«نعم» تركية تحقق حلم إردوغان... وكابوس معارضيه

انتصار بهامش ضئيل... ومخاوف من الانتقال إلى «نظام الرجل الواحد»

إردوغان يحيي أنصاره بعد الإدلاء بصوته في إسطنبول أمس (رويترز)
إردوغان يحيي أنصاره بعد الإدلاء بصوته في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

«نعم» تركية تحقق حلم إردوغان... وكابوس معارضيه

إردوغان يحيي أنصاره بعد الإدلاء بصوته في إسطنبول أمس (رويترز)
إردوغان يحيي أنصاره بعد الإدلاء بصوته في إسطنبول أمس (رويترز)

صوّت الأتراك، أمس، بفارق ضئيل لصالح التعديلات الدستورية التي اقترحها الرئيس رجب طيب إردوغان، ومن شأنها تحويل النظام السياسي في البلاد إلى رئاسي بدلاً من النظام البرلماني، الذي عملت به الجمهورية التركية منذ تأسيسها في عام 1923، وصوت أكثر من 51 في المائة من المقترعين بـ«نعم» لصالح التعديلات، في حين صوت نحو48 في المائة ضدها، وبذلك تحقق «حلم» إردوغان بتوسيع صلاحياته وباتت الطريق ممهدة أمامه للبقاء رئيساً للبلاد حتى عام 2029، وهو ما يعتبره معارضوه «كابوساً».
وأدلى الناخبون بأصواتهم في الاستفتاء الذي أثار الكثير من الجدل داخل تركيا وخارجها؛ إذ رفضت المعارضة ممثلة في حزبي «الشعب الجمهوري» و«الشعوب الديمقراطي» حزمة التعديلات المكونة من 18 مادة، في حين أيدها حزب الحركة القومية. وتجاوزت نسبة الإقبال على التصويت 80 في المائة من بين عدد الناخبين البالغ 55 مليونا أدلوا بأصواتهم في 176 ألفا و140 صندوقا، إلى جانب 461 صندوقا لنزلاء السجون، وبلغ عدد من أدلوا بأصواتهم 53 مليونا و561 ألفا.
واللافت في أصوات الناخبين في الخارج، تصويت نحو 67 في المائة من الناخبين في هولندا، و62 في المائة في ألمانيا، و80 في المائة في بلجيكا، و59 في المائة في فرنسا، و71 في المائة في النمسا لصالح التعديلات، في حين صوت 85 في المائة من الأتراك في أميركا بـ«لا». وتابع الرئيس إردوغان إعلان نتائج الاستفتاء من قصر هوبر في إسطنبول، في حين تابعها رئيس الوزراء بن علي يلدريم من المقر العام لحزب العدالة والتنمية الحاكم في أنقرة.
وجاءت النتائج متقاربة إلى حد كبير مع ما أظهرته استطلاعات الرأي الأخيرة قبل الاستفتاء، التي أظهرت تقدم معسكر «نعم» بفارق ضئيل على معسكر «لا»، وتوقعت فوز معسكر «نعم» بما يراوح بين 51 و52 في المائة.
وكانت المفاجأة في مدينة إسطنبول التي تعد واحدا من أهم المعاقل الانتخابية لحزب العدالة والتنمية الحاكم، التي لم يصوت ناخبوها بأغلبية كبيرة لصالح العدالة والتنمية، كما فقد الحزب العاصمة أنقرة، حيث صوت 50.3 في المائة من ناخبيها بـ«لا».
وقال نائب زعيم حزب الشعب الجمهوري: إن قرارا اتخذته لجنة الانتخابات التركية في اللحظة الأخيرة لقبول أصوات غير مختومة أصواتا صحيحة سيتسبب في مشكلة خطيرة في شرعية الاستفتاء. وجاء في بيان على الموقع الإلكتروني للمجلس الأعلى للانتخابات قبل ساعات من إغلاق مراكز الاقتراع أن «المجلس سيحصي أصواتا لم يختمها مسؤولوه بوصفها صحيحة إلا إذا ثبت أنها مزيفة»، متعللا بوجود عدد كبير من الشكاوى من أن مسؤولي المجلس في مراكز الاقتراع لم يقوموا بختم كل أوراق الاقتراع. وقال بولنت تيزجان، نائب رئيس «الشعب الجمهوري» للصحافيين في مقر الحزب في أنقرة: «المجلس الأعلى للانتخابات فشل من خلال السماح بحدوث تزوير في الاستفتاء».
