الهند الأولى عالمياً في جذب الاستثمارات الخارجية... لماذا؟

«الخدمات» نجم القطاعات... والبناء ينافس البرمجيات

الهند تشكِّل قصة نجاح كبرى بمجال النمو الاقتصادي طويل الأجل، مع نمو اقتصادها بمعدل 7.1 في المائة (أ.ف.ب)
الهند تشكِّل قصة نجاح كبرى بمجال النمو الاقتصادي طويل الأجل، مع نمو اقتصادها بمعدل 7.1 في المائة (أ.ف.ب)
TT

الهند الأولى عالمياً في جذب الاستثمارات الخارجية... لماذا؟

الهند تشكِّل قصة نجاح كبرى بمجال النمو الاقتصادي طويل الأجل، مع نمو اقتصادها بمعدل 7.1 في المائة (أ.ف.ب)
الهند تشكِّل قصة نجاح كبرى بمجال النمو الاقتصادي طويل الأجل، مع نمو اقتصادها بمعدل 7.1 في المائة (أ.ف.ب)

نجحت الهند في احتلال المركز الأول عالمياً بوصفها أكبر دولة جاذبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة. وتكشف البيانات الصادرة عن وزارة السياسات التصنيعية والترويج أنه، خلال عام 2016، ارتفعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الهند بنسبة 18 في المائة لتصل إلى 46 مليار دولار. أما في عام 2015، فقد بلغ إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة على البلاد 39.32 مليار دولار.
وجاء قطاع الخدمات الهندي على رأس القائمة، ذلك أنه تلقَّى نسبة نحو 18 في المائة من مجمل تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة، تلاه قطاعات التشييد والبناء وبرامج الكومبيوتر والـ«هارد وير» والاتصالات عن بُعد والسيارات.
وجاء الجزء الأكبر من الاستثمارات الأجنبية المباشرة من سنغافورة بما يصل إلى 13.69 مليار دولار، تلتها موريشيوس باستثمارات تبلغ 8.35 مليار دولار، ثم الولايات المتحدة (4.19 مليار دولار)، وهولندا (2.64 مليار دولار) واليابان (2.61 مليار دولار).
أما أكبر تدفُّق للاستثمارات الأجنبية المباشرة في السنوات السابقة، فجاء في السنة المالية (2012)، عندما اجتذبت البلاد 46.55 مليار دولار.
من ناحية أخرى، لا تزال الهند تشكِّل قصة نجاح كبرى بمجال النمو الاقتصادي طويل الأجل، مع نمو اقتصادها بمعدل 7.1 في المائة خلال الربع الأخير من العام الماضي، رغم إجراءات سحب العملة من التداول.
وكان تقرير «المسح الاقتصادي» لعام 2016 - 2017 قد أعلن أن «الهند تجاوزت حاجز الـ300 مليار دولار بالنسبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال الفترة بين أبريل (نيسان) 2000 وسبتمبر (أيلول) 2016، مما رسَّخ مكانتها بوصفها ملاذاً استثمارياً آمناً عالمياً».
وعلّق كل من اتحاد الغرف التجارية والصناعية الهندية، واتحاد الصناعة الهندية، على نبأ تجاوُز الاستثمارات الأجنبية حاجز الـ300 مليار دولار، بتأكيدهما على أن الهند يجري النظر إليها باعتبارها وجهةً آمِنَة وديناميكية من قِبَل مستثمرين عالميين.
وأشار اتحاد الغرف التجارية والصناعية إلى أن الهند تحوَّلَت إلى وجهة مفضَّلَة للمستثمرين على مستوى العالم بفضل تحرير إطار عمل سياسة اجتذاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتنفيذ برامج وطنية تنموية كبرى، مثل «صُنِع في الهند» و«الهند الرقمية» و«مهارات الهند»، إضافة إلى تعزيز المنافَسَة.
