الـ«كيتشدي»... كشري الهنود

متنوع الأشكال والمكونات والألوان

طبق يناسب النباتيين
طبق يناسب النباتيين
TT

الـ«كيتشدي»... كشري الهنود

طبق يناسب النباتيين
طبق يناسب النباتيين

دائماً كان طبق الـ«كيتشدي» أو المجدرة (العصيدة) من الأصناف الشهيرة التي تبعث على الراحة في الهند والعالم العربي. إنه طبق متنوع، حيث يمكن أن يكون رقيقاً أو قاسياً بحسب رغبتك، ويمكن كذلك تناوله دون إضافات، ومع الكثير من الإضافات، وكوجبة واحدة تجمع بين الكربوهيدرات، والبروتين، أو كمعجون مكثف يناسب الملوك مثلما يناسب الضيوف.
التاريخ
لكن هل تعرف تاريخ هذا الطبق الجميل؟
نعلم أن اليونانيين، الذي جاءوا إلى الهند مع الإسكندر الأكبر، قد لاحظوا حب سكان جنوب آسيا للأرز وما يضاف إليه من مكونات أخرى تطهى معه. وذكر سفير سليوكاس اليوناني أن الأرز بما يضاف إليه من مكونات يحظى بشعبية كبيرة بين سكان جنوب آسيا. وقد كتب الرحالة المغربي ابن بطوطة، الذي زار الهند خلال القرن الرابع عشر،: «يتم غلي عشبة الماش مع الأرز والفول الأخضر، الذي يتم خلطه معاً، وتناوله. هذا ما كانوا يدعونه كشري، ويتناولونه على الإفطار يومياً».
وجاء الرحالة الفرنسي جان باتيست، خلال القرن السابع عشر، إلى الهند 6 مرات، ولاحظ أنه يتم إعداد الـ«كيتشدي» بالعدس الأخضر، والأرز، والسمن (دسم)، ووصفه بأنه وجبة الفلاحين في المساء. نقل المغول هذه الوجبة المتواضعة من الشوارع، وجعلوها تلقى إقبالاً من أفراد العائلات الملكية. خلال فترة حكم المغول، شهد طبق الـ«كيتشدي» الكثير من التحولات بإضافة البهارات القوية، والفواكه المجففة، والمكسرات. في وثيقة «عين الأكبري»، التي تعود إلى القرن السادس عشر، ذكر أبو الفضل نحو 7 أنواع من الـ«كيتشدي». وهناك ما يشير إلى تعلق أكبر بالـ«كيتشدي»، الذي يتم إعداده بمقادير متساوية من الأرز، والعدس، والدسم على حد قول سهيل هاشمي، المؤرخ المقيم في دلهي. ويشير كيه تي أتشايا، في كتابه «قصة طعامنا»، إلى أن الطبق المفضل لجهانكير كان طبق الـ«لازيزان» الغني بالدسم، والفستق، والزبيب، والبهارات.
بطبيعة الحال لم تقتصر مثل هذه التجارب الوافرة الكثيرة مع الـ«كيتشدي» على المطبخ المغولي؛ ففي مطابخ الولايات المختلفة في جميع أنحاء البلاد، حظي هذا الطبق المتواضع بمكانة متميزة كانت عادة ما تحظى بها أصناف مثل البولاو، والبرياني باللحم. بعد إضافة مكونات فاخرة مثل البهارات ذات الرائحة العطرة، والزعفران، والفواكه المجففة، والمكسرات، والكريمة الطازجة، وبالطبع أنواع اللحم، والخضراوات الموسمية المختلفة، أصبح الـ«كيتشدي» من الأكلات الملكية. وكانت من أشكال الطبق الفاخرة، التي تم إعدادها في مطبخ قصر نصر الدين شاه، الملك السابق لولاية أود، على أيدي طهاة الأسرة المالكة على نار هادئة من اللوز، والفستق فقط، وتم ترتيب مقاديرها بحرص بحيث تتساوى كمية حبوب الأرز مع العدس، مع كمية متساوية، أو متضاعفة من الدسم.
