نظرة جديدة لدور المحافل الماسونية لحظة غروب الدولة العثمانية

بدت لنخب مشرقية بمثابة خلاص روحي في فترة تاريخية دقيقة

مقر محفل لندن الماسوني
مقر محفل لندن الماسوني
TT

نظرة جديدة لدور المحافل الماسونية لحظة غروب الدولة العثمانية

مقر محفل لندن الماسوني
مقر محفل لندن الماسوني

كلما ذكرت الماسونية، لا سيما في الشرق العربي، استدعت معها أجواء المؤامرة والغموض، واتهامات العمالة والارتباط باليهودية العالمية، بل وحتى اعتبار ماسونيي الشرق بمثابة طليعة استخباراتية وحصان طروادة غربي متقدم زرعته القوى الاستعمارية المتطلعة، طمعاً، إلى تركة الدولة العثمانية التي كانت في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تلفظ أنفاسها الأخيرة وكأنها «رجل أوروبا المريض».
لكن الحقيقة أن هنالك غيابا غير مفهوم تماما للبحث العلمي الدقيق عن أدوار محتملة لعبتها المحافل الماسونية المحلية في فلسطين ولبنان وسوريا أثناء تلك اللحظة الدقيقة من التاريخ، وهي المنطقة التي كانت، ولعدة مئات من السنين، منطقة عثمانية تتبع الباب العالي - دون الحدود الحالية التي فرضتها القوى الاستعمارية مطلع القرن العشرين - ومسرحاً لتحولات عالمية في الهيمنة والسياسة والحروب كان لها ما بعدها من أصداء عبر العالم. بالطبع فإنه يمكن تعليل ذلك جزئياً بالطبيعة السرية التي هي سمة العمل الماسوني عموماً، وغياب بالمجمل لدراسات تاريخية عن المنطقة في تلك المرحلة تقترب من تتبع حيوات الناس العاديين بدلاً من التركيز المعتاد على أرباب الحكم والسياسة وقادة الجيوش. لكن ذلك يعني بالضرورة فهماً ناقصاً - إن لم يكن مغلوطاً ربما - لماهية التحولات الاقتصادية والثقافية والسياسية التي عاشتها تلك المنطقة، والتي هي لا شك مستمرة - بشكل أو بآخر - في التأثير على مصائر شعوبها حتى وقتنا الراهن.
من هذه الزاوية، يأتي كتاب الباحثة دوروثي سومير «الماسونية في الإمبراطورية العثمانية: تاريخ للأخوية وتأثيرها في بلاد الشام» - الصادرة طبعته الورقية حديثاً بالإنجليزية عن «دار توريس وشركاه» بلندن - ليلقي بإضاءة نادرة على تأثير المحافل الماسونية في سياق الحراك الاجتماعي والاقتصادي شرق المتوسط، لتنتهي بنا إلى فتح آفاق لنظرة واقعية ونقاش موضوعي عن دور هذه الأخوية في تشكيل استجابة المنطقة لتحولات الأزمنة، عوض التسليم لفخ التعميم والتصنيفات المسبقة والشعارات، ومن دون الخوض في جذور الماسونية ذاتها كحركة، وهو مجال اختلفت حوله الآراء وتباعدت. فترة الخمسين سنة الأخيرة من عمر الدولة العثمانية كانت أشبه ما تكون بحالة احتضار طويل لإمبراطورية عاشت مجداً وعنفواناً لعدة قرون، لكن مصيرها بدا محتوماً في مواجهة الصعود الأوروبي، وتصاعد النزعات القومية والآيديولوجيات بين رعايا الباب العالي، والصعوبات الاقتصادية
الفائقة، وهو ما انعكس على رعايا السلطان في المشرق على هيئة ضغوط اجتماعية وهزات ثقافية وأزمات هويات مات قديمها – أو كاد – ولم يتشكل جديدها بعد. وفوق أوهان الإمبراطورية، عانت منطقة شرق المتوسط ذاتها من حروبها الدينية الأهلية وصراعات دموية حادة بين طوائفها وإثنياتها خلال مراحل مختلفة، وسيولة غير مسبوقة في أنظمة التعليم وفرص العمل وبيروقراطية الدولة على نحو أنتج غياباً - وتطلعاً - لهوية موحدة تجمعُ برجوازيي المنطقة ونخبتها، تتجاوز العثمنة التركية، والطوائف والأعراق.
تقول سومير إن نظام الماسونية وافق هذه التطلعات، فبدت الأخوية بالنسبة لنخب مشرقية عاشت تلك المرحلة بمثابة خلاص روحي، وتقوية للفرد في مواجهة تغييرات عامة شديدة القسوة وغير مفهومة الأبعاد، وقدمت لها هيكلية فعالة لتجاوز خطوط الانقسام الطائفي والعرقي اجتماعيا، لا بل وشرعت لها أيضاً آفاقاً للتواصل مع الماسون الأجانب سواء في الشام ذاتها أو حتى عند سفرهم إلى أوروبا.
وتَلحظ سومير أن ماسونيي بلاد الشام تجنبوا إدخال السياسة إلى محافلهم، على عكس محافل مصر والمناطق المتاخمة للباب العالي، وهي تقول إن ماسونياً سورياً مثل جورجي زيدان مثلاً أصيب بخيبة من تفشي العمل السياسي في شرايين الماسونية المصرية، وهو ما انتهى به إلى اعتزال الأخوية، بينما أعرب ماسونيون مصريون عن خيبة أملهم نتيجة الغياب التام للسياسة من محافل الشام، ولعل أشهرهم جمال الدين الأفغاني الذي كان يعد العمل الماسوني أداة مهمة للتغيير ومواجهة تحولات السياسة والمجتمع.
