ثورة المرأة على كشف المستور تولد موضة تناسب البيئة العربية

الياقات زادت ارتفاعاً والأكمام والفساتين طولاً لكسب ودها

من اقتراحات دار «بيربري» - من اقتراحات جورجيو أرماني لربيع وصيف 2017 - من عرض «غوتشي» - من عرض «داكس» لربيع وصيف 2017 - من تصاميم ألكسندر ماكوين لربيع وصيف 2017 - من اقتراحات «سيلين» لربيع وصيف 2017 - من اقتراحات المصممة بشرى جرار لدار «لانفان» - من عرض  «فالنتينو» لصيف 2017
من اقتراحات دار «بيربري» - من اقتراحات جورجيو أرماني لربيع وصيف 2017 - من عرض «غوتشي» - من عرض «داكس» لربيع وصيف 2017 - من تصاميم ألكسندر ماكوين لربيع وصيف 2017 - من اقتراحات «سيلين» لربيع وصيف 2017 - من اقتراحات المصممة بشرى جرار لدار «لانفان» - من عرض «فالنتينو» لصيف 2017
TT

ثورة المرأة على كشف المستور تولد موضة تناسب البيئة العربية

من اقتراحات دار «بيربري» - من اقتراحات جورجيو أرماني لربيع وصيف 2017 - من عرض «غوتشي» - من عرض «داكس» لربيع وصيف 2017 - من تصاميم ألكسندر ماكوين لربيع وصيف 2017 - من اقتراحات «سيلين» لربيع وصيف 2017 - من اقتراحات المصممة بشرى جرار لدار «لانفان» - من عرض  «فالنتينو» لصيف 2017
من اقتراحات دار «بيربري» - من اقتراحات جورجيو أرماني لربيع وصيف 2017 - من عرض «غوتشي» - من عرض «داكس» لربيع وصيف 2017 - من تصاميم ألكسندر ماكوين لربيع وصيف 2017 - من اقتراحات «سيلين» لربيع وصيف 2017 - من اقتراحات المصممة بشرى جرار لدار «لانفان» - من عرض «فالنتينو» لصيف 2017

لا يختلف اثنان أن هناك ثورة نسوية ناعمة تتغلغل في صميم صناعة الترف منذ سنوات وتزيد قوة يوماً عن يوم. فقد اخترقت شابي نوري عالم الساعات الفاخرة الذكوري وأصبحت أول امرأة تتولى منصب رئيس تنفيذي في دار «بياجيه»، ومنذ عام تقريباً، شهدنا دخول الإيطالية ماريا غراتزيا تشيوري «ديور» في بادرة غير مسبوقة. فالدار الفرنسية التي قادها مصممون رجال منذ وفاة مؤسسها كريستيان ديور فتحت أبوابها لأول مرة في تاريخها لمصممة. طبعاً هناك أسماء كثيرة أخرى تسجل حضورها في مجالات الإبداع والمال والأعمال وتغير خريطة الموضة خصوصاً والترف عموماً، لكن لا يمكن تجاهل المرأة العادية، أو بالأحرى الزبونة. فهذه الأخيرة أكدت أنها هي الأخرى لها دور مهم في رسم هذه الخريطة. فإنجازاتها ونجاحاتها في مجالات مختلفة منحتها استقلالية مادية باتت تحرك السوق وتنعشها. ما يزيد من قوتها أن ساحة الموضة تحتاج إليها أكثر من أي وقت مضى. فهي ساحة تزخر حالياً بالأسماء التي تتوالد كل عام وتتنافس فيما بينها من أجل اقتطاع نصيبها من السوق، الأمر الذي يجعل إرضاء هذه المرأة من الأولويات، أحياناً على حساب النظرة الشخصية للإبداع والفنية والثقافية. وهذا ما نلاحظه منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008، حيث بدأ وجه الموضة العالمية يتغير بشكل واضح لا يترك أدنى شك بأنه اكتسب طابعاً عربياً إلى حد ما.