وأثار الاستفتاء انقساما واسعا في صفوف الشعب التركي نتيجة حالة الاستقطاب السائدة في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في منتصف يوليو (تموز) الماضي، التي ركز عليها الرئيس التركي في حملته للاستفتاء على تعديل الدستور. وأكد إردوغان وأنصاره، أن هذه التعديلات ضرورية لإصلاح الدستور الحالي الذي وضعه جنرالات عام 1982 في أعقاب الانقلاب العسكري عام 1980 ولمواجهة تحديات أمنية وسياسية أمام تركيا وتفادي الحكومات الائتلافية الهشة التي تشكلت في الماضي.
في المقابل، قال المعارضون: إن الاستفتاء هو خطوة نحو المزيد من الاستبداد في بلد سجن فيه أكثر من 47 ألف شخص، كما تمت إقالة أكثر من 140 ألف شخص من وظائفهم أو وقفهم عن العمل في حملة أعقبت الانقلاب الفاشل في يوليو الماضي؛ مما أثار انتقادات من حلفاء تركيا في الغرب ومنظمات حقوقية دولية.
كما تدهورت العلاقات بين تركيا وأوروبا خلال حملة الاستفتاء عندما منعت دول بالاتحاد الأوروبي، من بينها ألمانيا وهولندا، وزراء أتراكا من تنظيم لقاءات جماهيرية للدعاية للتعديلات الدستورية. ووصف إردوغان هذه التحركات بأنها «أفعال نازية»، وقال: إن تركيا قد تعيد النظر في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي بعد سنوات كثيرة من سعيها للانضمام إليه.
واتهم كمال كليتشدا أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض، إردوغان بالسعي إلى نظام «الرجل الواحد»، قائلا إن التعديلات المقترحة ستجعل تركيا في خطر. وأضاف في آخر تجمع انتخابي له بالعاصمة أنقرة «ليس للأمر علاقة باليمين أو اليسار. إنها قضية وطنية. سنتخذ اختياراتنا مع وضع أبنائنا والمستقبل في الاعتبار».
وقال أحد الناخبين في لجنة في حي أفجيلار في إسطنبول لـ«الشرق الأوسط» إنه صوت بـ«لا» لأنه لا يريد أن يحكم فرد واحد تركيا؛ لأن ذلك سيضعفها ولن يقويها. لكن ناخبا آخر قال: إنه صوت بـ«نعم» من أجل تركيا قوية تحظى بالاستقرار، وتمضي في طريق النمو وتتجنب الانقلابات.
وعقد إردوغان عشية الاستفتاء أربعة تجمعات انتخابية بمدينة إسطنبول، كما ظهر رئيس الوزراء بن علي يلدريم في تجمعين، وحثا أنصارهما على الإقبال بقوة على التصويت. وتقضي مواد التعديلات وعددها 18 مادة بإلغاء منصب رئيس الوزراء ومنح الرئيس سلطة وضع مشروع الميزانية وإعلان حالة الطوارئ وإصدار المراسيم للإشراف على الوزارات دون موافقة البرلمان.
وشهدت عمليات التصويت في الاستفتاء هدوءا كبيرا باستثناء بعض الحوادث، حيث وقعت اشتباكات بين معارضي التعديلات الدستورية ومؤيديها في ديار بكر جنوب شرقي تركيا، قالت مصادر أمنية إنها «أسفرت عن مقتل شخصين».
وعقب إدلائه بصوته في إسطنبول وصف الرئيس إردوغان الاستفتاء بأنه حدث «غير عادي»؛ كونه يتعلق بمستقبل تركيا، وقال: إنني أثق بأن الشعب التركي سيتخذ قرارا من شأنه أن يحقق قفزة وتنمية أسرع. وأضاف: «ستتقدم أمتنا هنا وفي الخارج نحو المستقبل هذا المساء بقيامها بالخيار المنتظر».
واستقبل مئات المواطنين الأتراك الرئيس أمام المركز الانتخابي بشعارات الدعم والتأييد، حيث قام إردوغان بالتقاط الصور وتبادل الحديث مع المواطنين، ولفت إلى أنه سيتابع نتائج الاستفتاء من مدينة إسطنبول هذا المساء (مساء أمس).
من جانبه، أكد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، احترامه لأي نتيجة تصدر عن الاستفتاء الشعبي على التعديلات الدستورية. وقال يلدريم: «أيا كانت نتيجة الاستفتاء فهي تاج على رؤوسنا؛ لأن القرار الذي يعطيه شعبنا هو الأفضل».
وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، الذي أدلى بصوته في أنطاليا جنوب تركيا: «اليوم يمثّل نقطة تحول مهمة من أجل مستقبل تركيا».
