الجنرال جونز لـ «الشرق الأوسط»: وجود «ناتو» خليجي رسالة قوية إلى إيران

القائد الأعلى السابق لقوات حلف شمال الأطلسي والبحرية الأميركية أكد إصرار واشنطن على هزيمة «داعش» وحل الأزمة السورية

الجنرال جونز
الجنرال جونز
TT

الجنرال جونز لـ «الشرق الأوسط»: وجود «ناتو» خليجي رسالة قوية إلى إيران

الجنرال جونز
الجنرال جونز

الجنرال الأميركي جيمس جونز، القائد الأعلى السابق لقوات الحلف الأطلسي، لم يتوقف عن الغوص في شؤون الشرق الأوسط، ومشكلاته وقضاياه، فهو يطرح دائماً الأفكار والحلول، خصوصاً فيما يخص الخليج العربي وتركيا.
في الحوار الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» عبّر عن ارتياحه للقاء «الناجح جداً» الذي جرى بين ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترمب، حيث اتفق الجانبان «حول الأخطار التي تهدد منطقة الخليج».
ويطرح الجنرال جونز فكرة تحالف خليجي على نسق «الحلف الأطلسي»، حيث سيكون أسهل على أميركا المشاركة في مثل هذا الحلف. يقول: «نجح الحلف الأطلسي في الوقوف في وجه الخطر الوجودي الذي كان يشكله الاتحاد السوفياتي، وساعد على تفكيكه». ورأى في الحديث عن مثل هذا الحلف، رسالة قوية موجهة إلى إيران. قال الجنرال جونز: «إذا رأى أشخاص مثل ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي أن هذه الفكرة تستحق، فإن أميركا سترحب بالانضمام إلى هذا الحوار». لم يستبعد أن تنضم الولايات المتحدة إلى هذا الحلف.
ورأى جونز الذي عمل أيضاً قائداً لسلاح البحرية الأميركية، ومستشاراً للأمن القومي، في عهد الرئيس باراك أوباما، أن الإرهاب خطر عالمي ويحتاج إلى تحالف دولي لإزالته. ثم قال إن «كل ما يقوي العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية بين أميركا والسعودية أمر قيّم جداً، وهذا طريق في اتجاهين». وقال، إن سوريا، كما شبه جزيرة القرم وأوكرانيا، ستكون من أولويات محادثات الرئيس ترمب والرئيس الروسي بوتين «عندما يلتقيان». ومع قوله إن الرئيس بوتين يتحين الفرص وليس استراتيجياً، استبعد أي عودة إلى الحرب الباردة.
* هل يمكن النظر إلى اللقاء الذي جرى بين الرئيس دونالد ترمب وولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على أن واشنطن تطمئن دول الخليج باستعدادها للوقوف إلى جانبها ودعم أمنها بالفعل؟
- نعم، حسبما سمعت كان اللقاء ناجحاً جداً، كذلك كان اللقاء مع وزير الدفاع جيمس ماتيس، والعلاقات التقت ضمن مفهوم مشترك حول الأخطار التي تتعرض لها منطقة الخليج.
* كيف ترى العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية في ظل إدارة ترمب؟ كيف ستختلف عما كانت عليه في ظل الرئيس باراك أوباما؟
- أعتقد أن الرئيس ترمب وحكومته قالا بوضوح إن إيران دولة لا يمكن الوثوق بها، وإنها تشكل خطراً ليس فقط على المنطقة، إنما كمصدر للإرهاب، وإنها غير مستعدة للانضمام إلى العائلة الدولية، وأعتقد أن النظرة المشتركة حول إيران التي لدى ولي ولي العهد السعودي وقادة آخرين في الخليج، ولدى الإدارة أطلقت علاقة أفضل بكثير مما انتهت إليه مع إدارة أوباما.
* إذن، كيف يمكن للولايات المتحدة أن تتعاون مع المملكة السعودية ودول الخليج العربي لاحتواء التدخل الإيراني في شؤونها ووقف عملياتها الإرهابية؟
