نائب أمين «الاشتراكي اليمني»: السلام لا يعني إفلات مجرمي الحرب من العقاب

المخلافي قال في حوار مع «الشرق الأوسط» إن احتكار الدولة للسلاح يقضي على الإرهاب

د. محمد المخلافي
د. محمد المخلافي
TT

نائب أمين «الاشتراكي اليمني»: السلام لا يعني إفلات مجرمي الحرب من العقاب

د. محمد المخلافي
د. محمد المخلافي

يؤكد الدكتور محمد المخلافي، نائب الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني، ضرورة أن يساق من ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية إلى المحاكم، لافتا إلى أهمية التفريق بين المجرمين بصفتهم أفرادا، وبين القوى الاجتماعية التي قادوها إلى الحرب.
ويرى المخلافي، وهو وزير الشؤون القانونية في حكومة الوفاق الوطني - سابقا - أن احتكار الدولة للسلاح يقضي على الإرهاب، مؤكدا أن اليمنيين أدركوا أن إخراج بلادهم من أزمته وتحقيق فترة انتقالية ناجحة يتطلب الشراكة والتوافق.
وفي حوار أجرته معه «الشرق الأوسط»، تحدث المخلافي عن جملة قضايا يمنية راهنة، تضمنت العدالة الانتقالية واسترداد الأموال المنهوبة، وكذا بخصوص التطرف والإرهاب، وطموحات وقدرات بعض الأطراف الإقليمية، وسعيها إلى نشر الفوضى في الإقليم. وفيما يلي نص الحوار...
* ما مخاطر الاتجاه إلى إعلان حالة الطوارئ في المحافظات الخاضعة لسلطة الانقلابيين؟
- حالة الطوارئ تتخذ عادة من قِبل سلطات شرعية، وهي وفقاً للدستور اليمني تعلن من قِبل رئيس الجمهورية بقرار جمهوري وفقاً لقانون طوارئ، وتستمر بموافقة الهيئة التشريعية، ويكون الهدف من ذلك صيانة الدستور والقانون من الانتهاكات والخروج عليه دون مسوغ قانوني. لكن إعلان حالة الطوارئ من قِبل جماعة متمردة وخارجة عن القانون ليس له من دلالة سوى الإعلان عن المزيد من أعمال التعدي على الحقوق والحريات، واستباحة الدماء والأموال، وبالتالي، يكون المواطنون اليمنيون الخاضعون لسلطة الانقلاب قد وضعوا في طابور الموت؛ الأمر الذي يستوجب من قوى السلام والمدافعين عن حقوق الإنسان في كل العالم السعي لرفع هذا الخطر عن كاهل اليمنيين بإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة.
* هناك تحذيرات بأن اليمن مقدِم على أكبر كارثة إنسانية في العالم... فهل ممكن منع حدوثها في ظل استمرار الحرب؟
- مؤشرات هذه الكارثة ماثلة أمامنا، فهناك أكثر من 3 ملايين مشرد في الداخل والخارج، وهناك أكثر من 7 ملايين يمني يعانون المجاعة، ولا سيما في محافظات الحديدة وتعز وصنعاء. نحو 19 مليون مواطن يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة، والسبب الرئيسي بالتأكيد هو الحرب، ومن غير المتصور إيقاف حدوث الكارثة الإنسانية في ظل الحرب، وهناك عوامل إضافية زادت الأزمة استفحالاً تتمثل في وقف دفع رواتب موظفي الدولة، وتحكّم الميليشيات في المساعدات الإنسانية، والحصار المضروب على المحافظات، مثل محافظة تعز، وبيع السلع التي تمثل احتياجات أساسية للمواطنين في السوق السوداء من قبل الميليشيات وتجار الحروب، وفرض إتاوات على السلع التجارية عند دخولها محافظات صنعاء وذمار وعمران، وقلة الاهتمام العالمي بهذه الكارثة، وبالتالي، ضعف المساعدات الأممية بالضحايا.
* كان مبدأ الشراكة والتوافق أساسا لإدارة الفترة الانتقالية... فهل ما زالت السلطات الشرعية تعمل وفقاً لهذين المبدأين؟