بدوره، أشاد وزير الدفاع فكري إيشيك، عقب التصويت في ولاية كوجالي غرب تركيا بمستوى النضج الذي وصلت إليه تركيا فيما يتعلق بالديمقراطية، وقال: «شهدت البلاد حملات حرة للاستفتاء، وسيختار الشعب قراره في الصناديق ليتضح بعد ساعات ما إذا كانت تركيا ستنتقل إلى النظام الرئاسي أم لا». أما وزير العدل بكر بوزداغ، فقال للصحافيين في ولاية يوزغات (شرق): إن «الشعب التركي هو صاحب القرار اليوم»، معرباً عن أمله في أن يكون الاستفتاء «خيراً على البلاد». وأكد بوزداغ، أن المواطنين الأتراك «يدلون بأصواتهم للاستفتاء الشعبي في عموم البلاد بأمان وسلام». مشددا على أهمية الاستفتاء بالنسبة لمستقبل تركيا.
بدوره، قال رئيس حزب الحركة القومية التركي دولت بهشلي، الذي دعم حزبه التعديلات منذ البداية: إن السياسة في تركيا ستشهد إعادة هيكلة عقب الاستفتاء على التعديلات الدستورية. وأضاف عقب الإدلاء بصوته في أنقرة أمس: إن الاستفتاء هو نقطة تحول بالنسبة إلى الشعب؛ لأن السياسة التركية ستشهد إعادة هيكلة جديدة فيما يخص مستقبل البلاد. وأشار إلى أهمية المشاركة العالية في التصويت: «كضرورة للثقافة الديمقراطية التي يتحلى بها الشعب التركي».
وكان البرلمان التركي أقر التعديلات الدستورية بعد تصويت 339 نائبا لصالحها في 21 يناير (كانون الثاني) الماضي، في حين رفضها 142 نائبا، وتمت إحالتها إلى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الذي صادق عليها في بداية فبراير (شباط) لتحال إلى الاستفتاء الشعبي.
ودشن الرئيس إردوغان، الذي سعى منذ توليه منصب رئيس الوزراء إلى الانتقال إلى الحكم الرئاسي، حملة تأييد التعديلات الدستورية في السابع عشر من فبراير الماضي بمدينة كهرمان ماراش جنوب تركيا، أحد معاقله الرئيسية التي أيدته في الانتخابات الرئاسية في أغسطس (آب) 2014.
وأطلق حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، الحملة الدعائية المعارضة للاستفتاء في 20 فبراير الماضي في مدن إسطنبول وأنقرة وإزمير غربي البلاد، في حين دشن حزب العدالة والتنمية في 25 فبراير الماضي بأنقرة حملة تأييد للاستفتاء على التعديلات الدستورية.
وأطلق حزب الحركة القومية، الداعم للتعديلات، حملة تأييد منفصلة عن حزب العدالة والتنمية، وأكد زعيمه دولت بهشلي، أن «حزبه سيصوت بـ(نعم) للتعديلات الجديدة في الاستفتاء الشعبي لمصلحة الشعب التركي، وليس من أجل إردوغان».
في المقابل، أعلن حزب الشعوب الديمقراطي، أنه سيصوت ضد التعديلات الدستورية في الاستفتاء، محذراً من أن إقرار التعديلات سيؤدي إلى رفع الحاجز الانتخابي البالغ نسبته حاليا 10 في المائة لدخول البرلمان كحزب إلى نسبة 50 في المائة. كما أطلق 550 نائبا سابقا بالبرلمان التركي ممثلون عن 16 حزبا سياسيا حملة معارضة للتعديلات الدستورية.
ورغم إقرار الجميع باحترام قرار الشعب التركي بتأييد أو رفض التعديلات الدستورية، فإن كل طرف يدعو إلى اختيار «النهج الصحيح» الذي يسلكه.
واتسمت الحملات الدعائية للفريقين، المؤيد والمعارض، بالتراشق الإعلامي وتبادل الاتهامات، وبخاصة في الآونة الأخيرة بين الرئيس إردوغان وحزب العدالة والتنمية من جهة، ورئيس وأعضاء حزب الشعب الجمهوري من جهة أخرى.
واعتبر الجانب المؤيد للتعديلات الدستورية، أن الانتقال إلى النظام الرئاسي سيعزز موقع تركيا عالميا، ويزيد من حجم الاستثمارات فيها، ويقوي الاقتصاد ويجلب المزيد من رؤوس الأموال الأجنبية إلى البلاد. في المقابل، اعتبر معسكر المعارضين أن تأييد التعديلات الدستورية «يضعف» البرلمان ويمنح جميع السلطات لرجل واحد، كما أنه لن يساعد على حل مشكلات البطالة وعدم الاستقرار الاقتصادي والعملة المحلية، وسيؤدي إلى «تسييس» بعض المؤسسات المهمة.



الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية

الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية
TT

الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية

الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية

قالت الشرطة الدنماركية، على موقعها الإلكتروني، اليوم الخميس، إنها بصدد تفتيش سفينة حاويات موجودة في مضيق كاتيجات بين الدنمارك والسويد كانت في طريقها إلى ميناء آرهوس.

ووفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، أكدت الشرطة لهيئة الإعلام الدنماركية «تي في 2» أن روسيا هي بلد منشأ السفينة، المعروفة باسم «نورا»، ولم يجرِ الكشف عن أسباب التفتيش.

ووفقاً لموقع «فيسل فايندر»، يبلغ طول السفينة «نورا» 227 متراً، وكانت آخِر مرة رست فيها في ميناء سانت بطرسبرغ.

وذكرت وكالة الأنباء الدنماركية «ريتزاو» أن السلطات الملاحية الدنماركية كانت قد احتجزت السفينة، في فبراير (شباط) الماضي، ومنذ ذلك الحين وهي ترسو في الجزء الشمالي من مضيق كاتيجات.

وذكرت أن السفينة «نورا» كانت ترفع عَلم جزر القمر، لكنها مسجلة في إيران.

وأفادت «ريتزاو» أيضاً، بناء على معلومات من وزارة الخزانة الأميركية، بأن السفينة «نورا» كانت مرتبطة بشركة «ريل شيبينج إل إل سي» وتخضع لعقوبات دولية.

وتردَّد أن الشركة يسيطر عليها محمد حسين شمخاني، الذي كان والده علي شمخاني مستشاراً رئيسياً للمرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي.

ولقي كلاهما حتفهما في هجمات شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في نهاية فبراير.


اتحاد للبحّارة: يحق لنا رفض الإبحار في مضيق هرمز

ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
TT

اتحاد للبحّارة: يحق لنا رفض الإبحار في مضيق هرمز

ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)

قال اتحاد رائد للبحارة ومجموعات في قطاع الشحن، الخميس، إن للبحارة الحق في رفض الإبحار على متن السفن التي تمر عبر الخليج، بما في ذلك مضيق هرمز، بعد ارتفاع التهديد في المنطقة إلى أعلى مستوى له.

ويوجد نحو 300 سفينة راسية على جانبَي المضيق في الوقت الذي تتصاعد فيه الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران. ومنذ 28 فبراير (شباط)، تعرضت تسع سفن لأضرار، ولقي بحار واحد على الأقل مصرعه، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وكجزء من الترتيبات التي تم التوصل إليها، الخميس، بين البحارة وشركات الشحن التجاري، والمعروفة باسم «المنتدى الدولي للتفاوض»، يمكن للبحارة رفض الإبحار في المنطقة، مع إعادة ترحيلهم على نفقة الشركة وتعويضهم بمبلغ يعادل أجرهم الأساسي لمدة شهرين.

وذكر الاتحاد الدولي لعمال النقل في بيان أنه بالإضافة لما هو مقرر، سيحصل البحارة على أجر أعلى، وسيتم مضاعفة التعويض في حالة الوفاة أو العجز.

وقال ستيفن كوتون، الأمين العام للاتحاد الدولي لعمال النقل: «يضمن التصنيف الحالي أن البحارة على السفن المشمولة باتفاقيات (المنتدى الدولي للتفاوض) يتمتعون بحماية أساسية إذا كانوا يعملون في هذه المنطقة الخطرة».

وأضاف: «اضطرارنا لاتخاذ هذه التدابير في حد ذاته دليل قاطع على الوضع الذي يواجهه البحارة اليوم. لا ينبغي أن يتعرض أي عامل لخطر القتل أو التشويه لمجرد قيامه بعمله...».


