الأندلس... جزيرة أوروبا العربية

مناطق التقاء شكلت لحظات تماس ثقافية وتاريخية

قصر الحمراء في غرناطة  -  غلاف «إسبانيا في تاريخها»  -  غلاف «انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها»
قصر الحمراء في غرناطة - غلاف «إسبانيا في تاريخها» - غلاف «انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها»
TT

الأندلس... جزيرة أوروبا العربية

قصر الحمراء في غرناطة  -  غلاف «إسبانيا في تاريخها»  -  غلاف «انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها»
قصر الحمراء في غرناطة - غلاف «إسبانيا في تاريخها» - غلاف «انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها»

يقول المؤرخ الإسباني أميريكو كاسترو في كتابه «إسبانيا في تاريخها»: «لو كان جبل طارق عند مدينة مارسيليا لكانت فرنسا قد عاشت أحداثاً تاريخية مختلفة». وكم هي كبيرة تلك الـ«لو»، لأنها هنا لا تفتح سوى التاريخ، تفتحه على احتمالات من الوعي المعرفي لتغيرات حضارية، بعضها تحقق والبعض الآخر ظل في ضمير الممكن. الـ«لو» التاريخية «لو» حاسمة وخطيرة في الوقت نفسه. وهي في الوقت نفسه «لو» لا بد منها لقراءة التاريخ، قد يراها البعض ملتوية وبغيضة، في حين يراها البعض الآخر غنية بمعرفة الواقع بقدر ما هي زاخرة باحتمالات لم تقع «فمن دون (لو) وما يشبهها لم يكن للعلوم أن تتطور أو للكشوفات والاختراعات أن تحدث». المؤرخ الإنجليزي الشهير إدوارد غيبون وظف تلك الـ«لو» حين نظر فيما نسميه في التاريخ العربي للأندلس معركة بلاط الشهداء ويسميه الأوروبيون معركة بواتييه ومعركة تورز، فقال في كتابه الشهير: «انحدار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها» إنه لو أن نتيجة تلك المعركة جاءت مختلفة «فلربما كانت تفاسير القرآن الآن تدرّس في مدارس أكسفورد، لتثبت المنابر لشعب مختن قدسية وحقيقة ما أنزل على محمد».
هذا النظر إلى تاريخ الأندلس من الزاوية الأوروبية يقابله النظر إلى تاريخ الأندلس من الزاوية العربية. يولّد الأول احتمالات لتاريخ أوروبا، بينما يكاد يقف الثاني حيث وقفت الدول العربية الإسلامية في توسعها الأوروبي. ينظر الأول فيما نال أوروبا من علاقتها بالعرب، ويكتفي الثاني بما أنتجه العرب لأنفسهم، أي بدراسة التاريخ والأدب الأندلسيين بوصفهما جزءاً من تاريخ العرب وأدبهم. ينتُج من الأول ما يمكن أن نسميه جزيرة أوروبا العربية، ومن الثاني جزيرة العرب الأوروبية. ويكمن الفرق في أن الأولى جزء من أوروبا، من ثقافتها، أنها مجموعة من النتائج أو العوامل أو الأحداث التي غيرت وجه الحضارة الأوروبية، في حين أن الثانية امتداد للأدب والثقافة العربية في أرض غريبة ليس إلا. ومع أن كلا الجانبين مهتم بما في الجانب الآخر فإن التركيز يقع عادة على أحدهما وعلى حساب الثاني.
في الملاحظات التالية سأقترح بعض مناطق الالتقاء منظوراً إليها من الجانب الأوروبي وليس العربي سعياً لتوسع المنطقة الوسطى من الالتقاء الحضاري، المنطقة التي يهتم بها المقارنون عادة، وإن اتسمت بالرمادي، واتشحت بالجدل والخلاف.