- حسب رأيي الشخصي، فإذا كنا في مواجهة خطر وجودي، فيجب أن نكون حاسمين جداً، نضاعف العقوبات، ونقوم بكل ما نستطيع حتى يغيروا تصرفاتهم بشكل جذري. وحتى يحدث ذلك، فإنه من الأهمية القصوى للولايات المتحدة ولدول الخليج أن يشقوا الطرق حيث يستطيعون العمل معاً، وإعادة تثبيت شراكتنا، وإصرارنا على أننا لن نسمح لإيران بتخويفنا.
* وهل تصغي لك الإدارة؟
- أنا مستشار أمني سابق، وكنت القائد الأعلى للحلف الأطلسي، وقائد سلاح البحرية، وعلى تواصل مع أعضاء في الإدارة، وآمل أن يبين الوقت ما إذا كانوا يصغون أم لا، أنا متفائل، إنهم مهتمون بالموضوع وقد بدأوا بداية جيدة.
* قلت إنه يجب أن نظهر لحلفائنا أن أهمية منطقة الخليج لم تتقلص في نظر السياسة الأميركية، كيف يمكن للولايات المتحدة أن تؤكد وتضمن لحلفائها وأصدقائها في المنطقة، أن سياستها الخارجية تشمل مصالحهم؟
- أظن أنه من الضروري الاستمرار في حوار مع أصدقائنا في الخليج، ويجب أن نكشف عن وجود عسكري قوي، وأعتقد أنه يمكننا إيجاد سبل معاً، حيث تستطيع دول الخليج العمل بفعالية أكثر مع بعضها بعضاً، خصوصاً لجهة الدفاع المشترك في وجه الخطر الوجودي الذي نوافق كلنا، على أنه هناك.
* قلت أخيراً إنه إذا شعرت دول الخليج بأنها تواجه تهديداً وجودياً من الإرهاب، فيمكنها أن تخلق نسخة خليجية من الحلف الأطلسي، وبالتالي سيكون سهلاً على الولايات المتحدة أن تشارك في مثل هذا الحلف. هل يمكنك أن توضح المزيد عن هذه الفكرة؟
- الجواب الأقصر هو إذا نظرنا إلى الوراء وكيف نشأ الحلف الأطلسي، نجد أن الدول الأوروبية ظلت تقاتل بعضها بعضاً. حتى الحرب العالمية الثانية، بعدها جرى تشكيل الحلف الأطلسي مع الولايات المتحدة وكندا عام 1949. ونجح الحلف جيداً على مر السنوات، خصوصاً في وجه الخطر الوجودي الذي شكله الاتحاد السوفياتي، وأدى لاحقاً إلى سقوطه.
وضعت هذا الاقتراح كفكرة، لأنه يخيل إلي أنه كلما عملت دول الخليج واتحدت ضد الخطر الوجودي، وأصبحت قوية عسكرياً، وحسنت الاتصالات فيما بينها، وتبادلت المعلومات الأمنية، وربما اعتمدت استراتيجية وتكتيكات مشتركة، عندها يهيأ إلي أن الولايات المتحدة سترحب بالعمل مع هذا النوع من الكيان، بدل أن تتعامل مع كل دولة بشكل منفرد. وربما الدول الصغيرة تستطيع أن توفر تسهيلات متخصصة لمثل هذا التحالف، أي قد لا نحتاج إلى 10 مطارات بل 4، وبغض النظر عما سيكون الحل، فأنا وضعت الفكرة، لأن هذا ما نتحدث عنه، ولأن للولايات المتحدة خبرة طويلة في التعاطي مع تحالفات، وكنت سعيداً أنه في أبوظبي، عندما شاركت هذا العام في مؤتمر أمني، سمعت آخرين يتحدثون عن هذه الفكرة، وسمعت في واشنطن من يتحدث عنها أيضاً، لذلك قد تجري بعض المحادثات حول هذه المسألة، وأعتقد أنها رسالة قوية موجهة إلى إيران.
* الإدارة الأميركية الحالية في اتصال مع بعض الحلفاء العرب، المعتدلين ودول الخليج، حول فكرة مثل فكرتك. هل تعتقد أن الإدارة تتطلع إلى «ناتو عربي» موسع؟
- لا أعرف الجواب حالياً، أولاً لأنني لست في الإدارة، ثانياً نسبة لدورة الحياة في الإدارة، فإنها لا تزال في بداياتها، لكنني سمعت ما يكفي لأعرف أن هناك من يتحدث ويناقش هذه الفكرة، كفكرة جيدة. إن فكرة التحالف العربي الموسع صادرة عن بعض مراكز الدراسات في واشنطن، مثل «المجلس الأطلنطي» و«مركز الدراسات الاستراتيجية»، لكنني أعتقد أنه من السابق لأوانه أن نعرف كيف تفكر الإدارة بهذه الفكرة، غير أن أشخاصاً مثل الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد ولي عهد الإمارات إذا رأوا أن هذه الفكرة تستحق، فإن الولايات المتحدة سترحب بالانضمام إلى هذا الحوار لتعرف ما الممكن تحقيقه.