انخفاض مخزونات الأسلحة... كيف يؤثر على مسار الحرب الإيرانية؟

نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)
نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)
TT

انخفاض مخزونات الأسلحة... كيف يؤثر على مسار الحرب الإيرانية؟

نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)
نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)

في الحروب الحديثة، لا تُحسم المعارك بالاستراتيجيات العسكرية والقدرات القتالية وحدها، بل تلعب الموارد اللوجستية ومخزونات الأسلحة دوراً حاسماً في تحديد مسار الصراع ومدته؛ فكلما طال أمد المواجهة، أصبح السؤال حول قدرة الأطراف المتحاربة على الحفاظ على وتيرة العمليات العسكرية وتوفير الذخائر والمعدات مسألة محورية قد تؤثر بشكل مباشر في مآلات الحرب.

وفي هذا السياق، كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن بلاده تمتلك «إمدادات غير محدودة تقريباً» من الأسلحة الرئيسية. في المقابل، تؤكد وزارة الدفاع الإيرانية أن لديها «القدرة على مقاومة العدو» لفترة أطول مما خططت له الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن مخزونات الأسلحة والإمدادات لا يمكن أن تحسم نتيجة الصراع بمفردها؛ فالتاريخ الحديث يبيّن أن التفوق في العتاد لا يضمن بالضرورة تحقيق النصر، كما ظهر في الحرب بين روسيا وأوكرانيا؛ حيث تمتعت موسكو بتفوق واضح في العدد والعدة، ومع ذلك استمر الصراع لفترة طويلة دون حسم سريع. ومع هذا، تبقى الموارد العسكرية عاملاً مهماً في استدامة العمليات القتالية، وفقاً لتقرير لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)».

ومنذ بداية الحرب الإيرانية الحالية، كانت وتيرة العمليات العسكرية مرتفعة للغاية، ما يعني أن كلا الجانبين يستهلكان الأسلحة والذخائر بوتيرة أسرع من القدرة على إنتاجها.

ويقدّر «معهد دراسات الأمن القومي (INSS)»، في تل أبيب، أن الولايات المتحدة وإسرائيل نفذتا بالفعل أكثر من ألفي ضربة عسكرية، استخدمت في كل منها عدة أنواع من الذخائر.

في المقابل، يشير المعهد إلى أن إيران أطلقت 571 صاروخاً و1391 طائرة مسيّرة، وقد تم اعتراض العديد منها. وبالنسبة لكلا الطرفين، سيصبح الحفاظ على هذا المستوى المرتفع من العمليات القتالية أكثر صعوبة، كلما طال أمد الحرب، بحسب «بي بي سي».

آثار الصواريخ في سماء نتانيا الإسرائيلية تظهر وسط وابل جديد من الهجمات الصاروخية الإيرانية (أ.ف.ب)

الوضع الإيراني

يقول مسؤولون غربيون إنهم لاحظوا انخفاضاً في عدد الصواريخ التي تطلقها إيران؛ حيث تراجع المعدل من مئات الصواريخ في اليوم الأول للحرب إلى عشرات الصواريخ فقط في الوقت الحالي.

وقبل اندلاع الحرب، كان يُقدَّر أن إيران تمتلك مخزوناً يزيد على ألفي صاروخ باليستي قصير المدى. ومع ذلك، لا تنشر الجيوش عادة أرقاماً دقيقة حول عدد الأسلحة التي تمتلكها؛ إذ تُبقي هذه المعلومات سرية بهدف عدم كشف قدراتها الحقيقية للخصوم.

وفي هذا الإطار، صرّح القائد الأعلى للقوات الأميركية، الجنرال دان كين، أمس (الأربعاء)، بأن إطلاق إيران للصواريخ الباليستية انخفض بنسبة 86 في المائة مقارنة باليوم الأول للقتال يوم السبت. كما تقول «القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)» إن هناك انخفاضاً بنسبة 23 في المائة خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية فقط.

ويُعتقد أن إيران أنتجت عشرات الآلاف من طائراتها المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه «شاهد» بكميات كبيرة، قبل اندلاع الحرب. وقد صدّرت هذه التقنية إلى روسيا، التي تستخدم نسختها الخاصة من «شاهد» بفعالية مدمرة في أوكرانيا. وحتى الولايات المتحدة قامت بنسخ هذا التصميم.

