تغييرات {حماس}... تكتيكية أم استراتيجية؟

الحركة نحو عهد سياسي مختلف في محاولة للخروج من عنق الزجاجة

تغييرات {حماس}... تكتيكية أم استراتيجية؟
TT

تغييرات {حماس}... تكتيكية أم استراتيجية؟

تغييرات {حماس}... تكتيكية أم استراتيجية؟

تقترب حركة حماس الإسلامية الفلسطينية من إنهاء انتخابات طويلة نسبية يفترض أن تأتي في بداية أبريل (نيسان) المقبل بقيادة جديدة للحركة، إيذاناً ببداية مرحلة جديدة. والمرتقب أن تضع الحركة خلال هذه المرحلة أيضاً وثيقة سياسية جديدة وتحاول فتح آفاق جديدة مع الداخل الفلسطيني والمحيط العربي والإقليمي والعالم كذلك. وبعد 29 سنة على انطلاق الحركة التي بدأت صغيرة للغاية وباتت الآن تحكم قطاع غزة، تجد حماس نفسها أمام سلسلة أزمات فرضت عليها تغييرا شاملا، يبدأ في مواقع القيادة ولا ينتهي بوضع وثيقة جديدة قد تعد بديلا لميثاق الحركة القديم.
تريد حركة حماس الفلسطينية أن تبدأ عهدا سياسيا جديدا لتجاوز التحديات التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، التي بدأت تمس بالحركة منذ خروج قيادتها من العاصمة السورية دمشق عام 2011، وما تلاه من وقف إيران دعمها المادي للحركة، ثم الضربة القوية التي تلقتها بسقوط نظام الإخوان المسلمين في مصر، وما تلاه من ثمن كان على الحركة أن تدفعه.
ليس سراً أن حماس التي تسيطر على قطاع غزة منذ يونيو (حزيران) 2007، دخلت خلال السنوات القليلة الماضية في متاهات سياسية واقتصادية وميدانية حتى باتت في عنق زجاجة، فهي محاصرة دولياً وعربياً، ومفتقدة حلفاءها السابقين من دون مصالحة داخلية، ومتحملة عبء القطاع المحاصر المدمر المليء بالكوارث والأزمات والاحتياجات. كل هذه الحقائق دفعتها لإطلاق مراجعات عميقة على أعتاب تحولات سياسية مهمة.

