تعيينات ترمب الحكومية تثير مخاوف من تضارب المصالح

بعض مسؤولي إدارته شغل مناصب في جماعات ضغط استهدفت وزارات

الرئيس الأميركي برفقة دي غريبن مستشار البنية التحتية في المجلس الاقتصادي الوطني الذي عمل في بنك «ماكاري» المتخصص في البنى التحتية (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي برفقة دي غريبن مستشار البنية التحتية في المجلس الاقتصادي الوطني الذي عمل في بنك «ماكاري» المتخصص في البنى التحتية (نيويورك تايمز)
TT

تعيينات ترمب الحكومية تثير مخاوف من تضارب المصالح

الرئيس الأميركي برفقة دي غريبن مستشار البنية التحتية في المجلس الاقتصادي الوطني الذي عمل في بنك «ماكاري» المتخصص في البنى التحتية (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي برفقة دي غريبن مستشار البنية التحتية في المجلس الاقتصادي الوطني الذي عمل في بنك «ماكاري» المتخصص في البنى التحتية (نيويورك تايمز)

عيّن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعضاء جماعات الضغط والمحامين والمستشارين في البيت الأبيض والوكالات الفيدرالية الحكومية، في أغلب الأحيان، للمساعدة في سن سياسات جديدة للمجالات نفسها التي كانوا يتقاضون رواتب عنها حتى وقت قريب.
ووفق تحليل لكشوف بيانات حديثة وسجلات لجماعات الضغط ومقابلات شخصية أجرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، بالتعاون مع منظمة «برو بوبليكا»، مع مسؤولين سابقين في لجنة الأخلاق التابعة لمجلس النواب، فإن تضارب المصالح القادم سيكون في الجناح التنفيذي للسلطة.
ففي حالتين على الأقل، أدت تعيينات الرئيس إلى مخالفة القواعد الأخلاقية التي تحكم الإدارة الأميركية نفسها. إحدى هذه الحالات تتعلق بمايكل كتنزارو الذي عين في منصب كبير مستشاري البيت الأبيض لشؤون الطاقة. وحتى العام الماضي، كان كتنزارو عضوا بجماعات الضغط لصالح كبار المصنعين، مثل شركة «ديفون إنيرجي» من ولاية أوكلاهوما، وشركة النفط والغاز، وشركة «تالين إنيرجي» من بنسلفانيا، وهي محطة كهرباء تعمل على الفحم. كانت تلك الشركات تحارب القوانين البيئية التي صدرت في عهد باراك أوباما، منها خطة الطاقة النظيفة «كلين باور» التي كانت بمثابة نقطة تحول. واليوم، يتولى كتنزارو تلك القضايا نفسها نيابة عن الحكومة الفيدرالية.
نموذج آخر عن تضارب المصالح في الوزارات الأميركية، هو حالة تشاد وولف الذي أمضى سنوات كثيرة في الضغط لتقديم التمويل اللازم لـ«إدارة أمن المواصلات»، وهي إحدى إدارات وزارة الأمن الداخلي بالولايات المتحدة، وذلك لإنفاق مئات الملايين من الدولارات لشراء أجهزة جديدة للمسح الضوئي لتفتيش الحقائب. يشغل وولف حاليا منصب كبير الموظفين بتلك الإدارة، وتزامن تعيينه مع إجراء اختبار لتقييم الأجهزة التي كان يضغط لاقتنائها من قبل مسؤولي الإدارة. هناك كثير من الأمثلة الأخرى، ففي وزارة العمل، انضم مسؤولان إلى الإدارة من خلال جماعة الضغط «كي ستريت»، تاركين خلفهم مناصب كانوا يحاربون من خلالها قوانين العمل التي سنتها إدارة أوباما، من ضمنها سياسة تطالب المستشارين الماليين بخدمة مصالح العملاء فيما يتعلق بنصائح التقاعد.
لا يعتبر هذا الباب الدوار لجماعات الضغط ومسؤولي الحكومة جديدا على واشنطن، فكلا الحزبين تعود عليه. لكن إدارة ترمب أكثر عرضة للصراعات مقارنة بالإدارة السابقة، خصوصا بعد أن ألغى الرئيس مبدأ أخلاقيا يحظر جماعات الضغط من الانضمام إلى إدارات مارسوا الضغط عليها خلال العامين الماضيين.
