بعد 14 عاماً من الغزو الأميركي للعراق... آلاف القتلى وملايين النازحين

الذكرى تلقي بظلالها على لقاء العبادي وترمب في واشنطن

مدنيون يحملون مواد إغاثة وزعت عليهم في حي الغزلاني غرب الموصل أمس (رويترز) - لحظة إسقاط تمثال صدام حسين في «ساحة الفردوس» وسط بغداد في 9 أبريل 2003 (رويترز)
مدنيون يحملون مواد إغاثة وزعت عليهم في حي الغزلاني غرب الموصل أمس (رويترز) - لحظة إسقاط تمثال صدام حسين في «ساحة الفردوس» وسط بغداد في 9 أبريل 2003 (رويترز)
TT

بعد 14 عاماً من الغزو الأميركي للعراق... آلاف القتلى وملايين النازحين

مدنيون يحملون مواد إغاثة وزعت عليهم في حي الغزلاني غرب الموصل أمس (رويترز) - لحظة إسقاط تمثال صدام حسين في «ساحة الفردوس» وسط بغداد في 9 أبريل 2003 (رويترز)
مدنيون يحملون مواد إغاثة وزعت عليهم في حي الغزلاني غرب الموصل أمس (رويترز) - لحظة إسقاط تمثال صدام حسين في «ساحة الفردوس» وسط بغداد في 9 أبريل 2003 (رويترز)

