«اللاشعور» ما قبل فرويد وما بعده

تجميد حركية المفاهيم هو سير عكس طبيعة الأشياء

«اللاشعور» ما قبل فرويد وما بعده
TT

«اللاشعور» ما قبل فرويد وما بعده

«اللاشعور» ما قبل فرويد وما بعده

حينما ينفجر مفهوم في لحظة تاريخية محددة وفي حقل معين، فإنه لا ينبثق فجأة وبشكل مباغت، بل يكون قد تم الإعداد له على نار هادئة. بمعنى آخر نقول إن المفهوم ليس شيئاً يسقط كوحي على عقل عبقري نحته وأطلقه للوجود، بل هو يتشكل في مرجل التاريخ، بحيث نجد له جذوراً وأصولاً مهدت له وأسهمت في إخراجه إلى حيز الوجود، أو لنقل بكلمة أوضح، إن كل مفهوم هو بالضرورة كائن تاريخي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن انطلاق المفهوم وتشكل دلالته واحتلاله موقعاً وحيزاً في عقول المفكرين، لا يعني أن الأمر انتهى وتم إغلاقه. بل العكس هو الذي يحدث، إذ يأخذ الأمر مساراً آخر. فيتشتت المفهوم كشظايا تصيب ميادين وحقولاً معرفية أخرى، ليكتسب، في النهاية، دلالات مختلفة عن المعنى الأصلي للحقل الذي انفجر فيه أول مرة. إن المفهوم إذن، له لحظة انطلاق تكون عبارة عن وعي كامل بدلالاته وصلاحياته للفهم والتفسير. لكن هذا المفهوم ليس مبتوراً، بل متجذر في الماضي، وله إرهاصات سابقة عليه سمحت بظهوره، وفي الوقت نفسه، له امتدادات في المستقبل، بحيث يجري توظيفه في مجالات متعددة، فندخل فيما يمكن أن نسميه: حقبة هيمنة المفهوم وسيطرته على العقول.
ولكي لا يبقى كلامنا فضفاضاً وعاماً، ولفهم أدق لحركية المفهوم وتجواله وانتقالاته، سنأخذ نموذجاً تمثيلياً هو مفهوم «اللاشعور» الذي شغل بال الفكر المعاصر في القرن العشرين. وسنعتمد بالأساس، على دراسة قام بها الدكتور عبد الرزاق الدواي بعنوان «مفهوم اللاشعور... نماذج من انتقالاته في الفكر المعاصر»، التي جاءت ضمن كتابه «حوار الفلسفة والعلم والأخلاق» شركة المدارس الدار البيضاء، 2004. هنا تفاصيل ذلك:
* ما قبل فرويد
إن كل من يسمع كلمة «اللاشعور»، يستحضر في ذهنه مباشرة، الطبيب والمحلل النفسي الشهير سيغموند فرويد (1856 - 1939). وحقاً، هذا الرجل هو من أعلن بوضوح، تأسيس فرع جديد في علم النفس، جاعلاً اللاشعور النفسي مركزه. كما طور منهجاً متميزاً للكشف عن تجلياته، وكذلك بعض التقنيات لعلاج الاضطرابات النفسية التي تسببها رواسب اللاشعور. لكن على الرغم من كل ذلك، ففي حقيقة الأمر، نجد أن مفهوم اللاشعور لم يظهر بهذه الفجائية في حقل محدد هو التحليل النفسي. بل نجد له تمهيدات في الفلسفة الأوروبية خلال القرن التاسع عشر. ففكرة أن هناك مضمرات وقوى خفية نفسية غائرة وغائبة متحكمة في وعي الإنسان، كانت رائجة، خصوصاً عند الفلاسفة الألمان الذين نبهوا إلى وجود قوى مجهولة وعارمة لها السيادة على السلوكيات الإنسانية، وغالباً ما نسبوها إلى الجانب العضوي الفسيولوجي لدى الإنسان.
