عوالم افتراضية... داخل مسرح واقعي

نظم مبتكرة تنافس هوليوود وتجتذب المشاهدين في مراكز ترفيهية جديدة

«فويد» تجربة جماعية في عوالم افتراضية
«فويد» تجربة جماعية في عوالم افتراضية
TT

عوالم افتراضية... داخل مسرح واقعي

«فويد» تجربة جماعية في عوالم افتراضية
«فويد» تجربة جماعية في عوالم افتراضية

داخل مجمع مكتبي يبدو عاديا، وأمام مجموعة من الموظفين الذين يرتدون أغطية على رؤوسهم، يوجد نموذج أولي لما تعتقد «هوليوود» أنه سيصبح الصيحة الجديدة المقبلة في عالم الترفيه - وهو جهاز يسمى «فويد Void «من الممكن أن يصبح بمثابة دجاجة تبيض ذهباً لمخترعيه، ويوفر في الوقت ذاته شريان حياة لمراكز التسوق التجاري المتعثرة ويمنح دفعة كبرى لمبيعات أجهزة الواقع الافتراضي.
في هذا الصدد، قال كليف بلومر، المدير السابق لشركة «لوكاسفيلم» والخبير التكنولوجي بها: «عاينت الكثير من تجارب الواقع الافتراضي الرائعة، لكن أياً منها لا يقارن حتى بما يحققه فويد»، مضيفاً: «لو أن شيئا ما سيلهم المستهلكين للإقبال جماعات على أجهزة الواقع الافتراضي، فهو هذا الجهاز». يذكر أن بلومر انتقل للعمل في شركة «فويد» الناشئة المعنية بمجال الواقع الافتراضي في منصب الرئيس التنفيذي في 9 من فبراير (شباط) الماضي.
* واقع ألعاب افتراضية
ومع ذلك، ظاهرياً لا يبدو ثمة شيء مميز بخصوص «فويد»، والذي يتألف من أربعة جدران خشبية تشكل فيما مربعاً بمساحة 30 قدماً. أما الجزء الداخلي، فمقسم إلى غرف بدائية متصلة ببعضها البعض. ولا يوجد سقف، إلا إذا احتسبت الكابلات والمجسات.
إلا أن كل هذا يتبدل لحظة ارتدائك جهازاً خاصاً للواقع الافتراضي على الرأس، والتقاطك سلاحاً بلاستيكياً بدائياً، وارتداء سترة وتحمل حقيبة ظهر صغيرة تضم بداخلها كومبيوترا خفيف الوزن - وفي لحظة تتحول أنت وأصدقاؤك إلى فريق من صائدي الأشباح!
الآن، أصبحت الغرفة الأولى شقة مكدسة بالأثاث داخل نيويورك تعج بأرواح شريرة وردية اللون. والآن، يتحول السلاح البلاستيكي بيديك إلى بندقية بروتون، تماماً مثلما الحال في الفيلم الشهير «صائدو الأشباح». وبإمكانك استخدام البندقية في تدمير الأشباح (وأي شيء آخر يقع في مجال رؤيتك). ومع مضي المغامرة التي تستمر 10 دقائق، تقتفي المجموعة الخاصة بك أثر الأشباح عبر البرج السكني.
وداخل مصعد سريع الحركة، وبالخارج داخل منصة معلقة تستخدم في غسل جدران المبنى من الخارج - في الوقت الذي تطفو بعض الأشباح حولك، ويصاحب قدومها هبوب دفقة قوية من الهواء على وجهك واهتزاز في السترة التي ترتديها. وفي النهاية، يظهر الشبح الأكبر، وإذا نجحت في التعامل معه على النحو الصائب، سيمتلئ أنفك برائحة شواء!
والسؤال هنا هل يمكن أن يقدم الأفراد، خاصة الشباب منهم، على دفع 20 دولاراً مقدماً لخوض مثل هذه التجربة؟ يعتقد المسؤولون عن «فويد»، الذي نجح في تنقيح فكرة صياغة عالم افتراضي داخل مسرح واقعي، أنهم سيفعلون ذلك. في الواقع، بدأ الموقع الأول لـ«فويد»، قرب تايمز سكوير، في جني عائدات بالفعل. ويعتمد الموقع على فكرة صائدي الأشباح ذاتها، وجرى افتتاحه في يوليو (تموز) داخل متحف مدام توسو في نيويورك. ومنذ ذلك الحين، باع أكثر من 43.000 تذكرة، ما حقق عائدات قاربت 900000 دولار.
وتنوي الشركة افتتاح 20 مركزاً إضافياً خلال العام الجاري، بحيث يضم كل «مركز تجربة فويد» أكثر من «مسرح»، المصطلح الذي تستخدمه الشركة في الإشارة إلى الأجهزة. علاوة على ذلك، ستضم المراكز الجديدة قصصاً أخرى بخلاف صائدي الأشباح، مثل التجول داخل غابة تعج بالديناصورات، أو ربما البحث عن كنز داخل هرم مصري.
حتى الآن، جرى تمويل «فويد» من جانب أحد مؤسسي الشركة الثلاثة - كين بريتسنايدر، الذي استثمر ملايين في الاختراع الجديد.
من ناحيته، خاض ستيفين بي. بيرك، الرئيس التنفيذي لشركة «إن بي سي يونيفرسال»، تجربة النموذج الأولي لـ«فويد»، وكذلك الحال مع روبرت إيه. آيغر، الرئيس التنفيذي لشركة «والت ديزني».
* إمكانات هوليوودية
وفي العام الماضي، جلبت شركة «والت ديزني» جهاز «فويد» إلى داخل اجتماع لمجلس إدارتها، بحيث يتمكن أعضاء المجلس من تجريب الجهاز الجديد.
وبالمثل، حرص الكثير من مخرجي هوليوود على تجريب الجهاز بأنفسهم، بما في ذلك ستيفين سبيلبيرغ. من جهته، أكد إيفان ريتمان، مخرج فيلم «صائدو الأشباح» الأصلي وكذلك الجزء الثاني منه، أن «فويد»: «تجربة من السهل للغاية تكرارها، تماماً مثل مشاهدة الأفلام، إضافة إلى أنه وسيلة عميقة وفاعلة على نحو استثنائي لسرد قصة».
من ناحية أخرى، حققت أجهزة الواقع الافتراضي التي تباع بغرض اصطحابها للمنزل مبيعات واهنة بسبب ارتفاع تكلفتها (تبلغ ما بين 400 و800 دولار لجهاز الرأس فقط). كما أن ثمة سمعة سيئة تحيط بأجهزة الواقع الافتراضي حول أنها تسبب شعوراً بالدوار، علاوة على أن تجارب الواقع الافتراضي التي طرحت حتى الآن يمكن أن تثير لدى المرء شعوراً بالعزلة، بالنظر إلى أن أحداً غيره لا يرتدي النظارات غيرك.
في المقابل، يتيح «فويد» تجربة مختلفة تماماً، ولست بحاجة لادخار مبلغ كبير لخوضها، وإنما يكفيك الحضور إلى مركز «فويد» وشراء تذكرة. وتتميز تجربة «فويد» بطابعها الاجتماعي، ذلك أنه بمقدور أربعة أشخاص الاشتراك بها في ذات الوقت. كما أن التجول عبر أرجاء مساحة واسعة يجري بصورة لاسلكية، وبالتالي لا يرتبط المشاركون بسلك يقيد حركتهم مثلما الحال مع أجهزة الواقع الافتراضي في المنزل، الأمر الذي يوفر حلاً، على ما يبدو، لمشكلة الشعور بالغثيان.
في هذا الصدد، أوضح آدم غازلي، أستاذ علم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا، الذي انضم أخيرا إلى المجلس الاستشاري بشركة «فويد»، أن: «هذا ليس بالاختلاف الهين».
ومع هذا، ما يزال «فويد» يواجه الكثير من التحديات، منها الحجم: كيف يمكنك توفير مساحة كافية ليتمكن الأشخاص من الحركة عبر المشاهد المختلفة؟ جدير بالذكر أن تجربة «صائدو الأشباح» في نيويورك بمقدورها استيعاب 40 شخصاً فقط - أي نحو 450 شخصاً يومياً. ويستغرق الأمر قرابة 15 دقيقة كي يتحرك المشاركون عبر المشاهد، بجانب الدخول إلى والخروج من التجربة. بجانب ذلك، هناك مسألة الاستدامة، فحتى لو حقق «فويد» نجاحاً كبيراً خلال الفترة الأولى لإطلاقه، ما الذي يضمن ألا يتحول إلى فقاعة عابرة سرعان ما تختفي؟
من ناحية أخرى، ثمة منافسة محتدمة على صعيد الواقع الافتراضي. على سبيل المثال، أعلنت شركة «آيماكس» الأسبوع الماضي عزمها افتتاح ستة مراكز للواقع الافتراضي هذا العام، بعضها بالتعاون مع «إيه إم سي ثياترز» و«ريغال إنترتينمنت»، بتكلفة 400000 دولار لكل مركز، بخلاف العقارات. وبالفعل، افتتحت الشركة واحداً من هذه المراكز في لوس أنجليس في يناير (كانون الثاني) ، وتبدأ أسعار التذاكر فيه من 7 دولارات.
أيضاً، صدر إعلان الشهر الماضي عن قرب افتتاح مراكز للواقع الافتراضي من قبل شركة «دريمسبيس إميرسيف»، التي تأمل في افتتاح مركزها الأول في الصيف. وقد نجحت الشركة في الحصول على تمويل من أجل هذا المشروع بقيمة 11 مليون دولار من جانب شركات مثل «21 سنشري فوكس» و«ويستفيلد كوربوريشن» و«وارنر بروس». أيضاً، يشارك سبيلبيرغ في المشروع.