- لقد أُدرك اليمنيون أن إخراج اليمن من أزمته وتحقيق فترة انتقالية ناجحة يتطلب الشراكة والتوافق، وهو ما أكد عليه اتفاق المبادرة الخليجية واتفاق آلية تنفيذ نقل السلطة، واعتمدت الشراكة والتوافق مخرجات الحوار الوطني الشامل وضمانات تنفيذها ضمانا لنقل السلطة والانتقال الديمقراطي. والمقصود هنا بالشراكة والتوافق هو شراكة الأحزاب السياسية وتوافقها في إدارة المرحلة الانتقالية حتى تحقيق الانتقال إلى الدولة الاتحادية وإجراء انتخابات... وبعد اندلاع الحرب تعد هذه الشراكة ضمانة لاستعادة الدولة أولاً، وللعودة إلى العملية السياسية والانتقال الديمقراطي ثانياً، وإنجاز مهام ما تبقى من الفترة الانتقالية ثالثاً.
وربما بعد هذه الحرب التي دمرت، ليس مقدرات اليمن وحسب، بل قيمه ووشائجه الاجتماعية؛ فإننا ربما نكون في حاجة إلى الشراكة والتوافق حتى بعد تحقيق الانتقال الديمقراطي المنشود، لكن مع الأسف الشديد فإن الحرب كانت فرصة لمساعي إجهاض التعددية السياسية والحزبية، وأدت إلى تهميش فعلي للأحزاب السياسية جميعا دونما استثناء، واستبدالها بمراكز قوى ونفوذ قد تكون محسوبة على بعض الأحزاب، ولعل هذا أحد عوامل الضعف الأساسية للسلطة الشرعية... كنا وما زلنا نبذل جهوداً في الحزب الاشتراكي اليمني مع الأحزاب السياسية والسلطة الشرعية من أجل استعادة الشراكة والتوافق لتعزيز دور الشرعية وتفعيل دور الأحزاب في استعادة الدولة، وتخليص البلاد من آثار الحرب وتجاوز الانقسامات الوطنية بالأحزاب العابرة للانقسامات الطائفية والجهوية والسلالية، وغيرها من الانقسامات.
* إلى أي مدى أثر تعطيل إصدار قانون العدالة الانتقالية على مجريات الأحداث بالاتجاه السلبي؟ وهل الوقت متاح لإصدار قانون في الظروف الراهنة؟
- العدالة الانتقالية كانت وما زالت ضرورة لتجاوز آثار صراعات الماضي وانتهاكات حقوق الإنسان وزادت اليوم إلحاحاً؛ لأن الحرب قد جعلت الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أكثر حجماً واتساعا، واليوم، الحاجة ليس إلى جبر ضرر مئات الآلاف من ضحايا الصراعات السياسية السابقة، بل نحن في حاجة إلى العدالة الانتقالية لعودة الملايين من المشردين إلى ديارهم، واستعادة مساكنهم وأراضيهم وممتلكاتهم. والعدالة الانتقالية هي من الآليات الرئيسية لفترة ما بعد الصراعات، لكي يتم الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية ومن الحرب إلى السلام، وكانت من الأسباب التي مكّنت الثورة المضادة من الانقلاب، هي عدم تحقيق العدالة الانتقالية وعدم هيكلة مؤسسات الجيش والأمن، إضافة إلى التعثر في نقل السلطة.
* ما الذي أعاق إصدار قانون استرداد أموال الشعب المنهوبة حتى الآن؟ وهل يشترط لإصداره الآن إجراءات محددة؟
- في فترة التوافق الوطني أُعيق مشروع إصدار قانون استرداد الأموال المنهوبة في الحكومة من قِبل وزراء النظام القديم، ومع ذلك اتخذ قرار من مجلس الوزراء بموافقة الكتلتين: اللقاء المشترك وشركاؤه، والمؤتمر الشعبي العام وحلفاؤه على تكليف رئيس مجلس الوزراء محمد سالم باسندوة بطلب الاستشارة من الأمانة العامة للأمم المتحدة بشأن مدى صلاحية مشروع القانون المقدم من وزارة الشؤون القانونية على ضوء التجارب العالمية في هذا الشأن، ولكن الانقلاب سبق مسعى رئيس الوزراء آنذاك، وأطاح بالحكومة قبل أن تُنجز هذه المهمة، لكن هناك خيارات تتمثل بإصدار مرسوم رئاسي يُعمل به حتى تتوافر الظروف لإصداره قانونا.
* الحزب الاشتراكي اليمني أول من قدم مبادرة لإيقاف الحرب... ما قابليتها اليوم، وبخاصة في ظل المتغيرات المستمرة في البلاد؟
- المنطلق الأساسي لتلك الرؤية يتمثل في استعادة السلام الذي تم الانقلاب عليه من قبل تحالف الثورة المضادة - صالح والحوثي، باستعادة الدولة والعودة إلى العملية السياسية واستعادة الشراكة والتوافق، وإنهاء مسائل الخلاف بالجلوس على طاولة الحوار بعد تسليم السلاح ومقدرات الدولة، وانسحاب الميليشيات من المدن بالاستناد إلى المرجعيات التي تقوم عليها شرعية الفترة الانتقالية ومخرجات الحوار الوطني الشامل، وقرارات الشرعية الدولية الداعمة للانتقال الديمقراطي في اليمن، ومنها قرار مجلس الأمن رقم (2216)، وهو منطلق سيظل من مقومات نجاح كل خطة أو اتفاق للسلام.