وإذا ما أخذنا الفيلسوف والتربوي وعالم النفس الألماني فريدريك هربارت (1776 - 1841)، سنجد أن ظاهرة «اللاشعور»، بل حتى فكرة «الكبت»، كانت متداولة في كتاباته، وإن لم ترقَ إلى مستوى الاستخدام الفرويدي، لكنها كانت مقدمة أولية شكلت اللمسات الممهدة للتحليل النفسي. لقد كان هربارت يرى أن وحدات النفس البشرية وظواهرها، هي «تمثلات» بينها تعارض وصراع يؤدي إلى إقصاء واحدة على حساب الأخرى. بعبارة أخرى، خلال سيرورة الصراع النفسي بين التمثلات، تطغى أفكار وتظهر على سطح «الشعور»، وفي الوقت نفسه، تكبح أخرى، أي تكبت وتقذف في أعماق «اللاشعور». أو لنقل إن هربارت، يرى للتمثلات اتجاهين؛ اتجاه صاعد إلى مستوى الشعور واتجاه نازل إلى مستوى اللاشعور. فيمكن الحديث عن تمثل مستقر في الشعور إذا كان واضحاً ومتميزاً. وبالعكس، يمكن الحديث عن تمثل مستقر في اللاشعور، إذا كان مكبوحاً أو مكبوتاً أي غامضاً. ولعل العارف البسيط ببعض أفكار فرويد، يتبين له كم أن هربارت له السبق بل الفضل في نشأة أهم مفاهيم المشروع الفرويدي، ونقصد «اللاشعور» و«الكبت».
وفي الحقيقة ليس هربارت وحده من تشكلت عنده النواة الأولى لفكرة اللاشعور، بل نجدها عند كثير من الفلاسفة الذين آمنوا بوجود قوة لا شعورية محركة للعالم، نذكر منهم فريدريك هيغل (1770 - 1831)، بفكرته عن «المطلق» كروح محركة للتاريخ، وكذلك شوبنهاور (1788 - 1860)، بفكرته عن «الإرادة» كقوة مجهولة وعارمة وغير معقولة هي مبدأ الوجود. وأيضاً هارتمان (1842 - 1906)، بكتابه «فلسفة اللاشعور»، حيث يجعل من اللاشعور روحاً كونية تسري في كل شيء. ولنقف عند شوبنهاور تحديداً، نظراً لاعتراف فرويد بتأثيره.
تقول أطروحة شوبنهاور إن «العالم المرئي يخفي تحته عالماً أكثر حيوية وأكثر دفقاً. فالحفر تحت السطح سيكشف لنا عن حقل من القوى والغرائز العمياء، وهي دوافع بمثابة سراديب لا واعية. تظهر في الطبيعة الخام كقوة الجاذبية مثلاً، وتظهر كقوة حيوية لدى النباتات والحيوانات، وتظهر عند الإنسان في إرادة بقائه التي ليست بقراره أبداً». هذه الأفكار الداعمة لوجود أعماق لا شعورية، جعلت فرويد نفسه يعترف بسبق الرجل (الفلسفي طبعاً) إذ نجده يقول: «لقد بقيت أعتبر هذه الفكرة (يقصد فكرة الكبت)، جديدة وأصيلة إلى اليوم الذي أطلعني فيه أوتو رانك (تلميذ وزميل لفرويد)، على صفحات من كتاب شوبنهاور (العالم كإرادة وتمثل)، يعرض فيها الفيلسوف تفسيراً لظاهرة الجنون».
وفعلاً، عندما نقرأ بعض نصوص شوبنهاور، نكتشف لمسات واضحة لآلية الكبت التي تتوافق وما قدمه فرويد في نظريته، ومن أمثلة ذلك، نذكر قول شوبنهاور: «عندما تستيقظ فينا بكيفية فجائية إحدى الذكريات الماضية القاسية والمؤلمة، فإننا غالباً ما نعمل على استبعادها في الحين، بطريقة تكاد تكون آلية: إما عن طريق التلفظ بكلام مبهم، وإما بإتيان بعض الإشارات. ونحن نتوهم أننا بهذه الطريقة تمكنا من التخلص منها وإقصائها تماماً».
إننا نعلم أن فرويد يعطي أولوية هائلة للجنس لفهم بعض سلوكيات الإنسان. ولهذا نجده يشير مرة أخرى إلى شوبنهاور باعتباره من الأوائل الذين نبهوا إلى ذلك. فهو بيّن أهمية الغريزة الجنسية، باعتبارها إرادة للبقاء، في شرح كثير من الأشكال السامية من العواطف والعفة والطهارة.
وقبل مغادرة شوبنهاور، لا ينبغي نسيان أن هناك نقطة التقاء أخرى له مع فرويد، تتجلى في إعطاء الأولوية للجسد على حساب العقل، وله قول مأثور في ذلك: «إن الإرادة (يقصد بها الجسد كموطن للغريزة) هي السيد، أما العقل فهو مجرد عبد». فنحن بحسب شوبنهاور، لا نريد شيئاً لأننا وجدنا له أسباباً، بل نحن نجد أسباباً له لأننا نريده. فالعقل مجرد مخطط ومبرمج وباحث عن الاستراتيجيات لبلوغ الرغبة. فهو خادم طيع في يد إرادة البقاء. وهذه كما نعلم، هي خلاصة فرويد الذي أكد أكثر من مرة، أننا مجرد كائنات غريزية مفعول بها، وما يبدو من فاعلية لدى الإنسان، هي، في الحقيقة، مجرد أوهام.
