تغييرات {حماس}... تكتيكية أم استراتيجية؟

الحركة نحو عهد سياسي مختلف في محاولة للخروج من عنق الزجاجة

تغييرات {حماس}... تكتيكية أم استراتيجية؟
TT

تغييرات {حماس}... تكتيكية أم استراتيجية؟

تغييرات {حماس}... تكتيكية أم استراتيجية؟

تقترب حركة حماس الإسلامية الفلسطينية من إنهاء انتخابات طويلة نسبية يفترض أن تأتي في بداية أبريل (نيسان) المقبل بقيادة جديدة للحركة، إيذاناً ببداية مرحلة جديدة. والمرتقب أن تضع الحركة خلال هذه المرحلة أيضاً وثيقة سياسية جديدة وتحاول فتح آفاق جديدة مع الداخل الفلسطيني والمحيط العربي والإقليمي والعالم كذلك. وبعد 29 سنة على انطلاق الحركة التي بدأت صغيرة للغاية وباتت الآن تحكم قطاع غزة، تجد حماس نفسها أمام سلسلة أزمات فرضت عليها تغييرا شاملا، يبدأ في مواقع القيادة ولا ينتهي بوضع وثيقة جديدة قد تعد بديلا لميثاق الحركة القديم.
تريد حركة حماس الفلسطينية أن تبدأ عهدا سياسيا جديدا لتجاوز التحديات التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، التي بدأت تمس بالحركة منذ خروج قيادتها من العاصمة السورية دمشق عام 2011، وما تلاه من وقف إيران دعمها المادي للحركة، ثم الضربة القوية التي تلقتها بسقوط نظام الإخوان المسلمين في مصر، وما تلاه من ثمن كان على الحركة أن تدفعه.
ليس سراً أن حماس التي تسيطر على قطاع غزة منذ يونيو (حزيران) 2007، دخلت خلال السنوات القليلة الماضية في متاهات سياسية واقتصادية وميدانية حتى باتت في عنق زجاجة، فهي محاصرة دولياً وعربياً، ومفتقدة حلفاءها السابقين من دون مصالحة داخلية، ومتحملة عبء القطاع المحاصر المدمر المليء بالكوارث والأزمات والاحتياجات. كل هذه الحقائق دفعتها لإطلاق مراجعات عميقة على أعتاب تحولات سياسية مهمة.