* كيف تقيّمون ما آلت إليه أوضاع البلد اليوم، وهل لا يزال للسلام موقع في الأفق برأيكم؟
- اليمن اليوم وصل إلى مآلات كارثية اقتصادية واجتماعية وسياسية، وهو يواجه اليوم تحدي الوجود من الداخل والخارج، وإطالة مدى الحرب تزيد من عقبات تحقيق السلام وصعوبة إعادة البناء والإعمار، والأمر الأكثر خطورة هو أن العالم بدأ يصرف النظر عن الاهتمام بحرب اليمن؛ الأمر الذي يتطلب منا - الداعيين للسلام والمتمسكين بشرعية الدولة ومن العالم العربي، وفي مقدمتها دول الجوار المتمثلة في مجلس التعاون لدول الخليج العربية - أن يستعيد الاهتمام الدولي بالقضية اليمنية ومسار السلام.
* هل تعتقدون أن الانقلاب جاء على عجل وعلى خلفية مخرجات الحوار الوطني... أم دبّر خلال سنوات طوال من التآمر على اليمن؟
- الانقلاب جاء نتيجة لاستراتيجية الفشل التي اعتمدها النظام القديم من أول يوم من تشكيل حكومة الوفاق الوطني، والبدء بمرحلة الانتقال الديمقراطي، بدءا بضرب المنشآت الحيوية في البلاد كتفجير أنابيب النفط وأبراج الكهرباء وإعاقة نقل السلطة وإعاقة تطبيع الحياة العامة واستتباب الأمن. وكانت مؤشرات إعداد تحالف الثورة المضادة وحلفائها الإقليميين للانقلاب والحرب الأهلية ليست خفية، وساعد في ذلك تجاهل القوى الداعمة إلى التغيير المشاركة في السلطة لمتطلبات منع الانقلاب، ومن ذلك، إبقاء مؤسسات الدولة بيد الرئيس السابق - زعيم الانقلاب، ومنها، مؤسسات الجيش والأمن، رئاسة مجلس النواب، مجلس الشورى، المجالس المحلية بعد انتهاء ولايتها القانونية ومؤسسات الرقابة القضائية وغير القضائية، ومرد ذلك هو توقف الأحزاب الداعمة للتغيير الممثلة باللقاء المشترك وشركاؤه عن مؤازرة التغيير وممارسة موقف الخذلان لبعضها، وللطرف الممثل لها في الحكومة وانصرافها لاهتمام كل حزب بشؤونه الخاصة، ولم تستيقظ من سباتها لا السلطة ولا الأحزاب السياسية الداعمة التغيير حتى بعد صدور قرارات مجلس الأمن القاضي بفرض عقوبات على معرقلي العملية السياسية الذين كانوا يعدون للانقلاب، وعلى رأسهم علي عبد الله صالح وعائلته وعبد الملك الحوثي وعائلته، ومن ثَّم، كانت ثلاث سنوات كافية للإعداد للثورة المضادة والانقلاب وعلى مهلٍ وتروٍ، علاوة على ما عانته الحكومة من خذلان دولي بعدم الدعم الاقتصادي للبلاد، الذي كان سيلعب دوراً مهماً في تحقيق انتقال ديمقراطي آمن.
* هل اليمن مرشح لأن يكون ساحة لصراعات دولية مستقبلية؟
- مع الأسف الشديد، اليمن من البلدان التي تُستغل فيه النزعات الطائفية ووهم السلالة لجعلها ساحة للصراع بين العروبة ومستهدفيها، والحرب الدائرة اليوم كان مصدرها استهداف العروبة من قبل أطراف إقليمية طامحة لإعادة العرب إلى حظيرة سيطرة قديمة صارت في ذمة التاريخ، وهي أحلام لن تتحقق، لكنها قادرة على تدمير العالم العربي بسلاح الطائفية والإرهاب، وهذا هو السبب الأول لما يجري في كل من اليمن وسوريا والعراق وليبيا، واستهداف مصر وتونس عبر الإرهاب.
* هل ما زالت القبيلة رافداً للدولة اليمنية؟ أم أن الانقلاب حوّلها إلى ميليشيات؟
