هواجس «اليسار العربي» في ضيافة تونس

تحت شعار «فلسطين: مائة عام من المقاومة»

هواجس «اليسار العربي» في ضيافة تونس
TT

هواجس «اليسار العربي» في ضيافة تونس

هواجس «اليسار العربي» في ضيافة تونس

بينما كان القادة العرب يعدون للالتقاء في الأردن، استضافت تونس أخيراً «المؤتمر الثامن لليسار العربي» الذي التأم تحت شعارات كثيرة، أبرزها: مساندة المطالب الوطنية لشعب فلسطين بمناسبة مرور مائة عام على صفقة «سايكس - بيكو» الاستعمارية البريطانية الفرنسية التي قسَّمَت بلاد الشام والعراق إلى 4 دويلات ومهّدت لاحتلال فلسطين. إذ رفع المؤتمر شعار «فلسطين: مائة عام من المقاومة»، واستبق مظاهرات بالجملة شهدتها العاصمة التونسية لإحياء «يوم الأرض الفلسطيني» نظمتها نقابات المحامين وهيئات حقوقية ومنظمات من المجتمع المدني وأحزاب تونسية مختلفة.
لكن هل يُعدّ توافد مزيد من القادة اليساريين العرب على تونس «دعماً للمقاومة الفلسطينية»، مؤشراً لصمود تيار من النخب العربية وانحيازها بقوة لمطالب التحرّر الوطني الفلسطينية... أم أنه مجرد «رسالة من تحت الماء» وجَّهَها هؤلاء الساسة «الثوريون» لتغطية عجزهم عن الفعل والتأثير في مجرى الأحداث؟
ثم، لماذا تناسى زعماء اليسار العربي «ثوابتهم» و«مرجعياتهم الفكرية والسياسية الماركسية» التي تؤكد على «حتمية الصراع الطبقي» وتبشر بانتصار «الطبقة الكادحة» على رؤوس الأموال والحكومات الليبرالية؟
قد تكون تونس والجزائر والمغرب آخر بلدان العالم العربي والإسلامي والأفريقي «التي لا تزال الأحزاب الشيوعية والاشتراكية الماركسية تلعب فيها دوراً سياسياً كبيراً».
هكذا علّق رئيس الحكومة الجزائري السابق سيد أحمد غزالي في لقاء مع «الشرق الأوسط» على الدور الذي تلعبه أحزاب من «أقصى اليسار» في البلدان المغاربية. وكانت هذه الأحزاب قد لعبت دوراً طليعياً في المؤتمر الذي استضافته العاصمة التونسية، وشارك فيه يساريون وإسلاميون وليبراليون.
وبطبيعة الحال، كان ممثلون عن فصائل من اليسار الفلسطيني والأردني والعربي والمغاربي على رأس المحتفين بهذه الذكرى الرمزية، التي رعتها سفارة فلسطين في تونس وشخصيات من النقابيين والسياسيين اليساريين العرب من جنسيات مختلفة، بينهم قادة «أقصى اليسار التونسي» في حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحَّد الذي يتزعمه النقابي والبرلماني زياد الأخضر منذ اغتيال الزعيم اليساري القومي شكري بلعيد في فبراير (شباط) 2013.

الهزائم الانتخابية
الطاهر شقروش، الزعيم اليساري التونسي، الجزائري الأصل، رأى أن مؤتمر أحزاب اليسار العربي في نسخته الثامنة: «لا يخفي عجز الجيل الجديد من اليساريين عن مواكبة التحديات التي تواجه شعوبهم منذ انهيار المعسكر الاشتراكي والأنظمة المحسوبة على الشيوعية والاشتراكية عالمياً». ووفق شقروش، الذي سبق أن حوكم بالسجن لمدة طويلة في عهد الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة بسبب انتمائه لحركة يسارية راديكالية، فإن «فشل الغالبية الساحقة من أحزاب اليسار العربي في الانتخابات التعددية والنزيهة، التي نظمت في بلدانها، يُعد مؤشراً كافياً على صعوبة نجاح أي حزب يساري ماركسي اليوم في قيادة أي بلد عربي».
وفي السياق ذاته، اعتبر عصام الشابي الزعيم اليساري والقومي التونسي وزعيم الحزب الجمهوري، أن حركات اليسار التونسية والعربية «ارتكبت غلطات فادحة خلال العقود الماضية، ثم بعد اندلاع الثورات العربية في 2011، من بينها التشرذم والتورط في الصراعات الهامشية... فكانت النتيجة حصولها على نتائج هزيلة في الانتخابات التعدّدية المتعاقبة التي شاركت فيها مقارنة برموز النظام القديم والمعارضين الإسلاميين».