إلى ذلك، أعلن البيت الأبيض الجمعة الماضي أنه سيحتفظ بسرية سجلات زواره، وأن الإدارة لن تعلن بعد الآن عن أي بيانات تخص مديري الشركات أو جماعات الضغط وغيرهم ممن يزرون مجمع البيت الأبيض غالبا للتأثير على سياسات الحكومة في صالحهم. غير أن التغييرات تسببت في إثارة انتقادات حادة من قبل المدافعين عن القيم والمبادئ الحكومية بالبلاد.
وبحسب تحليل «مكتب الأخلاق الحكومية»، يعتبر الأشخاص الذين قام ترمب بتعيينهم أكثر ثراء ويملكون كيانات مالية كبيرة وعلاقات مع القطاع الخاص أكثر من أسلافهم في الإدارة السابقة. ومن شأن ذلك، وفق تحليل المكتب، أن يزيد من احتمالات وجود تعارض فيما يخص الاستثمارات أو التعاملات مع عملائهم السابقين، وهو ما سيجبر هؤلاء الأشخاص على بيع أصولهم أو البحث عمن يتنازلون لصالحهم أو التنحي عن مناصبهم. ورفضت متحدثة باسم البيت الأبيض، سارة ساندرس، طلبات كثيرة من صحيفة «ذا تايمز» للسماح لها بالحديث مع ستيفن بسنتينو، محامي البيت الأبيض المسؤول عن سياسة «الأخلاق»، وبدلا من ذلك قدم البيت الأبيض تصريحا مكتوبا لم يتناول أيا من الأسئلة التي طرحتها الصحيفة بشأن المخالفات المحتملة.
وقال البيان المكتوب إن «البيت الأبيض ملتزم وبصورة بالغة الجدية بتعهده الأخلاقي إزاء قوانين تعارض المصالح مع المناصب الحكومية. ويطالب البيت الأبيض جميع موظفيه العمل جنبا إلى جنب مع لجنة القيم لضمان الالتزام بقوانينها، وكذلك طالب بحزم جميع العاملين إما التخلي عن أعمالهم الخاصة وإما التنحي».
ويمهد استبدال إدارة ترمب الموظفين الحكوميين المعينين في فترة أوباما الطريق لتغيير جذري في القوانين. وتعهد الرئيس بإنهاء واستبدال بعض المبادرات التنظيمية لإدارة الرئيس أوباما، بدءا من قوانين «وول ستريت» إلى قوانين البيئة، ولذلك قام بتعيين عدد من المسؤولين السابقين من أصحاب النفوذ في الشركات لقيادة الدفة في هذا الاتجاه.
في المقابل، يرى أنصار الإدارة الحالية أن المعينين الجدد ممن لهم علاقات بالشركات والمشروعات بمقدورهم ضخ روح جديدة، وإضفاء مستوى جديد من الحرفية الراقية داخل البيروقراطية الحكومية والمساعدة في نمو الاقتصاد. والجهود الهادفة إلى تقليص نطاق القوانين في بعض المجالات اجتذبت تأييد الحزبين. لكن في كثير من الحالات، فإن المسؤولين في إدارة ترمب يشغلون حاليا المناصب نفسها التي استهدفوها خلال عملهم في جماعات الضغط أو شركات المحاماة في العامين الماضيين.
مسؤولو البيت الأبيض في عهد ترمب يحافظون على صلات مع نحو 300 شركة حالية، منها شركة «آبل» وشركة التحوط المالي العملاقة «سيتادل»، وعملاق التأمين «أنثيم»، وفق تحليل صحيفة «تايمز». يذكر أن البيت الأبيض لم يكشف سوى عن نشاطات نصف عدد كبار الموظفين لديه، والبالغ عددهم 180 موظفا سياسيا رفيعا. وهناك أكثر من 40 عضوا سابقا في جماعات الضغط في البيت الأبيض حاليا وفي الحكومة بصفة عامة.
وفي هذا الصدد، يقوم والتر شوب، مدير مكتب القيم والأخلاق الحكومية، بتقديم الاستشارة إلى الوكالات الحكومية لمساعدتهم ومساعدة موظفيهم، ومنهم البيت الأبيض، للالتزام بقوانين القيم الفيدرالية، مثل حظر استخدام المنصب الحكومي لتحقيق منافع شخصية. وقال شوب إن التعليمات التي أصدرها ترمب بنفسه نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي بشأن المبادئ ألغت شرطا أساسيا سنه سلفه الرئيس باراك أوباما، وهو المبدأ الذي يحظر على المعينين في المناصب التنفيذية قبول الوظائف في جهات مارسوا ضغوطا لصالحها في السنوات الأخيرة، وهو الشرط الذي يهم نحو 4000 شخص معين في الجهاز التنفيذي.
* خدمة «نيويورك تايمز»