- القبيلة هي من مؤسسات مجتمع ما قبل الدولة واستمرت تلعب دورها في اليمن لإبقاء اليمن في وضع دولة ما قبل القانون، وفي الحروب تتراجع مؤسسات المجتمع المدني لصالح المؤسسات والتشكيلات التقليدية، لكن الحروب بقدر ما تدمر المجتمع المدني هي تدمر كل المجتمع، ولا يستثنى من ذلك القبيلة، وعودة الدولة يكفل السلام لكل المجتمع ومؤسساته المدنية والتقليدية، والانقلاب استغل تشكيلات ما قبل الدولة، ولا سيما في المناطق التي لا تزال تحمل السلاح وأُقصيت من عملية التنمية بما في ذلك التنمية السياسية والثقافية ومجالات العمل، ولا سيما ممارسات الأعمال والمهن الحرة مما مكّن تحالف الانقلاب من تحويل أبناء هذه المناطق إلى ميليشيات لا تجيد إلا استخدام أجسادهم في العنف... ولكي لا تستمر هذه الحالة وتتكرر تظهر مهمة ملحة أمام مؤسسات المجتمع المدني، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية بالاضطلاع بمهمتها التربوية والتنشئة السياسية ونشر ثقافة التحديث في كل أرجاء اليمن دونما استثناء، وهي مهمة لا بد أن تكون جزءا من خريطة الطريق في اليمن.
* أين موقع الحزب الاشتراكي في الجنوب اليوم؟ وما دوره الفعلي؟
- اليمن شماله وجنوبه يعاني من تغييب الفضاء السياسي وملء الفراغ العام بمراكز النفوذ والقوة وحملة السلاح والمتمترسين وراءه، ودعوات الكراهية والتشظي. أدى ذلك إلى تهميش الأحزاب السياسية كما سبق وأن أشرت في كل اليمن، وجعل أصحاب المشروعات الخاصة يدعون إلى العودة إلى ما قبل الدولة، وإلى ما قبل تشكل نواة المجتمع المدني في اليمن، ويدعون إلى الكراهية ضد الأحزاب السياسية، ولا سيما الحزب الاشتراكي اليمني الذين يدركون أنه في طليعة الأحزاب السياسية المدنية الذي يعمل من أجل تحقيق تحول ديمقراطي في اليمن وإقامة الدولة المدنية الحديثة، دولة المواطنة والحقوق المتساوية، والعدالة الاجتماعية، والتحديث والتقدم. من هنا، فإن مهمتنا الأولى هي استعادة الدولة لكي تستطيع الأحزاب السياسية، ومنها الحزب الاشتراكي اليمني استعادة فاعليتها الجماهيرية في الجنوب والشمال؛ وهو أمر ملح لاستعادة الاندماج الاجتماعي واستعادة الرابطة السياسية بين اليمنيين، ولا بد من إزالة العوائق أمام هذا الدور بتوفير الشروط الأمنية والقانونية من قبل السلطة للعمل الآمن.
* أين يقف الحزب الاشتراكي اليمني من مسألة الإرهاب، من زاوية أنه اكتوى بناره مطلع تسعينات القرن الماضي؟
- الحزب الاشتراكي اليمني كان، ولا يزال، خصماً للتطرف والإرهاب، وكان، ولا يزال، يدعو إلى ضرورة إيجاد استراتيجية وطنية وقومية وعالمية متكاملة لمكافحة التطرف والإرهاب، ويرى أن خطة السلام في اليمن المأمولة يجب أن تشمل أسس استراتيجية وطنية لمكافحة الإرهاب تكون كل الأطراف والأحزاب السياسية المناهضة للتطرف والإرهاب شريكة في وضع هذه الاستراتيجية وتنفيذها، والحزب الاشتراكي اليمني يرى أن إطالة أمد الانقلاب والحرب يخلق بيئة حاضنة ومواتية للتطرف والإرهاب بشكل أكبر، وبالتالي، يدعو الجميع إلى العمل من أجل استعادة الدولة واحتكارها للسلاح واستعادة التنمية فيها لكي تتمكن هذه الدولة من القضاء على الإرهاب.
* في رأيكم، هل يمكن أن يكون للحوثيين وصالح موقع في المستقبل بعد انتهاء الانقلاب... بأي صورة؟
- السلام الذي سيخرج اليمن من أزمنته الراهنة وينهي الحرب فيه بإنهاء الانقلاب، لا بد أن يكون نتيجة مساومة تاريخية بين الأطراف المتصارعة، وفي إطار وفاق وطني ثانياً، وهذا يقتضي عدم استبعاد أي طرف وطني، ولكن لا يعني بالضرورة إفلات الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة من العقاب، ويجب التفريق بينهم بصفتهم أفرادا وبين القوى الاجتماعية التي قادوها إلى الحرب، فعدم إفلات هؤلاء من العقاب لا يحول دون اشتراك الأطراف السياسية والاجتماعية التي قادوها في أي تسوية سياسية، والتعامل معهم ليس كقوى عسكرية، وإنما كقوى سياسية بعد تسليم السلاح للدولة؛ ومن أجل تحقيق السلام نحن في حاجة إلى شجاعة عالية للسمو فوق الجراح، والتحلي بأخلاقيات وقيم التسامح والقبول بالآخر المختلف.