وأضاف رئيس الاتحاد هارشافاردهان نيوتيا قائلًا: «سنشهد مزيداً من التنامي في تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال السنوات المقبلة».
من جهتها، أعلنت الحكومة عن عدَّة خطوات لاجتذاب تدفقات استثمارية أجنبية، في الوقت الذي عملت فيه على تحرير وتبسيط سياساتها المعنية بالاستثمارات الأجنبية المباشرة داخل قطاعات، مثل الصناعة والبنية التحتية الخاصة بالسكك الحديدية.
وأشار تقرير «المسح الاقتصادي» إلى أنه على رأس الإجراءات الحكومية بهذا المجال مبادرات «صُنِع في الهند» و«استثْمِر في الهند» والخطة الوطنية للحكومة الإلكترونية، التي أوضح التقرير أنها ترمي لتيسير التقدم عبر الإنترنت للحصول على تراخيص صناعية.
إضافة لذلك، أوضح فيكرام هوسناغادي، المسؤول البارز لدى شركة «كيه بي إم جي» بالهند، أن الحكومة حرصت على تبسيط صِيَغ طلبات الحصول على تراخيص صناعية، والحدّ من الوثائق المطلوبة للتصدير والاستيراد، لكنه استطرد بأن الشكوك المحيطة بالسياسات الضريبية لا تزال مصدرَ قلقٍ للمستثمرين، وقد تقف حائلاً دون ضخ شركات أجنبية مزيداً من الاستثمارات داخل البلاد.
جدير بالذكر أن الاستثمارات الأجنبية تُعدّ جوهرية بالنسبة للهند التي تحتاج إلى قرابة تريليون دولار لإصلاح عناصر قطاع البنية التحتية، مثل الموانئ والمطارات والطرق السريعة بهدف تعزيز النمو.
ومن شأن توافر تدفُّق قوي للاستثمارات الأجنبية المساعِدة في تحسين ميزان المدفوعات على مستوى البلاد، ودعم الروبية في مواجهة عملات أجنبية عالمية أخرى، خصوصاً الدولار الأميركي.
والملاحَظ أنه منذ تولي ناريندرا مودي رئاسة الحكومة، عمد إلى التأكيد على أهمية اجتذاب استثمارات أجنبية، وورد ذِكْر هذا الهدف مجدداً، وبوضح، في الموازنة الوطنية لعام 2017.
وفي الوقت الذي تسببت فيه الشكوك التي أثارتها سياسة سحب العملة من التداول، في إرجاء بعض القرارات الاستثمارية، فإنه من المتوقع أن تترك بعض المقترحات التي تضمنتها خطة الموازنة تأثيراً إيجابياً على مجمل المناخ الاستثماري.
واللافت أن المخاوف المتصاعِدَة حيال اتخاذ الولايات المتحدة سياسات حمائية، في ظل رئاسة الرئيس دونالد ترمب وتداعيات انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أسهمت جميعها في جعل الهند وجهةً مفضَّلَة لصفقات الاندماج والشراء.
وتبعاً لتقرير أصدرته شركة «بيكر أند ماكنزي» للمحاماة، فإن صفقات الاندماج والشراء داخل الهند ارتفعت بمعدل يفوق الضعف، ومن المتوقع أن تصل قيمتها إلى 49.3 مليار دولار عام 2019، صعوداً من 17.5 مليار دولار عام 2016.
وفي العام الماضي، أقرَّت الهند إصلاحات هيكلية واسعة، في الوقت الذي عمل فيه رئيس الوزراء مودي مع سياسيين معارضين لإقرار قانون جديد للإفلاس، والاتفاق على السبيل المثلى لتطبيق قانون ضرائب السلع والخدمات.
