هل حان وقت تنفيذ استراتيجية الأمم المتحدة لحصار الارهاب؟

هل حان وقت تنفيذ استراتيجية الأمم المتحدة لحصار الارهاب؟

في ظل تصاعد عنف المتطرفين
الاثنين - 29 جمادى الآخرة 1438 هـ - 27 مارس 2017 مـ
هلع ورعب في لندن بعد هجمة إرهابية أمام مجلس العموم («الشرق الأوسط»)
القاهرة: إميل أمين
«نفذ السهم» كما قال يوليوس قيصر ذات مرة، وبات على الإنسانية مواجهة التطرف العنيف، الذي غيّر حال العالم من الأمن والأمان إلى الخوف والقلق. وصار الإرهاب العنيف أداة عابرة للحدود والسدود... إرهاباً يتصل بالأفكار، وكذا بالجماعات. وأضحى يمثل حربا عالمية غير معلنة... حيث ما من بقعة أو رقعة في شرق البسيطة أو غربها إلا وتشهد في السنوات الأخيرة عمليات قتل وترويع وسفك دماء.
ولعل ما جرى في لندن خلال الأيام القليلة الماضية قد أرسل أكثر من إشارة للقابضين على جمر حماية الحريات الإنسانية، مفادها أن حروبهم ضد عقول شديدة الذكاء، وإن كانت من أسف شديد تستغله في الدمار والمرار، فاختيار موعد تنفيذ العملية، لم يكن عشوائيا، بل تذكير متجدد لما جرى في العاصمة البلجيكية بروكسل قبل سنة.
لم يعد الإرهاب الأسود يداري أو يواري نفسه، سواء تلبس الأمر مشهد «الذئاب الفردية»، أو أعلنت منظمات بعينها، وفي المقدمة منها تنظيم داعش المتطرف الإرهابي مسؤوليتها عن تلك الحوادث. فمنفذ عملية دهس المارة في لندن «هو جندي لـ(داعش)، نفذ العملية استجابة لنداءات استهداف رعايا دول للتحالف الدولي...»... هكذا تحدث بيان «داعش» الذي أعلن من قبل مسؤوليته تجاه ثلاث عمليات عشوائية، دهست من خلالها مركبات أتباعه وأشياعه، مواطنين أوروبيين أبرياء.
ثم أنه وطوال عقد أو أكثر، وتحديدا منذ السابع من يوليو (تموز) من عام 2005، والإرهاب «القاعدي» ثم «الداعشي» يطارد الآمنين، ويؤدي إلى مقتل العشرات والمئات، كما رأينا في نيس وبرلين. ولهذا؛ أضحت الحاجة ملحة إلى جهود دولية وتنادٍ عالمي للمجابهة والمواجهة، على أكثر من صعيد... بدءاً من معارك القتال المسلح على الأرض، كما هي الحال في الرقة والموصل، وصولا إلى المعارك «السيبرانية» (الإنترنت) خلف الشاشات وفي الغرف المغلقة.
أليس هذا هو الوقت القيّم لتفعيل خطة العمل من أجل منع التطرف العنيف التي قدّمها الأمين العام السابق للأمم المتحدة «بان كي مون» للجمعية العامة للأمم المتحدة في 12 فبراير (شباط) 2016 وقوبلت بالترحاب؟
ربما تكون المنظمة الأممية الآن أمام أحد أهم الاستحقاقات التي يرتبط بها وجودها، ذلك أنه إن قدّر لها بلورة نهج كامل وفاعل على الأرض لمحاربة الإرهاب، فإنها بذلك تكتب شهادة ميلاد جديدة لحضورها الأممي. هذا نهج لا يتخذ من التدابير الأمنية فقط أساسا لمكافحة الإرهاب، بل يبدع ويبتكر أيضا في اتخاذ خطوات وقائية منهجية لمعالجة الظروف الكامنة التي تدفع الأفراد إلى التطرف والانضمام إلى الجماعات المتطرفة العنيفة.
الأمم المتحدة في هذا التوقيت الملتهب، تدافع عن جوهر كيانها؛ إذ إن التطرف العنيف إساءة مباشرة لمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها؛ لأنه يقوّض السلام والأمن وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة، ولا يسلم أي بلد أو منطقة من إثارة. على أن ثمة قائلا يقول إن واشنطن شهدت الأيام القليلة الماضية مؤتمرا شارك فيه وزراء خارجية 68 دولة بهدف واضح، هو محاربة «داعش»، وربما هذا يكفي في الحال؛ ذلك أن الخلاص من «داعش» يعني الخلاص من الإرهاب حول العالم.