* هل ستوجه النصيحة إلى الإدارة وإلى وزارة الدفاع لاعتبار الخطر الإيراني أولوية؟
- أعتقد أنهما يعتبرانه أولوية، وأنا سعيد كما قلت بالمواقف المعلنة عن إيران، وأظن أن الأولويات الأربع هي: إيران وكوريا الشمالية والصين وروسيا على هذا الترتيب.
* مساعدة «تحالف» الدول العربية عسكرياً، هل هي قابلة للتنفيذ من قبل أميركا؟
- نعم أعتقد ذلك. لقد بدأ «الناتو» بـ12 دولة، وهو الآن 28 دولة. لذلك أعتقد أنه يمكن للتحالف العربي العسكري، أن يبدأ بتحالف من بضع دول، إذ قد تفضل دول أخرى المراقبة على أن تنضم لاحقاً، هذا يعتمد على الطريقة التي تريد دول الخليج والدول العربية البدء بها. أكرر، إن مجرد الحديث عن التحالف العسكري يوجه رسالة إلى إيران واضحة جداً وليست غامضة.
* حلف «الناتو» مؤلف من دول كثيرة ومن الولايات المتحدة. هل سيضم «الناتو» العربي إلى جانب الدول العربية، الولايات المتحدة؟
- أعطيك رأيي الشخصي وأقول: نعم، لاعتقادي أن تماسكاً أكبر، وتكتيكات وتدريبات مشتركة، واتصالات وتبادل معلومات، وأي شيء يمكن عمله لإظهار جبهة موحدة ضد خطر وجودي، هو أمر إيجابي بنظري.
* هذا يعني أن هجوماً على عضو هو هجوم على الجميع، مثل اتفاقية دفاعية؟
- هذا يعود إلى مؤسسي التحالف، هذا إذا أرادوا أن يكون فيه ما يسميه الحلف الأطلسي في ميثاقه «الفصل - 5». على كل، بقدر ما تظهر الدول وحدة تتوفر لها فرص أفضل لمنع أي هجوم عليها من الأعداء.
* أنا أشير إلى وحدة بين الدول العربية والولايات المتحدة، هل تتحدث عن الأمر نفسه؟
- نعم. وأضيف أنه بغض النظر عما إذا كانت أميركا في الداخل أو الخارج، فإنه أمر جيد للدول العربية بأن تقدم جبهة موحدة في مواجهة ما يعتبرونه خطراً وجودياً. وأنا شخصياً أعتقد أنه إذا أرادت الولايات المتحدة، أو دول أخرى أن تساعد في ذلك، فالأمر يكون أفضل. على كل، لا يمكن القول إن هجوماً على طرف هو هجوم على الجميع، ما لم توافق كل الدول في التحالف على هذا الأمر.
* عندما أنشئ «الناتو» عام 1949 كان عدد سكان أوروبا يزيد على 350 مليون نسمة، هذا لا ينطبق على دول مجلس التعاون الخليجي؟
- هذا صحيح، أولاً إذا توصلوا إلى تحالف هذا أمر مفيد ومساعد، ثانياً نحن في قرن مختلف، حيث ليس من الضرورة أن تخاض الحروب بالجيوش البرية، بل بجيوش ذات تقنية عالية وقدرات نفسية، ثم إذا قررت الولايات المتحدة أن توقع على مثل هذا الأمر، فإن ميزان القوى يتغير كثيراً لمصلحة دول الخليج. لذلك لا أعتقد أن المسألة متعلقة بالأرقام، بل بالإرادة الوطنية لتشكيل التحالف والإبقاء التكنولوجي الذي يوفر كل الدفاعات لمصلحة كل الدول العربية التي تطلب مساعدة الولايات المتحدة الأميركية.
* هل للإرهاب خطر وجودي على دول مجلس التعاون الخليجي فقط؟
- أعتقد أن إدارتنا كانت واضحة عن هذا، فالإرهاب خطر عالمي، وهو الأخطر على كل الدول، الأوروبيون يشعرون بالشيء نفسه، والدول الأفريقية التي تريد أن تصبح ديمقراطية تواجه صعوبات، لأن المنظمات الإرهابية تنتشر على حدودها، وهي ليست قادرة على السيطرة. الإرهاب خطر عالمي وبرأيي من أجل هزيمته، هناك حاجة لتحالف دولي. هناك تحالف «الناتو» وأنا سعيد أن الولايات المتحدة تطرح مثل هذا التحالف على العالم العربي.
* هل هو الخطر الوجودي الوحيد على دول الخليج؟