ويُذكَر أن القانون الأخير يرمي إلى إحلال ضريبة واحدة محل مجموعة متنوِّعة من الضرائب غير المباشرة، الأمر الذي يعتقد محللون أنه سيترك تداعيات كبرى تمس الاقتصاد الهندي، وسيُدخِل تحسينات راديكالية على كفاءة إدارة النشاط التجاري على جميع المستويات، داخل البلاد.
من جهته، أعرب أكيلا أغراوال، أحد المساهمين في شركة «شاردول أمارتشاند مانغالداس أند كو» للمحاماة، عن اعتقاده بأن «الهند لا تزال سوقاً جذابة للغاية توفر عائدات جيدة على الاستثمارات. ومن شأن ذلك بجانب عدد من الخطوات الإيجابية، مثل إقرار قانون ضرائب السلع والخدمات، وإقرار مزيد من التحرير للقوانين الحاكمة لتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وإقرار قانون الإفلاس، زيادةُ جاذبية الهند أمام المستثمرين الأجانب».
يُذكَر أن عدد سكان الهند يبلغ 1.3 مليار نسمة، أي ما يعادل قرابة خمس سكان العالم. وبجانب ضخامة عدد السكان، يتميز الهرم السكاني للهند بهيمنة الشباب؛ ففي الوقت الذي تعاني فيه الدول المتقدمة من تقدُّم أعمار مواطنيها، ينتمي غالبية سكان الهند إلى ما دون الـ35، ويبلغ متوسط أعمار المواطنين 27 عاماً. إضافة لذلك، تشهد الهند تنامياً كبيراً كسوق استهلاكية، ذلك أن الطبقة الوسطى لديها تُقدَّر بنحو 50 مليون نسمة، أو نحو 5 في المائة من السكان.
وثمة توقعات بتنامي الطبقة الوسطى بثبات على امتداد العقد المقبل، ليصل حجمها إلى 200 مليون نسمة بحلول عام 2020. ومن المتوقع كذلك أن يستمر هذا النمو ليصل إلى 475 مليون نسمة بحلول عام 2030. وسيتجاوز عدد أبناء الطبقة الوسطى بها نظراءهم داخل الصين، بحلول عام 2027.
من جانبه، أعلن وزير المالية الهندي أرون جايتلي خلال كلمة ألقاها أمام البرلمان أخيراً أن أكثر من 90 في المائة من الاستثمارات الأجنبية داخل البلاد حالياً تمرّ عبر «السبيل التلقائية»، بمعنى أن مثل هذه الاستثمارات الأجنبية لا تستلزم تصريحاً من الهيئة المعنية بتعزيز الاستثمارات الأجنبية. وترمي الحكومة لإقرار مزيد من التيسيرات والتحرير للأُطُر الاقتصادية بالبلاد لزيادة جاذبية الهند أمام المستثمرين الأجانب.
وأكد وزير شؤون الاتحاد جايانت سينها، أن المستثمرين الأجانب يبدون اهتماماً بالغاً بالهند في وقت تسهم فيه الإصلاحات الهيكلية الجارية داخل البلاد والاستثمارات المتدفقة عليها في تحقيق انطلاقة في مجمل النمو الاقتصادي.
وشدد الوزير على أن سياسة سحب العملة من التداول حققت «تحسناً هائلاً» في المشهد الاقتصادي بالبلاد، وتعزيز أوضاع المصارف على نحو خاص.
جدير بالذكر أن الهند أقَرَّت كذلك قانوناً جديداً للإقامة يسمح للمستثمرين الأجانب بالعيش داخل الهند، في ظل ما يُطلَق عليه وضع «الإقامة الدائمة». ومن المقرَّر أن تصدر التأشيرات في ظل هذا القانون الجديد لفترة أولية تبلغ 10 سنوات.
وللتأهُّل للاستفادة من هذا القانون، ينبغي للأجنبي أن يستثمر 1.5 مليون دولار على الأقل على امتداد 18 شهراً، أو 3.7 مليون دولار على امتداد ثلاث سنوات، مما يؤدي لخلق وظائف لـ20 هندياً مقيماً داخل البلاد على الأقل خلال كل سنة مالية. وسيُسمح للمستثمرين كذلك بشراء عقارات سكنية، مع توافر إمكانية تمديد إقامتهم داخل البلاد لعقد آخر.



