إيلي صعب... ظاهرة تحولت إلى عُقدة

المصمم اللبناني لـ «الشرق الأوسط»: النجاح يتطلب مواقف واضحة وشجاعة... وتقليدي لن يؤدي سوى إلى الإحباط

من عرض إيلي صعب الأخير  - من تصاميم  رامي قاضي لربيع وصيف 2017 - من عرض حسين بظاظا لربيع وصيف 2017
من عرض إيلي صعب الأخير - من تصاميم رامي قاضي لربيع وصيف 2017 - من عرض حسين بظاظا لربيع وصيف 2017
TT

إيلي صعب... ظاهرة تحولت إلى عُقدة

من عرض إيلي صعب الأخير  - من تصاميم  رامي قاضي لربيع وصيف 2017 - من عرض حسين بظاظا لربيع وصيف 2017
من عرض إيلي صعب الأخير - من تصاميم رامي قاضي لربيع وصيف 2017 - من عرض حسين بظاظا لربيع وصيف 2017

من أقوال كوكو شانيل المأثورة التي يحبها المصمم إيلي صعب أن التقليد من أعلى درجات المديح والإعجاب. فهي على حق إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه حتى أعمال كبار الفنانين والرسامين ما هي سوى تقليد للطبيعة إلى حد ما، إلا أننا نعرف في الوقت ذاته أن كل ما يزيد على حده يتحول إلى ضده. «فإذا كان الاستلهام مقبولا فإن التقليد الحرفي مرفوض، لأنه جريمة في حق الإبداع» حسب قوله.
ولعل المصمم الذي يشهد له العالم بالإبداع، أكثر من يفهم الجانب الأخير، بالنظر إلى عدد المصممين الذين تبنوا أسلوبه، معتقدين أن السخاء في التطريز والإغراق في الرومانسية جوازهم للعالمية، وكلما باءت محاولاتهم بالفشل وانتابهم الإحباط زاد تخبطهم وتراجعهم. فالملاحظ عند مقابلة أي واحد من هؤلاء تأتي سيرته على لسانهم، إما إعجابا وإما حسدا. الإعجاب، ويكون غالبا من الشباب، على أساس أنه قدوتهم. فهو عصامي تحدى السائد وفرض أسلوبه على ساحة الموضة.
والحسد، ويكون عادة من أبناء جيله، لأنهم يعتقدون بأن نجاحه مجرد ضربة حظ. فقد اتبعوا الوصفة نفسها ومع ذلك لم يحققوا نصف النتيجة.
الخيط الرفيع بين التأثر والتقليد برز عندما كان المصمم يُسجل برنامجه «بروجيكت رانواي» في دبي. كانت الحلقة الأخيرة والمنافسة على أشدها بين المتنافسين الثلاثة، وكان الشاب سليم شبيل من تونس واحدا منهم. لم يُخف هذا الأخير منذ بداية البرنامج إعجابه الشديد بإيلي صعب، لكن المشكلة أنه ترجم هذا الإعجاب في تشكيلة يصعب من بعيد التفريق بينها وبين تصاميم سابقة لمثله الأعلى إلى حد أنها كانت صادمة. في مقابلة خاصة يرد إيلي صعب بدبلوماسيته المعهودة أنه لم يتفاجأ بالأمر «فصغر سنه يشفع له، كما أنه شعور حلو أن يُلهم أسلوبي مصمما شابا، المهم أن لا يتحول إلى عقدة تُكبل خياله وقدراته في المُستقبل».
المشكلة أن أمثال سليم كُثر في المنطقة العربية ممن يعتبرون أنفسهم من مدرسة إيلي صعب، وحسب توضيحه «في لبنان وحده هناك من 70 في المائة إلى 80 في المائة منهم. وبينما يبقى الاقتداء بشخصية ناجحة أمرا مقبولا ومرحبا به بالنسبة لشاب في أول الطريق كونه لا يزال يبحث عن أسلوبه الخاص، فإنه يأخذ صورة قبيحة عندما يأتي من مصمم له أكثر من عشر سنوات في هذا المجال. فما يؤكده في هذه الحالة أنه لا يثق بنفسه ولا بأسلوبه. وهذا تحديدا ما اعتبره عُقدة يجب التخلص منها، لأنها لن تؤدي به سوى لمزيد من الإحباط».
لا يختلف اثنان أن إيلي صعب فلتة أو ظاهرة في عالمنا العربي. فهو لم يكتف بالـ«هوت كوتير» رغم نجاحه الساحق فيه وتوسع إلى الأزياء الجاهزة ثم إلى العطور والإكسسوارات وتصميم اليخوت وهلم جرا. إمبراطوريته تتسع يوما بعد يوم بدليل أنه افتتح في بداية الشهر أول متجر له في جادة ماديسون بنيويورك ليكلل نجاحه في الأسواق الأميركية بعد باريس ولندن وبيروت ودبي وقطر. ومن يعرف المصمم ويسمعه يعرف أنه لا يزال في جعبته الكثير من المفاجآت، مؤكدا في كل مناسبة أنه لا يُقلد أحدا بقدر ما يستفيد من تجارب الغير. فالموضة مثل كل أنواع الفنون تحتاج إلى إلهام وأيضا إلى ابتكار وشجاعة ومغامرة.
