مهرجان الإمارات للآداب يحقق نقلة كبيرة في الرعاية والإدارة والتنظيم

استضاف كتّاباً من 30 دولة... وأبرز منجزاته جيل جديد يقرأ

بعض الكتاب المشاركين خلال زيارة المتحف الوطني
بعض الكتاب المشاركين خلال زيارة المتحف الوطني
TT

مهرجان الإمارات للآداب يحقق نقلة كبيرة في الرعاية والإدارة والتنظيم

بعض الكتاب المشاركين خلال زيارة المتحف الوطني
بعض الكتاب المشاركين خلال زيارة المتحف الوطني

أنهى مهرجان الإمارات للآداب في دبي مساء السبت الماضي 11 مارس (آذار) الحالي، أعماله التي بدأت في الثالث من الشهر الحالي، بحفل ختامي على مستويين، حضره عدد كبير من المشاركين، الذين تجاوز عددهم 180، بين كاتب، وروائي، وفنان تشكيلي، ومذيع، ومقدم برامج، قدم عدد منهم «رسائل حب إلى الإمارات» في هذه المناسبة، فيما قدمت مديرة المهرجان إيزابيل أبو الهول، كلمة الاختتام التي كانت الأكثر أهمية، بتلخيصها الحماسي المؤثر لتجربة سنوات من العمل لرفع مستوى المهرجان على كل المستويات. وبالفعل حقق المهرجان السنوي في ختام أعماله، طموح الجهات القائمة عليه، في أن يكون الأضخم والأكثر تنظيما وفعالية، بين ما يقام من مهرجانات أدبية على امتداد الساحة العربية. وكانت لافتة مشاركة فريق عمل إداري كبير، اعتمد على جهود مئات المتطوعين الذين شكلوا القوة التنفيذية الأكثر نشاطا، وأظهروا مستوى من التنظيم بلغ درجة عالية من الدقة والرقي، بدءا من استقبال المدعوين، وتنظيم الندوات وورشات العمل، ومسابقات القراءة، وزيارات الأطفال وتلاميذ المدارس والجامعيين، والأجنحة الخاصة بعرض الكتب وبيعها، وحفلات التوقيع، والخدمات الإعلامية، وتأمين اللقاءات الصحافية، وإدارة البرامج وتأمين النشرات الخاصة بالمهرجان، والرحلات والزيارات الخارجية، انتهاء بالحفل الختامي وتأمين عودة الضيوف بانطباعات تليق بدورة المهرجان هذا العام، الذي زينه أيضا، وجود عدد كبير من مضيفات شركة طيران الإمارات، الراعي الرئيسي للمهرجان، بالشراكة مع «دبي للثقافة». يذكر أن المهرجان يقام سنويا تحت رعاية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء.
على المستوى الثاني للاحتفال، انتقل المدعوون إلى حفل عشاء ترفيهي امتد حتى العاشرة والنصف. قبيل مغادرتي قاعة الاحتفال، اقتربت من السيدة إيزابيل أبو الهول، الرئيسة التنفيذية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة الإمارات للآداب، ومديرة مهرجان طيران الإمارات للآداب، فيما كانت تنهي حوارا مع الشاعر الفلسطيني، مريد البرغوثي، صاحب «رأيت رام الله»، و«ولدت هنا ولدت هناك»، وقلت لها: «كنت ضيفا على المهرجان قبل خمس سنوات، بدا لي كل شيء مختلفا هذا العام».
ردت بكلام كنت سأضيفه: «تقصد حفلات توقيع الكتب».
نعم. قبل خمسة أعوام، ترددت في الجلوس إلى الطاولة المخصصة لي لتوقيع روايتي «السيدة من تل أبيب». في الواقع شعرت بكثير من الخجل والإحراج. لم يكن ينتظر توقيعي وقتها، سوى عدد محدود من القراء، وقعت لهم وابتعدت. كانت طوابير الشباب الذين يحملون مؤلفات كتابهم المفضلين من غير العرب، تمتد من طاولات التوقيع حتى المدخل الزجاجي البعيد للفندق. كانت أعدادهم بالمئات. في مهرجان هذا العام، تغير كل شيء».
علقت مجاملة: «وجود كتاب من أمثالكم هو ما أحدث هذا التغيير. نحن من جانبنا بذلنا كل الجهد خلال السنوات الخمس الماضية لتغيير هذا الواقع. لقد نجحنا في خلق عدد كبير من مجموعات القراءة بين شباب الإمارات، خصوصا الفتيات الجامعيات، وطلاب المدارس، الذين بات لهم كتابهم العرب أيضا».