اليابان: انخفاض محتمل في الطلب على الغاز إذا أثرت الحرب على إمدادات البلاستيك

سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
TT

اليابان: انخفاض محتمل في الطلب على الغاز إذا أثرت الحرب على إمدادات البلاستيك

سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)

حذّر رؤساء شركات الغاز، الأربعاء، من احتمال انخفاض الطلب على الغاز في اليابان إذا استمرت الحرب على إيران في الحد من إمدادات النافثا لمصانع البتروكيماويات، مما يؤثر سلباً على مبيعاتها من الراتنجات، بما في ذلك البلاستيك، لمجموعة واسعة من المصنّعين.

قال ماساتاكا فوجيوارا، رئيس شركة «أوساكا غاز»، في مؤتمر صحافي: «تزود ​​(أوساكا غاز) المصانع بالغاز، وإذا اضطرت هذه المصانع إلى خفض الإنتاج بسبب نقص المواد الأساسية، فإن مبيعات الشركة من الغاز ستنخفض». وأضاف: «سيكون هناك تأثير إذا لم يتمكن عملاؤنا من التصنيع».

كما حذرت شركة «طوكيو غاز» من التداعيات المحتملة لنقص النافثا لدى المصنّعين.

وقال شينيتشي ساساياما، رئيس «طوكيو غاز»، في مؤتمر صحافي منفصل: «نظراً لوجود عدد من عملائنا الذين يستخدمون النافثا أو غيرها من المنتجات البترولية في عملياتهم التصنيعية، فإن أي خطوة لتقليص أنشطتهم أو عملياتهم قد تؤثر على مبيعاتنا من الغاز». وأضاف أنه حتى الآن، لم يجرِ رصد أي تأثير فوري.

وتحصل اليابان على نحو 6 في المائة من إمداداتها من الغاز الطبيعي المُسال عبر مضيق هرمز، المعطَّل حالياً بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وكان نحو 90 في المائة من احتياجات اليابان من النفط تمر عبر هذا المضيق الضيق قبل اندلاع الحرب في نهاية فبراير (شباط) الماضي.

وقال فوجيوارا إن شركة «أوساكا غاز»، من أكبر مستوردي الغاز الطبيعي المسال في اليابان إلى جانب شركتيْ «جيرا» و«طوكيو غاز»، أمّنت إمدادات كافية من الوقود لعملياتها، حيث يأتي معظم الغاز الطبيعي المسال من أستراليا والولايات المتحدة.

وأضاف: «نؤمّن غالبية احتياجاتنا من الغاز الطبيعي المسال عبر عقود طويلة الأجل، ولا توجد حالياً أي عقود طويلة الأجل لشراء الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز»، منوهاً بأن عقداً محدد المدة مع سلطنة عمان قد انتهى العام الماضي.

وانخفضت واردات اليابان من الغاز الطبيعي المسال، ثاني أكبر مستورد في العالم بعد الصين، بنسبة 1.4 في المائة خلال عام 2025، مقارنة بالعام السابق، لتصل إلى 64.98 مليون طن متري، وذلك مع إعادة تشغيل محطات الطاقة النووية، وتوسيع نطاق استخدام الطاقة المتجددة، وتعزيز كفاءة الطاقة.

وأظهرت بيانات وزارة الصناعة، الصادرة الأربعاء، أن مخزونات الغاز الطبيعي المسال لدى شركات المرافق اليابانية الكبرى ارتفعت إلى 2.39 مليون طن، للأسبوع المنتهي في 22 مارس (آذار) الحالي، بزيادة قدرها 5 في المائة عن الأسبوع السابق، مسجلة بذلك أعلى مستوى لها هذا العام.


بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

أظهر محضر اجتماع شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، الذي نُشر يوم الأربعاء، أن عدداً من صانعي السياسة النقدية في بنك اليابان رأوا ضرورة مواصلة رفع أسعار الفائدة. ودعا البعضُ إلى اتخاذ إجراءات فورية لمواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة، مما يسلّط الضوء على توجههم المتشدد، حتى قبل أن تؤدي الحرب الإيرانية إلى ارتفاع أسعار النفط.