لكن ما نلمسه في كثير من العروض والمناسبات أن عُقدة إيلي صعب أصبحت مترسخة تتجسد في التصاميم الرومانسية والتطريزات الغنية غير المدروسة التي توقع كثيرا من المصممين في مطب الاستسهال. ولأننا لا يمكن التعميم، لا بد من الإشارة إلى جيل صاعد تخرج من معاهد متخصصة يحاول جاهدا شق طريقه بأسلوبه الخاص، إلى حد أن بعضهم أصيب بـ«عقدة عكسية» يتعمد فيها الابتعاد عن أسلوب إيلي صعب خوفا من تهمة التشبه به. من هؤلاء نذكر حسين بظاظا، الذي تدرب في دار ربيع كيروز في باريس، ومن ثم عمل كمصمم مبتدئ في دار إيلي صعب ببيروت، ويُشهد له بالإبداع تترجمه الجوائز المهمة التي حاز عليها في عدة مسابقات ومحافل. يعترف بأن إيلي صعب ظاهرة وقدوة بالنسبة له وعقدة للبعض الآخر «فهو الأكثر مبيعا في منطقة الشرق الأوسط، وبما أن أغلب المصممين العرب يتوجهون للزبونة نفسها، فإن بعضهم يلجأون إلى تقليد أسلوبه أملا في أن يقتطعوا لأنفسهم ولو جزءا صغيرا من الكعكة، وعندما يفشلون يلومون حظهم العاثر بدل أن يعيدوا التفكير في أسلوبهم». ويضيف بأنهم لم يفهموا لحد الآن أن التقليد لن يؤدي بهم إلى أي نجاح «لأن المرأة عندما تريد أسلوب إيلي صعب، فإنها تتوجه إلى المنبع». لا يُخفي بظاظا أنه تأثر بإيلي صعب «فقد كبرت وأنا أسمع اسمه يتردد على مسامعي وكان طبيعيا أن يكون قدوتي لكني أرفض تقليده... أعرف أنه ظاهرة فريدة، لكني مؤمن أيضا بأنه سيظهر مصممون آخرون لهم أسلوبهم الخاص بهم وسيحققون النجاح بطريقتهم».
المصمم الشاب رامي قاضي يوافق حسين بظاظا الرأي، فهو الآخر تدرب في دار إيلي صعب قبل أن يستقل بنفسه، نائيا بأسلوبه عن أسلوب أستاذه تماما. فسمعته في باريس حاليا أنه يعشق البحث عن تقنيات جريئة يوظفها في تصاميم تمزج العصري بالسريالي. ويرد السبب الرئيسي في نجاح إيلي صعب لشخصيته وبصمته التي حافظ عليها «أي شخص يُقلده لا بد أن يفشل، وشخصيا أفضل أن ينتقدني الناس لأي شيء أقوم به على أن ينعتوني بالتقليد». ورغم أن رامي قاضي يعترف أن صعب هو المصمم الأول في العالم العربي والمثل الأعلى لأي مصمم شاب، فإنه ينفي أن يُشكل عقدة بالنسبة له «بالعكس استعمل نجاحه كمحفز لي لتحقيق النجاح ذاته في يوم ما لكن بأسلوبي وأدواتي الخاصة. ما يجب أن نفهمه أن إيلي صعب لن يتكرر، كما لن يتكرر كريستيان ديور أو فالنتينو، لكن من الطبيعي أن تظهر أسماء أخرى تعكس عصرها».
ما يشير إليه كل هؤلاء ويوافق عليه إيلي صعب أن لكل جيل لغته وتجاربه. فتجربة إيلي صعب منذ أربعين سنة تختلف كثيرا عن تجارب هؤلاء الشباب لأن الظروف اختلفت تماما. فبينما درسوا في جامعات ومعاهد موضة، بدأ هو من الصفر وعلم نفسه في وقت كان مصمم الأزياء في الوطن العربي يُعتبر مجرد خياط عليه تنفيذ ما تريده زبونته فقط. لهذا عندما يقول بعض المصممين إن تجربة إيلي صعب فريدة كونه «ظهر في وقت مختلف لم تكن فيه هذه المنافسة الشرسة بين المصممين، كما أن البيئة التي ظهر فيها كانت خصبة لكي يتفرد بنفسه» ينتفض قائلا: إنه لم يجد الطريق معبدا أمامه بل العكس تماما، فالفضل في تعبيد الطريق أمام الآخرين يعود إليه وإلى تجربته. كل ما كان يمتلكه من سلاح آنذاك تلخص في إرادة قوية ونظرة واضحة «وهو ما لا يملكه كثير من المصممين الذين تخرجوا من أشهر المعاهد». يستطرد: «لما بدأت لم تكن الأشياء متوفرة كما الآن...لم تكن لدي الإمكانيات المادية للعرض في أوروبا مثلا، وإلا كنت لخصت المسافة الزمنية للوصول إلى العالمية، بدل تركيزي على السوق المحلية لعقد من الزمن أو أكثر، وهو ما أشعر أنه كان وقتا ضائعا في مسيرتي».
ما يقصده أن المنطقة العربية منذ أربعين عاما تقريبا لم تكن تعترف بإمكانيات مصمم عربي يقدم تشكيلات موسمية. والزبونة العربية لم تكن مستعدة لأن تتعامل معه بالثقة نفسها التي كانت تتعامل بها مع مصمم أجنبي.
يقول صعب: «تعذبت طويلا وقضيت وقتا امتد لأكثر من خمس سنوات تقريبا أحاول نيل ثقتها وأقنعها بإمكانياتي. وجدت صعوبة كبيرة في ذلك، لعدم توافق نظرتي وطموحاتي مع نظرتها وطموحاتها... كنت مثلا أقدم لها تصميما أراه مناسبا للغاية ترفضه وتحاول فرض رؤيتها بتغيير تفاصيله وأحيانا موديله بالكامل، الأمر الذي كان يحز في نفسي وكان من الممكن أن يُحبطني لكن طموحي وإيماني بنفسي كانا يموداني بالقوة للاستمرار».