* خدمة «نيويورك تايمز».



تقرير: 95 % ممن يلغون اشتراكاتهم السنوية في التطبيقات لا يعودون

إلغاء الاشتراك السنوي في التطبيقات غالباً يعني أن المستخدم لن يعود لاحقاً (شاترستوك)
إلغاء الاشتراك السنوي في التطبيقات غالباً يعني أن المستخدم لن يعود لاحقاً (شاترستوك)
TT

تقرير: 95 % ممن يلغون اشتراكاتهم السنوية في التطبيقات لا يعودون

إلغاء الاشتراك السنوي في التطبيقات غالباً يعني أن المستخدم لن يعود لاحقاً (شاترستوك)
إلغاء الاشتراك السنوي في التطبيقات غالباً يعني أن المستخدم لن يعود لاحقاً (شاترستوك)

لم تعد اشتراكات التطبيقات مجرد خيار إضافي داخل متاجر التطبيقات، بل أصبحت نموذجاً رئيساً لإيرادات كثير من المطورين، خصوصاً في تطبيقات الإنتاجية، والتعليم، والصحة، والترفيه، والأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. لكن تقريراً جديداً من شركة «ريغنيوكات» (RevenueCat) يقول إنه عندما يلغي المستخدم اشتراكه السنوي، فإن احتمالات عودته تكون ضعيفة جداً.