المناطق التي أشير إليها يمكن اختصارها فيما أسميه لحظات تماس ثقافية تاريخية، بما يحمله التماس أحياناً من توتر وقلق، فليس أصعب من أن تقول ثقافة لأخرى: لولا أنني أعطيتكم كذا وكذا لما وجدتم في ثقافتكم كيت وكيت، أو لو أنني لم آت إلى دياركم لما عرفتم ما عرفتموه. إنه ثقل المدينية الذي تعرفه الثقافة العربية منذ ما يقارب القرنين في علاقتها بأوروبا، مثلما عرفته ثقافات أخرى في فترات مختلفة من تاريخها: كوريا في علاقتها باليابان، واليابان في علاقتها بالصين وأوروبا في علاقتها بالحضارة العربية الإسلامية. المؤرخ الإسباني أميريكو كاسترو يقارن علاقة الإسبان الأوروبيين بالإرث الأندلسي العربي من ناحية بعلاقة الرومان بالإرث اليوناني من ناحية أخرى، وذلك ضمن حديثه عما حدث بعد ما يعرف بالاسترداد (الريكونكويستا) حين كان هدف الإسبان المسيحيين هو السيطرة على المسلمين وليس الإفادة منهم. يتساءل المؤرخ الإسباني: «ألم يكن ذلك يشبه بشكل ما الذي وقع بين روما واليونان؟ فقد فرض الرومان سيطرتهم وقوتهم السياسية، أما اليونانيون فقد ظلوا مع الفلسفة والعلوم، وكذا الكثير من الأنشطة النافعة التي لم يفكر المنتصرون في تقليدهم فيها، وعلينا أن نحاول تأمل هذه المشكلة التاريخية الحساسة من الداخل» (إسبانيا في تاريخها، ص62). غير أن عدم تفكير المنتصرين بتقليد المسلمين المهزومين آنذاك لم يعن عدم تأثرهم على نحو ما بما وجدوا من كنوز المعارف وأسباب التحضر، وهو ما يسرد كاسترو الكثير منه ابتداء بالآثار المعمارية وانتهاء بمفردات اللغة وآثار الأدب.
ذلك المنظور الأوروبي إلى الأندلس تبنته الباحثة الكوبية ماريا روزا مينوكال في كتابين معروفين، أحدهما ترجمه الدكتور صالح معيض الغامدي الأستاذ بجامعة الملك سعود حول «الدور العربي في تاريخ القرون الوسطى الأوروبية»، والثاني ترجم في المغرب بعنوان «الأندلس العربية»، وهو الذي أشير إليه هنا. في هذا الكتاب الذي نشر في الأصل بعنوان «زينة العالم: كيف صنع المسلمون واليهود والمسيحيون ثقافة من التسامح في إسبانيا العصور الوسطى؟» (2002). تتحدث مينوكال ضمن أشياء أخرى عن دور المسلمين في إحياء ثقافات كانت في حالة سبات أو موات. لم يقتصر دور المسلمين على تقديم عطاءاتهم الخاصة وإنما استطاعوا، كما تقول: «أنْ يمتصوا ويبثوا الحياة في المواهب الغنية لثقافات محلية سابقة»، وتضرب لذلك أمثلة كثيرة. سأشير هنا إلى بعض تلك الأمثلة ضمن ما أسميته لحظات تماس قد لا يعرفها البعض أو لا يتخيل أهميتها. تلك اللحظات هي التي تؤلف المنطقة البرزخية، المنطقة التي تنبعث منها ملامح الأندلس الأوروبية العربية.
ولعل من الطبيعي أن أختار من بين تلك اللحظات ما كان ثقافياً وأدبياً، ما كان لحظات ملحمية، فهي تتألف من ملحمتين ومجموعة حكايات ورواية. الملحمتان هما «أنشودة رولاند» و«السيد»، بينما مجموعة الحكايات هي التي عرفت بعنوان «قواعد كهنوتية» (Disciplina Clericalis)، وأما الرواية فليست غير رواية سيرفانتيس الشهيرة «دون كيخوتِه» (سأشير إليها مع الأعمال السردية في مقال قادم). في تلك الأعمال الأدبية الأوروبية نجد لحظات حاسمة من التمازج الثقافي يشبه ذلك الذي وصفته مينوكال في حديثها عن ولادة الأندلس العربية في ركن أوروبا الجنوبي الغربي: «إنها لحظة تأسيسية حقيقية للثقافة الأوروبية تستحق أن توصف بأنها من (الطبقة الأولى)».
هناك بالتأكيد تفاوت مهم بين هذه اللحظات. «أنشودة رولاند» الفرنسية ولدت في فترة مقاربة لولادة «السيد» (كلاهما في القرن الثاني عشر الميلادي)، لكنهما مختلفتان على نحو يعكس اختلاف التجربة الإسبانية عن التجربة الفرنسية، و«قواعد كهنوتية» (أيضاً في القرن الثاني عشر) لا تختلف زمنياً فحسب عن «دون كيخوتِه» (القرن السابع عشر)، وإنما على مستويات كثيرة، لكنهما تلتقيان في الجانب السردي، في ربط العرب بالحكايات وموروث السرد الذي كان يدور مشافهة قبل أن يجري تدوينه. الصورة لن تكتمل بطبيعة الحال إلا بالنظر إلى الجانبين معاً، جانب التشابه وجانب الاختلاف.