وثيقة جديدة
لعل أحد أهم التغيرات المقبلة عليها حماس، إلى جانب تغيير رئيس مكتبها السياسي، إصدار وثيقة سياسية ستحمل أفكارا جديدة للحركة وستكون تعديلاً لميثاق الحركة الأساسي الذي كانت قد أصدرته إبان انطلاقتها عام 1987. ولقد انتهت حماس مؤخراً من مشاورات داخلية مكثفة أجرتها لعدة أشهر بحضور أبرز قياداتها في العاصمة القطرية الدوحة وكتبت الوثيقة بنسخة شبه نهائية.
وتقول مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الحركة «مقبلة على تغيير كبير في سياساتها العامة، وخاصة علاقاتها مع بعض الأطراف في المنطقة والإقليم، وعلى الانفتاح أكثر في العلاقة مع دول أوروبية بعد إعلان وثيقتها السياسية الجديدة التي سترسل منها نسخاً لجهات عربية ودولية؛ وذلك في محاولة منها لتوضيح مواقفها من القضية الفلسطينية في ظل المتغيرات الحاصلة خلال السنوات الأخيرة، والكلام عن وجود مبادرات لاستئناف عملية المفاوضات والسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين وكيفية تعاملها مع كل ذلك».
وبحسب المصادر، فإن حماس ستبدي موافقة على إنشاء دولة فلسطينية بحدود 1967 من دون الاعتراف بإسرائيل ولكن مع تأكيد حق عودة اللاجئين. وهذا تغيّر وتحوّل جذري في موقف الحركة التي كانت ترفض مثل هذا الاقتراح وتؤكد تمسكها بإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على كل الأراضي المحتلة من الناقورة (بجنوب لبنان) وحتى رفح (على حدود مصر)، كما ينص على ذلك ميثاقها السياسي.
أيضاً، تقول المصادر إن الوثيقة ستشمل عدة قضايا مرتبطة بعلاقات حماس مع دول المنطقة والإقليم، و«موقفها الثابت في رفض الزجّ بها في المتغيرات بالمنطقة، والتأكيد أنها ليست جزءًا من معركة أي تحالفات». وكان خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحماس، قد أعلن في منتصف فبراير (شباط) من الشهر الماضي، أن حركته تعكف على إعلان وثيقة تحمل فكر حماس وموروثها السياسي، وفق وصفه.
القيادي في الحركة إسماعيل رضوان كان قد نفى خلال تصريحات سابقة أن تكون هذه «الوثيقة» بديلاً عن ميثاق الحركة، مشيرا في الوقت ذاته إلى أنها «ستحمل الفكر السياسي للحركة بما يتماشي مع متطلبات الوضع الجديد في المنطقة». وأكد رضوان أن حماس «لن تتخلى في أي وثيقة عن ثوابتها الوطنية المتمثلة في أن فلسطين كل فلسطين هي للشعب الفلسطيني، إضافة إلى رفض اعترافها بإسرائيل، وبقاء القدس عاصمة للشعب الفلسطيني».
في هذه الأثناء، يرى المحلل السياسي الفلسطيني طلال عوكل «أن ما ستعلن حماس عنه في وثيقتها المنتظرة مهم جداً، خاصة، في ظل تحول نظرتها السياسية بالقبول بدولة فلسطينية على حدود 1967 من دون الاعتراف بإسرائيل. وهذا نهج يناقض نهج منظمة التحرير التي اعترفت بإسرائيل كيانا موجودا، ورغم ذلك لم تصل إلى نتائج واضحة بعد عشرات السنوات من المفاوضات». ويلفت عوكل إلى أن موقف حماس من الدولة الفلسطينية «لم يكن جديداً ولكنه سيصبح رسمياً، كموقف بعض الفصائل، من خلال وثيقة رسمية على عكس ما كان يدلي به بعض قيادات الحركة ومنهم الشيخ أحمد ياسين قبيل اغتياله بقبول حماس في إقامة دولة على حدود 67 دون الاعتراف بإسرائيل؛ وهو ما يزيل أي شك أو ضبابية حول موقف الحركة إزاء هذه القضية في ظل محاولات بعض الأطراف الدولية التشكيك في هذا الموقف الذي ينتظر أن يصبح ضمن موقف ووثيقة واضحة لحماس، التي ستتقرب بذا أكثر من البرنامج الوطني العام الذي تجمع عليه الأغلبية».
ويوضح عوكل في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «حماس ستخرج بهذه الوثيقة على المجتمع الإقليمي والدولي ببرنامج جديد جوهره القوة والسياسة بعد فشل المفاوضات في تحقيق شيء. وسيكون ذلك مقبولاً من قبل مصر والمجموعة العربية. وعلى الرغم من تخوف بعض تلك الدول من أن حماس ما زالت تعتبر جزءًا من جماعة الإخوان المسلمين، فإن مثل هذا البرنامج سيقربها أكثر من الدول العربية».