بحسب الجزء الثاني من تقرير «State of Subscription Apps 2026»، فإن 95 في المائة من مستخدمي الاشتراكات السنوية الذين يلغون اشتراكاتهم لا يعودون لاحقاً. التقرير يستند إلى بيانات من أكثر من 115 ألف تطبيق عبر فئات مختلفة، تغطي أكثر من 16 مليار دولار من الإيرادات.

الشهر الأول حاسم

تكشف البيانات أن إلغاء الاشتراكات السنوية لا يحدث بطريقة عشوائية على مدار العام. فالشهر الأول وحده يمثل 35 في المائة من جميع عمليات إلغاء الاشتراك السنوي، مع اختلاف واضح بين الفئات. في تطبيقات التسوق، تحدث نحو نصف عمليات الإلغاء السنوية في الشهر الأول، بينما تصل النسبة في تطبيقات التعليم إلى نحو 30 في المائة.

هذه الأرقام تعني أن المستخدم لا ينتظر دائماً نهاية العام ليقرر ما إذا كان التطبيق يستحق الاستمرار. وفي كثير من الحالات، يتخذ القرار مبكراً جداً، ربما بعد تجربة أولية لا تقنعه بالقيمة، أو بعد أن يكتشف أن الاستخدام الفعلي أقل من توقعاته عند الدفع.

فبعد الشهر الأول، تتراجع عمليات الإلغاء إلى مستويات أقل تتراوح بين 3 و7 في المائة شهرياً في الفترة من الشهر الثالث إلى الحادي عشر. لكن التقرير يرصد ارتفاعاً جديداً في الشهر الثاني عشر، عندما يقترب موعد التجديد، حيث تصل عمليات الإلغاء إلى ما بين 9 و14 في المائة عبر مختلف الفئات.

الاشتراكات السنوية تمنح المطورين قيمة أعلى لكنها تزيد صعوبة استعادة المستخدم بعد الإلغاء (شاترستوك)

قرار يُتخذ خلال ساعات

لا تقتصر المشكلة على الاشتراكات السنوية المدفوعة. فالتقرير يرصد أيضاً أن المستخدمين باتوا يحسمون موقفهم من الفترات التجريبية بسرعة كبيرة. أكثر من نصف عمليات إلغاء التجارب التي تستمر ثلاثة أيام تحدث في اليوم الأول نفسه، وتحديداً 55.4 في المائة منها في اليوم صفر. أما في التجارب ذات الأيام السبعة، فنسبة الإلغاء تبلغ في اليوم الأول 39.8 في المائة، وتصل إلى 35.7 في المائة للتجارب التي تستمر 14 يوماً، و31.1 في المائة للتجارب ذات الثلاثين يوماً.

وتظهر الصورة أكثر وضوحاً عند النظر إلى اليومين الأولين، حيث إن 84 في المائة من إلغاءات التجارب التي تستمر ثلاثة أيام تحدث بين اليوم صفر واليوم الأول، وكذلك 64 في المائة من إلغاءات التجارب التي تستمر سبعة أيام. هذا يعني أن النافذة المتاحة أمام التطبيق لإثبات قيمته أصبحت قصيرة جداً.

العودة نادرة

أبرز ما يلفت إليه التقرير أن استعادة المستخدم بعد إلغاء الاشتراك السنوي تبدو صعبة للغاية. فمعدل إعادة تنشيط الاشتراكات السنوية لا يتجاوز 5 في المائة خلال عام واحد، ويتراوح بين 3 و8 في المائة بحسب فئة التطبيق. في المقابل، يعود مشتركو الخطط الشهرية بمعدل أعلى بكثير، إذ تصل إعادة تنشيطهم إلى 20 في المائة خلال عام، أي أربعة أضعاف تقريباً.

هذا الفارق يغير طريقة النظر إلى قيمة الخطط السنوية، والشهرية. فالاشتراك السنوي يمنح المطور دخلاً أكبر في البداية، لكنه قد يجعل قرار الإلغاء أكثر نهائية. أما الاشتراك الشهري، فرغم أنه يبدو أقل قيمة فورياً، فإنه يترك باب العودة مفتوحاً بدرجة أكبر، خصوصاً في التطبيقات التي يستخدمها الناس حسب الحاجة.

وتظهر هذه النقطة بوضوح في تطبيقات الإنتاجية، وهي فئة تقودها بشكل متزايد أدوات الذكاء الاصطناعي. فقد سجلت أعلى معدل لإعادة تنشيط الاشتراكات الشهرية عند 36.1 في المائة، ما يعكس سلوك مستخدمين قد يلغون الاشتراك عندما لا يحتاجون إلى الأداة، ثم يعودون إليها عند ظهور حاجة جديدة.

قيمة ومخاطر عالية

رغم صعوبة استعادة المستخدمين الذين يلغون، تبقى الاشتراكات السنوية الأكثر قوة من حيث الاحتفاظ بمن يصلون إلى مرحلة التجديد. فالتقرير يذكر أن الخطط السنوية تجدد بمعدل 83.4 في المائة إجمالاً، وهو أكثر من أربعة أضعاف معدل الخطط الأسبوعية البالغ 18.7 في المائة، ونحو ضعف معدل الخطط الشهرية البالغ 39.2 في المائة.

لكن هذه القوة تظهر بعد تجاوز المرحلة الأولى. فالمستخدمون الذين يجددون اشتراكهم السنوي للمرة الأولى يصبحون أكثر التزاماً لاحقاً. معدلات التجديد الأولى تقع في نطاق متوسط بين 23 و40 في المائة بحسب الفئة، ثم ترتفع في التجديد الثاني إلى 44 و64 في المائة، وفي التجديد الثالث إلى 56 و70 في المائة.