كما دعا أعضاء بالمجلس إلى زيادة اليقظة بشأن تأثير ضعف الين على التضخم، الذي رأوا أنه أصبح أكبر من ذي قبل مع قيام الشركات بتمرير ارتفاع تكاليف الاستيراد والعمالة بشكل أكثر فاعلية.

ونُقل عن أحد الأعضاء قوله: «بالنظر إلى أن معالجة ارتفاع الأسعار تُعدّ أولوية مُلحة في اليابان، فينبغي لبنك اليابان المركزي ألا يُضيّع كثيراً من الوقت في دراسة آثار رفع أسعار الفائدة في الماضي، وأن يُباشر رفع سعر الفائدة التالي في الوقت المناسب».

وأظهرت محاضر الاجتماع أن عضواً آخر قال إن على بنك اليابان المركزي رفع أسعار الفائدة على فترات لا تتجاوز بضعة أشهر، مُضيفاً أن رفع أسعار الفائدة في الوقت المناسب هو الوصفة الوحيدة للسياسة النقدية لكبح ضعف الين غير المرغوب فيه، الذي يُؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد.

وأظهرت المحاضر أيضاً أن «عدداً من الأعضاء قالوا إن آلية ارتفاع الأجور والأسعار بشكل مُعتدل مُتزامن أصبحت راسخة في اليابان، ومن المُرجّح أن تُسفر مفاوضات الأجور، هذا العام، عن زيادات كبيرة في الأجور لمجموعة واسعة من الشركات».

وتُؤكد هذه الملاحظات عزم بنك اليابان المركزي على المُضي قُدماً في تشديد السياسة النقدية، حيث أعرب عدد من أعضاء مجلس الإدارة عن ثقتهم في أن ارتفاع سعر الفائدة الأميركية سيُسهم في تحسين الوضع. ولم تُشكّل الرسوم الجمركية ورفع أسعار الفائدة سابقاً عبئاً كبيراً على الاقتصاد حتى الآن.

وأدى الصراع في الشرق الأوسط، الذي اندلع على أثر الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، إلى تشويش التوقعات السياسية، حيث أضاف ارتفاع أسعار النفط ضغوطاً تضخمية، وعاق، في الوقت نفسه، اقتصاداً يعتمد، بشكل كبير، على واردات الوقود.

وبعد أن رفع بنك اليابان أسعار الفائدة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أبقى سعر الفائدة الرئيسي ثابتاً عند 0.75 في المائة في يناير، لكنه أبقى على توقعاته المتشددة للتضخم. وأظهرت محاضر الاجتماع أن عدداً من الأعضاء أشاروا إلى أن التضخم الأساسي، أو تحركات الأسعار التي تعكس الطلب المحلي والتي يعدُّها بنك اليابان أساسية لتوقيت رفع أسعار الفائدة، يقترب من هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.

وفي اجتماع لاحق خلال مارس (آذار) الحالي، أبقى بنك اليابان أسعار الفائدة دون تغيير، مع الإبقاء على ميله نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً، حيث إن ارتفاع أسعار النفط يُنذر بتفاقم الضغوط التضخمية.

وظل التضخم الأساسي لأسعار المستهلكين أعلى من هدف بنك اليابان البالغ 2 في المائة لما يقرب من أربع سنوات، مدفوعاً بارتفاع تكاليف المواد الخام والعمالة، قبل أن يتباطأ إلى 1.6 في المائة خلال فبراير، ويعود ذلك، بشكل رئيسي، إلى الدعم الحكومي السخيّ للوقود. ومع وجود عوامل استثنائية متعددة تُشوّه مؤشر أسعار المستهلك، اقترح أحد الأعضاء إيلاء مزيد من الاهتمام لمؤشرات التضخم الأساسي، مثل وتيرة نمو الأجور وأسعار الخدمات، بالإضافة إلى توقعات التضخم، وفقاً لمحضر الاجتماع. كما اقترح عدد من الأعضاء تحسين التواصل بشأن كيفية تقييم بنك اليابان التضخم الأساسي وسعر الفائدة المحايد في اليابان، وفقاً لمحضر الاجتماع. ومن المرجح أن تكون هذه المقترحات قد أدت إلى قرار البنك في مارس بالكشف، بحلول الصيف، عن مؤشر جديد للتضخم وتقدير محدَّث من قِبل فريق العمل بشأن سعر الفائدة المحايد. وفي حين أن الصراع في الشرق الأوسط قد زاد من حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، لا تزال الأسواق ترى احتمالاً بنسبة 60 في المائة تقريباً لرفع سعر الفائدة في أبريل (نيسان) المقبل.


الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

تتحرك الصين على مسارين متوازيين يعكسان ملامح استراتيجيتها التجارية الجديدة في بيئة دولية أكثر اضطراباً، ما بين توسيع الشراكات الاقتصادية مع أفريقيا، وفي الوقت نفسه التشدد في مواجهة القيود التجارية التي تفرضها بعض الدول على صادراتها واستثماراتها. ففي يوم واحد، أعلنت بكين استعدادها لتعميق التعاون مع الكاميرون في مجالات البنية التحتية والطاقة والزراعة، بالتزامن مع إعلان كينيا استكمال مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، بينما أكدت وزارة التجارة الصينية حقها في اتخاذ إجراءات مضادة ضد المكسيك بعد رفع الرسوم الجمركية على واردات صينية.

هذا التزامن ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس اتجاهاً أوضح في السياسة الاقتصادية الصينية يقوم على تعويض الضغوط الكبيرة في بعض الأسواق الخارجية عبر تعزيز الحضور في الأسواق النامية، خصوصاً في أفريقيا، مع الإبقاء على خيار الرد التجاري في مواجهة ما تعده بكين إجراءات حمائية تستهدفها.

ومن منظور بكين، فإن القارة الأفريقية لم تعد مجرد شريك سياسي أو ساحة نفوذ جيوسياسي، بل باتت سوقاً واعدة للصادرات والاستثمارات ومجالاً حيوياً لبناء سلاسل توريد وعلاقات طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، برز الإعلان الصيني عن الاستعداد لتعزيز التعاون مع الكاميرون في البنية التحتية والطاقة والزراعة، وهو ما يعكس استمرار الرهان على القطاعات التقليدية التي لطالما شكلت أساس الحضور الاقتصادي الصيني في أفريقيا. فالبنية التحتية تمنح الشركات الصينية فرص تنفيذ وتمويل كبيرة، والطاقة تمثل قطاعاً حيوياً في الاقتصادات الأفريقية الصاعدة، بينما يكتسب التعاون الزراعي أهمية كبيرة في ظل سعي الدول الأفريقية إلى تحسين الأمن الغذائي ورفع الإنتاجية.

كما أن اختيار هذه القطاعات الثلاثة معاً يعكس مقاربة صينية شاملة لا تقتصر على التجارة السلعية، بل تشمل بناء النفوذ عبر الاستثمار والتمويل ونقل الخبرات.

الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى استقبال نظيره الكيني ويليام روتو في بكين أبريل الماضي (رويترز)

• اتفاق كينيا

في شرق أفريقيا، جاءت كينيا لتضيف بُعداً آخر لهذا التوسع. فقد أعلن الرئيس الكيني ويليام روتو أن بلاده أنهت هذا الأسبوع مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، بعد شهرين فقط من الإعلان عن اتفاق مبدئي يمنح 98 في المائة من صادرات كينيا دخولاً معفى من الرسوم إلى السوق الصينية.

وتمثل هذه الخطوة تطوراً مهماً بالنسبة إلى نيروبي، التي تسعى إلى تقليص العجز التجاري الكبير مع بكين والاستفادة بصورة أكبر من السوق الصينية الضخمة. وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة لأن كينيا تعد أكبر اقتصاد في شرق أفريقيا، كما أنها تحاول الموازنة بين شراكاتها التقليدية مع الغرب وعلاقاتها المتنامية مع الصين.