القطيعة والاستئصال؟
ومن ناحية ثانية، ذهب المفكر والفيلسوف التونسي أبو يعرب المرزوقي أبعد من ذلك، فاتهم رموز أقصى اليسار التونسي والمغاربي بـ«الفشل الدائم» و«بتكريس منطق القطيعة والاستئصال في علاقاته بخصومه السياسيين الذين ينتمون إلى حركات وأحزاب ليبرالية وقومية وإسلامية».
وأشار المرزوقي إلى ما يصفه بـ«الغلطات القاتلة التي ارتكبتها بعض القيادات اليسارية العربية، خلال العقود الماضية، إبان المواجهات الدامية بين السلطات والمعارضين الذين يرفعون شعار الهوية. ومن أبرزها الانحياز للحكومات القمعية، وهو ما تسبّب في تراجع شعبية أحزاب اليسار عموماً.. وما شكك في مصداقيتها ونضالية زعمائها».
وهنا لفَتَ المرزوقي إلى مشاركة بعض قادة اليسار في الحكومات المتعاقبة ببعض الدول المغاربية خلال مراحل القمع القصوى للمعارضة القومية والليبرالية والإسلامية. وحسب قوله: «أسهمت تلك المشاركة في إظهارها (أي قيادات اليسار) في موقع الموافق على السياسات الاستبدادية والاستئصالية التي انتهجتها بعض الأنظمة العربية خلال العقود الماضية»، على حد تعبيره.

الرأي الآخر
ولكن، في المقابل، يرفض قياديون من بين المشاركين في «مؤتمر تونس الثامن لليسار العربي» مثل محمد جمور، القيادي في حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد التونسي، جملةً وتفصيلاً الاتهامات التي يوجهها لهم خصومهم. وينوه هؤلاء بـ«التضحيات التي قدمها جيل كامل من الشباب اليساري من شباب الثانويات والجامعات والنقابات والحركات الشيوعية السرية».
وفي هذا المجال، أشار جمور إلى «حملات القمع التي شملته شخصيا مع عدد من رفاقه المحسوبين على أقصى اليسار في تونس والجزائر والمغرب»، واستدل (حسب رأيه) بـ«الدور المركزي الذي لعبه نشطاء اليسار العربي في المنظمات الحقوقية، بما في ذلك في مجالات معارضة أحكام الإعدام والأحكام القاسية بالسجن على آلاف المعارضين والنقابيين العلمانيين والإسلاميين».
وفي الاتجاه نفسه، اعتبر الجيلاني الهمامي، القيادي في حزب العمال الشيوعي التونسي والتجمع اليساري الذي تشكل منذ اغتيال شكري بلعيد تحت تسمية «الجبهة الشعبية»، أن اليساريين العرب «كانوا طوال السنوات الستين الماضية أكثر من قدّم سجناء سياسيين وتضحيات في مواجهة الأنظمة الاستبدادية، بما في ذلك بسبب دفاعهم السابق عن المساجين السياسيين والإسلاميين والنقابيين والطلبة».