البعض يقول إن هذه الحركة بدأت خيوطها تتشكل قبل 2008، وإن كارل لاغرفيلد، مصمم دار «شانيل» كان سباقاً إليها عندما قدم تشكيلة «محتشمة» مقارنة بما كانت تشهده ساحة الموضة قبله. كان ذلك بعد مرور فترة وجيزة على أحداث 11 سبتمبر (أيلول). عندما سُئل عن سبب توجهه الجديد آنذاك صرح بأن المصمم لا يمكن أن يعيش بمنأى عن الحياة السياسية والاجتماعية المحيطة به، مضيفاً أن الموضة يجب أن تعبر عن عصرها، فيما فسره البعض بأنه يقصد تنامي أهمية المنطقة العربية. بعد صدمة المفاجأة الأولية كانت المفاجأة التالية ترحيب المرأة بما قدمه. فهذه الأخيرة اكتشفت كم كانت مخطئة باعتقادها أن كشف مفاتن جسدها هو الوجه الوحيد للأناقة والجمال، فهناك أوجه مختلفة يمكن أن تختار منها ما يناسبها. ما شجعها أكثر أن كثيراً من النجمات الشابات تبنين هذه الموجة في مناسبات السجاد الأحمر، مفضلات تصاميم تغطي كامل الجسم على الفساتين المثيرة ومؤكدات أن للغموض سحره أيضاً.
وهكذا بدأت المنطقة العربية تشهد منذ ذلك العهد جاذبية تتجلى في تودد مباشر لنيل رضا زبونته. فالجواهر زادت ابتكاراً واخضراراً بعد انتباه الصاغة إلى عشق المرأة العربية للزمرد، بينما اكتسبت الأزياء حشمة. فقد زادت الياقات ارتفاعاً والأكمام طولاً، كما ألغى كثير من المصممين الأجانب الفتحات العالية في صورة لا تترك أي مجال للشك أن المرأة العربية كانت في بال المصممين لتسويقها. ما عزز هذا الرأي إقبالهم على التطريزات أيضاً.
وهكذا سيتم تسجيل العقد الثاني من الألفية الثالثة في كتب الموضة على أنه وقتها، كما كانت الستينات وقت المرأة النحيفة التي كانت تتوق للتحرر من القيود الاجتماعية بتبنيها الفستان القصير والتصاميم الصبيانية، والثمانينات الفترة التي شهدت انتعاش الأكتاف الصارمة التي تبدو كأنها دروع تحميها من نظرات الرجال بعد دخولها معاقل احتكروها لعقود، إلى جانب المبالغة في الزخرفات والبريق. وعندما جاءت التسعينات كانت المرأة بدأت تمل من هذه المبالغات وتحتاج إلى مضاد لها، وهكذا ترتبط هذه الفترة بالألوان الترابية والتصاميم البسيطة. في كل هذه الفترات، كانت المرأة الأميركية خصوصاً والغربية عموماً هي الهدف والأمل. فقد كانت تفهم الموضة وتقدرها، برأي المصممين، وكانت تُعبر عن تقديرها بعدم ترددها في صرف مبالغ طائلة للحصول عليها. بعد الأزمة الاقتصادية الأخيرة، اضطرت هؤلاء الزبونات إلى «فرملة» رغباتهن وتقنين شرائهن للـ«هوت كوتير» وكل ما غلا ثمنه، الأمر الذي جعل البحث عن أسواق جديدة ضرورة بالنسبة لصناع الترف حتى لا تبور بضاعتهم. واكتشفوا سريعاً أن المستقبل في يد الأسواق النامية، لا سيما المنطقة العربية التي لا تزال المرأة فيها تتوق لكل ما هو فريد بغض النظر عن سعره. وهكذا حصل ما لم يكن يخطر على بال أحد منذ عقد من الزمن تقريباً؛ فقد غير المصممون دفة الاتجاه بتبنيهم لغتها.