تقدم سومير وصفاً شديد الحيوية لنخبة مدينة بيروت التي التحقت بالماسونية مطلع القرن العشرين، فبدت كأنها طلائع برجوازية مدينية نشطة، معنية بشكل خاص بالثقافة والتعليم والأعمال الخيرية، لكن محفلهم لم يغدُ بمثابة ناد ثقافي منعزل، بل شرع مبكرا باستقطاب أعداد متزايدة من النشطاء المعنيين عموماً بتقدم المجتمع والشأن العام، وفُتحت عدة محافل جديدة لاستيعاب تلك الأعداد المتزايدة. وتضيف سومير أن عدد الماسون تجاوز في عام 1908 ألفاً وخمسمائة من الأعضاء الفاعلين، ليكونوا بالتالي أكبر مجموعة منظمة في المشرق غير المجموعات الدينية.
بعد بيروت، انتشرت المحافل أيضاً في جبل لبنان وطرابلس شمالا، مع غلبة ملحوظة لنخبة المثقفين عليها. وكان التحاق أبناء عائلات الإقطاعيين والأثرياء بها: سرسق وطراد ويانس وغيرها من عوائل لبنان النافذة، هو ما أضفى أكبر جاذبية للأخوية في المناطق اللبنانية تحديداً.
وبينما كانت بيروت بفضائها المتحرر نسبياً وكثرة زوارها الأجانب وتأثرها البالغ بالثقافات الأوروبية بيئة طبيعية لانتعاش الماسونية، كانت طرابلس في المقابل مدينة محافظة عموماً وأقل ارتباطا بالتوجهات المنتقدة للحكم التركي، لأن أغلب سكان المدينة مسلمين سنّة، ومع ذلك، فإن الماسونية نجحت باستقطاب نخبة من كبار تجار وأثرياء المدينة لعضويتها؛ إذ رآها معظمهم أفضل وسيلة لكسر خطوط الفصل الديني، وبناء جسور تعاون إيجابي مع النخب المتنورة والثرية من الطوائف الأخرى.
لكن ذلك يجب ألا يدفع بنا للاعتقاد بأن معظم الملتحقين بالماسونية في تلك المرحلة كانوا نفعيين عمليين؛ إذ تُشدد سومير على القول إنها وجدت غالبية الملتحقين بالماسونية المشرقية وقت تأسيسها من المُتصدين للعمل العام في مجتمعاتهم المحلية وأعضاء فاعلين في جمعيات ثقافية أو هيئات خيرية أو ما شابه. كما أنها، وإن ضمت في عضويتها كثيرا من الأثرياء وكبار التجار، أيضاً استقطبت قادة رأي ومفكرين وأكاديميين وصحافيين ومهنيين من قطاعات مختلفة، ففي مجال الصحافة مثلاً كان معظم روادها في المنطقة ماسونيين: سليم البستاني وجبران تويني ويعقوب الصراف وإبراهيم اليازجي وبشارة الخوري وبشارة تقلا ومحمد كرد علي وفارس نمر. ومع كل ما يقال عن اختراق أجهزة الاستخبارات والحكومات الغربية لمحافل الماسونية في المشرق – ولا بد من أن بعض الأعضاء على الأقل كانوا ولو بصفتهم الشخصية على اتصال بحكومات أجنبية - فقد قدمت الماسونية لهذه الكوادر النخبوية إطاراً سمح لها ببناء جسور تفاهم عبر المدن والطوائف والخلفيات، ومثل قناة لتبادل الأفكار والنقاشات بين نخب مجتمعية مؤثرة بشأن الهوية القومية لسكان الإقليم - في ظل تبخر الجنسية العثمانية الجامعة - وشكل المستقبل، ونواة لاستكشاف الطبقة البرجوازية المحلية لذاتها بعد انفصالها المحتوم عن عاصمة الإمبراطورية، وهي أدوار جد خطيرة في مرحلة دقيقة كان يستعصي توفرها من خلال أي قنوات أخرى، لا سيما بعد موجة الحروب الأهلية التي عصفت بالشام خلال القرن التاسع عشر وما تمخضت عنه من مذابح وفظائع وتهجير، في مقابل إصرار منهج الماسونية على تجنب اتخاذ مواقف سياسية صريحة.
وتذكر سومير أن محافل المشرق عكست تنوعات على مستوى فهمها وممارستها للماسونية، نتجت أساساً عن تنوع البيئات المحلية الثقافية للمحافل، وهو ما تقول إنه تسبب باندلاع خلافات وصراعات أحياناً بين المحافل المختلفة على نحو استدعى في مرحلة ما تدخل المحافل الاسكوتلندية الأم للفصل بين المتنازعين.
لم تستهدف دراسة سومير الدفاع الصريح عن الماسونية بصفتها حركة، لكنها عرضت استجابة نخب المشرق للتحولات العاصفة في لحظة غياب الإمبراطورية، واستفادتها الفعالة من قناة الحركة الماسونية للتواصل في ظل غياب بدائل حقيقية قادرة على تجاوز إرث الصراعات العنصرية المحلية. ومع ذلك، فإن الدراسة - على أهميتها الفائقة - تعاني من تركز اهتمامها على المحافل اللبنانية أساساً، مع شبه انعدام المعلومات المتوفرة عن محافل فلسطين، التي لا شك تمثل بدورها تجربة فريدة لتحولات نخبة مجتمع جنوب الشام في أجواء بدايات المشروع الصهيوني وحكم الانتداب البريطاني، وكانت لتثير فضول المهتمين بتاريخ المنطقة.



زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.


صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار
TT

صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل وفكرته الأساسية تقول: «صمتُ المظلوم ليس استسلاماً، بل شروعٌ في صياغة لغةٍ جديدة، أشدُّ فتكاً من الصراخ، إنه الصمتُ الصاخب».

تدور أحداث الرواية، الصادرة أخيراً عن «دار تشكيل» بالقاهرة، داخل أسوار أحد السجون، تحديداً بين عدد كبير من المثقفين والمفكرين وقادة الرأي العام على غرار ما كان يحدث في حقب زمنية سابقة من اعتقال سياسي بهدف تكميم الأفواه حين تختلف السلطة مع معارضيها وتقرر التنكيل بهم، فلا تجد أمامها سوى الزج بهم بشكل جماعي وراء الأسوار.

يركز النص على استبطان الحالة النفسية للشخصيات الرئيسية مثل الراوي و«الصول مسعود» ومأمور السجن وبعض النزلاء الجنائيين، وكيف أن الصمت المشحون بانفجار قادم يشكل لغزاً يستعصي على الفهم، فيما يسخر المأمور من الشعراء ويتهمهم بالتخاذل والعيش في عوالم وهمية بعيداً عن الواقع.

اتسمت اللغة السردية بالإيقاع السريع والمشاعر المتأججة بين السطور، دون استطراد يوقع العمل في شراك الرتابة، كما عمد المؤلف للدخول في بؤرة الصراع النفسي بين جميع الأطراف دون تمهيد، ما جعل الرواية تفيض بالتشويق والإثارة النفسية منذ الصفحة الأولى.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«بالأمس، وما إن غادرني الجميع متجهين إلى العمل بالورش، حتى انفتح باب العنبر ودخل الصول مسعود، كبير السجّانين وأقدمهم هنا. بيني وبينه علاقة بدأت عادية، ثم تحوّلت بمرور السنوات إلى ما يشبه الرفقة الحذرة التي تجمع رجلين يحترقان في فرنٍ واحد، اقترب مني بخطواته الثقيلة، ثم ألقى بجسده الضخم إلى جواري، برم شاربه الكثيف كعادته، وفرك فروة رأسه الكبيرة قبل أن يخرج صندوق سجائره، أشعل لنفسه سيجارة، ثم مدّ إليّ أخرى بصمت، بلا كلمة منه ولا مني، كأنما يدرك أن الكلام عندي أصبح شحيحاً، نادراً كقطرة ماء في صحراء قاحلة، نفث دخانه الأول، ثم بدأ يمطرني بأسئلة متلاحقة، كلها تدور حول ما بعد الصمت، ماذا نُخفي؟ وإلى أين سيقودنا هذا الهدوء المريب؟ أكمل سيجارته دون أن ينتزع مني جواباً واحداً، ورغم يقيني بإخلاصه، فالحيطة في أيام الحرب واجبة، فنحن نحارب قائده الجلّاد، ومن السهل أن تنزلق أسرارنا من فم مسعود تحت ضغط المأمور، مهما كان قلبه معنا، وحين أنهى سلسلة أسئلته، مال نحوى وقال بصوت خفيض:

ـ أريدك أن تأتي معي إلى مكتب المأمور.

رفعت يدي دون تفكير، وقاطعته بنظرة حادة كحدّ السكين:

ـ ماذا يريد مني المأمور؟

ابتسم ابتسامة باهتة، ثم عاد يلوّي شاربه كما لو أنه يبحث عن وقت إضافي قبل أن ينطق:

- من المؤكّد أنّه سيُعيد عليك أسئلته التي تؤرّقه حول أسباب صمتكم، وإلى أيّ مدى سيطول، فثمة ما ينهش يقينه بأنّ أمراً جللاً يوشك أن يقع داخل السجن عقب هذا الصمت المفاجئ».