- إنه خطر على كل الدول، رأينا هذا أخيراً في لندن.
* هل يستطيع العالم التغلب على هذا الإرهاب، خصوصاً مع وجود الذئاب المنفردة، كما شاهدنا في لندن؟
- نعم، لكن الحل طويل المدى ليس عسكرياً، بل علينا أن نؤكد للشعوب التي تعيش في ظل الإرهاب، أن العالم يريد مساعدتهم، ويريد أن يوفر لهم مستقبلاً أفضل اقتصادياً، وحكومات جيدة وحكم النظام والقانون.
الحل النهائي للقضاء على الإرهاب هو في إقناع الناس بأن هناك حلاً أفضل، وأعتقد أن على الدول المتقـــــدمة أن تتنبه أكثر للدول التي في طريق التطور وتســـــاعدها في توفير معيشة الناس.
* لكن لاحظنا أن عدداً كبيراً ممن «هاجروا» إلى «داعش»، سافروا من دول فيها النظام والقانون، والاقتصاد الجيد، وتتوفر لديهم الفرص الكثيرة، لكنهم أداروا ظهورهم، وعادوا ليهاجموا هذه الدول؟
- هذه نقطة جيدة. لذلك حتى لو توصلنا إلى الحل المثالي، يبقى هناك أناس تقنعهم آيديولوجيا متطرفة، لذلك علينا أن نبدأ بالمدارس. وأعتقد أن على الدول حماية حدودها بشكل أفضل كي تمنع تسلل أمثال «داعش». الاتحاد الأوروبي لم يتنبه إلى حدوده، وانتهى بمشكلة عليه مواجهتها الآن للأسف.
* قال الأمير محمد بن سلمان إن السعودية تريد أن تستثمر 200 مليار دولار في الولايات المتحدة الأميركية، فهل سيقوي هذا العلاقات بين البلدين سياسياً، واقتصادياً وعسكرياً؟
- أعتقد أن كل ما يقوي العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، والإدراك الثقافي بين بلدينا، أمر قيّم جداً، وأحب أن أقول إنه طريق في اتجاهين وليس اتجاهاً واحداً.
* هل تعتقد أنه بعد لقاء الرئيس والأمير، فإن العلاقات بين الدولتين (أميركا والسعودية) ستعود إلى ما كانت عليه في ظل الرئيسين السابقين رونالد ريغان وجورج بوش الأب؟
- قطعنا خطوة كبيرة في هذا اللقاء، وكل الذين التقيتهم في واشنطن، وعددهم كبير، كانوا سعداء لمراقبتهم التفهم الواضح، والشعور الجيد اللذين خرجا من اللقاء، وكلنا أمل في أن نستمر في هذا الاتجاه، ونعود إلى العلاقات التاريخية العظيمة التي كانت تجمعنا مع المملكة العربية السعودية.
* هل ستكون سوريا الاختبار الأول لشراكة بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا؟
- علينا أن ننتظر لنرى. بالتأكيد سوريا ستكون عنصراً من الاختبار الأول، لأن هناك أيضاً توسع الرئيس فلاديمير بوتين في شبه جزيرة القرم، وزعزعته لاستقرار أوكرانيا، لم يحدث اللقاء الأول بعد. وسنرى ما سيحدث. وأعتقد أن المسألة السورية هي من المواضيع الكبرى التي يجب بحثها.
* هل يمكن لأميركا أن تتجاوز مشكلة القرم وأوكرانيا وتتجه مباشرة إلى الحرب السورية في المحادثات مع الروس؟
- أنا لست في الحكومة، ولا أعرف المواضيع التي ستكون على اللائحة، لكن كما ذكرت، فإن هذه المسائل مجتمعة تجب مناقشتها كنقطة انطلاق. وأعتقد، كما تلاحظين، أن هناك هوساً ما بروسيا في الإعلام الأميركي، لذلك علينا أن ننتظر ونرى تأثير ذلك عندما يلتقي الرئيسان الأميركي والروسي.
* هل يجب أن تنتظر سوريا الحل، بعد إيجاد حل للقرم وأوكرانيا؟
- لقد قلت سابقاً إننا خسرنا الفرصة، عندما تحدثت أميركا عن خطوط حمراء، ثم اختفت تلك الخطوط. أعتقد أنه من المهم جداً عندما يسمع العالم الرئيس الأميركي يقول إنه سيُقدم على شيء، فعليه الإقدام. أظن أن هذه نقطة قوية في شخصية الرئيس ترمب، وأعتقد أن العالم يصدقه عندما يقول: إذا فعلتم هذا سأفعل هذا.