وثيقة جديدة
لعل أحد أهم التغيرات المقبلة عليها حماس، إلى جانب تغيير رئيس مكتبها السياسي، إصدار وثيقة سياسية ستحمل أفكارا جديدة للحركة وستكون تعديلاً لميثاق الحركة الأساسي الذي كانت قد أصدرته إبان انطلاقتها عام 1987. ولقد انتهت حماس مؤخراً من مشاورات داخلية مكثفة أجرتها لعدة أشهر بحضور أبرز قياداتها في العاصمة القطرية الدوحة وكتبت الوثيقة بنسخة شبه نهائية.
وتقول مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الحركة «مقبلة على تغيير كبير في سياساتها العامة، وخاصة علاقاتها مع بعض الأطراف في المنطقة والإقليم، وعلى الانفتاح أكثر في العلاقة مع دول أوروبية بعد إعلان وثيقتها السياسية الجديدة التي سترسل منها نسخاً لجهات عربية ودولية؛ وذلك في محاولة منها لتوضيح مواقفها من القضية الفلسطينية في ظل المتغيرات الحاصلة خلال السنوات الأخيرة، والكلام عن وجود مبادرات لاستئناف عملية المفاوضات والسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين وكيفية تعاملها مع كل ذلك».
وبحسب المصادر، فإن حماس ستبدي موافقة على إنشاء دولة فلسطينية بحدود 1967 من دون الاعتراف بإسرائيل ولكن مع تأكيد حق عودة اللاجئين. وهذا تغيّر وتحوّل جذري في موقف الحركة التي كانت ترفض مثل هذا الاقتراح وتؤكد تمسكها بإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على كل الأراضي المحتلة من الناقورة (بجنوب لبنان) وحتى رفح (على حدود مصر)، كما ينص على ذلك ميثاقها السياسي.
أيضاً، تقول المصادر إن الوثيقة ستشمل عدة قضايا مرتبطة بعلاقات حماس مع دول المنطقة والإقليم، و«موقفها الثابت في رفض الزجّ بها في المتغيرات بالمنطقة، والتأكيد أنها ليست جزءًا من معركة أي تحالفات». وكان خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحماس، قد أعلن في منتصف فبراير (شباط) من الشهر الماضي، أن حركته تعكف على إعلان وثيقة تحمل فكر حماس وموروثها السياسي، وفق وصفه.
القيادي في الحركة إسماعيل رضوان كان قد نفى خلال تصريحات سابقة أن تكون هذه «الوثيقة» بديلاً عن ميثاق الحركة، مشيرا في الوقت ذاته إلى أنها «ستحمل الفكر السياسي للحركة بما يتماشي مع متطلبات الوضع الجديد في المنطقة». وأكد رضوان أن حماس «لن تتخلى في أي وثيقة عن ثوابتها الوطنية المتمثلة في أن فلسطين كل فلسطين هي للشعب الفلسطيني، إضافة إلى رفض اعترافها بإسرائيل، وبقاء القدس عاصمة للشعب الفلسطيني».
في هذه الأثناء، يرى المحلل السياسي الفلسطيني طلال عوكل «أن ما ستعلن حماس عنه في وثيقتها المنتظرة مهم جداً، خاصة، في ظل تحول نظرتها السياسية بالقبول بدولة فلسطينية على حدود 1967 من دون الاعتراف بإسرائيل. وهذا نهج يناقض نهج منظمة التحرير التي اعترفت بإسرائيل كيانا موجودا، ورغم ذلك لم تصل إلى نتائج واضحة بعد عشرات السنوات من المفاوضات». ويلفت عوكل إلى أن موقف حماس من الدولة الفلسطينية «لم يكن جديداً ولكنه سيصبح رسمياً، كموقف بعض الفصائل، من خلال وثيقة رسمية على عكس ما كان يدلي به بعض قيادات الحركة ومنهم الشيخ أحمد ياسين قبيل اغتياله بقبول حماس في إقامة دولة على حدود 67 دون الاعتراف بإسرائيل؛ وهو ما يزيل أي شك أو ضبابية حول موقف الحركة إزاء هذه القضية في ظل محاولات بعض الأطراف الدولية التشكيك في هذا الموقف الذي ينتظر أن يصبح ضمن موقف ووثيقة واضحة لحماس، التي ستتقرب بذا أكثر من البرنامج الوطني العام الذي تجمع عليه الأغلبية».
ويوضح عوكل في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «حماس ستخرج بهذه الوثيقة على المجتمع الإقليمي والدولي ببرنامج جديد جوهره القوة والسياسة بعد فشل المفاوضات في تحقيق شيء. وسيكون ذلك مقبولاً من قبل مصر والمجموعة العربية. وعلى الرغم من تخوف بعض تلك الدول من أن حماس ما زالت تعتبر جزءًا من جماعة الإخوان المسلمين، فإن مثل هذا البرنامج سيقربها أكثر من الدول العربية».

