الأندلس... جزيرة أوروبا العربية

مناطق التقاء شكلت لحظات تماس ثقافية وتاريخية

قصر الحمراء في غرناطة  -  غلاف «إسبانيا في تاريخها»  -  غلاف «انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها»
قصر الحمراء في غرناطة - غلاف «إسبانيا في تاريخها» - غلاف «انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها»
TT

الأندلس... جزيرة أوروبا العربية

قصر الحمراء في غرناطة  -  غلاف «إسبانيا في تاريخها»  -  غلاف «انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها»
قصر الحمراء في غرناطة - غلاف «إسبانيا في تاريخها» - غلاف «انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها»

يقول المؤرخ الإسباني أميريكو كاسترو في كتابه «إسبانيا في تاريخها»: «لو كان جبل طارق عند مدينة مارسيليا لكانت فرنسا قد عاشت أحداثاً تاريخية مختلفة». وكم هي كبيرة تلك الـ«لو»، لأنها هنا لا تفتح سوى التاريخ، تفتحه على احتمالات من الوعي المعرفي لتغيرات حضارية، بعضها تحقق والبعض الآخر ظل في ضمير الممكن. الـ«لو» التاريخية «لو» حاسمة وخطيرة في الوقت نفسه. وهي في الوقت نفسه «لو» لا بد منها لقراءة التاريخ، قد يراها البعض ملتوية وبغيضة، في حين يراها البعض الآخر غنية بمعرفة الواقع بقدر ما هي زاخرة باحتمالات لم تقع «فمن دون (لو) وما يشبهها لم يكن للعلوم أن تتطور أو للكشوفات والاختراعات أن تحدث». المؤرخ الإنجليزي الشهير إدوارد غيبون وظف تلك الـ«لو» حين نظر فيما نسميه في التاريخ العربي للأندلس معركة بلاط الشهداء ويسميه الأوروبيون معركة بواتييه ومعركة تورز، فقال في كتابه الشهير: «انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها» إنه لو أن نتيجة تلك المعركة جاءت مختلفة «فلربما كانت تفاسير القرآن الآن تدرّس في مدارس أكسفورد، لتثبت المنابر لشعب مختن قدسية وحقيقة ما أنزل على محمد».
هذا النظر إلى تاريخ الأندلس من الزاوية الأوروبية يقابله النظر إلى تاريخ الأندلس من الزاوية العربية. يولّد الأول احتمالات لتاريخ أوروبا، بينما يكاد يقف الثاني حيث وقفت الدول العربية الإسلامية في توسعها الأوروبي. ينظر الأول فيما نال أوروبا من علاقتها بالعرب، ويكتفي الثاني بما أنتجه العرب لأنفسهم، أي بدراسة التاريخ والأدب الأندلسيين بوصفهما جزءاً من تاريخ العرب وأدبهم. ينتُج من الأول ما يمكن أن نسميه جزيرة أوروبا العربية، ومن الثاني جزيرة العرب الأوروبية. ويكمن الفرق في أن الأولى جزء من أوروبا، من ثقافتها، أنها مجموعة من النتائج أو العوامل أو الأحداث التي غيرت وجه الحضارة الأوروبية، في حين أن الثانية امتداد للأدب والثقافة العربية في أرض غريبة ليس إلا. ومع أن كلا الجانبين مهتم بما في الجانب الآخر فإن التركيز يقع عادة على أحدهما وعلى حساب الثاني.
في الملاحظات التالية سأقترح بعض مناطق الالتقاء منظوراً إليها من الجانب الأوروبي وليس العربي سعياً لتوسع المنطقة الوسطى من الالتقاء الحضاري، المنطقة التي يهتم بها المقارنون عادة، وإن اتسمت بالرمادي، واتشحت بالجدل والخلاف.