يقول الناقد والمؤرخ الأدبي الفرنسي فردينان برونتيير إن «اللحظة الدقيقة» لولادة الملحمة الفرنسية «هي المواجهة أو الصدمة التي حدثت بين الشرق والغرب، بين الإسلام والمسيحية، بين العربي والفرنسي...». تلك اللحظة كانت معركة بلاط الشهداء التي أوقفت المد الإسلامي في حدود شبه الجزيرة الأيبيرية، اللحظة التي اختارها الشاعر المجهول خلف تلك الملحمة الفرنسية ليرسم المعالم المبكرة للهوية الفرنسية. لقد قام ذلك الشاعر بمزج حدثين تاريخيين منفصلين وقع كلاهما في القرن الثامن الميلادي، كان أحدهما معركة بلاط الشهداء بين جيش عبد الرحمن الغافقي وجيش شارل مارتيل، والآخر هجوم جماعة من الباسك على جيش شارلمان، ليحول الباسك إلى مسلمين يهجمون على شارلمان بدلاً من مارتيل. أما الدلالة فتكمن في أن المسلمين وليس الباسك هم الذين رآهم الشاعر عدواً جديراً بالمنازلة مع الجيش الفرنسي وكأنه بذلك يستعيد، في القرن الثاني عشر، لحظات الصدام المتكررة سواء بين طارق بين زياد والقوط أو ما تلاها من حروب توسعية أدت إلى إيجاد الأندلس العربية الإسلامية على أرض أوروبا المسيحية. كان من الضروري إذن أن يحدث ذلك الصدام بين ثقافتين أو أمتين لكي يولد الشعر الملحمي في فرنسا، لكي يكتشف الفرنسيون أنهم بحاجة إلى شعر ملحمي مثل اليونان والرومان من قبل ومثلما حدث بعد ذلك في الملاحم الإيطالية على يد أريوستو وتاسو وغيرهما من شعراء عصر النهضة الذين صوروا الحروب الصليبية بعد انتهائها بفترة طويلة. وبالطبع فقد كان ضرورياً أن يمتلئ ذلك الشعر بالكثير من الآيديولوجيا أو «البروباغندا» التي تخدم المحاربين المسيحيين كوصف المسلمين بالوثنيين والكفار وما إلى ذلك.
من الضروري تذكر تلك الآيديولوجيا لمقارنة الملحمة الفرنسية بالملحمة الإسبانية «السيد» التي حملت الاسم الذي أطلقه العرب الموريسكيون على البطل الذي عرفه الإسبان بـ«الكامبيادور» وهو الفارس رودريغو دياز دي فيفار، ولكن الملحمة استمرت بالاسم العربي «أنشودة سيدي»، لتتحول إلى أعمال أدبية في مراحل متأخرة. ففي القرن السابع عشر كتب الإسباني غيان دي كاسترو مسرحية بعنوان «أفعال السيد» بنى عليها المسرحي الفرنسي الشهير كورني مسرحيته «السيد» (Le Cid) التي عدت فيما بعد فتحاً في المسرح الفرنسي؛ لكسرها الوحدات الثلاث (المكان والزمان والحدث) التي أسسها المسرح اليوناني، ولكن أهل القرن السابع عشر في فرنسا عدّو كسرها معيباً لما اكتسبته تلك الوحدات مما يشبه القدسية في عصر عرف بأنه عصر الاتباعية الجديدة (النيو كلاسيك).
كل ذلك يلفت انتباهنا إلى الدور الأدبي الثقافي الذي لعبه الالتحام السياسي العسكري في تاريخ أوروبا عن طريق إسبانيا في عهدها الأندلسي، وتحول ذلك إلى ذاكرة شعبية استمدت بعض مكونات هويتها من ذلك التلاحم، لتسهم بدورها في تشكيل الهوية الثقافية لفرنسا وإسبانيا. فقد ولدت الملاحم من خلال ذلك التلاحم أو الالتحام التصادمي الذي حمل على الرغم من وجوه العداء وجوهاً من الانسجام الذي فرضته اللغة والثقافة حين تستعير ممن يعدون أعداءً اسماً لأشهر أبطالها «السيد»، ليشتهر بدلاً من الاسم الإسباني «كامبيادور». وسأشير في مقال قادم إلى دور الحكايات في تحقيق ذلك الالتحام الحضاري البعيد عن الصراع.



