الجيش الأفغاني يضاعف أعداد أفراده

يخطط لإنشاء وحدات خاصة مؤهلة لمكافحة الإرهاب

عناصر من القوات الخاصة الأفغانية في تدريبات على التسلق بلياقة بدنية عالية في منطقة ريشكور خارج العاصمة كابل أول من أمس (رويترز)
عناصر من القوات الخاصة الأفغانية في تدريبات على التسلق بلياقة بدنية عالية في منطقة ريشكور خارج العاصمة كابل أول من أمس (رويترز)
TT

الجيش الأفغاني يضاعف أعداد أفراده

عناصر من القوات الخاصة الأفغانية في تدريبات على التسلق بلياقة بدنية عالية في منطقة ريشكور خارج العاصمة كابل أول من أمس (رويترز)
عناصر من القوات الخاصة الأفغانية في تدريبات على التسلق بلياقة بدنية عالية في منطقة ريشكور خارج العاصمة كابل أول من أمس (رويترز)

ذكر مسؤول دفاع أفغاني أمس، أن الجيش يبذل مجهودا لمضاعفة أعداد أفراد قواته الخاصة، في الوقت الذي تسعى فيه البلاد جاهدة من أجل صد تمرد حركة طالبان الإرهابي المتزايد. وقال الجنرال محمد رادمانيش، إن وزارة الدفاع ستبدأ قريبا في رفع أعداد وحدات قواتها الخاصة «حتى تكون لدينا وحدة مؤهلة لمكافحة الإرهاب». وقال رادمانيش إنه لا يمكنه الكشف عن العدد الدقيق للقوات الخاصة الحالية، إلا أن العملية ستبدأ هذا العام، وسوف تستمر حتى عام 2020. من ناحية أخرى، تقول مصادر في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إن القوات الخاصة الأفغانية تشكل 7 في المائة من حجم القوات بأكملها، إلا أنها تقوم بـ40 في المائة من العمليات القتالية في أفغانستان. ويشار إلى أن وحدات القوات الخاصة الأفغانية - التي تتلقى تدريبها على أيدي مستشارين دوليين - لطالما كانت القوات العسكرية الوحيدة القادرة على محاربة «طالبان» وصدها.
وتعرضت قوات الأمن الأفغانية إلى فقدان أفراد من الشرطة والجيش على نطاق واسع خلال السنوات الماضية. وفي عام 2016 وحده، قتل 6 آلاف و785 فردا، وأصيب 11 ألفا و777 آخرون، أي أكثر من ضعف عدد أفراد القوات الدولية الذين فقدوا في أفغانستان على مدار السنوات الـ15 الماضية.
ووفقا لمصادر عسكرية أميركية، فإن الحكومة الأفغانية تسيطر حاليا على نحو 60 في المائة من البلاد، مشيرة إلى قرب بدء هجوم الربيع لـ«طالبان». وقال رادمانيش إن الأموال المخصصة لرفع حجم القوات، ستأتي من 5 مليارات دولار مخصصة بالفعل بصورة سنوية من أجل قوات الأمن الأفغانية. وتنفذ القوات الخاصة، وهي نسبة صغيرة من القوات المسلحة الأفغانية التي يصل قوامها إلى 300 ألف فرد، قرابة 70 في المائة من العمليات الهجومية للجيش في البلاد، مما يشير إلى اعتماد البلاد الكبير عليها.
وعلى الرغم من انتشار القوات النظامية بما في ذلك الشرطة لأسباب أهمها الدفاع عن المواقع فإن القوات الخاصة تتولى خوض المعارك مع المتشددين من قندوز في الشمال إلى هلمند في الجنوب. وتعمل أحيانا جنبا إلى جنب مع القوات الأميركية. وقال دولت وزيري، وهو متحدث باسم وزارة الدفاع: «ينبغي تقوية قوات الكوماندوز الخاصة بنا وتزويدها بعتاد أفضل». وأحجم وزيري عن ذكر أرقام محددة، مكتفيا بقوله إنه ستتم زيادة حجم فرقة العمليات الخاصة لتصبح فيلقا. لكن ثلاثة مسؤولين أفغان وغربيين قالوا - مشترطين عدم ذكر أسمائهم - إن الخطط الحالية تقضي بزيادة عدد القوات الخاصة بنسبة مائة في المائة، وإن الحكومة تتحدث مع مانحين أجانب بشأن المساهمة من خلال التمويل ومساعدات أخرى.