مراجعات فكرية وسياسية
مع هذا، فإن «واقع اليسار في البلدان المغاربية والعربية يبدو أكثر تعقيداً»، حسب الجامعي والكاتب الجزائري رشيد التلمساني، إذ رأى التلمساني أن «اليساريين الجزائريين إنما فشلوا في الفوز بعدد كبير من الأصوات، منذ الانتخابات التعددية الأولى قبل 27 سنة، بسبب تمسّكهم بمواقفهم النخبوية ومرجعياتهم الفكرية الاشتراكية والشيوعية. وفي المقابل تقدم الليبراليون والإسلاميون بفضل بروزهم في موقع المتمسك بالهوية الوطنية للجزائر وبالتغيير الجذري».
ومن جهته، دعا عالم الاجتماع التونسي منصف وناس «زعماء أحزاب اليسار العربي إلى الاعتراف بأخطاء الماضي، والقيام بمراجعات فكرية سياسية جوهرية تشمل عقائدها الماركسية ومسلماتها الفلسفية في مجتمعات أثبتت تمسكها بهويتها الإسلامية والعربية وخصوصياتها المحلية».
كذلك فسّر الجامعي المغربي حسن الرحموني ما وصفه بفشل الشيوعيين والاشتراكيين المغاربة بـ«عجز بعض قياداتهم عن التحرّر من القوالب الآيديولوجية، ففوتوا على أنفسهم الاستفادة أكثر من مناخ التعددية السياسية المغربية النموذجي عربياً والمقننة في الدستور المغربي منذ 60 سنة». وانتقد الرحموني ما وصفه بـ«عدم مواكبة جانب من زعماء اليسار العربي عموماً، والمغربي خاصة، مع المستجدات الفكرية والسياسية البراغماتية والوطنية لمدارس اليسار الأوروبية منذ مرحلة أنطونيو غرامشي ما بين الحربين العالميتين. وكانت النتيجة (والكلام ما زال للرحموني) تراجع شعبية الأحزاب الاشتراكية المغربية بشكل سريع، رغم وصول عبد الرحمن اليوسفي، زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى رئاسة الحكومة عام 1998 أي قبل عام واحد من وفاة الملك المغربي الحسن الثاني.

أحزاب نخبوية
على صعيد آخر، اتهم مراقبون لحصيلة «المؤتمر اليساري» قيادات الأحزاب اليسارية بـ«النخبوية وضعف الالتصاق بالأوساط الشعبية المتمسكة بثقافتها العربية الإسلامية ومرجعياتها القومية والوطنية والمحلية». واستغرب الإعلامي والمحلل السياسي زياد الهاني «تورّط بعض اليساريين العرب بعد ما سُمّي بـ(الربيع العربي)، في تبرير نزعات قبلية وجهوية وطائفية، وتوظيف تلك النزعات في تحركاتها عوضاً عن التركيز على العوامل الثقافية الوطنية التي توحّد». ومن جانبه، سجّل الوزير المغربي السابق للإعلام مصطفى الخلفي أن من بين أسباب تراجع شعبية حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وبقية الأحزاب اليسارية المغربية مقابل نجاح حزب العدالة والتنمية، ذي التوجه الإسلامي المعتدل، في الانتخابات البلدية والبرلمانية المتعاقبة منذ أكثر من خمس سنوات اختلاف علاقتهما بالأوساط الشعبية، إذ قال الخلفي إن «الأول بقي نخبوياً، بينما الثاني اقترب من المواطنين عبر تقديم خدمات ملموسة لهم في البلديات والجهات الداخلية وعلى الرصيف».

فلسطين والمطالب النقابية
كذلك، تناول باحثون في تطورات المشهد السياسي والحزبي العربي، مثل الجامعي عبد اللطيف الحناشي، ما وصفه بـ«هشاشة المشروع السياسي لكثير من الأحزاب اليسارية العربية التقليدية... التي تطوّرت (حسب رأيه) من التبشير بثورات شعبية اجتماعية وطبقية إلى مجرد حركات نخبوية تبحث عن هوية جديدة من خلال تبني النضال من أجل تحسين هامش الحريات العامة والفردية ودعم المقاومة الفلسطينية».
وفي الإطار نفسه، اعتبر الإعلامي والمحلل السياسي التونسي صلاح الدين الجورشي أن «رهان اليسار العربي، مجدداً، على شعارات عامة من نوع مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وتحرير فلسطين والانتقال الديمقراطي والمطالب النقابية لن يؤدي بالضرورة إلى زيادة شعبيتها، ما دامت القوى الأقوى تأثيراً ميدانياً حركات ذات ميولات وطنية وقومية وإسلامية». ومن ثم، دعا الجورشي اليساريين العرب إلى «توظيف رصيدهم النضالي لبناء قوى سياسية جديدة تكون أكثر التصاقاً بالشعوب، من خلال القيام بنقد ذاتي لحصيلة التجارب اليسارية العربية السابقة والاعتراف بالغلطات التي وقعوا فيها، وعلى رأسها الصدامات ذات الصبغة الآيديولوجية التي أضعفتهم وزادت شعبية خصومهم الليبراليين والإسلاميين».

