الصقعبي: كثير من الروايات بلا روح... فكيف يتواصل القارئ مع كائن ميت؟

الروائي السعودي الفائز بجائزة وزارة الثقافة والإعلام للكتاب

وزير الثقافة والإعلام د. عادل الطريفي يسلم الصقعبي جائزة الوزارة للكتاب
وزير الثقافة والإعلام د. عادل الطريفي يسلم الصقعبي جائزة الوزارة للكتاب
TT

الصقعبي: كثير من الروايات بلا روح... فكيف يتواصل القارئ مع كائن ميت؟

وزير الثقافة والإعلام د. عادل الطريفي يسلم الصقعبي جائزة الوزارة للكتاب
وزير الثقافة والإعلام د. عادل الطريفي يسلم الصقعبي جائزة الوزارة للكتاب

لا يزال الروائي السعودي عبد العزيز صالح الصقعبي، مشدوداً إلى عالم المسرح؛ كتابة ولغة وأسلوباً وفنّاً، حتى أعماله الروائية المبكرة كُتبت ضمن هاجسه القصصي والمسرحي، فجاءت الرواية كما في «حالة كذب»، و«رائحة الفحم»، تجمع بين نسقين، لكنها تتوارى خلف النسق الشعري للنص، دون أن يؤثر ذلك على النص ويجعله هلامياً. بدأ الصقعبي كتابة الرواية مبكراً، في وقت لم تأخذ فيه الرواية المحلية موقعها في المشهد الثقافي، ولذلك خسرت تلك الأعمال زخمها الذي تستحق، إضافة إلى شخصية الصقعبي العازفة عن الأضواء. مؤخراً حصل نصّه المسرحي «القرية تخلع عباءتها»، الصادر عن «نادي تبوك الأدبي» و«دار الانتشار العربي»، على «جائزة وزارة الثقافة والإعلام للكتاب» لهذا العام (مع آخرين)؛ وبهذه المناسبة، وبمناسبة معرض الرياض الدولي للكتاب، التقت «الشرق الأوسط» عبد العزيز الصقعبي، وأجرت معه الحوار التالي:

المسرح أولاً

> فوز نصّك المسرحي «القرية تخلع عباءتها»، بـ«جائزة وزارة الثقافة والإعلام للكتاب» هذا العام، يسلط الضوء على تجربتك في الكتابة المسرحية، وهي تجربة ثرية أنتجت عدداً من النصوص التي تحولت إلى أعمال مسرحية، حدثنا عن هذه التجربة؟
- تجربتي في كتابة المسرح لم تبدأ بشكل تقليدي، على الرغم من أني متابع ومحب للمسرح، بل من خلال عمل مختلف؛ لذا حققت الأسبقية في المملكة وربما في دول الخليج من خلال كتابة «مونودراما» مسرحية الشخص الواحد «صفعة في المرآة» التي قام بالدور الوحيد فيها الفنان راشد الشمراني وأخرجها عبد العزيز الرشيد عام 1983. هذه المسرحية نفذت بعد ذلك في الجزائر والمغرب من قبل الفنان الراحل بكر الشدي تمثيلاً، وعبد الرحمن الرقراق إخراجاً، والجميل أن هذه المسرحية قدمت من قبل فنانين جزائريين ومغاربة في السنوات الماضية.
تجربتي المسرحية يطول الحديث عنها؛ إذ كتبت عددا من النصوص ونفذت لي مجموعة مسرحيات، منها مسرحية «واحد صفر» التي قام بالدور الوحيد فيها ناصر القصبي وأخرجها عامر الحمود. لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل قمتُ بإعداد وإخراج مسرحية «اللعبة» عن مسرحية سعد الله ونوس «المقهى الزجاجي»، وبالنسبة لـ«القرية تخلع عباءتها»، فتتكون من ثلاث مسرحيات ليست مونودراما، وإحداها من مشاهد عدة.
> بعد مشوار طويل من الإبداع، جاء التكريم أخيراً... هل يردّ لك هذا الفوز الاعتبار بعد تجاهل المؤسسات لك كل هذا الوقت؟
- هذا مؤلم ليس لي فقط، بل لكثير من المبدعين. كثير ممن يشرفون على الشأن الثقافي لا يعرفون أن التكريم والجوائز من المحفزات المهمة للإبداع. المشكلة أن من يرغب في الحصول على جائزة، «كمثال»، يجب أن يكون مسوقاً لإبداعه، ومثلي ممن لا يسوق نفسه، ولا يسعى لحفلات التوقيع، يبقون في الظل. المشكلة أن كثيراً من القراء يبحثون عن الأعمال الفائزة أو كتب النجوم، وبالذات نجوم الإعلام الجديد.
> لديك نصوص شاركت في فعاليات مسرحية؛ سعودياً وخليجياً وعربياً، وبعضها تحول إلى أعمال تلفزيونية... لكن في الفترة الأخيرة لم نشهد لك حضوراً... هل للأمر علاقة بتراجع المسرح السعودي، أم إن الرواية كانت لها جاذبيتها بالنسبة إليك؟
- لا أنكر مطلقاً جاذبية الرواية، ولكن ما زلت متواصلا مع المسرح؛ ففي العام الماضي نُفذ لي في مدينة عنيزة «مركز صالح بن صالح الثقافي» مونودراما «ولادة متعسرة» من تمثيل عادل الضويحي وإخراج علي السعيد. مشكلتي أن أغلب ما أكتبه من أعمال مسرحية فيه كثير من النخبوية، وأغلب المسرحيين يبحثون عما هو جماهيري، إضافة إلى أنني لا أعرض أعمالي على أحد لينفذها، فأغلب أعمالي المسرحية متاح للجميع من خلال كتاب «صفعة في المرآة» ومسرحيات أخرى صادرة عن وزارة الثقافة والإعلام، وهي أشبه بالأعمال الكاملة، إضافة إلى المسرحيات الثلاث في كتاب «القرية تخلع عباءتها».
> بصفتك كاتباً مسرحياً، ومتابعاً هموم المسرح، كيف ترى حال المسرح السعودي حالياً، هل ثمة أمل في إنعاشه من جديد؟