إجلاء 94 راكباً من «سفينة هانتا»... وثبوت إصابة أميركي وفرنسية بالفيروس

حافلة تقل رعايا بريطانيين أُعيدوا من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» لدى وصولها إلى مستشفى آرو بارك في بريطانيا الأحد (رويترز)
حافلة تقل رعايا بريطانيين أُعيدوا من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» لدى وصولها إلى مستشفى آرو بارك في بريطانيا الأحد (رويترز)
TT

إجلاء 94 راكباً من «سفينة هانتا»... وثبوت إصابة أميركي وفرنسية بالفيروس

حافلة تقل رعايا بريطانيين أُعيدوا من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» لدى وصولها إلى مستشفى آرو بارك في بريطانيا الأحد (رويترز)
حافلة تقل رعايا بريطانيين أُعيدوا من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» لدى وصولها إلى مستشفى آرو بارك في بريطانيا الأحد (رويترز)

أُجلي، أمس (الأحد)، نحو مائة من ركاب وأفراد طاقم «إم في هونديوس» التي رُصدت عليها إصابات بفيروس «هانتا»، وسط تدابير وقائية صارمة، على أن تستكمل عمليات الإجلاء، اليوم، قبل إبحار سفينة الرحلات السياحية إلى هولندا، فيما ثبتت إصابة راكب أميركي وسيدة فرنسية بالفيروس لدى عودتهما إلى بلادهما.

تم إجلاء ما مجموعه 94 شخصاً من الركاب وأفراد الطاقم من 19 جنسية مختلفة، وفق ما أعلنت وزيرة الصحة الإسبانية مونيكا غارسيا في تصريح للصحافيين أمس.

وكان الإسبان أول من غادروا السفينة تحت مراقبة مشدَّدة، وقد ارتدوا بدلات واقية أحادية الاستخدام ووضعوا كمامات، ثم غادر الفرنسيون وبعدهم رعايا دول أخرى.

وغادر الأشخاص الذين تم إجلاؤهم جواً الأرخبيل الإسباني عائدين إلى بلادهم.

تثير الأزمة على متن السفينة هونديوس قلقاً حول العالم، وتعيد إلى الأذهان ذكريات فيروس «كورونا».

وحتى الآن، سجَّلت «منظمة الصحة العالمية» ست إصابات مؤكدة بفيروس «هانتا» من بين ثماني حالات مشتبه بها، بما في ذلك ثلاث وفيات جرَّاء هذا الفيروس المعروف والنادر والذي لا يوجد له أي لقاح أو علاج.

رحلة وحيدة إلى أستراليا

تُستأنف عمليات الإجلاء عصر اليوم، على أن تختتم برحلة جوية أخيرة متجهة إلى أستراليا.

بعد ذلك تبحر السفينة من ميناء غراناديا إلى المحيط الأطلسي نحو الساعة 19:00 (18:00 ت غ)، وفق السلطات الإسبانية.

في المجموع، سيتم إجلاء أكثر من مائة شخص من 23 جنسية في أقل من 48 ساعة في إطار هذه العملية التي وصفتها مدريد بأنها «معقدة» و«غير مسبوقة»، إضافة إلى ثلاثة أشخاص كانوا قد نُقلوا قبل بضعة أيام إلى الرأس الأخضر.

إنزال ركاب من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» في ميناء غراناديلا بجزيرة تينيريفي الأحد (أ.ب)

وأعلنت منظمة الصحة العالمية أن جميع ركاب السفينة التي أبحرت من أوشوايا بالأرجنتين في الأول من أبريل (نيسان)، يُعتبرون «مخالطين ذوي خطورة عالية»، وسيخضعون للمراقبة لمدة 42 يوماً.

وهبطت طائرة تقلّ 14 إسبانياً تم إجلاؤهم من السفينة، أمس، في قاعدة توريخون العسكرية قرب مدريد، وفق ما أفاد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية».