وقال الكابتن بيل سالفين، وهو متحدث باسم التحالف بقيادة حلف شمال الأطلسي، إن التجنيد ركز في الشهور القليلة الماضية على إحلال جنود القوات الخاصة الذين قتلوا خلال اشتباكات العام الماضي، مما يعني أن زيادة أعدادها «كثيرا» ستستغرق وقتا أطول. وأضاف: «سيستغرق الأمر عدة سنوات للزيادة إلى المستوى الذي يتصوره (الرئيس الأفغاني أشرف) عبد الغني حاليا». وأردف قائلا إن هناك عمليات تجري لتجنيد وتدريب مزيد من جنود الكوماندوز، بالإضافة إلى وحدات دعم القوات الخاصة مثل الرعاية الطبية والمخابرات واللوجيستيات والاتصالات. وفي قاعدة تدريب للعمليات الخاصة التابعة للجيش الأفغاني خارج كابل وأثناء التدريبات كان الجنود واثقين في قدرتهم على تحمل أعباء العمل.
وعندما يصلون إلى أرض المعركة فمن المرجح أن تقوم القوات المدربة حديثا بعمليات هجومية من تعقب خلايا المتشددين إلى تمشيط البلدات التي سيطر عليها المقاتلون. وقال محمد عارف، وهو مجند حديثا في قوات الكوماندوز: «هناك حاجة ضخمة إلى زيادة عدد الكوماندوز والقوات الخاصة في البلاد... وما دام أنها مزودة بعتاد جيد فإن بإمكانها الدفاع عن البلاد جيدا جدا».
ودأب حلفاء أفغانستان الدوليون على الإشادة بأداء القوات الخاصة، لكن هناك مخاوف من أن تكون تحت ضغوط كثيرة بسبب أعباء العمل. وفي العام الماضي ناقش الجنرال جون نيكولسون، أكبر قائد أميركي في أفغانستان، خطط تعزيز وتجديد القوة خلال شهور فصل الشتاء. وفي قاعدة القوات الخاصة يعمل مدربون من حلف شمال الأطلسي مع مدربين أفغان لتدريس مناهج متنوعة من أساسيات إطلاق النار إلى تمشيط الغرف للقوات الجديدة إلى مناهج متقدمة في القيادة للأفراد الأكثر خبرة.
ومدربو حلف شمال الأطلسي جزء من عملية العزم الصلب التي يشارك فيها نحو 13 ألف جندي من دول مختلفة وأكثر من نصفهم أميركيون ويدربون القوات الخاصة والنظامية ويقدمون المشورة في بعض الأحيان للقوات الأفغانية في أرض المعركة.
وتخوض وحدة أميركية أصغر لمكافحة الإرهاب قتال شبكات متشددة، بما في ذلك تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، وكثيرا ما تعمل عن كثب مع الوحدات الأفغانية في الميدان.
وقال نيكولسون الشهر الماضي، إن هناك حاجة إلى آلاف آخرين من المستشارين للمساعدة في أعداد القوات الأفغانية لكسر «الجمود» في الصراع المستمر منذ 15 عاما، وهو عامل ينبغي على الرئيس الأميركي دونالد ترمب وضعه في الاعتبار عندما يتخذ قرارا بشأن استراتيجيته في أفغانستان.
فبعد أكثر من عامين على رحيل معظم القوات الدولية لا تسيطر القوات الأفغانية إلا على 57 في المائة من البلاد بالمقارنة مع 72 في المائة قبل عام، وذلك وفقا لهيئة رقابية في الكونغرس تعرف باسم مكتب المفتش العام الخاص لإعادة إعمار أفغانستان.
من جهته، قال البريجادير جنرال تشارلز كليفلاند، المتحدث المنتهية ولايته باسم الجيش الأميركي، إن القوات الخاصة الأفغانية هي «الأفضل على الإطلاق في هذه المنطقة». وأضاف: «لكن بحلول نهاية العام ستكون مضغوطة. طُلب منها الكثير جدا».