- لدينا عدد كبير من المسرحيين، وأغلبهم مبدعون، بل هنالك عروض مسرحية نالت جوائز على مستوى الوطن العربي، وأقرب مثال مسرحية «تشابك» وما نالته في الشارقة، وقبل ذلك مسرحية «بعيداً عن السيطرة»؛ فالمتابع للمشهد المسرحي يشاهد عدداً كبيراً من كتاب المسرح من جميع مناطق المملكة، إضافة إلى المخرجين والممثلين... قائمة كبيرة وطويلة من المسرحيين، إضافة إلى عدد من الفرق المسرحية، ولكن كل هذا الكم الكبير من دون مسارح لتنفيذ الأعمال، من دون معهد لصقل المواهب، من دون جهاز ينظم ويشرف ويدعم الفعل المسرحي. المسرح؛ أبو الفنون، يحتاج إلى أن تقف معه مؤسسات الدولة المعنية بالشأن الثقافي والفني، من ضمنها وزارة الثقافة والإعلام، وهيئة السياحة، وهيئة الترفيه، لماذا لا تكون هناك هيئة عامة للمسرح؟ صدقوني العرض المسرحي، إضافة إلى ما يقدمه من ترفيه ومتعة، هو أيضاً وسيلة للتوعية، وممثل مهم للوطن في الخارج.
> هل أعطاك المسرح مثلما أعطيته... هل تشعر بأنه خذلك؟
- لأكن صادقاً... لم أخلص للمسرح. أنا أكتب، والكتابة قدري، ولكن غير متفرغ للمسرح. هنالك مهرجانات وعروض كثيرة لا أستطيع حضورها بسبب الظروف الحياتية، والعمل. ليست لدي القدرة على التواصل مع كثير من المسرحيين لتنفيذ أعمال كتبتها. أذكر أنه عندما أعددت وأخرجت مسرحية «اللعبة» التي نفذت في جمعية الطائف للثقافة والفنون، أجمع كل من حضر العرض على ولادة مخرج، وفعلا طلب مني بعد ذلك إخراج بعض المسرحيات؛ اعتذرت، وتوجهت للرواية، وانشغلت بعد ذلك بعالم المكتبات والمعلومات.
> تتجاذب هذا النص «القرية تخلع عباءتها»، مشاعر التردد بين الإقدام والإحجام، لكنه لا يمنح بطله فرصة للتفكير، حيث «فوهة البئر اتسعت كثيراً... لو تحركتُ من هنا سأسقطُ حتماً... أمرٌ مُرعِبٌ... بئرٌ ليس لها قرار... ها هُو الموت أراهُ بعيني»، عمّ يُعبّر هذا التردد في رأيك؟
- هُم ثلاثة؛ كل واحد حدد موقعه، لم يتفقوا، كل واحد أراد أن يكون وحيداً، فكان الموت مصيره، تعددت الأسباب والموت واحد، سقوط في البئر، أو تحت صخرة، أو تبتلعه الرمال، جميعهم يسعى نحو وهم، قد يكون فيه بعض من الحقيقة، ولكن كل واحد منهم لن يصل إلى الحقيقة وحيداً بالتردد أو الجرأة أو الخوف، سيبقى الزمن شاهداً على كل خطوة، والمكان «القرية» لها حكاياتها الخاصة.
> بالمناسبة، لديك تجربة تجمع بين نسقي القصة والمسرحية، كما في رواية «رائحة الفحم»، كأنك مسكون بهاجس الميلودراما حين تكتب؟
- أغلب من تحدث عن رواية «رائحة الفحم» قال إن المسرح مؤثر في النص، وأنا أقول: أنا أعيش عالم السرد. كتبت القصة والرواية والمسرحية والسيناريو، بينها تشابه كثير، لأنها من أسرة واحدة، ولكن تبقى حرفية الكاتب، الذي يشعرك بأن في الرواية طيف مسرح، وأن في المسرحية طيف رواية، دون أن يؤثر ذلك على النص ويجعله هلامياً، أنا لا أحرص على تداخل الأجناس، ولكن، أحرص على النص بأن يكون منتمياً فعلياً بصورة كاملة إلى جنسه.
> حين نعود إلى روايتك ذائعة الصيت «اليوم الأخير لبائع الحمام»، بوصفها نصّاً يرتكز على سيرة المدينة، ويكشف أسرارها ويفك ألغازها، هل يمكن لهذه التجربة أن تتكرر بنحو أوسع... لنص أوسع؟
- صدرت لي منذ ثلاث سنوات رواية «مقامات النساء». نفدت طبعتها الأولى وصدرت بطبعة ثانية في معرض الكتاب العام الماضي، وهي رواية مختلفة، عن دار «جداول»، وهي مختلفة تماماً عن رواياتي السابقة الأربع «رائحة الفحم» و«حالة كذب» و«طائف الأنس»، إضافة إلى «اليوم الأخير لبائع الحمام». الجميل أن هذه الروايات الخمس درسها بشكل موسع الدكتور ساري الزهراني في بحثه الذي حصل بموجبه على شهادة الدكتوراه، وأنا أحرص ألا أكرر التجربة، بل أبحث عما هو متجاوز ومختلف، ولدي أكثر من مشروع روائي.