ونُقل هؤلاء، وهم 13 من ركاب السفينة وشخص من أفراد الطاقم، مباشرة إلى مستشفى غوميز أولا العسكري في جنوب غرب مدريد، حيث سيخضعون للحجر الصحي ويتلقون الرعاية الطبية اللازمة.

ووصلت الطائرة التي تقل خمسة فرنسيين جرى إجلاؤهم من السفينة إلى مطار لو بورجيه بالقرب من باريس.

وأظهرت فحوصات إصابة فرنسية من الركاب الذين تم إجلاؤهم بالفيروس، على ما أعلنت وزيرة الصحة ستيفاني ريست الاثنين، مشيرة إلى 22 حالة مخالطة مسجلة داخل فرنسا.
ومن أصل الفرنسيين الخمسة الذين أُعيدوا إلى باريس ووُضعوا في الحجر الصحي، ذكرت الوزيرة متحدثة لإذاعة «فرانس إنتر» أن حالة امرأة «تدهورت للأسف هذه الليلة» و«أظهرت الفحوصات إصابتها».

ومن المقرر أن يعقد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو اجتماعا جديدا بعد الظهر بهذا الشأن.

وأكَّد أحد هؤلاء وهو رولان سيتر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قبيل إقلاع الطائرة، أنّ «كل شيء على ما يرام». وعلى غرار الفرنسيين الأربعة الآخرين، سيخضع سيتر لحجر صحي مدته 72 ساعة، قبل أن يُنقل إذا استقرت حالته، إلى عزل منزلي لمدة 45 يوماً، بحسب الحكومة الفرنسية.

كما وصلت رحلة إجلاء هولندية إلى مدينة آيندهوفن وعلى متنها 26 راكباً وعضواً من طاقم السفينة السياحية، بينهم هولنديون وألمان وبلجيكيون ويونانيون.

وفي مطار آيندهوفن، خضع هؤلاء الذين تم إجلاؤهم لفحوص أجرتها فرق طبية، من بينها عناصر من الصليب الأحمر، بينما تقرر أن يعود الركاب الهولنديون إلى منازلهم مع إخضاعهم لحجر صحي لمدة ستة أسابيع.

مصاب أميركي

أعلن مسؤولون صحيون أميركيون، مساء أمس، أن واحداً من بين الركاب الأميركيين السبعة عشر الذين تم إجلاؤهم قد ثَبُتت إصابته بالفيروس لكن لم تظهر عليه أي أعراض.

وسيجري نقل الأميركيين أولاً إلى جامعة نبراسكا، التي تضم مرفق حجر صحي ممولاً اتحادياً، لتقييم ما إذا كانوا قد خالطوا عن قرب أي أشخاص تظهر عليهم الأعراض وتحديد مستويات خطر نشرهم للفيروس.

وقالت كايلا توماس، المتحدثة باسم مركز نبراسكا الطبي: «سيجري نقل راكب واحد إلى وحدة الاحتواء البيولوجي في نبراسكا عند الوصول، بينما سيتوجه الركاب الآخرون إلى وحدة الحجر الصحي الوطنية للتقييم والمراقبة، الراكب الذي سيتوجه إلى وحدة الاحتواء البيولوجي ثبتت إصابته بالفيروس لكن ليس لديه أعراض».

سلالة نادرة

يُشدِّد خبراء على أن سلالة الفيروس التي جرى رصدها على متن السفينة، وهي فيروس «هانتا الأنديز»، سلالة نادرة يمكن أن تنتقل من شخص لآخر، وتصل فترة حضانتها إلى ستة أسابيع.

ينتقل فيروس «هانتا» عادة من القوارض المصابة، غالباً عن طريق بولها وبرازها ولعابها.

إزاء هذه الأزمة الصحية الطارئة، أبدت السلطات الإقليمية في جزر الكناري معارضتها لرسو السفينة في الأرخبيل، كما عبّر السكان بدورهم عن مخاوفهم.

ويمكن أن يُسبب هذا المرض متلازمة تنفسية حادة، لكن «منظمة الصحة العالمية» أكدت أنه «ليس مثل كورونا» الذي تسبب في جائحة لا تزال حاضرة في الأذهان.