طائرة إيرانية مسيرة من طراز «شاهد» أطلقتها روسيا تحلق في السماء قبل ثوانٍ من اصطدامها بالمباني في كييف (أ.ب)

غير أن كين قال إن عمليات إطلاق الطائرات المسيّرة الإيرانية انخفضت أيضاً بنسبة 73 في المائة، منذ اليوم الأول للصراع، ما يشير إلى أن إيران قد تواجه صعوبة في الحفاظ على وتيرة عمليات مرتفعة لفترة طويلة.

ومع ذلك، لا يمكن استبعاد احتمال أن يكون هذا التراجع الحاد محاولة متعمدة للحفاظ على المخزونات العسكرية. لكن استمرار الإنتاج سيصبح أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

وفي الوقت الراهن، تتمتع الطائرات الأميركية والإسرائيلية بتفوق جوي واضح فوق إيران.

وتقول القيادة المركزية الأميركية إن المرحلة التالية من الحرب تركز على ملاحقة منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، إضافة إلى استهداف مخزونات الأسلحة وتدمير المصانع التي تُنتجها.

ورغم أن التفوق الجوي قد يسهل على الولايات المتحدة وإسرائيل إضعاف القدرة القتالية الإيرانية، فإن تدمير جميع مخزونات أسلحتها سيظل مهمة صعبة للغاية، بحسب تقرير «بي بي سي».

أنظمة الدفاع الجوي تعترض طائرة مسيرة بالقرب من القنصلية الأميركية ومطار أربيل الدولي (إ.ب.أ)

الولايات المتحدة... والجيش الأقوى

لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم؛ إذ يفوق مخزونها من الأسلحة التقليدية مخزون أي دولة أخرى.

ومع ذلك، يعتمد الجيش الأميركي بدرجة كبيرة على الأسلحة الدقيقة التوجيه باهظة الثمن، التي تُنتج عادة بكميات محدودة. وتشير التقارير إلى أن ترمب دعا إلى اجتماع مع شركات المقاولات الدفاعية في وقت لاحق من هذا الأسبوع للضغط عليها من أجل تسريع الإنتاج، وهو ما قد يشير إلى أن موارد الولايات المتحدة نفسها قد تتعرض لضغوط إذا استمر الصراع لفترة طويلة.

وقد خفّ بعض هذا الضغط مؤخراً، بعد أن باتت أميركا تتمتع بحرية نسبية في تنفيذ ضربات قريبة المدى.

طائرة مقاتلة تستعد للهبوط في قاعدة جوية تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني بعد تعرضها لهجوم بطائرة مسيرة بالقرب من ليماسول بقبرص (أ.ب)

وأوضح كين أن واشنطن تخلّت بالفعل عن استخدام «الأسلحة بعيدة المدى» في هذه المرحلة من العمليات، وهي أسلحة أكثر تكلفة وتطوراً، مثل صواريخ «توماهوك كروز».

وبدلاً من ذلك، يستخدم سلاح الجو الأميركي الآن أسلحة «بديلة» أقل تكلفة، مثل قنابل JDAM التي يمكن إسقاطها مباشرة فوق الهدف.

ويقول مارك كانسيان، العقيد السابق في مشاة البحرية الأميركية، الذي يعمل في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)» في واشنطن، إنه بعد الهجوم الأولي من مسافة بعيدة «يمكن للولايات المتحدة الآن استخدام صواريخ وقنابل أقل تكلفة».

ويضيف أن واشنطن قادرة على مواصلة هذا المستوى من القتال «إلى أَجَل غير مسمى تقريباً». ومع ذلك، فكلما طالت الحرب تقلّصت قائمة الأهداف العسكرية المحتملة، وهو ما يؤدي عادة إلى تباطؤ تدريجي في وتيرة العمليات.

وتشكل الضربات العسكرية التي تعرضت لها إيران من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل تطوراً لافتاً ومؤثراً، ليس على واقع طهران فحسب، بل قد تنعكس تداعياتها على أكثر من صعيد في المنطقة.

ومنذ أيام، نفذت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل سلسلة ضربات قوية أدَّت إلى مقتل قادة بارزين في إيران، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي. وفي المقابل، أطلقت إيران سلسلة صواريخ ومسيَّرات باتجاه إسرائيل، لكن العديد منها طالت عدة دول عربية، وتسببت في حرائق وخلقت ضحايا وسط موجة إدانات ضد النظام الإيراني.