فالعود الذي كان يعتبره الغرب نفاذاً وغير مقبول، لا في النهار أو في المساء، أصبح عنصراً أساسياً في عطور معظم، إن لم نقل كل العطارين، أملاً في كسب ود الزبون الشرق الأوسطي. أما الأزياء فحدث بلا حرج، وليس أدل على هذا تشكيلات «فالنتينو» و«شانيل» و«غوتشي» الأخيرة. في البداية كان تسويق هذه التصاميم مُموهاً تحت شعار أنها موجهة لامرأة عاملة وسيدة أعمال لم تعد تحتاج إلى استغلال أنوثتها في أماكن العمل بعد أن أثبتت كفاءتها وذاتها، بيد أن الحقيقة التي لا يغفلها أي متابع لأحوال السوق أن إمكانيات المرأة العربية إضافة إلى حبها للترف والتميز، هي المحرك الأساسي للتوجهات الجديدة. فهذه المرأة لا تبخل على نفسها، سواءً تعلق الأمر بحقيبة يد من جلود نادرة وتصميم فريد، أو بقطعة «هوت كوتير» فنية. وهذا عز الطلب بالنسبة لصناع الموضة، بدليل أنهم بدأوا يتوجهون إليها بشكل «حرفي»، كما حدث مع الثنائي «دولتشي أند غابانا» اللذين طرحا منذ أكثر من عام عباءات لا تحمل جديداً سوى أنها بتوقيعهما. هناك أيضاً الفعاليات المتنوعة التي تشهدها المنطقة منذ فترة، من عرض الكروز لـ«شانيل» الذي أقامته في دبي إلى «فوغ نايتس» السنوية، وصدور نسخة عربية من مجلة «فوغ» أخيراً، فيما كان مفاجأة للكل. المفاجأة بسبب تصريحات سابقة لناشرها جوناثان نيوهاس بأنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يُصدرها في المنطقة العربية نظراً لمحاذيرها الكثيرة واختلاف ثقافتها عما تعنيه الموضة الغربية. وبالفعل، فإن الموضة كما كانت عليه سابقاً، إذا تذكرنا المدرسة «الفيرساشية» في عهد الراحل جياني فيرساتشي والـ«غوتشية» في عهد توم فورد، كانت في غاية الإثارة الحسية، الأمر الذي كان يجعل تصويرها ونشرها صعباً من دون إدخال رتوشات تتمثل في تغطيات غرافيكية ساذجة، كان المصممون لا يرفضونها فحسب، بل يستهجنون ويسخرون منها. طبعاً تغيرت النظرة حالياً، فهم يتقبلون فكرة إجراء رتوشات على صور تصاميمهم في المجلات العربية ما دامت ستصل إلى زبونتهم. بل ذهبوا حالياً إلى أبعد من ذلك بتوفير تصاميم لا تحتاج إلى أي تغطيات في معظمها. وفي أسوأ الحالات يقدمونها على شكل طبقات متعددة بحجة أنهم يطمحون لمخاطبة امرأة عالمية تسافر بين القارات، إلا أنها بالنتيجة تصب في خانة المحتشم الملائم للبيئة العربية.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن هذه الموضة خاصة بالسوق العربية أو تقتصر عليها، فقد برهنت أرقام المبيعات أنها لمست وتراً حساساً بداخل امرأة عالمية، ولم تبقَ محصورة في منطقة معينة. فحتى المرأة الأميركية التي كانت تلبس فساتين من دون أكتاف وبياقات مفتوحة للغاية أو قصيرة جداً، لوحظ أنها تفضل حالياً الأكمام والقمصان ذات الياقات التي تُربط حول الرقبة على شكل فيونكات. أما صغيرات السن اللاتي كن يعشقن فساتين «بالمان» المثيرة، كونها تكشف أكثر مما تستر، فأصبحن يُقبلن على فساتين تغطي الركبة وكنزات وقمصان بأكمام طويلة من مصممات شابات من مثيلات إميليا ويكستيد أو روكساندا إلينشيك وغيرهما. «بالمان» تطرح حالياً تصاميم تصب في خانة المحتشم، من خلال قطع منفصلة حتى لا تفقد مكانتها من جهة وحتى تواكب تغيرات السوق من جهة ثانية.