مرت أمس، الذكرى السنوية الرابعة عشرة لانطلاق الحرب التي قادها التحالف الدولي المؤلف من 33 دولة بزعامة الولايات المتحدة الأميركية وأدت بعد مرور عشرين يوما على انطلاقها إلى إطاحة حكم صدام حسين في التاسع من أبريل (نيسان) 2003.
وتزامنت الذكرى مع وصول رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى الولايات المتحدة الأميركية بدعوة رسمية من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ويقول بيان صادر عن مكتبه، إنه سيلتقي مسؤولين في الإدارة الأميركية وأعضاء بالكونغرس ومجلس الشيوخ الأميركي لتعزيز التعاون بين البلدين في المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية.
ويتذكر أغلب العراقيين كيف ظهر صدام حسين قبل 14 عاما وهو يرتدي نظارات طبية سميكة غير مألوفة، ليخبرهم بانطلاق الغزو بقيادة الولايات المتحدة، ومنذ ذلك التاريخ والبلاد لا تخرج من اضطراب إلا ودخلت في آخر مماثل.
دشن الأميركيون احتلالهم للعراق بتعيين الجنرال المتقاعد جي كارنر في 21 أبريل 2003، مسؤولا عن مكتب المساعدة في إعمار العراق، وبعد نحو شهرين استبدلت «سلطة الائتلاف الموحدة» به، بإدارة الحاكم المدني بول بريمر في 6 مايو (أيار) 2003، وخلال فترة السنة الواحدة التي قضاها بريمر في حكم العراق، أسس، وبنظر أغلب العراقيين، لجميع الاضطرابات السياسية والأمنية والاقتصادية التي حدثت لاحقا. وكانت أولى ملامحها تأسيس «مجلس الحكم» العراقي الذي اختير له 25 عضوا من المكونات العراقية، بواقع 13 شخصية سياسية شيعية و5 شخصيات كردية ومثلها سنية، إلى جانب شخصيتين عن المسيح والتركمان، وبذلك دشن الاحتلال الأميركي نظاما سياسيا بمواصفات طائفية وإثنية، وسيرسخ أعضاء مجلس الحكم المعارضون السابقون لنظام صدام والزعماء اللاحقون للأحزاب والقوميات والطوائف المتنافسة نظام المحاصصة اللاحق.
وخلال السنة التي قضاها مجلس الحكم في السلطة تولى «رئاسة» العراق الدورية 12 عضوا، بواقع واحد لكل شهر، ومن بين أبرز الشخصيات التي اختارها بريمر لعضوية مجلس الحكم الانتقالي وتولت رئاسته الدورية، الرئيس السابق جلال طالباني ورئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني والراحلان عبد العزيز الحكيم وأحمد الجلبي ونائب الرئيس الحالي إياد علاوي ووزير الخارجية إبراهيم الجعفري، ولم يتول السياسي السني المخضرم عدنان الباجه جي رئاسة المجلس وتولى بدلا عنه الشيخ غازي عجيل الياور، كذلك لم يتول الرئاسة حينذاك، زعيم الحزب الشيوعي العراقي حميد مجيد موسى، بعد أن اختير ضمن الأعضاء الشيعة في مجلس الحكم.
وإضافة إلى إرساء أسس التقسيم الإثني والطائفي عبر مجلس الحكم في العهد الجديد، عمد بريمر إلى حل الجيش وإعادة هيكلة جميع مؤسسات الدولة، ثم ألحقه بقرار «اجتثاث البعث»، الأمر الذي انعكس على شكل فوضى واضطراب أمنيين في وقت لاحق، عقب التحاق كثير من ضباط وأعضاء البعث بالقوى المسلحة المناهضة للاحتلال.
ملامح الانقسام العراقي بدت واضحة منذ الأيام الأولى لرحيل نظام البعث، سواء بين الطوائف نفسها، أو فيما بينها وبين الآخرين حتى قبل وصول بريمر إلى العراق. كذلك برزت في وقت مبكر ما كان نظام صدام القوى قادرا على كبحة من ضغائن وأحقاد متبادلة بين مختلف المكونات، ففي محافظة النجف ذات الأغلبية الشيعية اغتال شباب ناقمون مقربون من آل الصدر، عبد المجيد الخوئي، نجل المراجع الشيعي الأكبر أبو القاسم الخوئي في أبريل 2003، وفي نفس الشهر أعلن مقتدى الصدر تأسيس «جيش المهدي» تحت عنوان «مقاومة الاحتلال».
وفي وقت مبكر فرض تنظيم القاعدة وجوده كإحدى أبرز القوى المناهضة للاحتلال في العراق، حيث قام بأول عملية تفجير على السفارة الأردنية في بغداد نفذها أبو مصعب الزرقاوي في 10 يونيو (حزيران) 2003، ثم وقع تفجير النجف الكبير وأودى بحياة المئات، بجانب زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، محمد باقر الحكيم في شهر أغسطس (آب) 2003.
انتهى عام بريمر وعهد مجلس الحكم العراقي، وحلت محلهما الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة إياد علاوي في 28 يونيو(حزيران) 2004، التي خاضت معارك شرسة ضد جيش المهدي في النجف والجماعات المسلحة في الفلوجة، ثم مهدت لانتخاب «الجمعية الوطنية» المكلفة بكتابة الدستور وإجراء الانتخابات البرلمانية العامة، وبحلول أبريل 2005، انتهت فترة حكومة علاوي وبدا من خلال التسليم السلس والسلمي للسلطة من قبل علاوي إلى نظيره إبراهيم الجعفري وكأن البلاد غادرت مسيرة العنف والانقلابات العسكرية التي طبعت تاريخه الحديث، لكن تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء في فبراير (شباط) 2006، وضع البلاد على سكة الكوارث والحرب الأهلية المعلنة بين السنة والشيعة.