بمعنى آخر، الاشتراك السنوي يحمل معادلة مزدوجة: المستخدم الذي يبقى قد يتحول إلى مشترك عالي الولاء، لكن المستخدم الذي يلغي يصبح غالباً خارج دورة الإيرادات بشكل شبه دائم.

كثير من المستخدمين يحسمون قرارهم بشأن التجربة المجانية خلال الأيام الأولى (شاترستوك)

السعر لا يغير النتيجة

قد يفترض بعض المطورين أن المستخدمين الذين يدفعون مبالغ أكبر قد يكونون أكثر قابلية للعودة بسبب وضوح قيمة الخدمة، أو ارتفاع تكلفة البدائل. لكن التقرير لا يدعم هذا الافتراض، حتى في التطبيقات مرتفعة السعر، لا يتجاوز معدل إعادة تنشيط الاشتراك السنوي 4.4 في المائة. وفي فئة السعر نفسها، يصل معدل إعادة تنشيط الاشتراك الشهري إلى 28.9 في المائة.

وتشير «RevenueCat» إلى أن معدلات إعادة تنشيط الاشتراكات السنوية تبقى متقاربة عبر مستويات الأسعار بين 4.4 و5.6 في المائة، بينما تتراوح في الخطط الشهرية بين 12 و29 في المائة. لذلك تبدو المشكلة مرتبطة بطبيعة الخطة نفسها أكثر من ارتباطها بالسعر وحده.

تراجع في الاحتفاظ

يشير التقرير إلى انخفاض الاحتفاظ في السنة الأولى للاشتراكات السنوية من 31 في المائة إلى 28 في المائة على أساس سنوي. كما تراجع الاحتفاظ الشهري من 10 إلى 8 في المائة، والأسبوعي من 1.7 إلى 1.2 في المائة.

هذه الأرقام تأتي في سوق أكثر ازدحاماً. فبحسب التقرير، زادت عمليات إطلاق التطبيقات الشهرية سبعة أضعاف منذ عام 2022، ما يجعل فترة إثبات القيمة أقصر، والمنافسة على انتباه المستخدم أكثر حدة.

ما قبل الإلغاء

تلفت هذه النتائج أنه إذا كان المستخدم السنوي لا يعود غالباً بعد الإلغاء، فإن الرهان الحقيقي لا يكون على حملات الاستعادة بعد الخروج، بل على منع الإلغاء المبكر.

يبين التقرير أن التطبيقات التي تعتمد على الخطط السنوية تحتاج إلى التركيز على الاحتفاظ المبكر، خصوصاً في الشهر الأول، وإلى توفير طرق أكثر مرونة قبل أن يختار المستخدم الإلغاء الكامل. من بين هذه الخيارات إتاحة إيقاف الاشتراك مؤقتاً بدلاً من إلغائه، بما يحافظ على العلاقة مع المستخدم من دون إجباره لاحقاً على إعادة إدخال بيانات الدفع، أو بدء الاشتراك من جديد.


دراسة حديثة: قدرات الذكاء الاصطناعي لا تعني امتلاكه وعياً

الباحثون يحذرون من الخلط بين الوعي الحقيقي ومعالجة المعلومات أو القدرة على الاستجابة (أرشيفية)
الباحثون يحذرون من الخلط بين الوعي الحقيقي ومعالجة المعلومات أو القدرة على الاستجابة (أرشيفية)
TT

دراسة حديثة: قدرات الذكاء الاصطناعي لا تعني امتلاكه وعياً

الباحثون يحذرون من الخلط بين الوعي الحقيقي ومعالجة المعلومات أو القدرة على الاستجابة (أرشيفية)
الباحثون يحذرون من الخلط بين الوعي الحقيقي ومعالجة المعلومات أو القدرة على الاستجابة (أرشيفية)

مع تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي، عاد سؤال قديم إلى الواجهة: هل يمكن أن تمتلك الآلة وعياً؟ لم يعد النقاش محصوراً في الفلسفة أو الخيال العلمي، بل أصبح جزءاً من نقاش علمي وأخلاقي أوسع، يشمل أيضاً الحيوانات والأجنة والعضيات الدماغية المزروعة في المختبرات.

لكن دراسة تحليلية جديدة منشورة في دورية «نيورون» (Neuron) لا تحاول الإجابة مباشرة عن سؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي واعياً أم لا. بدلاً من ذلك، تطرح سؤالاً أكثر أساسية: هل تمتلك العلوم الحالية أدوات دقيقة بما يكفي لقياس الوعي نفسه؟ الدراسة أعدها فريق بقيادة هاكوان لاو، مدير مركز أبحاث تصوير الأعصاب في معهد العلوم الأساسية، بالتعاون مع باحثين من جامعة مونتريال وجامعة نيويورك.

مشكلة القياس

يرى الباحثون أن جزءاً كبيراً من أبحاث الوعي الحالية قد لا يميز بوضوح بين التجربة الذاتية وبين معالجة المعلومات. وهذا الفرق مهم لأن النظام، سواء كان دماغاً بشرياً أو نموذجاً حاسوبياً، قد يستطيع استقبال معلومات وتحليلها والاستجابة لها، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تجربة شعورية داخلية.

في تصريحات نقلها التقرير، قال لاو إن كثيراً من النظريات الحالية حول الوعي تبدو مدعومة بتجارب علمية، لكن تلك النتائج قد تعكس «معالجة عامة للمعلومات» أكثر مما تعكس الوعي نفسه. لذلك يبقى من الصعب الجزم بأن هذه النظريات تشرح الوعي فعلاً.