مصر أحد الأهداف المهمة
ولقد اجتهدت حماس في الآونة الأخيرة لتحسين علاقاتها مع النظام المصري، الذي طالما اتهمته الحركة بتشديد الخناق على قطاع غزة بوصفه جزءا من الحصار الذي تفرضه إسرائيل؛ إذ إن حراكاً سياسياً شهدته القاهرة مؤخراً كشف عن تطور في العلاقات بين الجانبين، وإن كان بشكل محدود، وفي مقام أمني أكثر منه سياسي. وراهناً، تسعى حماس بكل قوة لعلاقات كاملة مع مصر، التي كانت الحركة قد عادت نظامها الجديد كرما لعيون النظام السابق الإخواني، وبات عليها الآن التنصل من الإخوان إرضاء للحكم المصري الجديد، إضافة إلى «دفع الثمن».
وحسب المعلومات، توصل وفد أمني من حماس، ترأسه نائب قائد كتائب القسام في قطاع غزة مروان عيسى - الذي تمكن من الظفر مجددا بعضوية المكتب السياسي ممثلا عن الجناح العسكري للحركة - إلى تفاهمات أمنية طويلة مع الجانب المصري. وتشكل هذه التفاهمات محاربة الراديكاليين الذين يناصرون «داعش»، وضبط الحدود لمنع تسلل أي مسلحين، وغيرها من التفاهمات الآتية في إطار تطلع مصر للانفتاح مجددا على حماس والفصائل في قطاع غزة، وخاصة بعد تدهور العلاقات مع السلطة الفلسطينية. وكان موسى أبو مرزوق، القيادي البارز في حماس، قد ذكر في تصريحات متلفزة من القاهرة في أعقاب زيارته الأخيرة لمصر منذ نحو شهرين أن العلاقات الثنائية «باتت على ما يرام وأفضل من السابق». معتبرا أن هذه العلاقة «ضرورة وطنية» وأن حركته حريصة على أمن مصر.
وعلى هذا يعلق عوكل قائلا إن «حماس بكل مؤسساتها وتوجهاتها - بما فيها المستوى العسكري - معنية بتطوير العلاقة مع مصر». ويشير إلى أن وجود إسماعيل هنية في قيادة حماس - كما هو مرجح بشكل كبير - سيكون له نتائج واضحة في حدوث تغيرات بطيئة في العلاقات مع الدول العربية، وبخاصة، أنه من الشخصيات المعروف عنها بأنها «معتدلة» وحريصة على مثل هذه العلاقات.
ويتفق الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطاالله مع زميله عوكل، فيقول: إن هنية سيساهم بشكل أكبر في إحداث تقارب جديد مع مصر «باعتبار أن الرجل أكثر مرونة من غيره في التعاطي مع ملف العلاقات مع الأطراف المختلفة». ويشير عطاالله في حوار مع «الشرق الأوسط» إلى أن مصر «تفضل أن يكون رئيس المكتب السياسي لحماس من غزة»، مبينا أن وجود مثل هذه الشخصية «سيساهم في فتح آفاق جديدة للحركة بعلاقاتها مع أطراف المنطقة، لا سيما، وأن كثيرين يفضلون الشخصية المعتدلة القادرة على فهم متطلبات المرحلة الجديدة على مستوى الإقليم». هذا، وترجح مصادر من حركة حماس أن يتوّج إسماعيل هنية بزعامة المكتب السياسي للحركة قريباً، بدعم من قيادات في الداخل والخارج، حتى من المستوى العسكري الذي سيطر على الانتخابات في قطاع غزة وحقق ممثلوه وجودا كبيرا في مقدمتهم الأسير المحرر يحيى السنوار المثير للجدل في شخصيته العميقة. وكان السنوار قد أمضى عشرات السنوات في السجون الإسرائيلية قبل أن يحرّر في «صفقة شاليط» عام 2011، ويغدو من ثم أحد رموز حماس المشاركين بقوة في القرارات الحاسمة داخل الحركة. وترى المصادر أن هنية بات صاحب الحظ الأوفر لخلافة مشعل في قيادة الحركة. وتعتبر أن الرجل يعد لمغادرة قطاع غزة مجدداً باتجاه العاصمة القطرية الدوحة، التي قد يستقر فيها في حال تم انتخابه رئيساً للمكتب السياسي لحماس.