ثم غادر الجعفري رئاسة الوزراء بعد أن أجرى الاستفتاء على الدستور والانتخابات البرلمانية العامة لأول مرة، وأظهرت تلك الانتخابات بما لا يقبل الشك، القوى الأساسية الثلاثة التي ستهيمن لاحقا على الفضاء السياسي، وكان واضحا تمثيلها للأسس الطائفية والقومية التي حكمت البلاد بعد 2003، حيث فاز في الانتخابات ثلاث قوى أساسية، هي «الائتلاف الموحد» الشيعي و«التحالف الكردستاني» و«جبهة التوافق» السنية.
حصل «الائتلاف الموحد» على أعلى نسبة من المقاعد النيابية (128 مقعدا) في انتخابات 2005، واستنادا إلى نظام الحكم البرلماني الذي أقره الدستور، فإن نسبة مقاعده تؤهله لرئاسة الوزراء، المنصب التنفيذي الأول في البلاد، وتمكن نوري المالكي من الفوز بدورته الأولى مطلع 2006، وحصل جلال الطالباني على منصب رئاسة الجمهورية البروتوكولي، وهو أول شخصية كردية تتقلد المنصب في تاريخ العراق. أدى المالكي اليمين الدستورية رئيسا للوزراء بعد مخاض عسير في 20 مايو 2006، وبدا أنه ورث من سلفه الجعفري اضطرابات أمنية كبيرة نتيجة تفجير المرقدين في سامراء وتنامي نفوذ تنظيم القاعدة في المناطق السنية وميليشيا جيش المهدي في بغداد والمحافظات الشيعية، فعمد إلى ضرب الأخير في البصرة عام 2007، لكنه أخفق في التعامل مع «القاعدة»، حتى قام الجنرال ديفيد بترايوس، قائد القوات الأميركية في العراق عام 2008، بتأسيس قوات «الصحوات» في المناطق السنية، وتمكنت نسبيا من السيطرة على الأمور في محافظة الرمادي المعقل الرئيسي لـ«القاعدة».
ومع نهاية الدورة الوزارية الأولى للمالكي، تبين لأغلب القوى السياسية أن الرجل يميل إلى التفرد بالقرار وعدم الاكتراث بالآخرين، فصمم الجميع على حرمانه من الفوز بولاية ثانية. إلا أن المالكي تمكن عام 2010 من الفوز بولاية ثانية، بعد أن تمكن من «التحايل» عبر قرار قضائي على إقصاء خصمه علاوي الفائز بـ91 مقعدا بعد أن قاد ائتلافا يجمع أغلب القوى السنية وبعض القوى العلمانية، في مقابل حصول قائمة ائتلاف «دولة القانون» بزعامة المالكي على 89 من أصل 325 مقعدا.
أظهر المالكي في دورته الثانية سلوكا عدائيا ضد أغلب شركائه السياسيين، وكادت أن تنشب بينه وبين إقليم كردستان معركة عسكرية في كركوك، وهيمن خلال هذه الدورة على أغلب مفاصل الدولة وهيئاتها المستقلة، وظل يشرف بالوكالة على وزارتي الداخلية والدفاع، بعد أن رفض تعيين مرشحي بقية الكتل لهما.
وبعد خروج القوات الأميركية نهاية عام 2011، شن المالكي حملة تنكيل بخصومه السنة فهرب نائب الرئيس طارق الهاشمي خارج العراق على خلفية تهم غير مؤكدة بدعم الإرهاب، كما لاحق وزير المالية رافع العيساوي بالتهم ذاتها، ووصل الصدام بين وبينه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر حدودا غير مسبوقة، كما أعلنت المحافظات السنية سلسلة احتجاجات واعتصامات ضده حكمه، قام بتفريقها بالقوة، وفي يونيو 2014، تمكن تنظيم داعش من السيطرة على أجزاء من محافظات، نينوى، ديالى، كركوك، صلاح الدين، الأنبار.
وبرغم فوزه بأغلبية مقاعد البرلمان في انتخابات 2014، وتمسكه بالولاية الثالثة، تمكنت القوى السياسية المختلفة ومن ورائها الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدولة الإقليمية من إرغامه على التخلي عن حلم الولاية الثالثة، وتعيين رفيقه في حزب الدعوة حيدر العبادي بديلا عنه.
واليوم وبعد مرور 14 عاما على الاحتلال الأميركي للعراق، وبرغم نجاح حكومة العبادي في طرد تنظيم داعش من أغلب المحافظات العراقية التي سيطر عليها، ينظر العراقيون إلى تلك السنوات المليئة بالعنف والمرارة والفساد وكأنها كابوس ثقيل، ولم يتوقع أشد المتشائمين أن يجلب التغيير الأميركي لهم كل هذا البلاء، حيث قتل آلاف العراقيين وخسرت البلاد مليارات الدولارات نتيجة الفساد والمحسوبية، وأصيبت البنى التحتية بدمار شديد من دون أمل في إصلاحها، كذلك تعرض السكان نتيجة أعمال العنف والحروب إلى أكبر موجة نزوح في تاريخ البلاد، إذ يقدر المعنيون عدد المهجرين والنازحين في داخل وخارج العراق بنحو 5 ملايين مواطن، كما تراجعت مستويات التعليم والصحة إلى مستويات غير مسبوقة.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.