمياً في مؤشر تطور الحكومة الإلكترونية، في حين حلَّت في المرتبة الـ20 عالمياً في مؤشر البنية التحتية للجودة للتنمية المستدامة.


«السيادي» السعودي حجر الزاوية في بناء اقتصاد مستدام تحت مظلة «رؤية 2030»

برج «صندوق الاستثمارات العامة» في «مركز الملك عبد الله المالي» بالعاصمة السعودية الرياض (كافد)
برج «صندوق الاستثمارات العامة» في «مركز الملك عبد الله المالي» بالعاصمة السعودية الرياض (كافد)
TT

«السيادي» السعودي حجر الزاوية في بناء اقتصاد مستدام تحت مظلة «رؤية 2030»

برج «صندوق الاستثمارات العامة» في «مركز الملك عبد الله المالي» بالعاصمة السعودية الرياض (كافد)
برج «صندوق الاستثمارات العامة» في «مركز الملك عبد الله المالي» بالعاصمة السعودية الرياض (كافد)

بخطى واثقة ورؤية استباقية، يقود صندوق الاستثمارات العامة رحلة التنويع الاقتصادي الكبرى، ليكون صانعاً للفرص ومعيداً لرسم خريطة الاستثمار الوطني. ومن خلال استراتيجيته الطموحة التي دخلت مرحلتها الثالثة عام 2026، نجح الصندوق في تأسيس منظومة متكاملة من الشركات والمشاريع الكبرى التي تمثل حجر الزاوية في بناء اقتصاد مستدام. ولا يستهدف العمل الحالي النمو المالي فحسب، بل يسعى لتمكين القطاع الخاص وفتح آفاق غير مسبوقة للصناعات المتقدمة والبنية التحتية المتطورة.

الجذور والتحول التاريخي

منذ تأسيسه عام 1971، رسَّخ الصندوق مكانته كأحد أبرز المحركات الاستراتيجية في مسيرة التحول الاقتصادي في السعودية، عبر دعم التنمية الوطنية وتمويل المشروعات الكبرى وتأسيس شركات وطنية أسهمت في بناء قاعدة اقتصادية ممتدة لعقود.

ومع انطلاق «رؤية 2030»، انتقل دور الصندوق من كيان تمويلي تقليدي إلى ذراع استثماري يقود التنويع الاقتصادي، ويعزز نمو القطاعات غير النفطية، ويعيد تشكيل خريطة الاستثمار من خلال شراكات محلية ودولية نوعية، جعلت منه أحد أهم أدوات المملكة في استقطاب الفرص وترسيخ حضورها الاقتصادي على المستوى العالمي.

مراحل التحوُّل الاستراتيجي

جاء عمل الصندوق في إطار «رؤية 2030» عبر ثلاث مراحل متتابعة اتسمت بالتكامل والتطور. امتدت المرحلة الأولى حتى عام 2020، وركزت على إعادة الهيكلة المؤسسية، وإدراج الصندوق ضمن برامج تحقيق الرؤية، إلى جانب إطلاق استراتيجية طموحة استهدفت تطوير عشرة قطاعات استراتيجية، مع تحديث الأطر التنظيمية لتعزيز كفاءة الاستثمار.

أما المرحلة الثانية، الممتدة بين عامي 2021 و2025، فقد شهدت توسعاً كبيراً في نطاق عمل الصندوق، حيث استهدف الاستثمار في 13 قطاعاً استراتيجياً، مع تسريع تنفيذ المشروعات الكبرى. وخلال هذه المرحلة برزت مشروعات نوعية مثل الدرعية، ووجهة البحر الأحمر، والقدية، التي أسهمت في تعزيز مكانة المملكة كوجهة عالمية للسياحة والاستثمار.

ومع دخول المرحلة الثالثة عام 2026، أعاد الصندوق تركيز استراتيجيته لتشمل ست قطاعات رئيسية، تشمل السياحة والسفر والترفيه، ⁠والتطوير العمراني ​والتنمية الحضرية، والصناعات المتقدمة والابتكار، والصناعة والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية ​للطاقة النظيفة والمتجددة والمياه، ونيوم.

مع تعزيز دور القطاع الخاص في تشغيل المشروعات الكبرى والاستفادة من الفرص الاستثمارية المتنامية، بما يعكس انتقالاً نحو نموذج اقتصادي أكثر نضجاً واستدامة.

