بعد 48 ساعة من التردد في كيفية الرد على الهجمات الصاروخية الأميركية على قاعدة جوية سورية، قررت كل من موسكو وطهران يوم الأحد تصعيد النبرة بالتحذير من أن أي خطوة مماثلة تتخذها الولايات المتحدة في المستقبل سوف تلقى «رداً مناسباً».
وتأتي النبرة الجديدة الحادة القاسية بعد إجراء باقري، رئيس هيئة الأركان الإيرانية، مكالمة هاتفية طويلة امتدت لساعة مع نظيره الروسي الجنرال غيراسيموف بشأن «الإجراء المشترك» ضد أي تحركات أميركية مستقبلية. وأعقبت تلك المحادثة الهاتفية مكالمة هاتفية أخرى بين مستشار الأمن القومي الإيراني ونظيره الروسي تبادلا فيها الملاحظات. في غضون ساعات، تم وضع إطار لبيان مشترك صادر عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره الإيراني حسن روحاني. بنهاية اليوم، بات من الواضح أن موسكو وطهران ترغبان في منع أي تصعيد آخر، مع تهديد الولايات المتحدة بـ«عواقب» غير محددة في حال اختار الرئيس دونالد ترمب ممارسة المزيد من الضغط العسكري على الرئيس السوري بشار الأسد. يشير الجمع بين «ضبط النفس» والتهديد إلى رغبة موسكو في الانتظار إلى حين سماع الموقف الأميركي بشكل مباشر من ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأميركي. على موسكو أن تضيف بعض الكلمات الحادة في بيانها لتهدئة الإيرانيين الذين يتساءلون لما لم تفعل روسيا، التي أخطرتها واشنطن بالهجوم الصاروخي قبل حدوثه، أي شيء للتصدي له. تزعم موسكو أن المعلومات قد وصلت قبل تنفيذ الهجوم بأقل من ساعة ليكون بمثابة إجراء فني لمنح روسيا وقتاً لإجلاء أفرادها من القاعدة الجوية السورية. كذلك أرادت طهران ما يؤكد أن روسيا لن تسمح للولايات المتحدة باتخاذ إجراء مماثل ضد إيران أو أي قواعد إيرانية داخل سوريا. في وقت مبكر من ذلك اليوم، زعم علي خامنئي، «المرشد الأعلى» للجمهورية الإسلامية، أن الهجوم على القاعدة الجوية السورية كان يستهدف توضيح أن الأميركيين «قادرون على القيام بمثل هذه الأمور في أي مكان في العالم». كذلك حذر قائلا إن إيران «لن تخشى مثل تلك التهديدات».
رغم اعتدال البيان المشترك لكل من موسكو وطهران نسبياً تضمن عدداً من الإشارات الخاصة بالدولتين الحليفتين؛ فقد أكد التزام موسكو بالإبقاء على الأسد في سدة الحكم لأطول فترة ممكنة، وبالتالي الالتزام بتعقيد أي محادثات مستقبلية مع الدول الغربية الكبرى التي توحدت حول مطالبة الأسد بالرحيل. كذلك ألزمت موسكو نفسها بالرد في حال تنفيذ عملية أميركية أخرى ضد قوات الأسد، لكن القول أسهل كثيراً من الفعل.
وصرح ديمتري ميدفيديف، رئيس الوزراء الروسي، بأن التحرك الأميركي كان «قريباً جداً من التسبب في اشتباك عسكري مباشر بين روسيا وأميركا». نظرياً لدى روسيا وسائل لضرب بعض القذائف الصاروخية الأميركية على الأقل في أي هجوم مستقبلي؛ ومن شأن هذا أن يكون أسهل لالتزام واشنطن بإخطار موسكو بأي هجوم وشيك. مع ذلك سيكون أي تحرك من هذا النوع من جانب روسيا إجراء من إجراءات الحرب، مما سيضطر الولايات المتحدة إلى الرد بتصعيد سريع خطير.
