الخميس - 27 شهر رمضان 1438 هـ - 22 يونيو 2017 مـ - رقم العدد14086
نسخة اليوم
نسخة اليوم 22-06-2017
loading..

مصر تودع المفكر السيد يسين

مصر تودع المفكر السيد يسين

الاثنين - 21 جمادى الآخرة 1438 هـ - 20 مارس 2017 مـ رقم العدد [13992]
نسخة للطباعة Send by email
القاهرة: داليا عاصم
غيّب الموت أمس عالم الاجتماع والمفكر المصري السيد يسين عن عمر يناهز الـ84 عاماً بعد صراع مع المرض. وشُيّع الجثمان من مسجد الحصري بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة)، قبل أن ينتقل إلى مثواه الأخير بمقابر الأسرة أيضاً بمدينة السادس من أكتوبر.
يعتبر «يسين» الأب الروحي للباحثين في مجال علم الاجتماع، ويقتدون به في مسيرتهم البحثية والأكاديمية؛ وذلك لما تركه من إسهامات وكتابات وبحوث استراتيجية ومقالات رصينة في شتى فروع هذا العلم. شغل العالم الراحل منصب مدير المركز العربي للبحوث والدراسات، وهو أحد أهم مؤسسي مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وكانت له إسهامات كبيرة في علم اجتماع العولمة، والاجتماع السياسي، والدراسات الثقافية والدراسات المستقبلية.
وقد نعاه رسمياً رئيس الوزراء المصري شريف إسماعيل، ووزير الثقافة المصري حلمي النمنم، وعدد كبير من علماء وأساتذة علم الاجتماع وكبار المثقفين والكتاب والأدباء من مختلف أنحاء العالم العربي، ودشن عدد من مريديه هاشتاغ بعنوان «وداعاً سيد الباحثين». وقال عالم الاجتماع المصري أحمد زايد: «فقدت مصر والعالم العربي اليوم قامة كبيرة من عالم الثقافة والعلوم الاجتماعية هو الأستاذ السيد يسين، رحمه الله، الذي كان نموذجاً للعطاء والتواضع والأستاذية النبيلة، وظل يعمل ويعطي حتى آخر لحظة في حياته، كما ظل يفكر ويبادر، وينقد ويحاور، ويعطي دون انتظار... وترك لنا رصيداً من الفكر لن ينضب أبداً».
ولد السيد يسين في 30 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1933 في محافظة الإسكندرية. بدأ حياته الأكاديمية بدراسة القانون وتخرج في كلية الحقوق جامعة الإسكندرية، لكنه سرعان ما اتجه لدراسة علم الاجتماع الأدبي، والسياسي، تاركاً 7 مؤلفات هي الأبرز في العلوم الاجتماعية.
واتجه فكرياً لعلم الفلسفة، فكان كتاب الفيلسوف وايتهيد الشهير «مغامرات فكرية» صاحب الأثر الأكبر في حياته، ومثّل بالنسبة له لحظة الاكتشاف الأولى. لكن هناك فترة امتدت ما بين عام 1946 إلى عام 1952، استهواه خلالها عالم الشعر، متأثراً بالشاعر «تي إس إليوت»، حتى إنه بدأ أولى تجاربه في كتابة الشعر والقصة القصيرة، وتطور الأمر إلى حد إقامة ما يشبه الصالون الثقافي بمنزله بالإسكندرية للمناقشة والاستماع، وسرعان ما انتقل إلى كتابة الخواطر والتأملات والمقالات الفلسفية ثم كانت النقلة الأخرى.