الصعوبة كانت تكمن في أنه كان يعرف أنه لا يملك القدرة أن يخسرها وفي الوقت لم يكن يريد أن يخسر نفسه، لهذا ظل كل هذه السنوات في صراع معها محاولا أن يقنعها بأن هناك فرقا شاسعا بين المصمم وبين الخياط. لا يُخفي إيلي صعب أن هذه المرحلة كانت الأصعب في مسيرته، ويتذكر بمزيج من الحزن والفخر: «كان من السهل أن أنصاع لذوقها لكي أبيع وأحقق النجاح التجاري، لا سيما أني كنت في أمس الحاجة إلى الدعم المادي، لكني قاومت. كان حبي للتصميم ورغبتي في التميز أكبر من رغبتي في النجاح المؤقت. هذا لا يعني أني لم أقدم تنازلات لإرضاء زبونتي، لكن أبدا لم تكن على حساب فنيتي. لقد أدركت منذ ذلك الحين أن النجاح يحتاج إلى موقف واضح وشجاع».
ما يُحسب لإيلي صعب أنه لم يُضيع وقته في التحسر في تلك المرحلة، وحول السلبي إلى إيجابي، حيث استغل هذه الفترة لصقل أسلوبه بشكل يتواءم مع طموحاته ودراسة السوق في الوقت ذاته. وكانت النتيجة اكتشافه أن مصدر الصعوبة التي كان يواجهها يعود إلى تبنيه لغة غريبة على هذه الزبونة. كان أسلوبه بسيطا للغاية، حسب قوله: «فقد كنت متأثرا بالأسلوب الأوروبي، وبالتالي كنت أركز على القصات ولا أميل بتاتا للتطريز، وعندما أعدت التفكير في الأمر، انتبهت إلى أن زبونتي عربية ومن واجبي أن أخاطبها بلغتها». وهكذا بدأ يُطوع جموحه ويُدخل التطريز بالتدريج. ولدهشته اكتشف أنه لا يتعارض مع الجمال والأناقة، بل العكس تماما «انتبهت أنه يمكن أن يلعب دورا في تمييزي عن غيري من المصممين الأوروبيين، وبالصدفة تحول ما كان الهدف منه تجاريا لبيع تصاميمي للمنطقة العربية إلى أسلوب خاص بي». مع الوقت طور هذه التطريزات وأكسبها فنية فرضت نفسها على الساحة العالمية لتصبح لصيقة باسمه وأسلوبه، وهكذا كسب إيلي صعب الشاب قلب هذه الزبونة وثقتها، ومنذ ذلك العهد وهو المصمم الأكثر مبيعا في المنطقة. بل يمكن القول إنه من فتح شهية المصممين العالميين على التطريز لكسب ود هذه الزبونة.
يعود إيلي بذاكرته للوراء ويعترف قائلا: إنه لن ينسى فضل المنطقة العربية عليه أبدا، لكنه ما أن كسبها حتى بدأ يشعر بأنه يريد أن يُحلق أعلى وأن محيطه أصبح ضيقا. داعبه حلم باريس مرة أخرى وبالفعل كان من الأوائل الذين اخترقوا أسوارها عندما كانت مغلقة في وجه كل عربي. فالصورة المترسخة في أذهان خبراء الموضة العالميين عن المصممين العرب آنذاك أنهم مجرد خياطين يقلدون إصداراتهم، باستثناء عز الدين علايا.
لهذا غني عن القول: إن طريقه هنا أيضا لم تكن مفروشة بالورود. بيد أنه كان مُستعدا لخوض حرب مخملية مع الغرب ويكسبها بأي ثمن، لأنه لم يعد يطيق المحلية.
«بدأت أشعر بضيق المنطقة العربية على إمكانياتي. اكتفائي بها كان يتعارض مع طموحاتي والصورة التي رسمتها لنفسي عندما دخلت هذا المجال. لم تعد في فترة معينة، قادرة على استيعابي رغم أني مدين لها بالكثير ولا أزال. فلولاها لم وصلت إلى أوروبا وأنا قوي بإمكانياتي المادية...لم احتج إلى أي أحد وهذا بحد ذاته قوة لا يستهان بها».
هل يرى الآن أن نجاحه ضربة حظ كما يراه باقي المصممين؟ يضحك ضحكة لا تعرف إن كانت تنطوي على سخرية أم على مرارة ويرد «لم يكن حظا على الإطلاق بل مثابرة وتخطيط دائمان للوصول إلى العالمية لكن بطريقتي كما تقول أغنية فرنك سيناترا الشهيرة».
تخرج من اللقاء وأنت تشعر بأن إيلي صعب بالفعل ظاهرة. فرغم كل النجاحات التي حققها واعتراف العالم بأسلوبه وقوته التجارية، لا يزال متحمسا ومتعطشا لمزيد. تشعر أيضا أنه ليس مُنظرا، فالحياة بالنسبة له عمل ميداني وتجارب يعيشها بشكل يومي، وقابلة للفشل والنجاح لكن المهم هو الاستفادة منها وتحويلها إلى إيجابيات، لهذا تستشف في نبرة صوته حسرة وهو يتحدث عن أبناء جيله من المصممين الذين لم يستوعبوا أن لكل شخصيته ومسيرته وبأنه لم يصل إلى النجاح بين ليلة وضحاها.



الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
TT

الإكسسوارات الضخمة والمبتكرة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

«من بين أكثر ما لفت الانتباه في أسابيع الموضة الأخيرة، عودة الإكسسوارات إلى الواجهة. ليس كمجرد تفصيل يضاف إلى الإطلالة في الأخير، بل كعنصر أساسي في الإطلالة». هذا ما قاله جاستن دوغترز، المدير العام لدى «بيرغانزا»، المتخصصة في المجوهرات العتيقة «الأنتيكات» والقِطع النادرة، لـ«الشرق الأوسط».

تعليقه تؤكده صور العارضات في عروض كثيرة؛ من بينها «بالنسياغا» و«شانيل» و«غوتشي» و«فالنتينو» وآخرون، وهُن يتخايلن على المنصات بأقراط متدلية تمتد حتى الكتفين وما بعدهما، وقلادات تغطي كل العنق أحياناً، بعضها مُستوحى من الفنون الباروكية، وبعضها من لوحات كلاسيكية تحتاج إلى ثقة لارتدائها. ما يُحسب لها أنها يمكن أن تُغير شخصية أي زي، مهما كان بسيطاً، وتعد خياراً آخر لموضة رص الإكسسوارات فوق بعضها البعض، التي تنتشر منذ سنوات.

التأثير الباروكي في عرض «فالنتينو» (فالنتينو)

ويرى جاستن أن هذا التحول على منصات العرض يظهر أولاً في الثقة التي تتعامل بها دُور الأزياء حالياً مع الإكسسوارات عموماً، والحنين إلى التصميمات التاريخية خصوصاً، الأمر الذي يفسر جرأة ألوانها ووضوح أحجامها. في «فالنتينو» مثلاً، جاءت العقود الذهبية بطابع باروكي إلى جانب أقراط لؤلؤية لا تخفى عن العين. الأمر نفسه ينطبق على بيوت أزياء أخرى، مثل «زيمرمان» و«غوتشي» وغيرهما، في حين أخذ كل من «ديور» و«دريس فان نوتن» اتجاهاً مختلفاً اعتمدتا فيه على أقراط ضخمة وغير متطابقة، وأحياناً منفردة.

في عرض «ديور» كانت الإكسسوارات لافتة بنعومتها وعدم تناسقها (ديور)

أما ما يجمع كل هذه الاقتراحات على اختلافها، فهو صبغتها الاحتفالية، وفي الوقت نفسه نكهتها الحداثية التي تستمدّها من الأزياء والطريقة التي نُسّقت بها. فالكورسيهات والدانتيل والألوان القوية تجعلها تعكس اللحظة الراهنة.