غني عن القول إن إقبال الأسواق العالمية على التصاميم الحالية لا يعود إلى كونها محتشمة، بل لأنها مُتنوعة وتُعبر إلى حد ما عن تقبل اختلاف الآخر. لكن الأهم من هذا أنها تُعبر عن عصر النساء وأسلوبهن الخاص، فقد توصلن إلى قناعة أن كشف المستور ليس مرادفاً للأنوثة ولا التحرر أو التمرد على المتعارف عليه. ربما كان الأمر كذلك في الستينات عندما كانت الأزياء طويلة وغير عملية تقيد حركتهن، لكنها الآن بأطوالها تعبر عن الاستقلالية والتحرر من النظرة الذكورية التي كانت تفرض عليهن أسلوباً تقليدياً للأنوثة. المعنى هنا أن زبونة اليوم لم تعد تتعامل مع الموضة من وجهة نظر الرجل لنيل إعجابه بقدر ما تتعامل معها من وجهة نظر مستقلة وواثقة. فهي الآن تتبوأ مناصب عالية كسيدة أعمال وكوزيرة وكرئيسة وزراء وتعرف أن صوتها مسموع على كل المستويات. وفي عالم الموضة بالتحديد له رنة الذهب، فلِم لا تستغله لإرضاء نفسها أولاً وأخيراً؟ ثم لا ننسى أن الأزياء كانت منذ عشرينات القرن الماضي ولا تزال وسيلة للتعبير عن ميولها وثورتها على القيود والمتعارف عليه.
ثورة تريد أن تنأى فيها عن الكليشيهات والأفكار المتآكلة لمفهوم الأنوثة، ولا تستهدف من ورائها رضا الرجل أو مباركته، كما كان عليه الحال سابقاً. فيبي فيلو مصممة دار «سيلين»، التي اشتهرت بأسلوب عصري يحترم المرأة، عقلاً وشكلاً، لم تُخفِ أن «صور النساء وهن في غاية الأناقة والجمال، بشكل يعتمد على الإثارة الحسية، كانت تُظهرهن كدمى»، الأمر الذي تقول إنه أثر عليها ودفعها لتجنب هذا الأسلوب منذ بدايتها والبحث عن مضاد له. ترجمتها تجسدت في تصاميم واسعة تلف الجسم بنعومة وسخاء عوض تحديد تضاريسه. المصمم مايكل كورس يوافقها الرأي بقوله إن «المرأة تكتسب جمالاً وجاذبية أكبر عندما ترتدي ما يريحها ويُشعرها بالثقة، وليس ما هو مفروض عليها». مصممات مثل أليس تامرلي وستيلا ماكارتني وفيكتوريا بيكام وإميليا ويكستيد وسارة بيرتون وأخريات لقطن هذا الخيط منذ فترة كونهن ينتمين لنادي المرأة، وبالتالي يفهمنها، لكن سرعان ما انضم إليهن مصممون آخرون، مثل جيامباتيستا فالي وأليساندرو ميشال مصمم دار «غوتشي» وميوتشا برادا وبيير باولو بيكيولي مصمم «فالنتينو» وهايدر أكرمان، وآخرين. كل هؤلاء زادوا من أطوال تصاميمهم، بنسب متباينة تظهر فيها المرأة في بعض العروض كأنها محجبة إذا أضفنا غطاء للرأس. نظرة سريعة أيضاً إلى ما يجري في شوارع الموضة وما تلتقطه عدسات الباباراتزي خلال أسابيع الموضة وتنشره المجلات البراقة في باب «ستريت ستايل» تؤكد هذه الحقيقة. فالمدونات والمؤثرات تشجع على المظهر الخاص، وإن كان هذا المظهر يخاصم الأناقة الكلاسيكية من وجهة نظر الأمهات أحياناً، سواء تعلق الأمر بتضارب الألوان وضجيج النقشات أو تصادم القطع المنفصلة مع بعضها بعضاً فيما يطلق عليه أسلوب «الطبقات المتعددة» الذي يغطي كامل الجسم ويُخفي معالم أنوثته.



جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.