إننا نحاول إخراج العلاقات الروسية - الأميركية من عنق الزجاجة، وتبقى سوريا مهمة جداً، وأظن أنها ستكون بين المواضيع الرئيسية، إذا لم تكن الموضوع الأول.
* هل تعتقد أن روسيا/ بوتين كانت أذكى من أميركا/ أوباما، لأن ادعاء بوتين بأنه يريد إنقاذ حكم بشار الأسد ساعده في تقوية علاقات روسيا مع دول استراتيجية أخرى، مثل أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان وفي شق طرق دبلوماسية في اتجاه مصر وتركيا؟
- لا أعتقد أنها مسألة ذكاء، الرئيس بوتين انتهازي، ومن الواضح جداً أنه يريد أن يستعيد ما يعتقده، الدول التي في يد روسيا، وأعتقد أنه شخصياً جزء من الحرب الباردة أكثر من أي إنسان آخر. تاريخه في «الكاي جي بي» يدفعه إلى إلقاء اللوم على الولايات المتحدة، في كل المشكلات التي يعانيها. بوتين ليس استراتيجياً إنما انتهازي، أعتقد أن على الساحة لعبة جديدة الآن. لدينا إدارة مختلفة، واللقاء مع الأمير محمد بن سلمان دليل على أن الولايات المتحدة هي أكثر إصراراً والتزاماً لإلحاق الهزيمة بـ«داعش» وحل الصراع في سوريا.
* دول الخليج متخوفة من حرب باردة جديدة بين أميركا وروسيا، وهذا ما قد يدفع بروسيا إلى مساعدة إيران في هذا الوضع، هل ترى ذلك؟
- إننا بعيدون جداً عن ذلك. وأعتقد أن هناك وسائل أخرى للتأثير على تصرفات إحدى الدول. العقوبات الاقتصادية دفعت إيران إلى طاولة المفاوضات. ونعرف أيضاً، أن العقوبات أضرت بروسيا. لذلك على المجتمع الدولي أن يعمل بتنسيق مشترك لمواجهة أعمال مثل هذه الدول، بعزلها، وفرض العقوبات الاقتصادية، وطردها من المنظمات الدولية لوقف تصرفاتها الخطيرة. أعتقد أنه يجب أن تعرف أن الخيار العسكري موجود، إنما هو الخيار الأخير لأن هناك وسائل أخرى متاحة للعقاب، خصوصاً أن حرباً نووية لا يمكن التفكير بها، لأنها تغير طبيعة الحياة على الأرض كلها، ولا أحد يريد ذلك.
* كيف يمكن إعادة العلاقات الأميركية - التركية إلى مسار طبيعي؟ هل من الصعب فهم الرئيس رجب طيب إردوغان؟
- تحاول الدولتان التوصل إلى تفاهم، الاتصالات والتعاون العسكري قائمان. وسيلتقي رئيسا البلدين ويتباحثان مطولاً. تركيا دولة استراتيجية ومهمة، ويجب على أميركا والدول الأخرى أن تصغي إليها. إن جيش تركيا هو ثاني أكبر جيش في الحلف الأطلسي، وآمل أن تتحسن العلاقات في ظل إدارة ترمب.
* ساعدت في إنشاء ملاذات آمنة للأكراد شمال العراق زمن صدام حسين. هل ترى الأكراد موحدين في يوم ما، في دولة واحدة؟
- لا يمكنني التخمين، الموضوع حساس جداً، الشعب الكردي في العراق وسوريا وتركيا وإيران بأفراده ليسوا متجانسين، لذلك هذا يعتمد حول أي أكراد نتكلم، تجربتي مع الرئيسين مسعود بارزاني وجلال طالباني تعود إلى 25 سنة. القوات الكردية/ البيشمركة، قاتلوا إلى جانب الولايات المتحدة، ماتوا إلى جانب جنودنا، وموقعهم الجغرافي استراتيجي. آمل أن تستمر الولايات المتحدة الأميركية في دعم الأكراد في نضالهم للحصول على منطقة آمنة لشعوبهم.
* أكراد سوريا يقاتلون إلى جانبكم اليوم ويموتون معكم. فهل يستحقون دولة؟
- لست متأكداً من هذا. علينا أن ننتظر كيف سيكون الحل السوري. أعرف أن لدى تركيا مشاعر قوية حول بعض الأكراد، ولأميركا مشاعر قوية في المقابل. إنها مشكلة جيو - سياسية، أبعد من قدرتي على التخمين. نريد أن يعود السلام إلى المنطقة، وعلينا أن نبذل جهداً صارماً لتحقيق ذلك، عندها نرى كيف ستتجه الأحداث!



إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...


«البنتاغون» يبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» يبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في «البنتاغون».

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك، فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة بعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم «البنتاغون» كينغسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.

وقال مسؤول في حلف شمال الأطلسي، رداً على سؤال عما إذا كان من الممكن تعليق عضوية دولة في الحلف: «معاهدة تأسيس حلف شمال الأطلسي لا تنص على أي بند بشأن تعليق العضوية في الحلف».

«تقليل الشعور بالاستحقاق»

وقالت بريطانيا وفرنسا ودول أخرى إن الانضمام إلى الحصار البحري ​الأميركي سيعني دخولها في الحرب، لكنها ستكون على استعداد للمساعدة في إبقاء المضيق ‌مفتوحاً بمجرد التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار أو انتهاء الحرب.

لكن مسؤولي إدارة ترمب شدَّدوا على أن حلف شمال الأطلسي لا يمكن أن يكون طريقاً من ‌اتجاه واحد. وعبَّروا عن خيبة الأمل من إسبانيا، التي قالت حكومتها التي يقودها حزب العمال الاشتراكي إنها لن تسمح باستخدام قواعدها أو مجالها الجوي لمهاجمة إيران. ولدى الولايات المتحدة قاعدتان عسكريتان مهمتان في إسبانيا، هما قاعدة روتا البحرية وقاعدة مورون الجوية.