وأشار أفاناسي نيكيتين، المغامر الروسي الذي سافر إلى الهند، إلى أن الإمبراطور المغولي جهانكير يحب الـ«كيتشدي». حتى الإمبراطور أورنكزيب كان محباً لهذا الطبق، خاصة الـ«كيتشدي ألماغيري» الذي كان يتم إعداده بلمسة إنجليزية مختلفة تدخل السمك والبيض إلى الطبق. وهناك اعتقاد سائد بأن هذا الطبق قد وصل إلى المملكة المتحدة على أيدي المستعمرين البريطانيين العائدين، الذين استمتعوا به في الهند، وجلبوه إلى المملكة المتحدة ليكون طبقاً يتم تناوله على الإفطار في العصر الفيكتوري كجزء من المطبخ الهندي - الإنجليزي الذي كان رائجاً آنذاك.
تمت إضافة الطبق عام 1790 إلى كتاب وصفات ستيفانا مالكولم من بيرنفوت، في دامفرايشاير.
ويشير الكتاب الوطني لاسكوتلندا، المطبخ الاسكوتلندي لكريستوفر تروتر، إلى أن وصفة مالكولم وغيرها من الأمثلة القديمة، تعبر عن الاعتقاد في أن ذلك الطبق قد ابتكرته أفواج الاسكوتلنديين المتشوقين لمذاقات الهند، حين جاءوا إلى الهند في القرن التاسع عشر، وبات منتشراً في الجزء الذي يعيشون فيه من العالم. مع توافر سمك القديد المدخن الاسكوتلندي في إنجلترا أصبح الطبق جزءا من الكثير من وصفات الـ«كديغري» (طعام الإفطار المكون من الأرز والسمك والبيض والكاري).
والـ«كديغري»، أي كانت طريقة إعداده، هو طبق متوازن غني بالمواد المغذية، ويجمع بين المذاق المدخن والحار.
الفوائد الصحية لطبق الـ«كيتشدي»
يعد الـ«كيتشدي» من الوجبات التي تتمتع بفوائد صحية كبيرة في طب الأيورفيدا. بحسب فاسانت لاد، المؤلف الأميركي، والمتخصص في طب الأيورفيدا، في كتابه «الكتاب الكامل لعلاجات الأيورفيدا المنزلية»، سوف يساعد صيام الـ«كيتشدي» لمدة 5 أيام باستخدام الـ«كيتشدي» دون إضافات إلا بعض أوراق الكزبرة المقطعة، في تنظيف الجسم من السموم، وفي تقوية الذاكرة.
ويعد الـ«كيتشدي» من الأطعمة المستخدمة في نظام علاج «بانشاكرمة» (وهو أقوى علاج لتنظيف السموم في طب الأيورفيدا). إذا كنت تتساءل عن استخدام الأرز الأبيض كجزء من هذا الخليط؟ أثناء عملية التنظيف، يتباطأ معدل التمثيل الغذائي، وتتراجع القدرة على الهضم؛ لذا يجب أن يكون أي طعام يتم تناوله سهل الهضم. كذلك يحتاج المرء إلى قدر كافٍ من البروتين من أجل الحفاظ على استقرار مستوى السكر في الدم، وحرق الدهون، وهنا يأتي دور العدس.
يقول دكتور مانوج أهوجا، من مستشفى «فورتيس»: «الـ(كيتشدي) هو الوصفة المثالية المتوازنة من الكربوهيدرات، والبروتين، وذلك بفضل الأرز والعدس». كذلك يعد الفول الأخضر مصدراً مهماً للألياف، وفيتامين ج، والماغنيسيوم، والبوتاسيوم، والفسفور، والكالسيوم. إنه يحتوي على كل الأحماض الأمينية العشرة الأساسية، مما يجعله مصدراً متكاملاً للبروتين. ويقول دكتور أهوجا: «إذا كنت تتناول «كيتشدي» مع الزبد سوف تحصل على القدر المناسب من المواد المغذية، والكربوهيدرات المركبة، والفيتامينات، والدهون». كذلك يمكن إضافة خضراوات من أجل إضافة المزيد من الألياف، والفيتامينات، والمعادن.
ويقول أنشول جايبارات، اختصاصي التغذية المقيم في دلهي، إن «هذا الطبق يصبح وجبة متكاملة حين يتم تناوله مع اللبن الرائب. ويساعد الـ(كيتشدي) في تسهيل عملية الهضم، والامتصاص، لذا يوصي به الأطباء أثناء المرض من أجل التعافي سريعاً. كذلك يساعد في علاج جدران الأمعاء».
ويعد الـ«كيتشدي» أول طعام صلب يتم تقديمه للأطفال في الهند. يمكن للذين يعانون من حساسية تجاه الغلوتين، أو الداء الباطني، أو يرغبون في تناول طعام خالٍ من الغلوتين، تناول الـ«كيتشدي» حيث يحتوي على ما يكفي من المواد المغذية، ويظل خفيفاً على المعدة في الوقت ذاته.