هذه النقطة تجعل النقاش حول وعي الذكاء الاصطناعي أكثر تعقيداً. فإذا لم تكن أدوات العلم قادرة بعد على عزل الوعي عن العمليات الإدراكية الأخرى في الدماغ، يصبح من الصعب استخدامها بثقة للحكم على كيانات غير بشرية، مثل أنظمة الذكاء الاصطناعي أو الكائنات الحية غير القادرة على التعبير اللفظي.

قدرات الذكاء الاصطناعي على الحديث والتحليل لا تكفي وحدها لإثبات وجود تجربة داخلية (شاترستوك)

تجارب لا تكفي

ينتقد الباحثون بعض النماذج التجريبية الشائعة في علم الأعصاب، مثل الإخفاء البصري، والتنافس بين العينين، واختبارات العتبة الإدراكية. هذه التجارب تُستخدم لدراسة متى يصبح الشيء مرئياً أو مدركاً بوعي، ومتى يبقى خارج الوعي المباشر.

لكن المشكلة، حسب الدراسة، أن هذه الاختبارات لا تغير الوعي وحده. فهي قد تؤثر أيضاً في قدرة الدماغ العامة على معالجة المعلومات، وبذلك قد يخلط الباحثون، من دون قصد، بين غياب التجربة الواعية وبين ضعف أو تغير في المعالجة الإدراكية نفسها.

بمعنى أبسط، قد يظن الباحث أن التجربة تقيس ما يشعر به الشخص فعلياً، بينما هي تقيس جزئياً قدرة الدماغ على استقبال الإشارة أو معالجتها أو الاستجابة لها. هذا الخلط يصبح أكثر حساسية عندما تُستخدم مؤشرات مشابهة لإطلاق أحكام حول وعي كائنات أو أنظمة لا تستطيع وصف تجربتها بنفسها.

الذكاء الاصطناعي والحيوانات والعضيات

تحذر الدراسة من أن هذه المشكلة المنهجية قد تؤدي إلى ادعاءات قوية أكثر مما تسمح به الأدلة. ففي السنوات الأخيرة، ازداد الحديث عن وعي الحيوانات، وإمكان وعي الذكاء الاصطناعي، وتجارب الأجنة، والعضيات الدماغية التي تُزرع في المختبرات لأغراض بحثية.

لا تقول الدراسة إن هذه الكيانات واعية أو غير واعية بل إن الأدلة المستخدمة في مثل هذه النقاشات قد تكون أضعف مما يبدو، إذا كانت المؤشرات تقيس معالجة المعلومات لا التجربة الذاتية. لذلك يدعو الباحثون إلى معايير علمية أكثر صرامة قبل استخدام نتائج أبحاث الوعي في قضايا أخلاقية أو تنظيمية.

هذه الدعوة لا تقلل أهمية النقاش بل تجعله أكثر جدية لأن السؤال عن الوعي في الحيوانات أو الذكاء الاصطناعي لا يبقى مسألة أكاديمية إذا كان سيؤثر في سياسات الرفق بالحيوان، أو أخلاقيات تطوير الذكاء الاصطناعي، أو البحوث الحيوية المتعلقة بالأجنة والأنسجة العصبية.

درس من التاريخ

يشير الباحثون إلى أن علم النفس مرّ بمشكلة مشابهة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. في تلك الفترة، أدت ادعاءات قوية وغير مؤسسة جيداً حول الوعي إلى رد فعل علمي واسع، أسهم لاحقاً في صعود المدرسة السلوكية، التي ابتعدت لعقود عن دراسة الخبرة الداخلية وركزت على السلوك القابل للملاحظة.

هذا المثال التاريخي مهم لأنه يوضح أن المبالغة في ادعاءات الوعي قد تضر المجال بدلاً من أن تخدمه. فإذا بدت الاستنتاجات العلمية أكبر من الأدلة المتاحة، فقد يؤدي ذلك إلى فقدان الثقة في دراسة الوعي، أو إلى تجنبها بوصفها موضوعاً غير قابل للقياس الدقيق.

لذلك لا يدعو الباحثون إلى إغلاق النقاش، بل إلى حمايته من الاستنتاجات المتسرعة. المطلوب، حسب تحليلهم، هو تطوير طرق تستطيع عزل التجربة الذاتية بدقة أكبر، بدلاً من الاكتفاء بمؤشرات عامة على الإدراك أو المعالجة.

النقاش يشمل الذكاء الاصطناعي والحيوانات والأجنة والعضيات الدماغية بسبب الأبعاد الأخلاقية (شاترستوك)

حالات تكشف الفاصل

تقترح الدراسة أن بعض الحالات العصبية قد تساعد العلماء على فهم الفاصل بين الوعي ومعالجة المعلومات. من هذه الحالات «الرؤية العمياء»، حيث يستطيع بعض المرضى الاستجابة لمؤثرات بصرية من دون أن يشعروا بأنهم رأوها بوعي. وهناك أيضاً حالات الإهمال النصفي، حيث يتجاهل المريض جانباً من المجال البصري أو المكاني رغم أن بعض المعالجة الحسية قد تكون موجودة.

هذه الحالات تكشف أن الإدراك والسلوك والوعي لا يتحركون دائماً معاً. فقد يعالج الدماغ معلومات معينة من دون أن تتحول إلى تجربة واعية واضحة. وهذا يفتح باباً لبناء تجارب أكثر دقة تستطيع التمييز بين أن يستجيب النظام للمعلومة وأن تكون لديه تجربة ذاتية بها.

بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي، هذه النقطة حاسمة لأن النظام قد يجيب عن الأسئلة، ويصف المشاعر، ويتحدث عن التجربة الذاتية، ويحلل معلومات معقدة. لكن هذه القدرات لا تكفي وحدها لإثبات وجود وعي، لأنها قد تكون نتيجة معالجة لغوية أو حسابية متقدمة.

أخلاق العلم

تزداد أهمية هذا النقاش لأن قرارات المجتمع قد تتأثر بما يقوله العلماء عن الوعي. فإذا قيل إن نظاماً ذكياً واعٍ، فقد يفتح ذلك أسئلة عن حقوقه أو طريقة التعامل معه. أما إذا قيل إن حيواناً أو عضية دماغية تمتلك شكلاً من التجربة، فقد تتغير حدود الأبحاث والتجارب المسموح بها.

قال لاو إن أسئلة الوعي تحمل بشكل كبير آثاراً أخلاقية ومجتمعية، مضيفاً أن الأسس العلمية التي تدعم هذه الادعاءات يجب أن تكون «صارمة»، خصوصاً إذا كانت ستؤثر في نقاشات مثل رعاية الحيوان، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

بهذا المعنى، لا تدور الدراسة حول الذكاء الاصطناعي وحده، هي تضع معياراً عاماً للنقاش: قبل أن نسأل إن كان كيان ما واعياً، يجب أن نعرف ما إذا كانت أدواتنا تقيس الوعي فعلاً، أم تقيس شيئاً قريباً منه لكنه ليس هو نفسه.

حدود الادعاء

لا تقدم الدراسة حكماً نهائياً على وعي الآلات أو الحيوانات أو الأجنة أو العضيات الدماغية. كما أنها لا تنفي إمكان البحث في هذه الأسئلة، بل تحذر من الاعتماد على مؤشرات قد تكون غير كافية، خصوصاً عندما تتحول النتائج العلمية إلى مواقف أخلاقية أو سياسات عامة.

ما تقوله الدراسة بدقة هو أن علم الوعي يحتاج إلى وضوح مفاهيمي ومنهجي أكبر. فالذكاء الاصطناعي قد يصبح أكثر قدرة على محاكاة اللغة والسلوك البشري، لكن قياس الوعي يتطلب أكثر من مراقبة الأداء الخارجي، ويحتاج إلى أدوات تستطيع التفريق بين معالجة المعلومات وبين وجود تجربة داخلية ذاتية.


«ماستركارد» لـ«الشرق الأوسط»: المرونة السيبرانية تعزز جاهزية القطاع المالي السعودي

المرونة السيبرانية تعزِّز جاهزية المؤسسات المالية السعودية أمام التهديدات الرقمية (رويترز)
المرونة السيبرانية تعزِّز جاهزية المؤسسات المالية السعودية أمام التهديدات الرقمية (رويترز)
TT

«ماستركارد» لـ«الشرق الأوسط»: المرونة السيبرانية تعزز جاهزية القطاع المالي السعودي

المرونة السيبرانية تعزِّز جاهزية المؤسسات المالية السعودية أمام التهديدات الرقمية (رويترز)
المرونة السيبرانية تعزِّز جاهزية المؤسسات المالية السعودية أمام التهديدات الرقمية (رويترز)

مع تسارع التحوُّل الرقمي في السعودية، لم يعد الأمن السيبراني مرتبطاً فقط بحماية الأنظمة من الاختراقات، بل أصبح جزءاً من قدرة المؤسسات على الاستمرار، واتخاذ القرار، والتعامل مع المخاطر قبل تحوُّلها إلى أزمات تشغيلية. هذا التحوُّل يبدو واضحاً في القطاع المالي، حيث تتداخل الخدمات الرقمية والمدفوعات والبيانات والأطراف الثالثة، ضمن منظومة تتطلَّب مراقبةً مستمرةً واستجابةً أسرع.

بعد عام على إطلاق «مركز المرونة السيبرانية»، التابع لـ«ماستركارد» في السعودية، يرى آدم جونز، نائب الرئيس التنفيذي ورئيس قسم غرب الجزيرة العربية في «ماستركارد»، أنَّ القطاع شهد تغيُّراً واضحاً في طريقة النظر إلى المخاطر الرقمية. ويقول: «القطاع الرقمي في السعودية يشهد نمواً متسارعاً»، وهو ما تَرافَقَ مع ارتفاع مستوى التهديدات السيبرانية، وزيادة اهتمام المؤسسات بعمليات الرصد والمراقبة، خصوصاً فيما يتعلق بالتعامل مع الشركاء التقنيِّين والجهات الخارجية.

هذا التغيُّر لا يرتبط فقط بزيادة عدد الهجمات، بل بطبيعة البيئة الرقمية نفسها. فالأنظمة أصبحت أكثر ترابطاً، والخدمات تعتمد على تبادل البيانات بين أطراف عدة، ما يجعل فهم التهديدات وتحليلها جزءاً أساسياً من حماية الأعمال.

آدم جونز نائب الرئيس التنفيذي ورئيس قسم غرب الجزيرة العربية في «ماستركارد»

بيانات التهديدات

في البيئة السيبرانية الجديدة، لا تكفي معرفة أنَّ هناك تهديداً محتملاً، فالأهم هو فهم مصدره وطريقته وأهدافه والقطاعات الأكثر عرضة له. لذلك تزداد أهمية بيانات التهديدات السيبرانية، التي تمنح المؤسسات قدرةً على الانتقال من رد الفعل إلى الاستعداد المسبق.