وقد حرص روتو على الدفاع عن هذا التوجه، مشيراً إلى أن تعزيز الصادرات الكينية إلى الصين ضرورة اقتصادية، لا سيما في ظل اختلال الميزان التجاري لمصلحة بكين. كما أشار روتو إلى أن الاقتصاد الكيني أظهر مرونة خلال العام الماضي، مع استقرار التضخم والعملة، وتجاوز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر حاجز ملياري دولار للمرة الأولى في 2025، بزيادة تتجاوز 15 في المائة عن العام السابق.

• صرامة مع المكسيك

لكن الوجه الآخر للتحرك الصيني بدا أكثر صرامة في التعامل مع المكسيك. فقد خلصت وزارة التجارة الصينية، بعد تحقيق في الإجراءات التجارية المكسيكية، إلى أن رفع الرسوم الجمركية والإجراءات الأخرى التي اتخذتها مكسيكو تشكل عوائق أمام التجارة والاستثمار، مؤكدة أن للصين الحق في اتخاذ إجراءات مضادة. ووفق التقديرات الصينية، فإن هذه الرسوم تؤثر على صادرات تتجاوز قيمتها 30 مليار دولار، وقد تتسبب في خسائر تقارب 9.4 مليار دولار في قطاعي الميكانيكا والكهرباء. ويبدو أن أكثر القطاعات تعرضاً للضرر هو قطاع السيارات وقطع الغيار، إذ تشير بكين إلى أن نحو 9 مليارات دولار من الخسائر ستتحملها هذه الصناعة، في وقت كانت فيه المكسيك أكبر وجهة لصادرات السيارات الصينية في عام 2025. وهذا يعني أن النزاع لا يتعلق فقط برسوم جمركية عابرة، بل يمس أحد أهم مجالات التوسع الصناعي الصيني في الأسواق الخارجية، ولا سيما في الصناعات ذات القيمة المضافة الأعلى التي تراهن عليها بكين في المرحلة المقبلة. وتشير خلفية الخلاف إلى أن المكسيك رفعت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الرسوم على واردات من الصين ودول أخرى لا تربطها بها اتفاقيات تجارة حرة، لتصل إلى 35 في المائة على معظم المنتجات. ويرى محللون أن هذه الخطوة جاءت في جزء منها تحت ضغط الحسابات المرتبطة بعلاقتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة، التي شددت بدورها القيود التجارية على السلع الصينية. ومن هذا المنطلق، تنظر بكين إلى التحرك المكسيكي على أنه امتداد أوسع لمناخ دولي يزداد فيه استخدام الأدوات التجارية والجمركية لكبح تمدد الصادرات الصينية.

سفينة بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

• إعادة رسم خريطة الأولويات

اقتصادياً، يكشف هذا المشهد عن أن الصين تعيد رسم خريطة أولوياتها التجارية على نحو أكثر مرونة. فهي من جهة تدفع بقوة نحو ترسيخ حضورها في أفريقيا عبر اتفاقات وشراكات تعزز الوصول إلى أسواق جديدة، وتوسع النفوذ الاقتصادي الصيني في القارة. ومن جهة أخرى، تبعث برسالة واضحة إلى الشركاء الآخرين بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام القيود التجارية التي تستهدف مصالحها... وهذه الازدواجية بين الانفتاح والردع قد تصبح السمة الأبرز للسياسة التجارية الصينية خلال المرحلة المقبلة. وفي المحصلة، تبدو بكين وكأنها تتحرك بمنطق توسيع البدائل وتقليل الاعتماد على مسارات تجارية واحدة. فالتقارب مع الكاميرون وكينيا يفتح آفاقاً جديدة في أفريقيا، بينما التلويح بإجراءات مضادة ضد المكسيك يهدف إلى حماية المصالح الصينية في الأسواق التي تواجه فيها ضغوطاً كبيرة. وبين المسارين، ترسل الصين إشارة مفادها أنها لا تزال قادرة على الجمع بين الدبلوماسية الاقتصادية الصاعدة والرد الحازم على ما تعده ممارسات تجارية غير عادلة.