انهيار «الدولة الوطنية»
في المقابل، اعتبر الجامعي والباحث الليبي عبد الرحمن العجيلي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «معضلة اليسار واليمين في الوطن العربي واحدة... وهي تطور أوضاع الدولة الوطنية نحو التفكك والتذرر والتجزئة ومسلسل تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ». وذكر العجيلي أن نتائج دراسة جامعية مقارنة أنجزها عن تجارب بناء «الدولة الوطنية» في ليبيا والدولة العربية من جهة، والدول الأوروبية من جهة ثانية، كشفت له أن من بين أخطر ما يهدد ساسة اليسار واليمين عربياً هشاشة الأسس التي اعتمدها مؤسّسو الدول الوطنية الحديثة في العالم العربي.
واعتبر العجيلي أنه إذا كانت «الدول الوطنية» الأوروبية تأسست بعد نجاح الثورة الصناعية والثورات الفكرية والعلمية والسياسية في فرنسا وبريطانيا وألمانيا فإن «الدولة الوطنية» نشأت في الدول العربية والإسلامية بسبب خسائر العرب والمسلمين في الحرب العالمية الأولى، وانهيار الدولة العثمانية التي كانت توحدهم في شكل «خلافة إسلامية» تمتد أراضيها في قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا.. بما في ذلك في مراحل انحسارها وضعفها.

اليسار العربي ضحية
لكن هل لا يكون اليسار العربي بدوره من بين ضحايا ما سمي بـ«الثورات» العربية و«الربيع العربي»؟
هذا ما ذهب إليه أحمد الكحلاوي، عضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي والقيادي النقابي واليساري التونسي، إذ ربط الكحلاوي بين كل الأزمات السياسية التي تشهدها النخب الحاكمة والمعارضة عربياً والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ثم ما وصفه بالاحتلال الأميركي للعراق ولأجزاء من سوريا تسيطر عليه الجماعات المسلحة الإرهابية.
وبينما نوّه الكحلاوي بـ«نضالات الأحزاب القومية واليسارية الوطنية الفلسطينية»، مثل الجبهة الشعبية التي أسسها الدكتور جورج حبش، فإنه يعترف بكون التيار العريض للمقاومة الوطنية للاحتلال الإسرائيلي باتت تتزعمها فصائل محسوبة على التيار الإسلامي «ما تسبب في حالات كثيرة بهضم جانب الحركات اليسارية والتعسف على تاريخها». ومن خلال هذا التقييم يعتبر أحمد الكحلاوي أن أحزاب اليسار العربي، التي بادرت مبكراً، لدعم حركات المقاومة للاحتلال الإسرائيلي «لا تزال مؤثرة سياسياً» بينها الجبهتان الشعبية والديمقراطية الفلسطينيتين. كذلك أثنى على الدور المركزي لشخصيات قومية ويسارية كانت ولا تزال منحازة للمطالب الوطنية الفلسطينية مثل عشرات الزعماء اليساريين والقوميين المسيحيين والمسلمين الذين انخرطوا منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي في آليات «الحوار القومي الإسلامي».