يوضح جونز أنَّ هذه البيانات تساعد المؤسسات على فهم أساليب الهجمات والجهات التي قد تقف خلفها، إلى جانب الأهداف المحتملة منها. ويقول إن هذا يمنح المؤسسات «قدرة أكبر على تقييم المخاطر والاستعداد لها مبكراً».

في هذا السياق، عزَّزت «ماستركارد» قدراتها بعد الاستحواذ على شركة «ريكوردد فيوتشر» في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وهي خطوة تهدف إلى تطوير حلول بيانات التهديدات السيبرانية، والتحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومنع الاحتيال، وإدارة الهوية، والمرونة التشغيلية.

تظهر أهمية هذه القدرات في أكثر من مستوى. فعلى المستوى التنفيذي، تساعد الإدارات العليا على استشراف المخاطر المستقبلية وفهم أثرها المحتمل على الأعمال. وتقنياً، تساعد فرق الأمن على رصد تسريب بيانات الدخول، والنشاطات المشبوهة على الإنترنت، ومخاطر الأطراف الثالثة، وتحديد أولويات الاستجابة.

استباق الهجمات

لا تقف قيمة بيانات التهديدات عند التحليل النظري. وفقاً لجونز، أظهرت بعض السيناريوهات المبنية على بيانات تهديدات حقيقية قدرة المؤسسات على رصد مؤشرات مبكرة، مثل إساءة استخدام الهويات الرقمية أو محاولات الدخول غير المعتادة عبر أنظمة مرتبطة بجهات خارجية.

في الحالات التي جرى التعامل معها بسرعة، أمكن احتواء الهجمات قبل وصولها إلى الأنظمة الحساسة. كما ساعدت بيانات التهديدات المقدمة عبر «ريكوردد فيوتشر» على الكشف المبكر عن حملات تصيد إلكتروني استهدفت مؤسسات مختلفة، من خلال رصد مواقع مزيفة ونشاطات مشبوهة قبل توسُّع نطاق الهجمات.

هذا النوع من الرصد يتيح إجراءات عملية، مثل إغلاق النطاقات المشبوهة، وتحذير العملاء، وتحديث أدوات المراقبة. وهنا تصبح البيانات السيبرانية أداةً تشغيليةً، لا مجرد تقرير يُقرَأ بعد وقوع الحادث.

كما تلعب تدريبات محاكاة الأزمات السيبرانية دوراً في اختبار قدرة المؤسسات على اتخاذ القرار تحت الضغط؛ فالهدف ليس فقط معرفة ما إذا كانت الأنظمة التقنية قادرة على كشف الخطر، بل معرفة ما إذا كانت الفرق المختلفة داخل المؤسسة قادرة على التحرُّك بسرعة وبطريقة منسقة.

بيانات التهديدات تساعد المؤسسات على الاستجابة قبل توسُّع الهجمات (رويترز)

فجوة القرار

تظهر إحدى أهم النقاط في حديث جونز عند التمييز بين الجانب التقني والجانب المؤسسي في إدارة الحوادث. فالتحديات الكبرى لا تكون دائماً في اكتشاف الهجوم، بل في اتخاذ القرار المناسب بعد اكتشافه.

يصرِّح جونز بأنَّ التحديات تظهر غالباً «في جانب اتخاذ القرار، والتنسيق بين الجهات المختلفة أكثر من الجوانب التقنية نفسها». ففي تدريبات محاكاة الأزمات داخل المملكة، برزت قدرة الفرق التقنية على رصد المؤشرات المبكرة، لكن التحدي الأوسع كان في سرعة تنسيق الجهات المعنية لاتخاذ قرارات تتعلق بالاحتواء، والتواصل، والإجراءات التنظيمية، وتأثير الحادث على الأعمال.

هذا يفسِّر لماذا أصبحت المرونة السيبرانية مفهوماً يتجاوز أدوات الحماية. فالمؤسسة قد تمتلك أنظمةً متقدمةً للرصد، لكنها تحتاج أيضاً إلى حوكمة واضحة، وصلاحيات محددة، ومسارات تصعيد معروفة، وتنسيق مبكر بين فرق الأمن السيبراني وتقنية المعلومات وإدارة المخاطر والشؤون القانونية والامتثال والإدارة التنفيذية.

سرعة الاحتواء

من أبرز التحسينات التي شهدها العام الماضي، بحسب جونز، تسريع الانتقال من مرحلة اكتشاف التهديد إلى اتخاذ القرار. ويصف هذه النقطة بأنها «حاسمة خلال الهجمات السيبرانية»؛ لأنَّ أي تأخير يمنح المهاجمين وقتاً إضافياً للتحرُّك داخل الأنظمة، والوصول إلى بيانات أو صلاحيات أوسع.

وقد لوحظ تحسُّن في سرعة التنسيق بين الفرق التقنية والإدارية، إلى جانب إشراك فرق الشؤون القانونية والامتثال في مراحل مبكرة عند الحاجة. هذا التطوُّر يسهم في تقليل فترة التعرُّض للمخاطر، وتحسين عمليات الاحتواء، ومنع تحوُّل الحوادث المحدودة إلى أزمات واسعة.

في القطاع المالي، يكتسب هذا الأمر أهميةً إضافيةً؛ بسبب حساسية البيانات، وتعدُّد الأطراف المتصلة بالمنظومة، وارتباط الخدمات الرقمية بثقة المستخدمين واستمرارية العمليات. لذلك لا يمكن التعامل مع الاستجابة للحوادث بوصفها مسؤولية فريق واحد، بل بوصفها اختباراً لقدرة المؤسسة كلها على العمل تحت الضغط.