هذا «التباين المتناغم»، برأي دوغترز، هو درس يتجاوز منصة العرض؛ نظراً لقدرته على تحقيق تغيير كامل «فقطعة واحدة مصوغة بشكل لافت يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه».

ويشير دوغترز إلى أن هذا الكم الهائل من الإكسسوارات ليس جديداً، فهذه التصميمات كانت دائماً حاضرة كإضافات مهمة للزينة، لكن الجديد هنا أن المصممين باتوا يتعاملون معها كجزء من تكوين الأزياء نفسها.

من عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

فالعقد بأشكاله الحالية، بغضّ النظر عن خامته، قد يُغيّر شكل الياقة أو طريقة تنسيقها مع باقي القطع، كما يمكن أن يُغير الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية، أو العكس، والقرط الواحد يمكن أن يُبدل تناظر الوجه، كل هذا يسهم في إضفاء صورة بصرية لا تستمدّ بريقها من الأحجار الكريمة، وإنما من الحجم والشكل واللون والمادة، وهو ما يؤكده دوغترز مستشهداً بعرض «فالنتينو» قائلاً إنه «يُذكّرنا بأن مجوهرات المنصة لا تحتاج إلى الألماس كي تُعبر عن الفخامة، فالتصميم له دور مهم». ويضيف: «العقود ذات الطابع الباروكي التي ظهرت في العرض مثلاً تحمل إحساساً بالوزن والثراء، بغضّ النظر عن قيمتها المادية».

الأقراط غير المتناظرة كما ظهرت في عرض ديور (ديور)

ما ينطبق على العقود ينطبق على الأقراط، فهي، برأيه، واحدة من أكثر عناصر المجوهرات ارتباطاً بفكرة التناظر: قرط على اليمين، وآخر على اليسار، ما يخلق التوازن، لكن عندما يُكسر هذا التوازن بأقراط غير متطابقة، يتغير حضور الإطلالة فوراً، «ربما لأن العين تضطر لبذل جهد أكبر لفهم ما تراه»، وهو ما حدث في عرض «ديور»، الذي قُدمت فيه أقراط متدلية بشكل مُبالغ فيه على شكل أزهار وأشرطة، وأحياناً كأقراط منفردة. «كلوي» أيضاً اعتمدت أقراطاً منفردة في عرضها.

لكن عدم التطابق وحده لا يكفي لجذب الانتباه والإعجاب، وفق جاستن، «فثمة فرق بين قرطين لا يتطابقان وقرطين يتحاور أحدهما مع الآخر، فلا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، سواء من خلال الحجم أم الخامة أم اللون أم الحركة».

الإكسسوارات الأنيقة عوضت أي مجوهرات ثمينة في عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

ويضيف أنه في سوق المجوهرات العتيقة قد لا تصل الأقراط القديمة إلى الحاضر في أزواج مكتملة أحياناً، حيث قد يُفقد أحد القرطين أو ينفصل عن الآخر. كان الأمر معقداً في الماضي، وربما غير مقبول، لكنه، اليوم، مرحَّب به، الأمر الذي يمنح الأقراط المنفردة وغير المتطابقة حياة جديدة، «إذ يمكن لقرط متدلٍّ من العصر الجيورجي أو الفيكتوري أن يبدو خياراً مقصوداً، لا قطعة غير مكتملة»، وفق قوله.

ويختتم اللقاء معبراً عن تحفظه على اختزال الأمر في عبارة «موضة الإكسسوارات الضخمة عادت»؛ لأن ما حصل في عروض ربيع وصيف 2027 كان تفضيلاً لتصميماتها التي تمتلك وجهة نظر واضحة وشخصية قوية تقوم بدور وظيفي.


أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
TT

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)
يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

تتوالى المواسم وتتغيَّر الصيحات، ويستمر بحث المرأة عن ذلك الحذاء الذي يجمع بين الراحة والأناقة، ليُواكب إطلالتها ويمنحها ثقة في كل خطوة. لكن ما الوصفة السحرية التي تجعل تصميماً معيناً يحقق نجاحات مستمرة في عالم الموضة ويُبقي الإقبال عليها مشتعلاً؟

سؤال لا يتبادر إلى ذهن المستهلك أو المتابع فحسب، بل يشغل أيضاً بال صُنّاع الموضة، وعلى رأسهم المصممون أنفسهم: ما الذي يجعل بعض التصاميم تعيش طويلاً، فيما تختفي أخرى بعد مواسم قليلة؟ أحياناً يلعب الحظ دوره إلى حد يُدهش حتى مبتكر التصميم، وأحياناً تكون الجودة والتميز العامل الحاسم في ترسيخ استمراره؛ فكم حذاء أثار ضجة لحظة ظهوره، وأخذ حيِّزاً كبيراً على صفحات المجلات وواجهات المتاجر، ثم اختفى بعد مواسم قليلة وكأنه لم يكن؟

الممثلة روز بيرن في نيويورك بحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