المناطق التي أشير إليها يمكن اختصارها فيما أسميه لحظات تماس ثقافية تاريخية، بما يحمله التماس أحياناً من توتر وقلق، فليس أصعب من أن تقول ثقافة لأخرى: لولا أنني أعطيتكم كذا وكذا لما وجدتم في ثقافتكم كيت وكيت، أو لو أنني لم آت إلى دياركم لما عرفتم ما عرفتموه. إنه ثقل المدينية الذي تعرفه الثقافة العربية منذ ما يقارب القرنين في علاقتها بأوروبا، مثلما عرفته ثقافات أخرى في فترات مختلفة من تاريخها: كوريا في علاقتها باليابان، واليابان في علاقتها بالصين وأوروبا في علاقتها بالحضارة العربية الإسلامية. المؤرخ الإسباني أميريكو كاسترو يقارن علاقة الإسبان الأوروبيين بالإرث الأندلسي العربي من ناحية بعلاقة الرومان بالإرث اليوناني من ناحية أخرى، وذلك ضمن حديثه عما حدث بعد ما يعرف بالاسترداد (الريكونكويستا) حين كان هدف الإسبان المسيحيين هو السيطرة على المسلمين وليس الإفادة منهم. يتساءل المؤرخ الإسباني: «ألم يكن ذلك يشبه بشكل ما الذي وقع بين روما واليونان؟ فقد فرض الرومان سيطرتهم وقوتهم السياسية، أما اليونانيون فقد ظلوا مع الفلسفة والعلوم، وكذا الكثير من الأنشطة النافعة التي لم يفكر المنتصرون في تقليدهم فيها، وعلينا أن نحاول تأمل هذه المشكلة التاريخية الحساسة من الداخل» (إسبانيا في تاريخها، ص62). غير أن عدم تفكير المنتصرين بتقليد المسلمين المهزومين آنذاك لم يعن عدم تأثرهم على نحو ما بما وجدوا من كنوز المعارف وأسباب التحضر، وهو ما يسرد كاسترو الكثير منه ابتداء بالآثار المعمارية وانتهاء بمفردات اللغة وآثار الأدب.
ذلك المنظور الأوروبي إلى الأندلس تبنته الباحثة الكوبية ماريا روزا مينوكال في كتابين معروفين، أحدهما ترجمه الدكتور صالح معيض الغامدي الأستاذ بجامعة الملك سعود حول «الدور العربي في تاريخ القرون الوسطى الأوروبية»، والثاني ترجم في المغرب بعنوان «الأندلس العربية»، وهو الذي أشير إليه هنا. في هذا الكتاب الذي نشر في الأصل بعنوان «زينة العالم: كيف صنع المسلمون واليهود والمسيحيون ثقافة من التسامح في إسبانيا العصور الوسطى؟» (2002). تتحدث مينوكال ضمن أشياء أخرى عن دور المسلمين في إحياء ثقافات كانت في حالة سبات أو موات. لم يقتصر دور المسلمين على تقديم عطاءاتهم الخاصة وإنما استطاعوا، كما تقول: «أنْ يمتصوا ويبثوا الحياة في المواهب الغنية لثقافات محلية سابقة»، وتضرب لذلك أمثلة كثيرة. سأشير هنا إلى بعض تلك الأمثلة ضمن ما أسميته لحظات تماس قد لا يعرفها البعض أو لا يتخيل أهميتها. تلك اللحظات هي التي تؤلف المنطقة البرزخية، المنطقة التي تنبعث منها ملامح الأندلس الأوروبية العربية.
ولعل من الطبيعي أن أختار من بين تلك اللحظات ما كان ثقافياً وأدبياً، ما كان لحظات ملحمية، فهي تتألف من ملحمتين ومجموعة حكايات ورواية. الملحمتان هما «أنشودة رولاند» و«السيد»، بينما مجموعة الحكايات هي التي عرفت بعنوان «قواعد كهنوتية» (Disciplina Clericalis)، وأما الرواية فليست غير رواية سيرفانتيس الشهيرة «دون كيخوتِه» (سأشير إليها مع الأعمال السردية في مقال قادم). في تلك الأعمال الأدبية الأوروبية نجد لحظات حاسمة من التمازج الثقافي يشبه ذلك الذي وصفته مينوكال في حديثها عن ولادة الأندلس العربية في ركن أوروبا الجنوبي الغربي: «إنها لحظة تأسيسية حقيقية للثقافة الأوروبية تستحق أن توصف بأنها من (الطبقة الأولى)».
هناك بالتأكيد تفاوت مهم بين هذه اللحظات. «أنشودة رولاند» الفرنسية ولدت في فترة مقاربة لولادة «السيد» (كلاهما في القرن الثاني عشر الميلادي)، لكنهما مختلفتان على نحو يعكس اختلاف التجربة الإسبانية عن التجربة الفرنسية، و«قواعد كهنوتية» (أيضاً في القرن الثاني عشر) لا تختلف زمنياً فحسب عن «دون كيخوتِه» (القرن السابع عشر)، وإنما على مستويات كثيرة، لكنهما تلتقيان في الجانب السردي، في ربط العرب بالحكايات وموروث السرد الذي كان يدور مشافهة قبل أن يجري تدوينه. الصورة لن تكتمل بطبيعة الحال إلا بالنظر إلى الجانبين معاً، جانب التشابه وجانب الاختلاف.