العلاقة مع إيران في ظل العسكر
لكن ليس مصر وحدها على طاولة حماس. إذ يذهب بعض المراقبين إلى الحديث عن أن الحركة ستحاول من خلال مكتبها السياسي الجديد تجديد علاقاتها مع إيران، وبخاصة، بعد مشاركة وفد قيادي منها برئاسة محمد نصر، عضو المكتب السياسي الحالي لحماس، في مؤتمر استضافته العاصمة الإيرانية طهران منذ أسابيع لدعم «انتفاضة القدس». ويرى مراقبون أن وجود يحيى السنوار في قيادة المكتب السياسي على مستوى قطاع غزة سيكون له تأثير في تحسين العلاقات مع طهران. وحسب هؤلاء فإن «الحضور الكبير للجناح العسكري قد يدفع تجاه مثل هذه العلاقة بعد قطيعة طويلة لسنوات، وفي ظل حاجة كتائب القسام للدعم المادي الذي كانت إيران تشكل الجهة الأكثر قدرة على توفيره بكثرة للجناح العسكري».
ولكن هنا يتحفظ قادة حماس عند الحديث عن أي تطورات في هذه القضية، باستثناء القيادي محمود الزهار، الذي قال منذ أسابيع عبر فضائية الأقصى إن إيران تعتبر «داعماً مهماً» للمقاومة الفلسطينية، وقدمت لها كثيرا خلال سنوات طويلة. وتابع الزهار أن «لا خلاف بين حماس وطهران بل إن العلاقة بينهما جيدة». ومعلومٌ أن الزهار يمثل تيارا متشددا في حماس ويعد مقرّباً من «كتائب القسام» التي باتت تسيطر على حماس في القطاع.
وهنا يقول عطاالله، إن مثل هذا التغيير في قيادة حماس «سيدفع باتجاه تحسين العلاقة بين الحركة وطهران». ويلفت إلى أن «إيران غاضبة جداً من خالد مشعل، وكانت تضع تغييبه عن قيادة الحركة شرطاً لتحسين العلاقات» مع الحركة، وفق قوله. ويوضح عطاالله أن «الجناح العسكري لحماس كان دائما له حضوره وتمثيله في المكتب السياسي، وخصوصاً، لامتلاكه كثير من المقومات لذلك، من حصد للإنجازات والقوة والرجال والسلاح والمال».
أما طلال عوكل فيرى أن تأثير يحيى السنوار «باقٍ سواءً كان على رأس المكتب السياسي في غزة أو لم يكن»، مذكّراً بحضور شخصية الرجل سابقا حتى قبيل تحريره من الأسر. ويضيف: «إنه يعكس وزن القسام وبرنامج المقاومة في حركة حماس وفي سياسات الحركة». ويضيف أن «حماس بقيادتها الجديدة وقراءتها للمتغيرات في المنطقة ستعمل على تطوير علاقاتها مع إيران و(حزب الله)، وستكون هذه القضية أولوية بالنسبة لها حتى قبل أن توجد صياغة لترتيب علاقاتها مع مصر».