الأطراف الثالثة

مع توسُّع الخدمات الرقمية، أصبحت مخاطر الأطراف الثالثة جزءاً رئيسياً من المشهد السيبراني. فالمؤسسات لا تعمل داخل حدودها التقنية فقط، بل تعتمد على مزوِّدين وشركاء وخدمات خارجية ومنصات متصلة. وكل نقطة اتصال يمكن أن تتحوَّل إلى مصدر خطر إذا لم تُراقب جيداً.

يركز «مركز المرونة السيبرانية»، التابع لـ«ماستركارد» على تقليص الفجوة بين معرفة التهديد واتخاذ الإجراء المناسب حياله. ولا يقتصر دوره، كما يوضِّح جونز، على إصدار التقارير، بل يشمل تحليلات مستقبلية للتهديدات، وبرامج توعية وتدريبات لمحاكاة الأزمات وتقييمات للمخاطر ومراقبة للأطراف الثالثة.

هذا التكامل بين التحليل والتدريب والتقييم يعكس طبيعة الأمن السيبراني الحديثة؛ فالمخاطر لا تُدار فقط داخل مركز العمليات الأمنية، بل عبر منظومة أوسع تشمل الإدارات التنفيذية والمخاطر والقانون والامتثال والفرق التشغيلية.

التعاون بين الجهات التنظيمية والمؤسسات يحسِّن المرونة السيبرانية العملية

تعاون منظم

يعد جونز أنَّ التعاون بين القطاعَين العام والخاص في السعودية متقدم نسبياً مقارنة بعدد من الأسواق الإقليمية، خصوصاً في القطاع المالي، حيث توجد أطر تنظيمية واضحة ومتطلبات محددة تتعلق بالمرونة السيبرانية.

لكن التحدي الحالي لا يرتبط فقط بوجود الأطر، بل بتحويلها إلى ممارسة عملية. ويشير إلى أهمية تسريع تبادل المعلومات المهمة، وتحويل بيانات التهديدات السيبرانية إلى إجراءات فعلية، وتحسين التنسيق بين الجهات التنظيمية والمؤسسات ومقدمي الخدمات والأطراف الثالثة.

فيما يتعلق بالإبلاغ عن الحوادث، يؤكد جونز أنَّ البنوك في السعودية تلتزم بالأطر والتعليمات التنظيمية المعتمدة، بما يشمل الإبلاغ الفوري عن بعض الحوادث الحساسة. كما أظهرت تدريبات المحاكاة وعياً واضحاً لدى المؤسسات بأهمية إشراك الفرق القانونية والامتثال عند الحاجة.

لكن التحدي الأكبر يبقى في سرعة تقييم المعلومات، والتحقُّق منها داخلياً، ورفعها إلى الجهات المعنية في الوقت المناسب. فالاستجابة لا تعتمد فقط على الإبلاغ، بل على دقة المعلومة، وسرعة تداولها بين الجهات ذات الصلة.

الهجمات... والذكاء الاصطناعي

يتغيَّر مشهد التهديدات مع دخول الذكاء الاصطناعي بصورة أوسع في الهجمات. ويفيد جونز بأنَّ استخدام الذكاء الاصطناعي من جانب المهاجمين يشهد تطوراً سريعاً، خصوصاً في التصيد الإلكتروني، والهندسة الاجتماعية، وإنتاج المحتوى المزيف.

وقد أصبحت الهجمات أكثر إقناعاً وانتشاراً مع الاعتماد على تقنيات مثل استنساخ الأصوات، والتزييف العميق، والاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي. كما تشير أبحاث «ريكوردد فيوتشر» إلى تصاعد استخدام برمجيات سرقة المعلومات، واختراق الهويات الرقمية، وظهور مؤشرات على استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض البرمجيات الخبيثة بعد تنفيذ الاختراقات.

هذا التحوُّل يضع المؤسسات أمام تحديين متوازيين، الأول أنَّ الهجمات أصبحت أسرع وأكثر تخصيصاً. والثاني أنَّ الدفاع نفسه يحتاج إلى استخدام أدوات أكثر تقدماً في التحليل والأتمتة وتسريع الاستجابة.

ويقول جونز إن المؤسسات الدفاعية تعتمد أيضاً على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين التحليلات والأتمتة، ما يجعل الاستعداد المبكر والتكيُّف المستمر جزءاً من إدارة المخاطر.

مرونة مستمرة

رغم تطوُّر قدرات الرصد والتحليل، فإنَّ جونز لا يقدِّم صورةً مبسطةً عن إمكانية منع جميع الهجمات. فالمهاجم يحتاج إلى استغلال ثغرة واحدة، بينما يتطلب الدفاع الناجح جاهزيةً مستمرةً على مستوى الأفراد والأنظمة والإجراءات.

وقد شهدت السنوات الأخيرة، وفقاً له، تطوراً واضحاً في فهم التهديدات السيبرانية، بفضل تحسُّن قدرات الرصد، وبيانات التهديدات، وارتفاع مستوى الوعي داخل المؤسسات. كما تحسَّنت القدرة على الحدِّ من تأثير الهجمات وتقليل أضرارها، وإن كانت الوقاية الكاملة من كل الهجمات غير واقعية.

لذلك، تواصل المؤسسات المالية في السعودية الاستثمار في قدرات الحماية والكشف والاستجابة والتعافي. وفي هذا الإطار، لا تبدو المرونة السيبرانية مجرد هدف تقني، بل اصبحت شرطاً لاستمرارية منظومة رقمية تتوسَّع بسرعة، وتزداد ترابطاً، وتواجه تهديدات أكثر تعقيداً.