نتائج اقتصادية ملموسة

أسفرت هذه المراحل عن نتائج اقتصادية بارزة، حيث تضاعف حجم الأصول تحت إدارة الصندوق بشكل كبير ليصل إلى 3.41 تريليون ريال (909.3 مليار دولار) في 2025، وارتفع الناتج المحلي غير النفطي إلى مستويات تاريخية، بلغت مساهمة الصندوق فيه نحو 10 في المائة. كما أسهم في توفير أكثر من مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة منذ عام 2018، إلى جانب تمكين القطاع الخاص من المشاركة في مشروعات استراتيجية متنوعة.

مبادرة مستقبل الاستثمار

عزَّز صندوق الاستثمارات العامة حضوره على الساحة الدولية من خلال بناء شراكات استراتيجية واستقطاب رؤوس الأموال العالمية. كما أصبحت مبادرة مستقبل الاستثمار، التي أطلقها الصندوق، منصة دولية سنوية تجمع قادة الاقتصاد والمستثمرين والخبراء لمناقشة مستقبل الاستثمار والتحديات العالمية، مما جعلها أحد أبرز الأحداث الاقتصادية على مستوى العالم.

وقد ساهم هذا الحضور في ترسيخ مكانة المملكة كمركز مؤثِّر في الاقتصاد العالمي، إضافة إلى تعزيز قيمة العلامة التجارية للصندوق، التي أصبحت من بين الأسرع نمواً بين صناديق الثروة السيادية عالمياً، بفضل أدائه الاستثماري وتبنيه معايير الحوكمة والاستدامة.

افتتاح منتدى مبادرة مستقبل الاستثمار (واس)

تمكين القطاع الخاص

أولى الصندوق اهتماماً كبيراً بتمكين القطاع الخاص، حيث عمل على خلق فرص استثمارية واسعة للشركات المحلية، بما في ذلك المنشآت الصغيرة والمتوسطة، من خلال رفع نسبة المحتوى المحلي وتوسيع الشراكات الاقتصادية. وأسهم ذلك في رفع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى نحو 51 في المائة.

كما أطلق الصندوق مبادرات داعمة مثل منتدى القطاع الخاص، ومنصة القطاع الخاص، وبرامج تدريب وتأهيل مثل برنامج «مساهمة» ومسرعة الأعمال الصناعية وبرنامج «عزم»، مما ساعد في بناء بيئة أعمال أكثر تنافسية واستدامة.

حضور في إحدى جلسات منتدى صندوق الاستثمارات العامة مع القطاع الخاص (الصندوق)

الاستدامة والاقتصاد الأخضر

اتجه الصندوق إلى تعزيز الاستدامة كجزء من استراتيجيته الاستثمارية، ليصبح من أوائل صناديق الثروة السيادية في إصدار السندات الخضراء. وبدأ هذا المسار منذ عام 2022 بإصدار أول سند أخضر، تبعه إصدار ثانٍ في 2023، ثم إصدار جديد في 2025.

وقد بلغت حصيلة هذه الإصدارات نحو 9 مليارات دولار، وُجِّهت إلى 91 مشروعاً بيئياً في مجالات الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، والمباني الخضراء، وإدارة المياه، بما يسهم في خفض الانبعاثات بنحو 10.1 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، دعماً لهدف الحياد الصفري.

البيئة الاستثمارية

شهدت البيئة الاستثمارية في المملكة تحوُّلاً جذرياً مع «رؤية 2030»، من خلال إصلاحات تنظيمية وتشريعية شملت نظام الاستثمار الجديد، ونظام الإفلاس، وبرنامج «تيسير»، وإنشاء المركز الوطني للتنافسية وهيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

وقد أسهم ذلك في تعزيز جاذبية المملكة الاستثمارية، وارتفاع قيمة الاستثمارات غير النفطية إلى نحو 797 مليار ريال (212.5 مليار دولار)، وزيادة مساهمة الاستثمار في الاقتصاد من 22 في المائة إلى 30 في المائة. كما ارتفعت مساهمة القطاع الخاص في إجمالي الاستثمارات إلى 76 في المائة، ليصبح المحرك الأكبر للنمو الاقتصادي.

يواصل صندوق الاستثمارات العامة أداء دوره كمحرك رئيسي لإعادة تشكيل الاقتصاد السعودي، عبر قيادة التحوُّل نحو التنويع والاستدامة، وتعزيز مكانة المملكة كوجهة استثمارية عالمية قادرة على المنافسة والتأثير في الاقتصاد الدولي.