شغفه بالطيور كلفه حياته... من هو «المريض صفر» في تفشي «هانتا» على متن السفينة السياحية؟

عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)
عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)
TT

شغفه بالطيور كلفه حياته... من هو «المريض صفر» في تفشي «هانتا» على متن السفينة السياحية؟

عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)
عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)

كشفت السلطات الأرجنتينية هوية ما يُعرف بـ«المريض صفر» في تفشي فيروس هانتا القاتل على متن السفينة السياحية «إم في هونديوس»، وهو عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد، الذي يُرجّح أن شغفه بمراقبة الطيور قاده إلى العدوى التي أودت بحياته وحياة زوجته لاحقاً.

وبحسب صحيفة «نيويورك بوست» الأميركية، فقد كان شيلبيرورد، البالغ من العمر 70 عاماً، وزوجته ميريام (69 عاماً)، يقومان برحلة استمرت خمسة أشهر في أميركا الجنوبية، بدأت في الأرجنتين أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قبل أن يتنقلا بين تشيلي وأوروغواي ثم يعودا مجدداً إلى الأرجنتين في مارس (آذار)، حيث خاضا رحلة لمراقبة الطيور انتهت بمأساة.

وتم التعرف على هوية الزوجين، المتحدرين من قرية هاوليرويك الهولندية الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها 3000 نسمة، في نعي نُشر في مجلة قريتهما الشهرية.

وعُرف الزوجان بشغفهما الكبير بعالم الطيور، وسبق لهما نشر دراسة علمية عن الإوز ذي الأقدام الوردية نُشرت في مجلة علم الطيور الهولندية «هيت فوغلجار» عام 1984، وانطلقا في رحلات استكشافية حول العالم، من بينها رحلة خاصة لا تُنسى استغرقت 12 يوماً لمراقبة الطيور والحياة البرية في سريلانكا عام 2013، حيث أبدى الزوجان إعجابهما الشديد برؤية بومة سرنديب سكوبس النادرة.

وبحسب السلطات، زار الزوجان في 27 مارس مكب نفايات يقع قرب مدينة أوشوايا الأرجنتينية، وهو مكان يقصده هواة مراقبة الطيور لرؤية طائر نادر يُعرف باسم «الكاراكارا أبيض الحنجرة»، رغم تحذيرات السكان المحليين من خطورته بسبب انتشار القوارض الحاملة لفيروس «هانتا».

وتشتبه السلطات الأرجنتينية في أن الزوجين الهولنديين استنشقا في مكب النفايات جزيئات من براز جرذان الأرز القزم طويل الذيل، التي تحمل سلالة الأنديز المخيفة من فيروس هانتا؛ وهي السلالة الوحيدة المعروفة بانتقالها من إنسان إلى آخر.

وفي الأول من أبريل (نيسان)، استقل الزوجان سفينة «إم في هونديوس» من أوشوايا، برفقة 112 شخصاً آخر، كان العديد منهم من هواة مراقبة الطيور أو العلماء.

وفي السادس من أبريل، ظهرت على ليو أعراض خطيرة شملت الحمى والصداع وآلام المعدة والإسهال، قبل أن يتوفى على متن السفينة بعد خمسة أيام.

أما زوجته ميريام، فقد غادرت السفينة مع جثمان زوجها، في 24 أبريل، خلال توقف مقرر في جزيرة سانت هيلينا بالمحيط الأطلسي، ثم سافرت إلى جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا لاستكمال رحلتها نحو هولندا، إلا أن حالتها الصحية تدهورت بشكل حاد، وتم إنزالها من الطائرة قبل الإقلاع بعدما بدت غير قادرة على السفر، لتنهار في المطار وتفارق الحياة في اليوم التالي.

وأعلنت منظمة ‌الصحة العالمية يوم الجمعة أن ثمانية أشخاص أصيبوا ‌بالمرض، من بينهم ثلاثة توفوا، هما الزوجان الهولنديان ‌ومواطن ألماني.

وأفادت المنظمة بأنه تم تأكيد إصابة ستة من الثمانية بالفيروس، مع وجود حالتين مشتبه فيهما.

وأعلن المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن جميع ركاب السفينة السياحية التي شهدت تفشي الفيروس مصنفون على أنهم من المخالطين المعرضين لخطر كبير.

يأتي ذلك فيما رست السفينة اليوم الأحد قبالة جزيرة تينيريفي الإسبانية.