مصر أحد الأهداف المهمة
ولقد اجتهدت حماس في الآونة الأخيرة لتحسين علاقاتها مع النظام المصري، الذي طالما اتهمته الحركة بتشديد الخناق على قطاع غزة بوصفه جزءا من الحصار الذي تفرضه إسرائيل؛ إذ إن حراكاً سياسياً شهدته القاهرة مؤخراً كشف عن تطور في العلاقات بين الجانبين، وإن كان بشكل محدود، وفي مقام أمني أكثر منه سياسي. وراهناً، تسعى حماس بكل قوة لعلاقات كاملة مع مصر، التي كانت الحركة قد عادت نظامها الجديد كرما لعيون النظام السابق الإخواني، وبات عليها الآن التنصل من الإخوان إرضاء للحكم المصري الجديد، إضافة إلى «دفع الثمن».
وحسب المعلومات، توصل وفد أمني من حماس، ترأسه نائب قائد كتائب القسام في قطاع غزة مروان عيسى - الذي تمكن من الظفر مجددا بعضوية المكتب السياسي ممثلا عن الجناح العسكري للحركة - إلى تفاهمات أمنية طويلة مع الجانب المصري. وتشكل هذه التفاهمات محاربة الراديكاليين الذين يناصرون «داعش»، وضبط الحدود لمنع تسلل أي مسلحين، وغيرها من التفاهمات الآتية في إطار تطلع مصر للانفتاح مجددا على حماس والفصائل في قطاع غزة، وخاصة بعد تدهور العلاقات مع السلطة الفلسطينية. وكان موسى أبو مرزوق، القيادي البارز في حماس، قد ذكر في تصريحات متلفزة من القاهرة في أعقاب زيارته الأخيرة لمصر منذ نحو شهرين أن العلاقات الثنائية «باتت على ما يرام وأفضل من السابق». معتبرا أن هذه العلاقة «ضرورة وطنية» وأن حركته حريصة على أمن مصر.
وعلى هذا يعلق عوكل قائلا إن «حماس بكل مؤسساتها وتوجهاتها - بما فيها المستوى العسكري - معنية بتطوير العلاقة مع مصر». ويشير إلى أن وجود إسماعيل هنية في قيادة حماس - كما هو مرجح بشكل كبير - سيكون له نتائج واضحة في حدوث تغيرات بطيئة في العلاقات مع الدول العربية، وبخاصة، أنه من الشخصيات المعروف عنها بأنها «معتدلة» وحريصة على مثل هذه العلاقات.
ويتفق الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطاالله مع زميله عوكل، فيقول: إن هنية سيساهم بشكل أكبر في إحداث تقارب جديد مع مصر «باعتبار أن الرجل أكثر مرونة من غيره في التعاطي مع ملف العلاقات مع الأطراف المختلفة». ويشير عطاالله في حوار مع «الشرق الأوسط» إلى أن مصر «تفضل أن يكون رئيس المكتب السياسي لحماس من غزة»، مبينا أن وجود مثل هذه الشخصية «سيساهم في فتح آفاق جديدة للحركة بعلاقاتها مع أطراف المنطقة، لا سيما، وأن كثيرين يفضلون الشخصية المعتدلة القادرة على فهم متطلبات المرحلة الجديدة على مستوى الإقليم». هذا، وترجح مصادر من حركة حماس أن يتوّج إسماعيل هنية بزعامة المكتب السياسي للحركة قريباً، بدعم من قيادات في الداخل والخارج، حتى من المستوى العسكري الذي سيطر على الانتخابات في قطاع غزة وحقق ممثلوه وجودا كبيرا في مقدمتهم الأسير المحرر يحيى السنوار المثير للجدل في شخصيته العميقة. وكان السنوار قد أمضى عشرات السنوات في السجون الإسرائيلية قبل أن يحرّر في «صفقة شاليط» عام 2011، ويغدو من ثم أحد رموز حماس المشاركين بقوة في القرارات الحاسمة داخل الحركة. وترى المصادر أن هنية بات صاحب الحظ الأوفر لخلافة مشعل في قيادة الحركة. وتعتبر أن الرجل يعد لمغادرة قطاع غزة مجدداً باتجاه العاصمة القطرية الدوحة، التي قد يستقر فيها في حال تم انتخابه رئيساً للمكتب السياسي لحماس.