وقال كليفلاند، إن أي خطوة لزيادة أعداد قوات الكوماندوز ستوضع في عين الاعتبار خلال مناقشات التحالف بشأن مستقبل المهمة الدولية.
ووصلت القوات الأجنبية في أفغانستان إلى ذروتها عند نحو مائة ألف جندي في 2011، لكنها تراجعت بشدة بنية نقل زمام الأمور إلى القوات المحلية في نهاية المطاف. ويتأجل تحقيق هذا الهدف بسبب العدو العنيد وقلة الموارد وارتفاع نسب القتلى في صفوف القوات الأفغانية.
وقال كليفلاند: «سنرتب وفقا لما نراه مناسبا. مع دخولها (القوات الخاصة) موسم القتال في الربيع ستكون قطعا أقوى مما كانت عليه في الخريف».
وذكر أن حلف شمال الأطلسي يحاول مساعدة فيالق الجيش التقليدي حتى تكون أكثر فعالية ولتخفيف الضغط على الوحدات الخاصة.
وقال: «الهدف الحقيقي هو الوصول بالفيالق التقليدية إلى نفس مستوى كفاءة القوات الخاصة في عملها. نريد أن تتمكن هذه الفيالق من تنفيذ عملياتها دون الحاجة إلى استغلال».
إلى ذلك، قُتل ثلاثة أشخاص على الأقل من عناصر حركة طالبان، وأصيب أربعة آخرون في انفجار وقع قبل أوانه بإقليم جور في شمال غربي أفغانستان، بحسب ما ذكرته وكالة أنباء «خاما برس» أمس. ونقلت وكالة الأنباء الأفغانية عن مسؤولين في الحكومة المحلية القول، إن الحادث وقع في ضواحي عاصمة الإقليم، بعد أن انفجرت عبوات ناسفة كانت موضوعة في دراجة نارية. وقال رئيس شرطة الإقليم، غلام مصطفى محسني، إن المسلحين كانوا ينوون استهداف قوات الأمن الأفغانية، مضيفا أن أحد القادة المحليين للحركة، فيما يعرف باسم «والى» كان من بين القتلى، بحسب «خاما برس». وأشارت وكالة الأنباء إلى أن عناصر «طالبان» الذين ينتمون إلى الجماعات المسلحة الأخرى، عادة ما يستخدمون العبوات الناسفة بدائية الصنع لاستهداف قوات الأمن والمسؤولين الحكوميين، إلا أن المسؤولين الأفغان يقولون إنه في أغلب هذه الحوادث يتم استهداف المدنيين العاديين، كما تتكبد عناصر «طالبان» الخسائر عندما تنفجر عبواتهم الناسفة قبل الأوان، بحسب «خاما برس». في غضون ذلك، لقي 27 مسلحا على الأقل ينتمون إلى تنظيم داعش الإرهابي مصرعهم بينهم قيادي محلي بالتنظيم خلال عمليات تطهير وغارات جوية نفذت في إقليم نانجرهار بشرق أفغانستان.
وذكرت قيادة الشرطة المحلية، وفقا لوكالة أنباء «خاما برس» الأفغانية أمس، أن العمليات جرت في محيط منطقة آشين. وأشارت الوكالة إلى أن 11 من هؤلاء المسلحين قتلوا خلال عمليات تطهير نفذتها قوات الشرطة الأفغانية في منطقتي شادال وعبد الخيل. كما نقلت الوكالة عن الشرطة القول إن القوات الأميركية المتمركزة في أفغانستان شنت أيضا غارات جوية في منطقة تانجي في عبد الخيل في آشين، ما أسفر عن مصرع 16 مسلحا آخر على الأقل، وتدمير عدد من الأسلحة ومخازن عسكرية تابعة إلى المسلحين خلال الغارات، ووفقا للشرطة، فإن عددا من المسلحين الأجانب كانوا من بين القتلى. ويعد إقليم نانجرهار من بين الأقاليم الهادئة نسبيا في شرق أفغانستان، بيد أن الجماعات المسلحة المناهضة للحكومة الأفغانية كثفت مؤخرا من أنشطة تمردها في بعض مناطق الإقليم لزعزعة استقراره.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.