وقال المركز ‌أمس (السبت) إن الركاب ⁠الذين لا تظهر عليهم أعراض ستتم إعادتهم إلى بلدانهم للخضوع للحجر الصحي الذاتي عبر وسائل نقل مرتبة خصيصاً لهذا الغرض، وليس عبر الرحلات الجوية التجارية العادية.


العملات المستقرّة... سلاح جيوسياسي صاعد

واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)
واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)
TT

العملات المستقرّة... سلاح جيوسياسي صاعد

واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)
واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)

ظهرت فكرة العملات المستقرة تدريجياً مع تطوّر سوق العملات الرقمية، إلا أن انطلاقتها الفعلية حصلت في منتصف العقد الماضي. وكانت Tether أول عملة مستقرة تحظى بانتشار واسع، علماً أنها أُطلقت عام 2014 تحت اسم Realcoin. ومع توسّع سوق العملات الرقمية، خاصة بعد الانتشار الكبير لـBitcoin، ظهرت مشاريع أخرى مثل Dai في عام 2017، وUSD Coin في عام 2018.

بشكل عام، أصبحت العملات المستقرة واقعاً راسخاً بين 2017 و2019، مع تزايد استخدامها في التداول، ومجالات التمويل اللامركزي، وهو نظام مالي يتيح القيام بتعاملات مباشرة من دون المرور بوسطاء مثل المصارف. وتعود أهمية هذه العملات إلى طبيعة السوق الرقمية نفسها، إذ تعاني عملات مثل Bitcoin وEthereum تقلبات سعرية حادة، بحيث تشهد ارتفاعات أو انخفاضات كبيرة خلال فترات قصيرة. وهذا ما جعل استخدامها في الحياة اليومية أمراً صعباً، إذ لا يمكن الاعتماد عليها باعتبارها وسيلة دفع مستقرة، كما يتردد التجار في قبولها بسبب التغير المستمر لقيمتها، وحتى المتداولون أنفسهم يحتاجون إلى ملاذ آمن في السوق لحماية أموالهم من التقلبات.

عملة البتكوين الرقمية (رويترز)

من هنا برزت العملات المستقرة على أنها حل عملي، فهي عملات رقمية مصممة للحفاظ على قيمة شبه ثابتة، وغالباً ما تكون مرتبطة بالدولار الأميركي، أو بأصول تقليدية أخرى منها الذهب. وتجمع هذه العملات بين مزايا الاستقرار الذي تتمتع به العملات التقليدية، والمرونة والسرعة اللتين توفرهما العملات الرقمية.

تعتمد العملات المستقرة على عدة آليات للحفاظ على استقرارها. فمنها ما هو مدعوم بعملات تقليدية (Fiat - backed)، فتُغطّى كل وحدة رقمية باحتياط حقيقي من عملة مثل الدولار، ومحفوظ في مؤسسات مالية، كما هو الحال في Tether وUSD Coin. وهناك أيضاً عملات مدعومة بأصول رقمية، أي تضمنها عملات مشفرة أخرى ضمن نظام ضمانات يهدف إلى الحفاظ على استقرار قيمتها، كما في Dai. وثمة عملات، منها Pax Gold، مدعومة بالذهب.

*تعزيز الهيمنة

استناداً إلى التطورات والتحليلات التي شهدتها الفترة 2025-2026، يُنظر إلى العملات المستقرة المقومة بالدولار الأميركي على نطاق واسع بوصفها أداة فعّالة لتعزيز الهيمنة المالية الأميركية في العصر الرقمي. ورغم أنها تجلب مخاطر جديدة إلى النظام المالي، فإنها تُساهم بشكل كبير في ترسيخ دور الدولار ليصبح عملة احتياط عالمية من خلال تعزيز استخدامه في المعاملات الرقمية. فللحفاظ على ربط العملات المستقرة بالدولار، يجب على الجهات المُصدِرة (مثل Tether وCircle) الاحتفاظ باحتياطات من سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل. وبذلك يُضيف نمو العملات المستقرة مليارات الدولارات إلى الطلب على الديون الأميركية، مما يُعزز الدولار، ويُساعد الولايات المتحدة على تمويل عجزها بأسعار فائدة أقل.