* اللاشعور بعد فرويد
بدأ مفهوم «اللاشعور»، كما رأينا، كحدس وكتأمل فلسفي، في القرن التاسع عشر، ليستقر كتصور واضح في التحليل النفسي، مع مؤسسه فرويد، بل سيصبح اللاشعور وفرويد، وجهين لعملة واحدة. إلا أن هذا المفهوم سيتعرض لتغير دلالي، وسيسافر من عالم النفس ليستغل ويستثمر بطرق متعددة. وهذا ما حدث مثلاً، مع المدرسة البنيوية التي خرجت من اللاشعور النفسي، الذي يحيل إلى الرغبة والكبت والدوافع الغريزية، نحو اللاشعور البنيوي، أي البحث عن البنية العقلية المشتركة المتحكمة في التفكير. فكل طفل يحمل منذ ولادته الرصيد الكلي للإمكانيات أي البنيات الذهنية الأولية. وهذا ما حاول كلود ليفي ستروس (1908 - 2009) تأكيده، معلناً أن أشكال الثقافات البشرية تصدر عن الأصل نفسه، أي عن إمكانيات لا شعورية لعقل بشري له هوية ثابتة دوماً. فالطبيعة البشرية الخام، هي رقعة الشطرنج، لكن هناك صيغاً من اللعب لا تنقطع هي الثقافة. باختصار، يريد ستروس بإنتروبولوجيته البنيوية، أن يثبت أن الفكر قد بدأ بالطبيعة قبل الإنسان، ومن ثمة نحن نشتغل وفق برمجة سابقة علينا. وهذا ما سمح له بأن يعلن أن الحرية محال، وسقف إمكاناتنا محدد ومؤطر سلفاً. ولنقل إن هناك لا شعوراً بنيوياً متحكماً في الاجتماع البشري.
وبالطريقة أعلاه، سيوجه الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (1929 - 1984)، مفهوم «اللاشعور» وجهة معرفية، بنحته مفهوم «الإبستمي»، ويقصد به ذلك النظام الخفي المستثمر بصمت أثناء الممارسة العلمية، الذي يحدد شروط المعرفة في حقبة تاريخية معينة، التي بمقتضاها يعترف لخطاب عن الأشياء بأنه الحقيقة، فهو نظام لا أحد يفكر فيه ولكن يخلق شروط التفكير. ولقد استخدمه فوكو بمرادفات متعددة، كالنسق، والبنية، وفضاء للتنظيم والأرضية الإبستمولوجية، وشروط الإمكان وأوليات تاريخية. وكلها تجمع على معنى واحد، هو أن هناك «لا شعوراً معرفياً»، أي ذلك المستوى المتخفي والعميق، وتلك الطبقة التحتية التي تشكل شروطاً قبلية لإنتاج المعرفة في زمن ما. وهو ما عبر عنه أيضاً، الفيلسوف توماس كون (1922 - 1996) بـ«الباراديم»، وهو مفهوم يدل على النموذج الموجه أو الإطار النظري والأساس المضمر الذي يسمح بطرح المشكلات وطرق حلها عند متحد علمي ما. بعبارة أخرى فـ«الباراديم» يعني مجموع القواعد والمسلمات والمفاهيم والأدوات التي يتحرك من داخلها العلماء. فالعلماء ينظرون إلى الواقع بعين هذا «الباراديم». فهو بمثابة الخلفية التي تسمح برؤية دون أخرى. ولنقل ببساطة، إن العلماء يشتغلون وفق لا شعور معرفي.
نخلص إلى أن المفاهيم ليست ملقاة أو جاهزة أو نتاج عبقرية معينة، بل هي لها تاريخ وجذور. تبدأ حدسياً وتأملياً، ثم تتضح وتنجلي مع مرور الوقت في حقل محدد. لتنتقل بعد ذلك، إلى بقية الحقول وإن بدلالات مختلفة، إذ تكسو المفاهيم طبقات جديدة من المعاني، تجعلها أكثر إجرائية. لهذا نقول لمن يجمد المفاهيم، إنه يسير عكس المنحى الطبيعي للأشياء. فليتدبر.



سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».


التفلسف على الماء

باشلار
باشلار
TT

التفلسف على الماء

باشلار
باشلار

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت، وهو عمل يرصد حضور النهر في المخيال الأوروبي عبر العصور، وتقول الزميلة رشا أحمد التي استعرضت الكتاب أنه «جمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السردي حيث لا يكتفي بتتبع تاريخ النيل بوصفه نهراً جغرافياً، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضراً في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة لا ينضب».

اللافت في سيرة المؤلف هي اللحظة التي بدأت فيها علاقته بالماء أصلاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن النرويجية المطيرة، حين أدرك ذات صباح خريفي أن الأمطار التي تحيط به لا تشكّل الطقس فقط، بل تشكِّل الحياة نفسها. من تلك اللحظة تحوَّل اهتمامه من تاريخ العالم إلى تاريخ الماء بوصفه الشرط الخفي الذي تقوم عليه المجتمعات وتتشكل حوله الحضارات. لقد اكتشف أن ما يبدو يومياً عابراً، كالمطر الذي لا ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نظرة كاملة إلى تاريخ الإنسانية. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى العلوم الاجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤالاً أعمق.

هايدغر

فالحضارات الكبرى لم تقم حول أفكار، بل حول مصادر الماء. المدن الأولى نشأت على ضفاف الأنهار، والزراعة استقرت حيث يمكن التحكم في الري، والطرق التجارية سارت على دروب مجاري المياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائماً الرحم الذي يلد المدينة، والمؤسس لانبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى الماء حتى يستقر معه شكل من أشكال الحياة، كأن الجغرافيا المائية ترسم تخوماً خفية لما يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حين ظن الإنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل الماء شرطاً صامتاً لا يمكن تجاوزه، يظهر حضوره الحاسم كلما ندر وجوده.