قال المسؤول، مٌلخصاً محتوى رسالة البريد الإلكتروني، إن الخيارات السياسية الموضحة في الرسالة تهدف إلى إرسال إشارة قوية إلى أعضاء حلف شمال الأطلسي بهدف «تقليل الشعور بالاستحقاق لدى الأوروبيين».

وأوضح أن الرسالة تشير إلى أن خيار تعليق عضوية إسبانيا في الحلف سيكون له تأثير محدود على العمليات العسكرية الأميركية، لكنه سيكون له تأثير رمزي كبير.

ولم يكشف المسؤول ‌عن السبل التي ربما تتبعها الولايات المتحدة لتعليق عضوية إسبانيا في الحلف.

وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، رداً على سؤال حول التقرير قبيل اجتماع لقادة الاتحاد الأوروبي في قبرص لمناقشة قضايا، من بينها بند المساعدة المتبادلة في حلف شمال الأطلسي: «لا نتحرك بناءً على رسائل إلكترونية. نحن نتحرك بناءً على وثائق رسمية ومواقف حكومية، وفي هذه الحالة عن مواقف الولايات المتحدة».

جزر فوكلاند

تتضمن المذكرة أيضاً خياراً للنظر في تقييم الدعم الدبلوماسي الأميركي لما يعرف باسم «الممتلكات الإمبراطورية» الأوروبية القديمة، مثل جزر فوكلاند بالقرب من الأرجنتين.

ويذكر موقع وزارة الخارجية الأميركية أن الجزر تخضع لإدارة بريطانيا، لكن الأرجنتين لا تزال تطالب بالسيادة عليها. ورئيس الأرجنتين خافيير ميلي من حلفاء ترمب.

وتحمس ميلي لهذه الاحتمالات. وقال في مقابلة مع محطة إذاعية نشرها على حسابه على «إكس»، الجمعة: «نفعل كل ما في مقدور البشر لنستعيد كل جزر مالفيناس الأرجنتينية، الجزر، لأيدي الأرجنتين... نحرز تقدماً كما لم يحدث من قبل» وهو الاسم الذي تطلقه الأرجنتين على جزر فوكلاند.

وخاضت بريطانيا والأرجنتين حرباً قصيرة في 1982 بشأن الجزر بعد محاولة أرجنتينية فاشلة للسيطرة عليها. وقتل نحو 650 جندياً أرجنتينياً و255 عسكرياً بريطانياً قبل أن تستسلم الأرجنتين.

وأكد متحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الجمعة، أن بريطانيا لها السيادة على جزر فوكلاند. وقال للصحافيين: «موقف بريطانيا بشأن جزر فوكلاند واضح تماماً. إنه موقف راسخ لم يتغير».

وأساء ترمب مراراً إلى ستارمر، ووصفه بأنه جبان بسبب عدم رغبته في الانضمام إلى حرب الولايات المتحدة مع إيران، ووصف ترمب حاملات الطائرات البريطانية بأنها «دُمى». وقال إن ستارمر «ليس ونستون تشرشل»، مقارناً إياه برئيس الوزراء البريطاني الراحل.

ولم توافق بريطانيا في البداية على طلب الولايات المتحدة السماح للطائرات الأميركية بمهاجمة إيران من قاعدتين بريطانيتين، لكنها وافقت لاحقاً على السماح بمهام دفاعية تهدف إلى حماية سكان المنطقة، بما في ذلك المواطنون البريطانيون، ​وسط الرد الإيراني.

وفي تعليقات للصحافيين في «البنتاغون» في وقت سابق من ​هذا الشهر، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث إن «الكثير قد انكشف» من خلال الحرب على إيران، مشيراً إلى أن صواريخ إيران بعيدة المدى لا يمكنها ضرب الولايات المتحدة، لكنها تستطيع الوصول إلى أوروبا.

وقال هيغسيث: «نواجه أسئلة، أو عراقيل، أو تردداً... وليس لدينا في الحقيقة الكثير من مقومات التحالف إذا كانت هناك دول غير مستعدة للوقوف إلى جانبنا عندما نحتاج إليها».