مثّل عام 1950 نقطة تحول بارزة في حياته، وكان لها أثر بالغ في تكوينه، فقد انضم إلى جماعة «الإخوان» بواسطة زميل له بالمدرسة، وكان نشيطاً وحيوياً وموضع انتباه من أعضاء الجماعة. وفي تلك الفترة تخرج في مدرسة الدعاة خطيباً إسلامياً معتمداً، وهذا الاتجاه حوّله بالكامل من صبي خجول إلى آخر يتسم بشخصية انبساطية لديه القدرة على مواجهة الجماهير في صلاة الجمعة من كل أسبوع، وأفاد من هذه المرحلة لاحقاً حين أصبح باحثاً يلقي بحوثه في المؤتمرات العلمية ومحاضراً في جامعة القاهرة والجامعة الأميركية بالقاهرة، فكانت فترة إلقاء الخطابة بمثابة تدريب مبكر له.
وذكر يسين في أحد حواراته السابقة أن حياته البحثية بدأت عبر إعلان في صحيفة «الأهرام» القومية، فكان الباب الأول الذي دخل منه إلى هذا العالم، وفي عام 1957م كان هناك إعلان للمعهد القومي للبحوث الجنائية بالمركز القومي للبحوث عن حاجته إلى باحثين مساعدين من خريجي الحقوق والآداب، وبعد اجتيازه الاختبارات كافة تم اختياره واثنين آخرين من أصل 300 متقدم، وأمضى بالمركز 18 عاماً، وتركه عام 1975 ليصبح مديراً لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بـ«الأهرام».
سافر يسين للدراسة في باريس لإعداد رسالة الدكتوراه في القانون، ذهب وذاكرته مشحونة بمغامرات توفيق الحكيم ومحمد مندور في فرنسا، وفقاً لروايته، فقد كان معجباً بالحكيم الذي سافر لدراسة القانون وانصرف إلى دراسة الأدب، ومندور الذي أمضى 9 سنوات ولم يكمل رسالة الدكتوراه في القانون، وإنما جذبه أيضاً عالم الفكر والأدب.
لم يختلف مشواره كثيراً عنهما، فقد درس القانون المدني الفرنسي عاماً ونصف العام، ثم ضاق ذرعاً بقواعد المواريث الفرنسية المعقدة، فتركه لكي يتعمق في دراسة علم الاجتماع. يقول عن ذلك: «هنا كانت محطة فشل جديدة، فقد تركت القانون إلى الاجتماع، واهتممت بعلم الاجتماع الأدبي الذي كان لا يزال ناشئاً وقتها عام 1964م، وكذلك علم الاجتماع السياسي. قلت لنفسي: لتذهب الدكتوراه إلى الجحيم، فليس من المعقول أن يضيّع باحث مثلي 3 سنوات من عمره يتعقب أحكام محكمة النقض، عدت بعد ذلك إلى القاهرة في عام 1967م وهو عام الفشل في مصر، فقد شهدت آنذاك النكسة والهزيمة والمرارة، وهنا اتجهت إلى دراسة المجتمع الإسرائيلي دراسة علمية، وانضممت إلى مركز الدراسات الفلسطينية والصهيونية بالأهرام عام 1968م».

حصل يسين على عدّة جوائز، منها: وسام الاستحقاق الأردني من الطبقة الأولى عام 1992، وسام العلوم والفنون والآداب عام 1995، وجائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية من المجلس الأعلى للثقافة عام 1996. وكانت من بين آخر الجوائز التي حصل عليها جائزة مؤسسة سلطان العويس الثقافية، في مجال الدراسات الإنسانية والمستقبلية، وجاء ذلك في حيثيات لجنة التحكيم بسبب «التزامه بالمنهج العلمي والتفكير النقدي، وحرصه على قراءة الواقع العربي واستشراف مستقبل الأمة العربية، استناداً إلى منظور نقدي ورؤية موسوعية تتداخل بها المتغيرات الداخلية بالتفاعلات الإقليمية والدولية، وله إسهام واسع في تأسيس جيل من الباحثين والمتخصصين لما قدمه من عطاء أكاديمي غير تقليدي، وهو مفكر كبير حرص على أن يظل ملتزماً نحو نصف قرن بتقدم مجتمعه، وأن يوازن بين تقدم مجتمع بلاده (مصر) والمجتمع العربي».