المستقبل لعملة Tether وسواها من العملات الرقمية المستقرة؟ (أرشيفية - رويترز)

وفي البلدان التي تشهد تضخماً مرتفعاً (مثل نيجيريا والأرجنتين)، يتزايد إقبال الأفراد على استخدام العملات المستقرة المدعومة بالدولار، والتي غالباً ما يكون الوصول إليها أسهل من الدولار التقليدي. ولا شك في أن هذه الديناميكية توسّع نطاق النفوذ النقدي الأميركي بشكل تلقائي. ومن خلال تبني العملات المستقرة المنظمة والمدعومة بالدولار (بدعم من قانون توجيه وتأسيس الابتكار الوطني للعملات المستقرة الأميركية GENIUS الذي أُقرّ في عام 2025)، تضمن الولايات المتحدة أن تعتمد التجارة الرقمية العالمية على الدولار في وجه بدائل مثل اليوان الرقمي الصيني الموجود، واليورو الرقمي الموعود (مبدئياً في 2029)، وسواهما.

لكن مقابل الهيمنة المالية الأميركية، تبرز «معضلة تريفين» (واضع النظرية هو الأميركي–البلجيكي روبرت تريفين) التي تعني حصول تضارب جوهري في المصالح بين أهداف الولايات المتحدة الاقتصادية المحلية ومسؤولياتها الدولية بصفتها مُصدر العملة الاحتياطية الرئيسة في العالم. فلكي تؤدي العملة وظيفتها بوصفها عملة احتياطية عالمية، يجب أن تكون متاحة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم. وهذا يُشكل «فخاً» للدولار الأميركي، إذ يجب على الولايات المتحدة تزويد العالم بما يكفي من الدولارات لتسهيل التجارة والاستثمار العالميين، وبالتالي تسجيل عجز تجاري مستمر في ظل الحاجة إلى استيراد واسع من الخارج يفوق التصدير بهدف ضخ الدولارات في النظام المالي العالمي.

مع ذلك، يبقى الهدف من رقمنة الدولار حفاظ الولايات المتحدة على هيمنتها المالية، مع محاولة إعادة بناء قاعدتها الصناعية المحلية.

وفي هذا السياق، يمكن العودة إلى تصريحات الرئيس دونالد ترمب التي يدافع فيها بقوة عن قطاع العملات المشفرة، معلناً نيته جعل الولايات المتحدة عاصمة هذه العملات في العالم. وفي إطار هذا المسعى، أقرت الولايات المتحدة في يوليو (تموز) 2025 قانون «جينيوس»، بهدف إنشاء بيئة تنظيمية للعملات المستقرة، وضمان تطورها السليم.

*القيمة السوقية

بلغة الأرقام، بلغت القيمة السوقية الإجمالية للعملات المستقرة حتى نهاية مايو (أيار) الماضي نحو 230 مليار دولار، إلا أن هذه السوق تعد شبه احتكارية، إذ تستحوذ عملتان مستقرتان، هما Tether وUSD Coin، على معظم هذه القيمة (نحو 80 في المائة). والعملتان تصدَران في الولايات المتحدة، وتعتمد احتياطاتهما على الدولار الأميركي، أو سندات الخزانة الأميركية.

والواضح أن إدارة ترمب تسعى إلى استثمار هذه الهيمنة لجعل العملات المستقرة المقومة بالدولار معياراً عالمياً لإصدار العملات المشفّرة، وتداولها، وبالتالي الحفاظ على مكانة الدولار لتكون عملة احتياط عالمية بحكم الواقع. وبذلك تؤدي العملات المستقرة دوراً شبيهاً بدور الدولار في تجارة الطاقة العالمية منذ التخلي عن التغطية الذهبية للعملة الأميركية (نظام بريتون وودز) في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1971.

متجر في شنغهاي الصينية يقبل اليوان الرقمي (رويترز)

من المؤكد أن التحكم في السيولة يجعل العملات المستقرة أداة لاستهداف تدفقات الأموال لجهات معينة، مثل محاولات تجفيف السيولة في مناطق الصراع لمنع تمويل حركات مسلحة، أو كيانات سياسية «معادية». ولكن في المقابل، قد تسمح هذه الأداة نفسها بتجاوز العقوبات عبر الالتفاف على القيود المالية الدولية، مما يحولها إلى سلاح جيوسياسي في الصراعات الدولية.

بطبيعة الحال، العمل جارٍ لتحصين هذه العملات، واستخدامها على نحو لا يفيد إلا القائمين عليها، وهذه طبعاً مهمة شاقة، لأن تأطير التكنولوجيا وسدّ الثغرات ومعالجة نقاط الضعف ليست أموراً سهلة على الإطلاق.