مع السلطة ومع إسرائيل
في المقابل، منذ سيطرت حماس على غزة عام 2007 فشلت كل محاولات المصالحة مع السلطة، واصطدمت مع إسرائيل في 4 حروب. فماذا يمكن أن يتغير مع صعود العسكر إلى سدة الحكم؟
عوكل لا يرى أن سيطرة الجناح العسكري على الانتخابات ستزيد من تعقيدات المشهد بشأن التقدم في المصالحة الفلسطينية. ويتابع عوكل شارحاً: «السلطة ملتزمة باتفاقات أوسلو، والمقاومة متمسكة ببرنامجها وبسلاحها وبأنفاقها وإمكاناتها. وهو ما يتعارض مع التزامات السلطة. هذه هي العقبة الأساسية باتجاه تحقيق المصالحة رغم أن العملية السلمية مع إسرائيل متجهة بالفلسطينيين إلى أبواب مغلقة، والسلطة لن تكون مستقبلا قادرة على الاستمرار في حمل التزامات أوسلو كما تحملها اليوم». ومن ثم، يعرب عن اعتقاده أن حالة الصراع مع إسرائيل «ستبقى كما هي، مع الحفاظ على الهدوء قدر المستطاع لتثبيت أركان المقاومة وقوتها في مواجهة أي معركة جديدة قد تفرضها إسرائيل على قطاع غزة كما فعلت في السنوات الماضية».
وفي هذا السياق، يقول القيادي في حماس، صلاح البردويل، إن «الحركة تبحث إيجاد صيغة إدارية تتلاءم مع الواقع في قطاع غزة لتكون المرجعية القانونية لعمل وكلاء الوزراء في القطاع، بغرض تحسين وضبط إدارة الواقع الحكومي في غزة». ويضيف: «إن هذه الخطوة تأتي في ظل استمرار تنكر حكومة الوفاق الفلسطينية لمسؤولياتها في قطاع غزة وتهميش وزاراته». ويردف أن القضية ما زالت قيد البحث والدراسة.
من جهتها، تتهم فتح البردويل بالترويج للانقسام والمساعدة عليه. وهنا يقول عطاالله إن «ما تبحثه حماس ليس بجديد ولم يتعلق بأي تغيير داخل مؤسسات الحركة». ويضيف: «إن المصالحة مجمدة منذ فترة طويلة وقبل حدوث الانتخابات الداخلية الأخيرة وبروز الجناح العسكري فيها»، مشيرا إلى أن للحركة «مفاهيمها وثوابتها التي لن تتغير بانتخاب أي قيادة جديدة في علاقاتها مع السلطة أو حتى مع الفصائل المختلفة والعلاقات الوطنية معها».
وبشأن الصراع مع إسرائيل، الذي يرجح بعض المراقبين أن يغدو أكثر عنفاً، يميل عطاالله للاعتقاد أنه «لن يحدث أي تغيير، وستعمل حماس على مواصلة المسير في هذه المعادلة التي تتحكم بها ظروف الميدان من فترة إلى أخرى». ويستطرد: «الحركة تحاول باستمرار ضبط هذه المعادلة وفق استراتيجيات تتعلق بترتيبها العسكرية وتجهيزاتها لصد أي عدوان إسرائيلي جديد، في ظل التلميحات الصادرة باستمرار عن القيادات الإسرائيلية بإمكانية شن حرب جديدة على غزة منعا لإطلاق الصواريخ التي تجدد إطلاقها مؤخراً». وللعلم، تخوفت إسرائيل علناً من أن يكون لبروز التيار العسكري في حماس على قائمة الانتخابات في غزة تبعات كبيرة، ويحفز الجناح العسكري للحركة بالدخول في مواجهة عسكرية قريبة. إلا أن قيادات من الحركة - من بينهم إسماعيل هنية - أكدوا في عدة تصريحات أن يحيى السنوار «جزء من مؤسسة شورية»، في إشارة إلى أنه لا يتفرد بقراري الحرب والسلم.

قرار مؤسسة لا فرد
ولكن مع ارتفاع منسوب القلق من فوز السنوار بقيادة الحركة، اضطرت حماس لخفض مستوى التوقعات بتغييرات كبيرة يمكن أن يفعلها القيادي الجديد. ولأول مرة في مؤشر على مأزق ما تخشاه الحركة بعد فوز السنوار، خرج البردويل إلى الإعلام قائلا إن «السنوار رجل مصالحات، وعربي ويحب مصر، وإنه أيضا صاحب فكاهة»، قبل أن يضيف أن قرار الحركة «شوري ولا يأخذه شخص واحد فقط». وهنا يجمع المحللان السياسيان على أن حماس تتخذ بالفعل قراراتها في نطاق المؤسسة الواحدة ولا تعتمد على صعود أي قيادات لتغيير سياساتها الاستراتيجية. ويؤكد عوكل أن «المكتب السياسي هو الذي سيقرر السياسة العامة للحركة»، مشيراً إلى أن هذا المكتب يضم قيادات من غزة والضفة والسجون والخارج. ويضيف: «رغم ذلك، فإن الحركات السياسية ليست حرة دائما في اختيار ما يمكن أن تمارسه من سياسات، خاصة، في ظل المتغيرات والضغوط التي قد تتعرض لها».
ويوافق عطاالله قائلا إن «تغيير القيادات والأفراد لا يحدث تغييرا في نهج حركة حماس، وهي تتحرك وفق قرار مؤسساتي من مجلس شورى ومكتب سياسي وليس وفقا لتغيير القيادة». لافتا إلى أن الحركة قد تلجأ إلى تغيير يتعلق بالوضع الجديد في المنطقة، لكن من الصعب أن تغير في استراتيجياتها الكبرى.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.