تصاميم أخرى حافظت على جاذبيتها لعقود، من دون أن تبدو قطعاً من الماضي. منها ما اعتمد على أشكال هندسية وتشريح الأقدام بحساب لمنحها الراحة، ومنها ما اعتمد على الألوان وفنية الكعوب والترصيعات وما شابه. رغم أن بعضها وُلد قبل عقود، مثل حذاء «شانيل» ثنائي اللون، و«بيل فيفييه» من روجيه فيفييه، و«فارا» من سالفاتوري فيراغامو، وبعضها أحدث نسبياً، مثل «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» و«روكستاد» من «فالنتينو»، فإن القاسم المشترك لنجاحها واستمراريتها أنها لم تكن مجرد أشكالاً أنيقة، بل تمتلك تفصيلات بصرية وأفكاراً تصميمية تحوّلت إلى هوية تخدم مصممها، كما تخدم المرأة أياً كان أسلوبها أو مكانتها.

صورة أرشيفية لحذاء «لابيغال» (كريستيان لوبوتان)

صحيح أن تصاميم مبتكرة ظهرت في السنوات الأخيرة وبدأت تفرض مكانتها، مثل «لابيغال» من «كريستيان لوبوتان» وتصاميم أمينة معادي بكعوبها المميزة وتصاميم «جيمي تشو»، إلا أنها لا تزال طور الاختبار من ناحية استمراريتها على مدى عقود مقبلة، لتبقى التصاميم الأيقونية العابرة للزمن والأجيال التي لا تزال تحقق نجاحات تجارية محددة، نذكر منها على سبيل المثال:

1- حذاء «شانيل» ثنائي اللون:

حذاء «شانيل» ثنائي اللون (موقع شانيل)

قدمته غابرييل شانيل عام 1957، ولم تكن تعرف حينها أنها تصنع واحداً من أكثر التصاميم صموداً في تاريخ الموضة. طوَّرته مع صانع الأحذية الفرنسي رايمون ماسارو بلونين متباينين: بيج يغطي الجزء الأكبر، وأسود في المقدمة مع حزام يلتف خلف الكاحل. وراء هذا التصميم فكرة ذكية.

فالبيج، القريب من لون الجلد، يمنح الساق امتداداً بصرياً أطول، بينما تجعل المقدمة السوداء القدم تبدو أصغر. وحتى اللون الأسود لم يكن للزينة فقط؛ فقد كان عملياً أيضاً، لأنه يخفي آثار الاستخدام في أكثر أجزاء الحذاء تعرضاً للاحتكاك. أما الحزام الخلفي من دون إبزيم والكعب المعتدل فمنحا التصميم راحة وعملية.

الممثلة أوليفيا دين في إطلالة من «شانيل» من ضمنها حذاء ثنائي اللون بالأبيض والأسود (شانيل)

الآن يعتبر هذا الحذاء واحداً من أيقونات الدار الفرنسية مثله مثل التويد والحقيبة المبطنة، ما جعل الدار تعود إليه في عهد كل من الراحل كارل لاغرفيلد وخليفته فيرجيني فيار، ومؤخراً ماثيو بلازي في مجموعته الأخرى. أعادت الدار تفسيره بكعوب مختلفة وخامات وألوان متنوعة لكن دائماً من دون المساس بأساسياته.

2- حذاء «بيل فيفييه» من دار روجيه فيفييه:

حذاء «بيل فيفييه» تتغير ألوان وخاماته ويبقى شكله المميز ( موقع روجيه فيفييه)

ظهر في منتصف الستينات، وحصل على دفعة قوية بعد ظهور النجمة كاثرين دونوف به في فيلم «Belle de Jour» للويس بونويل عام 1967. لم يكن الحذاء بحاجة إلى ذلك الظهور كي يكون ناجحاً، لكنه حصل بفضله على واحدة من أثمن الصفات في عالم الموضة: صورة وقصة. لم يكن الكعب المنخفض والشكل البسيط نسبياً أكثر ما يميزه؛ كانت القوة في المشبك المعدني الأمامي ذي الشكل الهندسي، الذي منح التصميم شخصية يمكن التعرف عليها من النظرة الأولى.

حذاء «بيل فيفييه» تضفي عليه الدار في السنوات الأخيرة ألواناً تخاطب الجيل الجديد ( موقع روجيه فيفييه)

منذ ذلك الحين، لا تتعامل دار «روجيه فيفييه» معه كقطعة أرشيفية محفوظة في الماضي، بل تعيد تفسيره في كل موسم بشكل وبألوان وخامات وارتفاعات مختلفة، مع الإبقاء على ذلك التفصيل الذي صنع هويتها. أما الإقبال عليه من قبل جيل جديد فيؤكد أنه لا ينتمي إلى الماضي وحده.