نكهات محلية
يتكون الكشري بالأساس من الأرز والعدس المطهي بالدسم والبهارات؛ وله نكهات متعددة تختلف من ولاية لأخرى؛ ففي شرق الهند، تتم إضافة إليه بذور الكمون، وبهارات مثل القرفة، والهيل، والقرنفل، وأوراق الغار. وتحتوي بعض الوصفات على قليل من الأنجدان، ويضاف إلى الكشري أحياناً الزنجبيل، والفلفل الأخضر، ومجموعة من البهارات المطحون مثل الكركم، والكمون، ومكسرات الكاجو، والزبيب أحياناً، مع إضافة كمية وفيرة من الدسم.
هناك أيضاً الـ«كيتشدي» الحلو برائحة الهيل، الذي يتم إعداده من الأرز، والفول الأخضر، وجوز الهند المبشور، والفواكه المجففة، والمكسرات، وكمية كبيرة من الدسم؛ وهو من الأصناف المميزة في غرب الهند. ويفخر مطبخ غوجارات بتقديم بعض الأنواع اللذيذة من الـ«كيتشدي». هناك الـ«رام كيتشدي» المضاف إليه البهارات، والخضراوات المتنوعة مثل القنبيط، والباذنجان، والبازلاء، والبقول. في عائلات داوود بوهرا المسلمة، يتم تقديم الـ«كيم كي كيتشدي» إلى جانب طبق من اللحم اللذيذ، ومرقة اللبن التي يطلق عليها «كوردي».
أما في ولاية راجستان المجاورة، حيث يندر الأرز، يتم إعداد طبق الـ«كيتشدي» بالبهارات، والذرة البيضاء، والعدس، ويحظى بشهرة كبيرة. تقول ديفيا سود قريشي: «الباليا طبق فريد من منطقة كانغرا في هيماتشال براديش، وهو شكل من الـ(كيتشدي) المعدّ من الأرز، وحمص البنغال». وتتم إضافة بعض الهيل والحلبة الخضراء، والكمون، إلى طبق الـ«باليا» المطهي في الحليب الرائب، وهو ما يمنحه المذاق اللاذع المميز. وفيما يلي بعض الوصفات الشهيرة.
ماسالا «كيتشدي»
أضف الزنجبيل، والثوم المبشور مع الفلفل الأحمر المجفف، وأعواد القرفة لتحصل على طبق الـ«كيتشدي» المعزز بنكهة قوية من البهارات.
الطريقة: اغسل الأرز والفول الأخضر. أحضر طنجرة ضغط، وأضف الأرز، والفول، والبطاطس، والملح، والكركم، والزبد، إلى ثلاثة أكواب من الماء. أحكم إغلاق الغطاء وقم بطهي الطعام على نار درجتها مرتفعة. بعد ما يبدأ البخار في الخروج من الطنجرة، قم بتهدئة النار لتصبح متوسطة الدرجة، واستمر في الطهي لمدة 4 دقائق. أطفئ النار، وارفع غطاء الطنجرة، وقمّ بالتقليب جيداً، حتى يصبح للمزيج قوام ناعم مهروس. أحضر مقلاة، وسخّن بها الزبد، ثم أضف بعض بذور الكمون، والخردل الأسود، والأنجدان، ثم أضف الطماطم، والفلفل الأخضر، والزنجبيل، والملح، والفلفل الأحمر، ثم قم بالتقليب. قم بطهي المكونات إلى أن تصبح الطماطم لينة. قم بخفض درجة النار، وأضف الكزبرة، وبهار الغارام ماسالا، ثم أضف بعد ذلك الأرز، واخلطه برفق مع باقي المكونات، ثم أضف الماء الساخن ببطء كلما دعا الأمر إلى ذلك. ينبغي أن يكون قوام الـ«كيتشدي» مثل العجين اللينة، ويتم تقديم الطبق ساخناً، إلى جانب المخلل والزبادي، وخبز البابدام.
البوني كشري
إنه نسخة أكثر ثراء من طبق الـ«كيتشدي» البسيط، وقد تمت تسمية هذا الطبق بهذا الاسم من (البونا) أو الفول الأخضر المحمص الذي تتم إضافته إليه. إلى جانب الفول الأخضر تتم إضافة الزبيب، والكاجو، والدسم، من أجل جعل هذا الطبق مميزاً.