> ما تأثير النقد على تجربتك الإبداعية، وعلى عموم المشهد الإبداعي في السعودية، هل يستفيد الكاتب الروائي من الأعمال النقدية؟
- للأسف، لا توجد دراسات نقدية تناولت المنجز الروائي. الغريب بالنسبة لي أن هنالك من النقاد والمبدعين العرب من تناول بعض أعمالي القصصية والروائية، ونشر أغلبها في دوريات عربية كمجلة «الرواية» المصرية، إضافة إلى العدد قبل الأخير من مجلة «الفيصل» وغيرهما. أنا لا أحب أن أطرق أبواب النقاد، وعيبي أنني لا أسوّق أو أرسل كتبي إلى الآخرين؛ لذا قد أكون غائباً عن أجندة النقاد.
وبالنسبة للفائدة من الأعمال النقدية، المشهد الثقافي في المملكة يحتاج إلى مجموعة من الدارسين والنقاد لغربلة النتاج الإبداعي، وأتوقع أنه لن يصمد إلا القليل الذي يستحق أن يقرأ.
> رغم تعلقك بفرضية أن النقد سينصفك، فإنه خذلك؛ بل ظل مشغولاً بأعمال أقل من تجربتك... ماذا عن علاقتك بالنقاد؟
- علاقتي مع الجميع جيدة، ولكن أرى أنه من المهم لكل من طرح نفسه بصفته ناقدا، أن يكون متابعاً جيداً، ومتواصلا مع من أخلص للكتابة، الأمر ليس صعباً، فمن المهم أن تكون للناقد القدرة على فرز الجيد من الرديء، وبتصفح سريع يتضح ذلك؛ لأني لدي قناعة بأن العمل الإبداعي له روح خاصة، وللأسف كثير من الروايات المحلية والعربية والعالمية المترجمة بلا روح، وهذا لا يشعر به إلا مَن علاقته بالرواية «كقارئ» جيدة، وإلا كيف يتواصل أحد منا مع كائن ميت؟!
> هناك من يرى أن عزوفك عن الأضواء وهدوءك، أضرّا بتجربتك الروائية؛ إذ جعلاك بعيداً عن الانتشار، كأنك أيضاً رضيت بأن تبقى على هامش المشهد الثقافي؟
- منذ أواخر الثمانينات تفرغت للعمل بمكتبة الملك فهد الوطنية، وانسقت وراء عالم المكتبات والمعلومات، عملاً ودراسة، وهذا للأسف أبعدني عن المشهد الثقافي، وجئتُ متأخراً، لكن بهدوء، وأنا فعلا لا أحب المنابر، وتزعجني الأضواء، أتوارى خلف ما أقدمه من أعمال، وأتشبثُ بعمود أسبوعي في جريدة «الرياض»، ربما لا أحد يصدق أن أغلب أعمالي نفدت من الأسواق مثل «رائحة الفحم» و«اليوم الأخير لبائع الحمام» وقبل ذلك جميع أعمالي القصصية، وبالذات الأولى، مثل «لا ليلك ليلي ولا أنت أنا» و«الحكواتي يفقد صوته»، ولم أبحث عن ناشر أو أسعى لطباعتها مرة ثانية إلا بمبادرة من الناشر، كما في «مقامات النساء».

من أعماله

أصدر الصقعبي كثيرا من النصوص المسرحية، وبعضها تحول إلى أعمال تم عرضها محلياً وعربياً، وله كذلك كثير من المجموعات القصصية. من نتاجاته: «لا ليلك ليلي ولا أنت أنا»، و«صفعة في المرآة»، و«الحكواتي يفقد صوته»، و«يوقد الليل أصواتهم ويملأ أسفارهم بالتعب»، و«إنت النار وأنا الفراشة»، و«أحاديث مسائية»، و«البهو»، و«صفعة في المرآة»، و«واحد صفر»، ومسرحية «اللعبة» عن مسرحية سعد الله ونوس «المقهى الزجاجي»، و«واحد اثنان ثلاثة»، و«البديل»، كما أصدر عدداً من الروايات: «رائحة الفحم»، و«حالة كذب»، و«اليوم الأخير لبائع الحمام»، و«مقامات النساء».



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.