«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.


«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان
TT

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»، وقد افتتحه بالاقتباس التالي: «إذا كانت المفكرة تنادي الكتابة والكتاب، فليكن للأرواح أن تخفق بالمحبة والصداقة والفقدان، وبالثقافة».

وجاء في تقديم الناشر: لا يكتب نبيل سليمان مراثيَ تقليدية، بل ينسجُ خيوطاً مضيئةً من الذاكرة لأسماءٍ سكنت وجدانه وأعماله قبل أن تسكن صفحات هذا الكتاب. إنه ليس مجرد كتابٍ عن الراحلين، بل هو معرضٌ حيٌّ لـ«أقمارٍ» من الثقافة والأدب العربي والعالمي؛ من ممدوح عدوان وبوعلي ياسين، إلى نزار قباني وعبد الرحمن منيف، وصولاً إلى إبراهيم أصلان، وأديب غنم، وأروى صالح، وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي.

يأخذنا سليمان في رحلةٍ وجدانية، يتنقل فيها بين أضرحةٍ صارت منارات، وبين لقاءاتٍ عابرةٍ تحوّلت إلى صداقاتٍ أبدية. الكتاب يتجاوز حدود الرثاء إلى «الاحتفاء» الفلسفي والإنساني. إنها مفكرةٌ لا تحفظ الأسماء فحسب، بل تحفظ «الحرارة» التي تركتها تلك الأرواح في عالمنا. يكتب سليمان بلغةٍ تتقطر شجناً وعمقاً، يمزج فيها بين تفاصيل الحياة اليومية: ضحكاتٍ، جلساتِ مقاهٍ، لحظاتِ انكسار، وبين قراءات نقدية رصينة لتجارب هؤلاء المبدعين. ما يجعل الكتاب مشوقاً هو صدقُ الألمِ وعمقُ الحب. سليمان لا يستعرضُ سِيراً ذاتيةً باردة، بل يفتحُ أبوابَ قلبهِ ليُرينا كيف يتفاعلُ المثقفُ مع فجيعة الفقدان. هو يتساءل: كيف نعيشُ بعد رحيلهم؟ كيف نحمي إرثهم من النسيان؟ الكتاب دعوةٌ للتأمل في جوهر الكتابة، وفي قوة الكلمة التي تقهرُ الموتَ وتجعلُ الغائبين حاضرين في وعينا، في كل سطرٍ وفي كل حكاية.

الكتاب هو تذكرةٌ لكل قارئٍ بأن الكتابة ليست مجرّد حرفٍ على ورق، بل هي محاولةٌ يائسةٌ ونبيلةٌ لتخليد اللحظاتِ النادرةِ التي تمنحنا إياها الحياة. حين تقرأ هذا الكتاب، ستشعرُ أنك تجلسُ مع كل هؤلاء العظماء، تسمعُ أصواتهم، وتتقاسمُ مع الكاتبِ مرارةَ الغيابِ وحلاوةَ الذكرى.


مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».