طريقة الإعداد: قم بتسخين ملعقة كبيرة من الدسم في طنجرة ضغط، ثم أضف الزيت مع أوراق الغار، والهيل الأخضر، والقرنفل، وأعواد القرفة، والفلفل الأحمر الجاف. عندما تبدأ البهارات في إصدار صوت، أضف ملعقتين كبيرتين من البصل المقطع جيداً، ثم قم بقلي البصل إلى أن تصبح أطرافه بنية اللون. أضف ملعقة كبيرة من معجون الزنجبيل، والثوم، وقمّ بقليه لمدة دقيقة، ثم أضف معجون الطماطم إلى الخليط. استمر في القلق إلى أن يتم طهي الطماطم جيداً، ويمكن إضافة البازلاء، والجزر، والبطاطس، والقنبيط، إلخ. استمر في القلي لمدة دقيقتين، ثم أضف الفول الأخضر المحمص، وبعده الأرز. أضف مسحوق الكركم، والبهارات الجافة، ثم أضف الزبيب، واستمر في القلي لدقائق أخرى. أضف أربعة أكواب من الماء الدافئ، والملح ونحو نصف ملعقة كبيرة من السكر. اخلط كل المكونات معاً، ثم أضف ملعقة كبيرة من الدسم؛ ثم ضع الغطاء على طنجرة الضغط، واستمر في الطهي لمدة أربع دقائق عند درجة ضغط كاملة. وعندما تكشف الغطاء، أضف ملعقة كبيرة من الدسم إذا كنت ترغب في ذلك. أضف الكاجو المحمص ثم غطِ الطنجرة. يتم تقديم الطبق إلى جانب خبز الباباد، وصوص التشوتني، وسمك الهيلسا المقلي، أو بهاجا أو أي طبق من اللحم.
الـ«كيتشدي» بالحبوب المتنوعة
إذا كنت من المهتمين بالصحة، فهذا النوع من الـ«كيتشدي» هو الذي تحتاجه؛ فهو غني بالألياف، والبروتينات، والفيتامينات، والمعادن الأساسية. ويعد طبق الـ«كيتشدي» من الأصناف التي تقوي جهاز المناعة.طريقة الإعداد: أرز أبيض مسلوق، وأرز بني، وأرهار دال، والفول الأسود. اغسل كل كمية الأرز، والعدس واغمرهما في الماء لمدة 30 دقيقة. سخّن الأرز في إناء، ثم أضف بذور الكمون. عندما تبدأ البذور في إصدار صوت، أضف الثوم، واتركها لدقيقتين إلى أن يبدأ لون الثوم في التحول إلى البني. أضف بعد ذلك البصل، والفلفل الأخضر، والكركم، والأنجدان والملح، واخلطهم جيداً معاً، ثم أضف الأرز والعدس مع الماء الذي كانوا مغمورين به. استمر في الطهي إلى أن يغلي الماء، ثم أضف براعم الفول الأخضر، ومسحوق بذور الشمر، والملح، والفلفل، والماء. اخلط المكونات جيداً ثم استمر في الطهي مع وضع الغطاء لمدة 10 دقائق، أو إلى أن ينضج الأرز والعدس. زين الطبق بأوراق الكزبرة الطازجة، وقم بتقديمه مع المخلل الذي تختاره.
«كيتشدي» حيدر آباد
كان هذا الطبق من الأطباق التقليدية في مطبخ نظام الملك في حيدر آباد، ولا يزال من الأصناف التي يتم تقديمها كجزء من وجبة الإفطار في حيدر آباد. كذلك يتم تقديمه في المطاعم، ويحرص محبو الطعام، الذين يزورون حيدر آباد، على تناول هذا الطبق الصحي، والذي يبعث على الراحة في الوقت ذاته.
طريقة الإعداد: اغسل الأرز جيداً وضعه جانبا. اغمس الفول الأخضر لمدة 15 دقيقة. قم بتسخين الزيت في طنجرة ضغط، أو أي إناء عميق. ضع على النار الهيل الأخضر، والقرنفل، والقرفة، وبذور الكمون، والفلفل الأحمر الجاف، والكاجو، وأوراق الغار، لمدة نصف دقيقة. وأضف بعد ذلك البصل المقطع، والفلفل الأخضر، ومسحوق الكركم، وقم بقليهم جيداً. أضف الملح، واستمر في الطهي لمدة دقيقتين على نار هادئة. أضف الفول، والأرز إلى الخليط، ثم أضف الماء، واتركه ليغلي إلى أن ينضج الأرز.



«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».