3- حذاء «فارا» من «سالفاتوري فيراغامو»:

حذاء «فارا» من الجلد المبطن (موقع سالفاتوري فيراغامو)

بعد نحو عقدين، وفي عام 1978 تحديداً وُلد هذا التصميم. صممته فياما فيراغامو ابنة المؤسس سالفاتوري في وقت كانت تبحث فيه الدار عن نموذج يجمع بين الأناقة والاستخدام اليومي المريح الذي أرساه المؤسس. الفكرة لم تبدأ باستعراض تقني أو بكعب أنثوي عالٍ، بل بشكل مريح ذي مقدمة مستديرة وكعب منخفض. ثم أضيفت إليه تلك اللمسة التي ستصبح لاحقاً علامته الفارقة: عقدة على شكل فيونكة.

حذاء «فارا» بنسخة جديدة (موقع سالفاتوري فيراغامو)

والطريف أن الفيونكة نفسها لم تكن، في البداية، نتيجة خطة تسويقية ضخمة، إذ كان هناك نموذج أولي أضيفت إليه قطعة من شريط في مشغل الدار، ثم حدث سوء فهم، أو خطأ، أثناء التنفيذ، فبقيت من شريط نسيجي بدلاً من الجلد، وبالتالي ما كان تفصيلاً صغيراً تحول إلى هوية.

ربما لبساطة تصميمه، يبدو مختلفاً عن كثير من الأحذية الفاخرة. فلا كعب دراماتيكي، ولا زخرفة ثقيلة، ولا شعار كبير، ولا أي محاولة للفت الأنظار، ومع ذلك تتعرف عليه من النظرة الأولى. إنتاجه لا يزال مستمراً إلى حد الآن، لا سيما أنه يحقق مبيعات تُقدر بالملايين. فالمرأة بغض النظر عن عمرها ترتديه مع بدلة أو بنطال جينز، في النهار أو المساء، وفي كل مرة تحصل على التميز والراحة المطلوبَيْن.

4- «هانغيسي» من «مانولو بلانيك»

حذاء «هانغيسي» من «مانولو بلانيك» أصبح ماركة مسجلة في قاموس الدار (موقع مانولو بلانيك)

احتاج هذا التصميم في المقابل إلى شيء مختلف تماماً وتفصيل لافت لكي يصنع مكانته في مجال مزدحم بالابتكارات.

ظهر للمرة الأولى ضمن مجموعة ربيع وصيف 2008، بألوان الوردي والأسود والأخضر. واستُلهم تصميمه من أكثر من مرجع، من مارلين ديتريش ومن جوزفين بونابرت، وأحذية البلاط الأوروبية، لكن أكثر ما لفت الأنظار فيه وساهم في انتشاره، مشبكه الكريستالي المربع وسط مقدمة الحذاء.

الممثلة سارة جيسيكا باركر وحذاء «هانغيسي» (غيتي)

ومثل «بيل فيفييه»، ساهمت ممثلة في نشره إلى العالم وتعريف العالم باسمه. كان ذلك عندما ظهرت به سارة جيسيكا باركر في السلسلة التلفزيونية «سيكس أند ذي سيتي»، التي لعبت فيها شخصية كاري برادشو. كان من السهل أن يرتبط بالمسلسل، إلا أن وهجه لم يخفت بعد انحسار وهج المسلسل ليؤكد أنه أقوى منه. والفضل يعود إلى تميز مشبكه الذي أصبح مرتبطاً باسم «مانولو بلانيك» في عالم الترف. مثل باقي بيوت الأزياء، لم تجمده الدار في شكله الأول، بل أعادت إنتاجه بأكثر من 100 خامة ولون، وبسبعة ارتفاعات مختلفة للكعب لحد الآن.

5- حذاء «روكستاد» من دار «فالنتينو»:

حذاء «روكستاد» بشكله المتميز ومساميره (فالنتينو)

ظهر في بداية العقد الثاني من الألفية، واجتاح عالم الموضة بمساميره الهرمية الصغيرة التي اصطفت على الأحزمة والحواف ليحقق للدار أرباحاً منقطعة النظير. كان جديداً بفكرته التي تحمل الكثير من التناقض؛ فـ«فالنتينو» ارتبطت طويلاً بالرومانسية والفساتين الحالمة بينما كان التصميم أقرب إلى لغة البانك والروك أند رول. وربما كان هذا التناقض مكمن الجاذبية.

الممثلة ناعومي واتس وحذاء «روكستاد» (فالنتينو)

فالمسامير جعلت الحذاء حداثياً وقابلاً للتعرف إليه فوراً. نجاحه فتح شهية الدار على الانتقال بهذه المسامير من حدود الحذاء إلى الصنادل والحقائب، حتى أصبح الاسم نفسه جزءاً من قاموس الدار الإيطالية. لحد الآن تعود إليه كرمز من رموزها القوية في نسخ جديدة لا تبدو عالقة في الماضي. فالمسامير تتغير من حيث العدد والشكل، ما يمنح المرأة سبباً للعودة إليها بدليل ظهوره بنسخة معاصرة في الجزء الثاني من فيلم «الشيطان يرتدي برادا».