اليسار الجديد
وفي هذا المناخ العامّ تحفظ بعض اليساريين الراديكاليين، مثل الزعيم اليساري والنقابي التونسي صالح الزغيدي، عن «توسيع» صفة «اليسار» ليشمل القوميين العرب والمنتمين ومناضلي ما يُسمى بـ«التيار الإسلامي التقدمي». وقال الزغيدي إن اليساريين «ينبغي أن يكونوا أساساً ماركسيين وشيوعيين واشتراكيين، وليسوا من بين مَن يتبنون المقولات القومية والإسلامية والوطنية». ومن ثم، طعن الزغيدي في الصفة اليسارية لكثر من الأطراف التي تنتسب إليها عربياً ومغاربياً وفي تونس، مثل قيادات أحزاب «الجبهة الشعبية» التونسية المعروفين بميولهم البعثية والقومية والدينية.
لكن الزعيم اليساري والنقابي والكاتب بلقاسم حسن، الذي اعتزل قيادة الحزب الشيوعي التونسي وأحزاباً يسارية وقومية أخرى وأصبح عضواً في المكتب السياسي في «حركة النهضة» الإسلامية، ارتأى أن المطلوب اليوم هو «تجاوز الشعارات الآيديولوجية اليسارية، وتأسيس يسار عربي جديد يتحالف مع كل التيارات والنشطاء الذين يتبنون الديمقراطية ومطالب التحرّر الوطني والاجتماعي بصرف النظر عن مرجعياتهم العقائدية».

التراكم وخيار التوافق
وخلافاً للتقييمات المتشائمة بمستقبل اليسار العربي، اعتبر المفكر زهير بن يوسف، نائب رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان سابقاً، أن مصير قوى اليسار العربي «رهين عدة مستجدات من بينها تكريس تراكم التجارب والخبرات والنقد الذاتي». وفي ظل خلط الأوراق الدولية والإقليمية في المنطقة العربية والإسلامية منذ الحرب العراقية الأولى، قال محمد القوماني، وهو من بين زعماء اليسار الإسلامي التونسي، إن «الخيار الوحيد أمام مناضلي اليسار العربي هو اتباع المنهج التونسي والمغربي للتوافق بين العلمانيين والإسلاميين، وقبول كل الأطراف مبدأ المشاركة في الحكم بين الليبراليين والاشتراكيين والوطنيين والإسلاميين».
ونوّه هشام سكيك، أمين عام حزب المسار اليساري التونسي، الذي أسس على أنقاض الحزب الشيوعي التونسي القديم، أيضاً، بـ«فوائد اعتماد خيار التوافق السياسي والحزبي والبرلماني».

المشهد التونسي
وفي خضم صراع الأفكار والأولويات، برزت سلوكيات سياسية جديدة في صفوف اليسار التونسي والعربي تتمثل بالانخراط في أحزاب وتكتلات سياسية تضع على رأس أولوياتها ما تسميه «الدفاع عن قيم الحداثة والمشروع المجتمعي العصري» و«محاربة التيارات الأصولية الدينية المتشددة» أو ما يُعرف بجماعات «الإسلام السياسي». وهنا يبرّر بوجمعة الرميلي، القيادي السابق في الحزب الشيوعي التونسي، انضمام مئات النقابيين والسجناء اليساريين السابقين في تونس إلى الحزب «نداء تونس» الذي أسسه «الرئيس» الباجي قائد السبسي الذي أحد القياديين القدامى في حزب بورقيبة وبن علي.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن هذا الانضمام «مكّن ذلك التحالف مئات الرموز اليسارية من دخول البرلمان والحكومة ومواقع مهمة في الدولة والإدارة بالتنسيق والشراكة مع خصوم الأمس الليبراليين». وبذا، أيضاً، حسم هؤلاء اليساريون مجدّداً في مقولة كانت خلافية بين الزعماء اليساريين التونسيين منذ 60 سنة: «الأولوية للموقع قبل الموقف»... وخدمة الموقف السياسي اليساري من خلال احتلال موقع في الدولة، عوض التنقل بين السجون ومراكز التجنيد الإجباري ومؤتمرات التباكي على نتائج اتفاقية «سايكس - بيكو» الاستعمارية وعلى مؤامرات الاستعمار الجديد على فلسطين. ثم، على المنطقة منذ انفجار بركان «الربيع العربي»، وذلك كي لا تبقى فلسطين مجرد شعار يوحّد ما تبقى من يساريين ونشطاء سياسيين عرب.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.