لكن الماء لم يبقَ في حدود الجغرافيا والتاريخ. فحين بدأ الإنسان يتساءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلى العنصر الذي تقوم عليه الحياة كلها. منذ طاليس لم يعد الماء شرط الحياة وحده، بل صار مرشحاً لأن يكون أصل الوجود نفسه. لم يكن قوله إن «الماء أصل الأشياء» حكماً فيزيائياً بالمعنى الحديث، بل محاولة أولى للعثور على مبدأ واحد يفسّر الكثرة والتحول. اختيار الماء لم يكن اعتباطياً، فهو العنصر الذي يمنح الحياة ويتخذ أشكالاً متعددة ويتحوّل من حال إلى حال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادراً على التحول مثل العالم نفسه.

بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائم، ولهذا صار النهر مثاله الأشهر: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». الماء هنا لم يعد أصل الأشياء بل التغيّر الذي يحكمها جميعاً، وصار التدفق لا الثبات هو الحقيقة الأعمق. أما أفلاطون فسيضع الماء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الذي لا يستقر على صورة نهائية، بينما سيعيد أرسطو الماء إلى نظام العناصر، مانحاً إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى الاستقرار. وهكذا ظل الماء حاضراً في التفكير الفلسفي، لا بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مثالاً يتيح تأمل الحركة والهوية والزمان الذي يجري كالماء.

وفي فلسفات الشرق، خصوصاً عند أبي الطاوية لاو تسو، سيبلغ التأمل في الماء ذروة رمزية مختلفة. الماء هو النموذج الأعلى للحكمة، لأنه يلين ولا ينكسر، وينساب إلى أدنى المواضع دون عرقلة، ومع ذلك يتغلب في النهاية رويداً رويداً على أصلب الأشياء. وفي العصر الحديث سيعود الماء مادة للتأمل الداخلي، حين رآه باشلار عنصراً للحلم والذاكرة والعمق. في كتابه «الماء والأحلام» يصفه بأنه مادة خيال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فالماء لا يعكس العالم الخارجي فقط، بل يوقظ طبقات خفية من التجربة الداخلية.

وحين تأمل هايدغر النهر لم ينظر إليه كعنصر طبيعي فحسب، بل كموضع يتشكل فيه سكن الإنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع المكان والزمان والسكن في مجرى واحد. في شروحه لهولدرلين، تحدث عن الراين لا كجسم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» للتاريخ والشعب والسكن. النهر عنده ليس ماءً جارياً فقط، بل مجال تنكشف فيه علاقة الإنسان بالأرض والسماء. وفي مثال (الجسر) في محاضرة «البناء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر لا يربط ضفتين فقط، بل يكشف المكان ويجمع الأرض والسماء والبشر والقداسة. النهر هنا جزء مما يسميه «الرباعي». أي أن الماء يدخل ضمن بنية انكشاف العالم لا كموضوع مستقل. الإنسان لا يوجد في فراغ بل يسكن عالماً. والأنهار من أبرز المواضع التي يتشكل فيها هذا السكن، لأنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري.

ومع كل قراءة جديدة يعود الماء ليذكّر الفكر بأن أكثر الأشياء بساطة في التجربة قد تكون أكثرها عمقاً في المعنى. بهذا المسار الطويل انتقل الماء من كونه عنصراً طبيعياً إلى رمز وجودي، وما بدأ عند ضفاف الأنهار بوصفه شرطاً للحياة صار في الفلسفة سؤالاً عن أصل العالم ومعناه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومن حضوره اليومي انبثق سؤال التفكير نفسه. والنيل، مثل سائر الأنهار الكبرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة المتجددة، أن الإنسان لم يعش إلى جوار الماء فحسب، بل فكَّر من خلاله أيضاً. وحين نعيد النظر إلى الماء لا بوصفه مورداً طبيعياً فقط، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم علاقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفاً ذهنياً، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها الأول.


العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر
TT

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج الشجن بالسخرية على هامش تجربة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة المؤلف لمدة عشرة أيام كاملة في فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلى بريطانيا في أثناء جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل سنوات.