«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية، مطالبين في اجتماع، الثلاثاء، عبر تقنية الاتصال المرئي، بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه التهديدات.

وأكد الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، أن «الدول العربية لم تكن ولن تكون رهينة في يد إيران لتصفية الحسابات».

وبناء على طلب البحرين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء، اجتماعاً غير عادي، لـ«بحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية والتزامات إيران المترتبة بموجب القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة التي تشهدها المنطق».

وجدد وزراء الخارجية إدانتهم «بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأردن والإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت، والعراق»، وعدُّوها، بحسب القرار الصادر عن الاجتماع، «انتهاكاً جسيماً لسيادة تلك الدول، يقوض السلم والأمن في المنطقة، ويمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي... ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وأكدوا أن «إيران تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن هجماتها غير المشروعة وغير المبررة ضد الدول العربية، وأنها ملزمة، بموجب قواعد القانون الدولي، بجبر الضرر الكامل عن جميع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الهجمات، بما في ذلك، الرد، والتعويض، والترضية»، وطالبوها بالوقف الفوري «لجميع هجماتها السافرة ضد الدول العربية والامتثال لالتزاماتها الدولية».

آلية لتوثيق الانتهاكات

أعاد الوزراء التأكيد على «دعم الدول العربية الكامل لحق الدول العربية المتضررة في اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية لاستصدار قرارات تدين هذه الهجمات وتحمّل إيران المسؤولية عن تبعاتها»، داعين الهيئات العربية والإقليمية المختصة بالتنسيق مع الدول المتضررة إلى النظر في إنشاء آليات مناسبة «لتوثيق الانتهاكات وتقييم الأضرار والخسائر ومتابعة السبل الكفيلة بجبر الضرر عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها من الوسائل السلمية».