ولكن هنا يبقى التوضيح أمراً حتمياً، ذلك أن القضاء على «داعش» عسكرياً لا يعني نهاية حضوره فكرياً، ولا سيما أنه يتستّر وراء حواجز دوغماتية لا تغيب عن ناظري المتابعين للمشهد؛ فالأفكار لا تموت، وإنما تطير بأجنحة. والشاهد أن مؤتمر واشنطن على أهميته لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون أداة بديلة للإجماع الأممي.
إذ ربما أقصى ما يمكن أن يتوصّل إليه المجتمعون في واشنطن هو طرح خطة سياسية عسكرية للقضاء على «داعش»، وهذا أمر جيد في حد ذاته، وواشنطن ماضية فيه قدماً. فلقد أعلن الجنرال جوزيف دانفورد، رئيس هيئة الأركان المشتركة نهار الخميس 23 فبراير الماضي، أن خطة تقودها وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لهزيمة «داعش»، من المقرّر أن تظهر سريعاً في شكل مسوّدة تتجاوز أطرها اللوجيستية حدود العراق وسوريا لتشمل الخطر الذي يمثله المتشددون حول العالم في إذكاء الصراعات.
وفق «البنتاغون» اجتذب «داعش» نحو 45 ألف مقاتل أجنبي من أكثر من 100 دولة حول العالم. ومن ثم، لكي تنجح الخطة الأميركية، فإن هناك حاجة أولا إلى قطع النسيج الذي يضم الجماعات الإقليمية التي تشكل الآن خطراً عالمياً.
القضية المحورية هنا هي أن واشنطن تتقاطع خيوطها عكسياً مع بعض من تلك الدول. وعليه، يبقى معين الأمم المتحدة هو الأنفع والأرفع في المواجهة القائمة والمقبلة، وتبقى استراتيجية المنظمة العالمية لمكافحة الإرهاب «القاسم المشترك» الذي يحتمي خلف جداره كل من يود الفرار من نيران الكراهية والعداوات الأصولية.
في هذا السياق، تنتاب الكثير من السياسيين والقادة حول العالم المخاوف من أن إدارة الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب إدارة «انعزالية»، بمعنى أنها تشعر بأهمية المنظمة الأممية، بل تسعى إلى تنفيذ أجندة «أميركا أولا» بمنأى عن الجميع. والمؤكد أن ذلك قد يكون بعضه صحيحا بالفعل، لكن مواجهة الإرهاب حكما تحتم على إدارة ترمب التعاطي بإيجابية تتجاوز حدود البرغماتية الضيقة، إلى ما يمكن أن نسميه «الأنانية المستنيرة». فمن خلال زخم الجهود العالمية لمحاربة الإرهاب، تضمن الولايات المتحدة الأميركية بناء مجتمعات قوية، وتعزّز من إمكانات حماية الداخل الأميركي. وأغلب الظن أن اجتماع واشنطن الأخير، كان بداية لتعاون أميركي - أممي إيجابي سيشهد العالم آثاره عما قريب.
من المثير جدا أن استراتيجية الأمم المتحدة التي نحن بصددها لم تسلط عليها الأضواء، في حين أن موضوعات أقل أهمية تصدح بها وسائل الإعلام صباح مساء كل يوم، ولولا التصاعد المخيف لوتيرة الإرهاب في الفترات الأخيرة لما أعارها أحد التفاتاً يذكر على أهميتها.
ولكن يبقى أن كارثة الإرهاب والإرهابيين التي تحتاج اليوم إلى جهود أممية للمواجهة، باتت تسيطر على الأراضي بالمعنى الجغرافي التقليدي. ثم تنطلق إلى الفضاءات الرحبة عبر وسائط التواصل الاجتماعي لإيصال أفكارها و«إنجازاتها» المذمومة آنيا إلى مختلف أرجاء العالم. وفي هذا تعمل على تحوير قيم السلام والعدالة والكرامة الإنسانية التي نشترك فيها جميعا، بحسب منطوق ونص الاستراتيجية.
من أفضل الأوراق والمداخلات التي قدمت أمام مجلس الأمن حول السلام والأمن الدوليين، يأتي حديث السفير مارك ليال غرانت، رئيس بعثة بريطانيا لدى الأمم المتحدة عن التطرف وسبل مكافحته. وكان السفير قد قدم ورقته قبل سنتين تقريبا، ولكن لم يُلتفت إليها. وها هي بلاده في مقدمة الدول التي تدفع ثمن تقاعس المجتمع الدولي عن مكافحة التطرف العنيف بوصفه نوعا من أكبر التحديات الدولية المسلحة التي تواجهها.