في الطبعة الجديدة من العمل الصادرة عن دار«ميدياتوبيا»، يروي المؤلف مذكراته في ردهات أغرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تفاصيل وحدته القاسية، يوماً بيوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بين سطوره مفارقات المشاعر الإنسانية وأكثرها شجناً.

تتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كان من الممكن أن يخرج من هذا الحصار معافىً، أم أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العناق الأول للحرية، ومن ذا الذي سيرمم وهن جسده، ويداوي عضلاته التي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.

يكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات والزخارف البلاغية، فما تستهدفه هو نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح عبر عين بارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة والمفارقات الدرامية، وكأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.

في تقديمها للكتاب، ترى الكاتبة سكينة فؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت أن تتوحد مع آلام كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخل زنزانة ضيقة؛ حجرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، ولا ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود.

وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كل الذين كبلتهم قضبان فُرضت عليهم قسراً، ليصرخوا مع المؤلف في تساؤل وجودي حارق: كيف قهرتُ نفسي كل هذه السنوات ثم أشكو من هذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إلا عينة مما أكابد!».

ويروي محفوظ كيف أنه لم يكن يبالي مطلقاً حين طرقت أصابعه لوحة المفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حينها هو التنفيس عن الضيق الذي يشعر به، وتفريغ ما يعانيه من كبت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقاً يتفهمه كالقلم، وظلت هذه العلاقة وطيدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بدأ بنشر اليومية الأولى مقتضبةً على «فيسبوك»، فحظيت باهتمام بعض الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بالثانية ثم الثالثة والرابعة، مع إضافة مزيد من التفاصيل المادية والحسية، ومع ازدياد التفاعل، وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.

في اليوميات يتذكر أنه عند هبوط الركاب من الطائرة وتوجههم إلى فندق قريب، وُجّه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بيانات نظامه الصحي والغذائي، حيث استمعوا إلى شرح أحد الموظفين، من خلف قناعه، حول طبيعة وسير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح الموظف أن خروجه للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من أقرب حارس لغرفته أو من إدارة الأمن، كما أكد أن موظف أمن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الكمامة باستمرار خارج الغرفة، ومنع التدخين نهائياً بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتين لمن يحتاج إليها.

شملت التحذيرات منع استقبال أي ضيوف داخل الغرفة، أو الدخول لغرف نزلاء آخرين من خارج دائرته المقربة، وبدلاً من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصدقائه عبر تطبيقي «زووم» أو «سكايب»، مستفيداً من شبكة الإنترنت المجانية المتاحة في الغرف.

أشار الموظف في ختام حديثه إلى أن فنادق العزل تحظى باهتمام الرأي العام، ما قد يدفع وسائل الإعلام للتواصل معه، وأكد أن له كامل الحرية في التحدث إليهم أو الرفض، مشدداً على ضرورة احترام خصوصية النزلاء والموظفين، وعدم التقاط أي صور لهم دون إذن مسبق.

ويحق للفندق الاحتفاظ بأي بريد يصل إلى النزيل في حال الاشتباه بوجود خطر على الصحة أو الأمن، على أن يتم تسليمه له عند المغادرة ما لم تتم إعادته للمرسل، كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف، مع التأكيد على عدم الإفراط في تناولها لضمان قدرة النزلاء على الاستجابة لتعليمات الحراس.

أوضح الموظف كذلك أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على عاتق النزيل باستخدام الأدوات والمساحيق المتوفرة بالغرفة، كما تشمل تكلفة العزل غسل سبع قطع ملابس صغيرة فقط بمغسلة الفندق طوال فترة الإقامة.

وبالأخير، نجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأملات والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق، مع التطرق بطريقة غير مباشرة إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية، والرهاب الاجتماعي، فضلاً عن أثر غياب دور الأهل، ما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.