العلاقة مع إيران في ظل العسكر
لكن ليس مصر وحدها على طاولة حماس. إذ يذهب بعض المراقبين إلى الحديث عن أن الحركة ستحاول من خلال مكتبها السياسي الجديد تجديد علاقاتها مع إيران، وبخاصة، بعد مشاركة وفد قيادي منها برئاسة محمد نصر، عضو المكتب السياسي الحالي لحماس، في مؤتمر استضافته العاصمة الإيرانية طهران منذ أسابيع لدعم «انتفاضة القدس». ويرى مراقبون أن وجود يحيى السنوار في قيادة المكتب السياسي على مستوى قطاع غزة سيكون له تأثير في تحسين العلاقات مع طهران. وحسب هؤلاء فإن «الحضور الكبير للجناح العسكري قد يدفع تجاه مثل هذه العلاقة بعد قطيعة طويلة لسنوات، وفي ظل حاجة كتائب القسام للدعم المادي الذي كانت إيران تشكل الجهة الأكثر قدرة على توفيره بكثرة للجناح العسكري».
ولكن هنا يتحفظ قادة حماس عند الحديث عن أي تطورات في هذه القضية، باستثناء القيادي محمود الزهار، الذي قال منذ أسابيع عبر فضائية الأقصى إن إيران تعتبر «داعماً مهماً» للمقاومة الفلسطينية، وقدمت لها كثيرا خلال سنوات طويلة. وتابع الزهار أن «لا خلاف بين حماس وطهران بل إن العلاقة بينهما جيدة». ومعلومٌ أن الزهار يمثل تيارا متشددا في حماس ويعد مقرّباً من «كتائب القسام» التي باتت تسيطر على حماس في القطاع.
وهنا يقول عطاالله، إن مثل هذا التغيير في قيادة حماس «سيدفع باتجاه تحسين العلاقة بين الحركة وطهران». ويلفت إلى أن «إيران غاضبة جداً من خالد مشعل، وكانت تضع تغييبه عن قيادة الحركة شرطاً لتحسين العلاقات» مع الحركة، وفق قوله. ويوضح عطاالله أن «الجناح العسكري لحماس كان دائما له حضوره وتمثيله في المكتب السياسي، وخصوصاً، لامتلاكه كثير من المقومات لذلك، من حصد للإنجازات والقوة والرجال والسلاح والمال».
أما طلال عوكل فيرى أن تأثير يحيى السنوار «باقٍ سواءً كان على رأس المكتب السياسي في غزة أو لم يكن»، مذكّراً بحضور شخصية الرجل سابقا حتى قبيل تحريره من الأسر. ويضيف: «إنه يعكس وزن القسام وبرنامج المقاومة في حركة حماس وفي سياسات الحركة». ويضيف أن «حماس بقيادتها الجديدة وقراءتها للمتغيرات في المنطقة ستعمل على تطوير علاقاتها مع إيران و(حزب الله)، وستكون هذه القضية أولوية بالنسبة لها حتى قبل أن توجد صياغة لترتيب علاقاتها مع مصر».