مرة أخرى تستطيع روسيا نظرياً رفع علمها على قواعد الأسد الجوية مما يجعلها أراضي روسية وبالتالي التظاهر بأن أي هجوم عليها سيكون بمثابة هجوم على روسيا ذاتها، لكن ذلك سيتطلب تجهيزات وترتيبات قانونية ولوجيستية معقدة.
تتهم وسائل الدعاية الروسية - الإيرانية الولايات المتحدة بالتصرف دون تفويض من الأمم المتحدة، لكن يتضمن هذا الأسلوب إشكالية أيضاً، نظراً لتورط كل من روسيا وإيران بشكل كبير في سوريا دون تفويض من الأمم المتحدة. إلى جانب ذلك، استخدمت روسيا حق النقض، وهددت باستخدام حق النقض لإجبار الأمم المتحدة على اتخاذ موقف محايد تجاه القضية السورية. ولا تستطيع الترويج لفكرة تحكيم الأمم المتحدة في الشؤون السورية، مع رفض إخضاع وجودها إلى القاعدة ذاتها.
الأهداف الإيرانية في سوريا أضعف وأكثر عرضة للخطر من الأهداف الروسية، التي تتركز بشكل كبير في طرطوس، واللاذقية على ساحل البحر الأبيض المتوسط. تتركز قوات المرتزقة الإيرانية، التي تضم أكثر من 10 آلاف من تنظيم حزب الله اللبناني، وعلى الأقل 20 ألف مقاتل أفغاني، وباكستاني، وعراقي «متطوع للشهادة» في عدد من القواعد في وسط سوريا في مواقع مكشوفة بشكل كبير للهجمات الجوية. وفي ظل غياب الغطاء الجوي تعد تلك القواعد أهدافاً سهلة بحسب المصطلحات العسكرية؛ ولم يمتد قرار موسكو وطهران بإنشاء كيان مشترك للقيادة والسيطرة إلى تلك المواقع بعد.
ورغم أن الخيارات العسكرية الروسية محدودة للغاية، لدى إيران بطاقات لعب خاصة بها، ومنها الهجمات الانتحارية على مواقع أميركية في مناطق من سوريا تخضع لسيطرة الأكراد أو مجموعات مسلحة داعمة للغرب. كذلك تستطيع طهران توسيع نطاق المواجهة من خلال تنظيم هجمات انتحارية على مواقع أميركية في العراق. كذلك يمكن القيام بأفعال استفزازية ضد سلاح البحرية الأميركي، والسفن المدنية الأميركية في مضيق هرمز لدعم موقف المعارضين لاستخدام الدول الديمقراطية القوة، سواء كانوا في الولايات المتحدة أو الغرب بوجه عام. وقد نظّم بالفعل عدد من السياسيين من تيار اليمين المتطرف، أو اليسار المتطرف في الغرب، أبرزهم جيريمي كوربين، زعيم حزب العمال البريطاني، ومارين لوبان، مرشحة حزب الجبهة الوطنية لمنصب الرئاسة، حملات لدعم الموقف الروسي - الإيراني تجاه سوريا.
مع ذلك هناك أصوات داخل إيران تدعو إلى توخي الحيطة والحذر.
يقول مهدي فاضلي في مقال في موقع «فارس» الإخباري التابع للحرس الثوري الإيراني: «لا يمكننا مواجهة الشيطان الأكبر إلى أن نصبح أقوى». وصرح علي أكبر صالحي، رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، برسالة مماثلة يصف فيها ترمب بأنه «مطب آخر على الطريق الذي علينا أن نسلكه».
تعتمد كل من موسكو وطهران كثيراً على الدوائر المعادية لأميركا في الغرب في «التصدي لترمب»، حيث يمكّن ذلك روسيا وإيران من الاختباء خلف واجهة بلاغية. مع ذلك في الواقع ورغم كل هذا الغضب، قررت كل من موسكو وطهران تقبل الأمر دون تذمر.
موسكو وطهران تهددان واشنطن... ماذا يمكن أن تفعلا؟
إحدى أوراق إيران الهجمات الانتحارية على مواقع أميركية في سوريا والعراق
موسكو وطهران تهددان واشنطن... ماذا يمكن أن تفعلا؟
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