السفير البريطاني يرى أنه لا بد من مواجهة المتطرفين بكل حزم، ومن الواجب على القيادات السياسية، والقيادات الدينية تحديدا، القول بوضوح «هذا لا يمثل ديني». لكن عنده أيضا أن هذا غير كاف. ففعل الإدانة هنا يتوقف عند الحدود السلبية، في حين أن التغيير الإيجابي والمواجهة الخلاقة تقتضي تشجيع بديل إيجابي يتمثل في الحديث عن التسامح والشمولية على سبيل المثال.
عبر الأعوام الماضية تساءل الكثيرون: «لماذا يقدِم هؤلاء الشباب على التطرف؟ ولماذا يسعى بعضهم لدهس الأبرياء أو تفخيخهم بالعبوات الناسفة، أو قطع رؤوسهم دون أدنى ملمح أو ملمس من إنسانية؟
الجواب العقلاني الذي تقودنا إليه سطور الاستراتيجية المشار إليها يتمثل في غياب المجتمعات المنفتحة والمنصفة... المجتمعات التعددية التي تحتضن الجميع وتقوم على الاحترام الكامل لحقوق الإنسان، وتتيح الفرص الاقتصادية للجميع. وحال توافر الوجه الإيجابي لتلك المجتمعات وانتفاء الوجه السلبي المتقدم، سيضحى لدى العالم أفضل بديل ملموس ومجد للتطرف العنيف وأفضل وأنجح استراتيجية تنزع عنه جاذبيته.
يستدعي المشهد الدولي المأزوم حالياً، تناديا دولياً، لمناقشة حال ومآل وقود التطرف والإرهاب، أي الشباب، من كل الأديان والأجناس، ذلك أنه وإن كانت الأصوليات المذهبية تكثر عند البعض، فإن صعود القوميات والشعوبيات عند البعض الآخر سيقود حتما إلى عنف وعنف مضاد. بل ربما نرى الإرهاب متصاعدا داخل الجنس والعرق الواحد؛ لأن كارثة المتطرف أنه لا يرى غير نفسه في عينيه، ولا مكان لطرح آخر عند «ملاك الحقيقة المطلقة». في هذا الإطار الأممي، ربما يتوجب على المنظمة الأممية الدعوة إلى مؤتمر عالمي، قياداته من علماء النفس والاجتماع، لا من السياسيين أو العسكريين ورجالات الاستخبارات... مؤتمر هدفه الرئيس دراسة العوامل التي تدفع الشباب للتطرف، عطفا على الضمانات اللازمة لمنع الترويج للأفكار المتطرفة التي لا تتماشى مع شرعة حقوق الإنسان، والآداب والأخلاقيات العامة.
حديث الضمانات لا يعني أبدا القمع وكبت الحريات؛ ذلك أن مكافحة الأفكار المتطرفة تكون ممكنة فقط حين يكون لدى الناس حرية مواجهتها. والأفكار الظلامية تولد في أوساط الجهلين الفكري والثقافي، فبائع الشموع يفضل أن يظل التيار الكهربائي مقطوعاً. والمتطرفون يعتدون على المدارس والجامعات، والمؤسسات التعليمية والإعلامية لخشيتهم مما يجلبه التعليم من تغيير ومساواة وتنوير، تكشف زيف دعواهم، وإفك أحاديثهم.
من ناحية أخرى، رغم أن المشهد مأساوي، والمخاوف خلف الباب قائمة، وعلامة الاستفهام... أين ومتى ستكون العملية الإرهابية المقبلة؟ فإن استراتيجية الأمم المتحدة، تعطي قارئها مسرباً من مسارب الأمل إذا أحسنت المجتمعات المختلفة تسخير مثالية الشباب وإبداعهم وطاقتهم، وغيرهم من الفئات التي تشعر بالحرمان لبلوغ غاية السلام والوئام عوضاً عن الحروب والخصام.
يتطلع «فاعلو الإثم» إلى الشباب حول العالم بوصفهم المعين والخزان البشري، الذي منه يستقطبون مجنديهم الجدد. وعليه لا بد من فعاليات وخطط تبدأ من المحليات الصغيرة، وصولا إلى حدود الدولة الوطنية، ثم الإقليم الجغرافي؛ فالقارئ، حتى تكتمل الصورة العالمية... فعاليات تستوعب هؤلاء بوصفهم مكسبا يجب تمكينه ليسهم إسهاما بنّاء في التنمية السياسية والاقتصادية لمجتمعاتهم ودولهم. فهم يشكلون موردا لم يستغل بعد، ويجب أن نمكنهم من النظر إلى مستقبلهم نظرة إيجابية، وأن تتاح لهم فرصة حقيقية لتحقيق تطلعاتهم وإدراك أحلامهم.

اختيارات المحرر