مع السلطة ومع إسرائيل
في المقابل، منذ سيطرت حماس على غزة عام 2007 فشلت كل محاولات المصالحة مع السلطة، واصطدمت مع إسرائيل في 4 حروب. فماذا يمكن أن يتغير مع صعود العسكر إلى سدة الحكم؟
عوكل لا يرى أن سيطرة الجناح العسكري على الانتخابات ستزيد من تعقيدات المشهد بشأن التقدم في المصالحة الفلسطينية. ويتابع عوكل شارحاً: «السلطة ملتزمة باتفاقات أوسلو، والمقاومة متمسكة ببرنامجها وبسلاحها وبأنفاقها وإمكاناتها. وهو ما يتعارض مع التزامات السلطة. هذه هي العقبة الأساسية باتجاه تحقيق المصالحة رغم أن العملية السلمية مع إسرائيل متجهة بالفلسطينيين إلى أبواب مغلقة، والسلطة لن تكون مستقبلا قادرة على الاستمرار في حمل التزامات أوسلو كما تحملها اليوم». ومن ثم، يعرب عن اعتقاده أن حالة الصراع مع إسرائيل «ستبقى كما هي، مع الحفاظ على الهدوء قدر المستطاع لتثبيت أركان المقاومة وقوتها في مواجهة أي معركة جديدة قد تفرضها إسرائيل على قطاع غزة كما فعلت في السنوات الماضية».
وفي هذا السياق، يقول القيادي في حماس، صلاح البردويل، إن «الحركة تبحث إيجاد صيغة إدارية تتلاءم مع الواقع في قطاع غزة لتكون المرجعية القانونية لعمل وكلاء الوزراء في القطاع، بغرض تحسين وضبط إدارة الواقع الحكومي في غزة». ويضيف: «إن هذه الخطوة تأتي في ظل استمرار تنكر حكومة الوفاق الفلسطينية لمسؤولياتها في قطاع غزة وتهميش وزاراته». ويردف أن القضية ما زالت قيد البحث والدراسة.
من جهتها، تتهم فتح البردويل بالترويج للانقسام والمساعدة عليه. وهنا يقول عطاالله إن «ما تبحثه حماس ليس بجديد ولم يتعلق بأي تغيير داخل مؤسسات الحركة». ويضيف: «إن المصالحة مجمدة منذ فترة طويلة وقبل حدوث الانتخابات الداخلية الأخيرة وبروز الجناح العسكري فيها»، مشيرا إلى أن للحركة «مفاهيمها وثوابتها التي لن تتغير بانتخاب أي قيادة جديدة في علاقاتها مع السلطة أو حتى مع الفصائل المختلفة والعلاقات الوطنية معها».
وبشأن الصراع مع إسرائيل، الذي يرجح بعض المراقبين أن يغدو أكثر عنفاً، يميل عطاالله للاعتقاد أنه «لن يحدث أي تغيير، وستعمل حماس على مواصلة المسير في هذه المعادلة التي تتحكم بها ظروف الميدان من فترة إلى أخرى». ويستطرد: «الحركة تحاول باستمرار ضبط هذه المعادلة وفق استراتيجيات تتعلق بترتيبها العسكرية وتجهيزاتها لصد أي عدوان إسرائيلي جديد، في ظل التلميحات الصادرة باستمرار عن القيادات الإسرائيلية بإمكانية شن حرب جديدة على غزة منعا لإطلاق الصواريخ التي تجدد إطلاقها مؤخراً». وللعلم، تخوفت إسرائيل علناً من أن يكون لبروز التيار العسكري في حماس على قائمة الانتخابات في غزة تبعات كبيرة، ويحفز الجناح العسكري للحركة بالدخول في مواجهة عسكرية قريبة. إلا أن قيادات من الحركة - من بينهم إسماعيل هنية - أكدوا في عدة تصريحات أن يحيى السنوار «جزء من مؤسسة شورية»، في إشارة إلى أنه لا يتفرد بقراري الحرب والسلم.

قرار مؤسسة لا فرد
ولكن مع ارتفاع منسوب القلق من فوز السنوار بقيادة الحركة، اضطرت حماس لخفض مستوى التوقعات بتغييرات كبيرة يمكن أن يفعلها القيادي الجديد. ولأول مرة في مؤشر على مأزق ما تخشاه الحركة بعد فوز السنوار، خرج البردويل إلى الإعلام قائلا إن «السنوار رجل مصالحات، وعربي ويحب مصر، وإنه أيضا صاحب فكاهة»، قبل أن يضيف أن قرار الحركة «شوري ولا يأخذه شخص واحد فقط». وهنا يجمع المحللان السياسيان على أن حماس تتخذ بالفعل قراراتها في نطاق المؤسسة الواحدة ولا تعتمد على صعود أي قيادات لتغيير سياساتها الاستراتيجية. ويؤكد عوكل أن «المكتب السياسي هو الذي سيقرر السياسة العامة للحركة»، مشيراً إلى أن هذا المكتب يضم قيادات من غزة والضفة والسجون والخارج. ويضيف: «رغم ذلك، فإن الحركات السياسية ليست حرة دائما في اختيار ما يمكن أن تمارسه من سياسات، خاصة، في ظل المتغيرات والضغوط التي قد تتعرض لها».
ويوافق عطاالله قائلا إن «تغيير القيادات والأفراد لا يحدث تغييرا في نهج حركة حماس، وهي تتحرك وفق قرار مؤسساتي من مجلس شورى ومكتب سياسي وليس وفقا لتغيير القيادة». لافتا إلى أن الحركة قد تلجأ إلى تغيير يتعلق بالوضع الجديد في المنطقة، لكن من الصعب أن تغير في استراتيجياتها الكبرى.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.