وجدد الوزراء «إدانتهم للإجراءات والتهديدات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب بعدّها انتهاكاً لأحكام القانون الدولي ولمبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية». وأكدوا في هذا الصدد على حق الدول العربية في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي.

وكيل وزارة الخارجية السعودية عبد الرحمن الرسي خلال رئاسة وفد المملكة في الاجتماع (حساب الخارجية السعودية على منصة «إكس»)

وشدد وزراء الخارجية العرب على «رفض واستنكار استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميلشيات التابعة لها في عدة دول عربية خدمةً لمصالحها، وبما يُشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار تلك الدول والمنطقة». وجددوا التأكيد على الحق الأصيل للدول العربية المتضررة في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال أبو الغيط في كلمته إن الاجتماع «لا يهدف فقط إلى إدانة الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية»، وإنما يستهدف «مطالبة المجتمع الدولي بتحميل المعتدي كامل المسؤولية عن اعتداءاته غير القانونية وغير المبررة وغير المقبولة على عدد من الدول العربية».

«خرق جسيم»

وأضاف الأمين العام للجامعة العربية أن إيران لم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 مارس (آذار) الماضي بالوقف الفوري للعدوان، ولم تعترف بأن اعتداءاتها على الدول العربية في الخليج والأردن والعراق مثَّلت خرقاً جسيماً للقانون الدولي، وانتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول، وتجاوزاً صارخاً لكل معاني حُسن الجوار.

وطالب أبو الغيط إيران بـ«الامتثال فوراً لقرار مجلس الأمن، وبتحمل المسؤولية كاملةً عما تسببت فيه هذه الهجمات غير المشروعة من أضرار وخسائر، بما يقتضي التعويض وجبر الضرر بحسب ما ينص عليه القانون الدولي في هذه الحالات».

وقال إن «تصورات إيران عن التحكم في الخليج العربي وفي مضيق هرمز باطلة قانوناً، ولا تستند لحجة أو مسوغ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً».

وأكد أن «حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية، ومنها مضيق هرمز، أمرٌ كفله القانون الدولي... ولا يمكن لإيران أن تنتزع لنفسها حق التحكم في مضيق هرمز، لأنها ببساطة لا تملكه».

واستطرد قائلاً إن الجامعة العربية «تعتبر الاعتداء على أي دولة عربية، أو ممارسة التهديد والترويع ضد سكانها المدنيين، اعتداءً على الدول العربية جميعاً»، مؤكداً أن «الجميع يقف صفاً واحداً في التضامن مع الدول التي تعرضت للهجمات الآثمة». وشدد على أن «هذه الاعتداءات الغاشمة سوف تنتهي، وستخرج الدول العربية من هذه الأزمة أكثر قوة وأشد ترابطاً وتعاضداً».

تنسيق وتشاور

وهذه هي المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، التي يجتمع فيها مجلس الجامعة على المستوى الوزاري لبحث تطورات التصعيد الإقليمي.

وكان وزراء الخارجية العرب قد أدانوا في اجتماع طارئ عبر تقنية الاتصال المرئي يوم 8 مارس (آذار) اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ثم جددوا إدانتهم للاعتداءات في اجتماع الدورة العادية الـ165 نهاية الشهر الماضي التي اقتصرت أعمالها على مناقشة الاعتداءات الإيرانية على دول عربية.

وتأتي الاجتماعات العربية المتكررة في سياق التنسيق والتشاور العربي وتأكيد التضامن والدعم لدول الخليج، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«لشرق الأوسط» إن الاجتماعات المتتالية «تستهدف تأكيد دعم دول المنطقة التي تعرضت لخسائر مادية واقتصادية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران»، مشيراً إلى تأثر سلاسل الإمداد بسبب تهديد إيران للملاحة في مضيق هرمز الذي قال إنه مضيق دولي لا يحق لطهران التحكم فيه بموجب القانون الدولي.

Your Premium trial has ended


لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.