«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
TT

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)
تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

غابت حقيبة «بيركين» من منصة عرض هيرميس لربيع وصيف 2027، ولم تغب من الذاكرة، ولا عن المشهد بحضورها محمولة بأيدي المدعوات. يبدو أن الدار اختارت في هذا الموسم تسليط الضوء على تصاميم أخرى، فيما تظل «بيركين» بمنأى عن الحاجة إلى حضور منتظم على المنصة كي تحافظ على موقعها كواحدة من أكثر حقائب الدار شهرة، وتأثيراً.

حقائب متنوعة ظهرت في عرض «هيرميس» لربيع وصيف 2027 (أ.ف.ب)

اكتسبت هذا التأثير من هالتها كمنتج نادر يصعب الحصول عليه، ومن مكانة تجعل الوصول إليها امتيازاً محدوداً على قلة من المقتدرين. ما يؤكد أن مكانتها لا تزال راسخة أن حقيبة «بيركين» الأصلية التي صُنعت خصيصاً لجاين بيركين في عام 1985 بيعت في مزاد سوذبيز مؤخراً مقابل 8.5825 مليون يورو، أي نحو 10.1 مليون دولار، لتصبح أغلى حقيبة تُباع في مزاد على الإطلاق. لكن هذه الحقيبة التي استغرقت المزايدة عليها نحو عشر دقائق لم تكن مجرد حقيبة من الجلد، بل كانت القصة كلها.

فمنذ أن ظهرت في منتصف الثمانينات، بعد اللقاء الشهير بين الفنانة جاين بيركين ورئيس Hermès آنذاك جون لويس ديما، على متن طائرة، وهي تتحدى الفكرة التي وُلدت منها، وهي حاجة عملية لمتطلبات امرأة وأم وسيدة أعمال. لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى رمز عالمي للفخامة، والمكانة المتميزة.

الندرة والحلم

ما صنع أسطورتها لم يكن التصميم وحده، ولا الحرفية، والمواد، بل صعوبة الحصول عليها. فهي لم تكن معروضة في متاجرها للبيع، وعلى من تريدها أن تُسجل اسمها ضمن لائحة انتظار قد تمتد لعدة أشهر. كانت هذه العملية جزءاً من قيمتها، وذكاء تسويقياً يُحتذى به، لأنه رفع من أسهمها، وجعلها حلماً بالنسبة لملايين من عشاق الموضة.

حقيبة «بيركين» بلون الفستق (هيرميس)

لكن ندرتها أصبحت في خطر بالنسبة لشريحة من الزبائن، كانوا إلى الأمس القريب ينتمون إلى نادٍ خاص جداً، من الأثرياء والذواقة على حد سواء. لكن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الحقيبة منتشرة بشكل بدأ يصيبهم بالتخمة من مشاهدتها. فهي حاضرة الآن في فيديوهات على «التيك توك»، حيث تخضع للتشريح، والتمحيص من الخارج، والداخل، وأيضاً متوفرة بشتى الألوان والأحجام في محلات متخصصة في إعادة بيعها لمن لم تستطع إليها سبيلاً بالطرق التقليدية. ثم أصبحنا نراها على يد مؤثرات ومؤثرين في جولات التسوق كما في المناسبات المهمة، لأنها وبكل بساطة لم تعد مجرد رمز لمكانة اجتماعية معينة، بل تحوَّلت إلى محتوى.

بين الوفرة والنُّدرة

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والنُّدرة لكي يحافظ على بريقه؟

حقيبة آل «بيركين» الأيقونية أصبحت خارج المنافسة بالنسبة للعديدين (من الأرشيف)

أرقام المبيعات تؤكد أن ذلك لم يؤثر فيها حتى الآن. ربما لم تعد المرأة الثرية تحملها بالوتيرة نفسها التي اعتدناها، مفضِّلة عليها حقائب أكثر هدوءاً، وخالية من الشعارات، إلا أن الراغبات في دخول هذا النادي الخاص ما زلن يسعين إليها، ويواصلن تغذية الطلب عليها.

أما تأثير المؤثرين والمؤثرات على صورة الحقيبة، فالإجابة عنه أكثر تعقيداً. ربما ساهموا في تبديد شيء من الحلم، وفي تقليص هالتها كحقيبة بعيدة المنال، لكنهم في المقابل حوَّلوها إلى جزء من الثقافة البصرية المعاصرة، فنقلوها من منتج نادر لا يُرى إلا في أيدي قلة، إلى موضوع للاستهلاك البصري، والمعرفة، عبر استعراض تفاصيل حرفيتها وقصتها أمام جمهور واسع.