يقول الناقد والمؤرخ الأدبي الفرنسي فردينان برونتيير إن «اللحظة الدقيقة» لولادة الملحمة الفرنسية «هي المواجهة أو الصدمة التي حدثت بين الشرق والغرب، بين الإسلام والمسيحية، بين العربي والفرنسي...». تلك اللحظة كانت معركة بلاط الشهداء التي أوقفت المد الإسلامي في حدود شبه الجزيرة الأيبيرية، اللحظة التي اختارها الشاعر المجهول خلف تلك الملحمة الفرنسية ليرسم المعالم المبكرة للهوية الفرنسية. لقد قام ذلك الشاعر بمزج حدثين تاريخيين منفصلين وقع كلاهما في القرن الثامن الميلادي، كان أحدهما معركة بلاط الشهداء بين جيش عبد الرحمن الغافقي وجيش شارل مارتيل، والآخر هجوم جماعة من الباسك على جيش شارلمان، ليحول الباسك إلى مسلمين يهجمون على شارلمان بدلاً من مارتيل. أما الدلالة فتكمن في أن المسلمين وليس الباسك هم الذين رآهم الشاعر عدواً جديراً بالمنازلة مع الجيش الفرنسي وكأنه بذلك يستعيد، في القرن الثاني عشر، لحظات الصدام المتكررة سواء بين طارق بين زياد والقوط أو ما تلاها من حروب توسعية أدت إلى إيجاد الأندلس العربية الإسلامية على أرض أوروبا المسيحية. كان من الضروري إذن أن يحدث ذلك الصدام بين ثقافتين أو أمتين لكي يولد الشعر الملحمي في فرنسا، لكي يكتشف الفرنسيون أنهم بحاجة إلى شعر ملحمي مثل اليونان والرومان من قبل ومثلما حدث بعد ذلك في الملاحم الإيطالية على يد أريوستو وتاسو وغيرهما من شعراء عصر النهضة الذين صوروا الحروب الصليبية بعد انتهائها بفترة طويلة. وبالطبع فقد كان ضرورياً أن يمتلئ ذلك الشعر بالكثير من الآيديولوجيا أو «البروباغندا» التي تخدم المحاربين المسيحيين كوصف المسلمين بالوثنيين والكفار وما إلى ذلك.
من الضروري تذكر تلك الآيديولوجيا لمقارنة الملحمة الفرنسية بالملحمة الإسبانية «السيد» التي حملت الاسم الذي أطلقه العرب الموريسكيون على البطل الذي عرفه الإسبان بـ«الكامبيادور» وهو الفارس رودريغو دياز دي فيفار، ولكن الملحمة استمرت بالاسم العربي «أنشودة سيدي»، لتتحول إلى أعمال أدبية في مراحل متأخرة. ففي القرن السابع عشر كتب الإسباني غيان دي كاسترو مسرحية بعنوان «أفعال السيد» بنى عليها المسرحي الفرنسي الشهير كورني مسرحيته «السيد» (Le Cid) التي عدت فيما بعد فتحاً في المسرح الفرنسي؛ لكسرها الوحدات الثلاث (المكان والزمان والحدث) التي أسسها المسرح اليوناني، ولكن أهل القرن السابع عشر في فرنسا عدّو كسرها معيباً لما اكتسبته تلك الوحدات مما يشبه القدسية في عصر عرف بأنه عصر الاتباعية الجديدة (النيو كلاسيك).
كل ذلك يلفت انتباهنا إلى الدور الأدبي الثقافي الذي لعبه الالتحام السياسي العسكري في تاريخ أوروبا عن طريق إسبانيا في عهدها الأندلسي، وتحول ذلك إلى ذاكرة شعبية استمدت بعض مكونات هويتها من ذلك التلاحم، لتسهم بدورها في تشكيل الهوية الثقافية لفرنسا وإسبانيا. فقد ولدت الملاحم من خلال ذلك التلاحم أو الالتحام التصادمي الذي حمل على الرغم من وجوه العداء وجوهاً من الانسجام الذي فرضته اللغة والثقافة حين تستعير ممن يعدون أعداءً اسماً لأشهر أبطالها «السيد»، ليشتهر بدلاً من الاسم الإسباني «كامبيادور». وسأشير في مقال قادم إلى دور الحكايات في تحقيق ذلك الالتحام الحضاري البعيد عن الصراع.



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».