*بين أميركا والصين

المهم أنه مع إعادة تشكّل الاقتصاد العالمي بفعل التفتّت الجيوسياسي، بدأت العملات المستقرة تكتسب مستوى جديداً من الأهمية. فهي لا تزال جزءاً من عالم الأصول الرقمية، لكن دورها لم يعد محصوراً داخل أسواق العملات المشفرة، بل امتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

هكذا أصبحت هذه العملات تؤثر بشكل متزايد في المدفوعات عبر الحدود، وفي الدور الدولي للدولار، وفي متانة البنية التحتية المالية، وكذلك في قدرة الدول على صَون استقلال سياساتها النقدية. هذا التداخل جعل منها قضية ذات أبعاد جيوسياسية، إذ باتت تقع عند نقطة التقاء التكنولوجيا، والمال، والنفوذ.

لا بد من التسليم بالريادة الأميركية في هذا المجال، لكن الأمر قد يتغير إذا نجحت الصين في تسويق اليوان الرقمي على نطاق واسع، لأنها ستبدأ في هذه الحالة تقويض هيمنة الدولار الأميركي، خاصة في آسيا، وأفريقيا، وأسواق «مبادرة الحزام والطريق» التي تسمح للصين بالسيطرة على قسط وافر من تدفقات التجارة. وسيغيّر تقديم بكين بديلاً رقمياً ناجحاً خاضعاً لسيطرة الدولة ومصمماً لترسيخ النفوذ داخل البنية التحتية المالية هيكل النظام المالي العالمي في شكله القائم منذ عقود.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإلى يساره وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال لقاء في لاس فيغاس حول السياسة الضريبية (رويترز)

في هذا السيناريو المستقبلي تستطيع بكين أن تشنّ هجوماً مضاداً استراتيجياً عبر تموضع هونغ كونغ باعتبار أنها مركز عالمي للتكنولوجيا المالية، وإطلاق عملات مستقرة متنوّعة مرتبطة باليوان -إلى جانب اليوان الرقمي الموجود حالياً- ومُحسِّنة للتسويات عبر الحدود في آسيا، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية. وقد تنجح أيضاً في إنشاء شبكة مالية بديلة بعيداً عن النفوذ الأميركي.

يبدو واضحاً أن السباق المالي بين الولايات المتحدة والصين سوف يستمر، تماماً مثل السباقات الأخرى التي يخوضانها، سواء في حلبة التجارة الدولية، أو حول مصير تايوان، أو توترات بحر الصين الجنوبي، أو النفوذ في أفريقيا، وسوى ذلك... لكن الفريقين يدركان حتماً أن الاستخدام المتزايد للعملات المستقرة في المدفوعات الدولية يهدد بتسريع ظاهرة «الدولرة» في اقتصادات الأسواق الناشئة، وتقويض قدرتها على التحكم في تدفقات الأموال، وفتح الباب أمام نشاطات إجرامية، وفقاً لتحذيرات مسؤولين كبار في مصارف مركزية.

في هذا الإطار، قال بابلو هيرنانديز دي كوس، المدير العام لبنك التسويات الدولية، إن العملات المستقرة «تولّد مخاطر جدية على نزاهة النظام المالي، ويمكن أن تسهّل التحايل على القوانين التنظيمية». ورأى أن الارتفاع السريع في استخدام العملات المستقرة قد «يسهّل التهرب من ضوابط رأس المال» في الأسواق الناشئة، والدول النامية. وأضاف أن شعبيتها المتزايدة «تفتح آفاقاً جديدة للتهرب الضريبي»، مشيراً إلى تقديرات تفيد بأن «العملات المستقرة باتت تمثل معظم التعاملات غير المشروعة داخل منظومة العملات الرقمية».

الذهب يدعم بعض العملات المستقرة (رويترز)

في 14 و15 مايو يلتقي دونالد ترمب وشي جينبينغ في بكين، فهل سيشمل البحث العملات المستقرة؟ ربما، لكن المؤكد أن الرئيسين سيلعبان بضع أوراق في لعبة المواجهة الناعمة، ويحتفظان بأوراق كثيرة أخرى للمواجهات المقبلة التي لا يُستبعد أن يكون بعضها خشناً.

فلنراقب تطور اليوان الرقمي الذي خرج من مرحلته التجريبية في الأول من يناير (كانون الثاني) 2026...