كان ما قالته إيزابيل واقعيا تماما، إذ تحقق لي شخصيا، ما كان للكتاب الأجانب. امتد طابور من ينتظرون توقيع روايتي «مصائر» و«السيدة من تل أبيب»، إلى أبعد مما حلمت به قبل حضوري. بل كان الحضور يتجدد خلال أكثر من ساعة من الوقت. وتكرر ذلك في حفلات توقيع مريد البرغوثي، والروائية الكويتية بثينة العيسى، وعدد آخر من الروائيين العرب، بنسب متفاوتة.
وكانت أبو الهول قالت قبل بدء المهرجان إن «الكتب تسمح لنا بارتياد العالم، والذهاب أبعد من محيطنا (...) إنها هدية تجعلنا نفهم الثقافات والمجتمعات الأخرى، ما يساعدنا أن نصبح مجتمعا متناغما منسجما. هذه هي رؤية المؤسسة، الهيئة المسؤولة عن المهرجان، التي تستمد رؤيتها من تطلعات دولة الإمارات العربية المتحدة، وتسعى لترجمتها على أرض الواقع، من خلال الفعاليات على مدار العام، والمهرجان على وجه الخصوص (...) شعارنا هو السعادة والتسامح والتنوع والسلام - وكل هذه القيم تعززها الكتب وتنميها في نفوسنا، وتبذر بذور نفعها في عقولنا. لقد اخترنا مجموعة استثنائية من الكتّاب من أكثر من 30 جنسية، ممن يعلون من شأن القيم الإنسانية المنشودة، ويدافعون عنها، ونأمل أن يشجع المهرجان الرائع هذا العام الجماهير على قراءة الكتب، وأن يساعد على غرس محبة المطالعة في نفوسهم».
المهرجان أقيم، كما في كل عام، في شهر القراءة، وتميز بحضور أكثر من 180 كاتبا، بينهم 90 يشاركون للمرة الأولى، وبموضوعه الرئيسي «الرحلات»، (على سبيل المثال: رحلة المراسلة كريستينا لاوب، واللاجئة السورية نوجين مصطفى في رحلة 4 آلاف ميل من سوريا إلى المجر على كرسي متحرك، وتجارب عبد الله جمعة في دول أميركا الجنوبية).
من بين المشاركين العام الحالي، الباكستانية الأميركية سنا أمانات، التي أسهمت في ابتكار شخصية البطلة المسلمة كامالا خان، ضمن سلسلة السيدة مارفل، ونادية حسين، الفائزة ببرنامج المخبوزات البريطانية عام 2015. والبريطانية سارة ماكنتاير، صاحبة «فيرن والخس»، و«سمك القرش في الحمّام»، و«شرطة الديناصورات» وغيرها، ومبتكر مسلسل الرسوم المتحركة «فريج»، الإماراتي محمد سعيد حارب، وكاتبة أدب الجريمة كاثي ريشز، ومقدم برامج التلفزيون آلان تشيتشمارش، والكاتب البريطاني جيفري آرتشر، وفرانشيسكا سايمون.
حضور الروائيين والكتاب العرب، اقتصر على الفلسطينيين مريد البرغوثي وابنه الشاعر تميم، والدكتور عز الدين أبو العيش (الملقب بمارتن لوثر كينغ الشرق الأوسط)، صاحب كتاب «لن أكره أبدا» الذي قتلت بناته الثلاث في الحرب الإسرائيلية على غزة (عملية الرصاص المصبوب)، والكاتبة هدى الشوا صاحبة «كشف الأسرار»، و«رحلة الطيور إلى جبل قاف»، وغيرهما، التي أظهرت قدرات متميزة في إدارة الحوار كما في ندوة تناولت أدب الناشئة، شارك فيها الروائي المصري إبراهيم فرغلي، الذي تحدث عن «مصاصو الحبر»، والبريطانيان فرنسيس هاردينغ وفيليب ريف. ومن بين المشاركين العرب أيضا، المصريون منصورة عز الدين، ومحمد ربيع، وأحمد خالد توفيق، والسعوديان بدرية البشر ومنذر القباني، والسودانية الأصل، ليلى أبو العلا، وياسمينة خضرا (اسم مستعار للجزائري الأصل محمد مولسهول) الذي يكتب بالفرنسية، بالإضافة إلى كاتب هذه السطور.
لكن حضور هذا العدد المحدود انعكس بقوة خلال النشاطات التي شارك بها؛ إذ خصصت لكل من هؤلاء ندوة ومشاركة أو مشاركتين مع آخرين من جنسيات مختلفة، ما حقق قدرا من التآلف وأغنى الحوار بين كتاب ينتمنون إلى جنسيات وثقافات مختلفة، وحيث توفرت ترجمات مباشرة لكل النشاطات.
غير أن المشهد الأكثر تأثيرا في أنشطة المهرجان الأدبي كان «الغزو الثقافي» الجميل لطلاب المدارس، إذ حضر آلاف منهم إلى المهرجان، حاملين اختياراتهم من الكتب، وحصلوا على تواقيع كتابهم المفضلين. كان مشهد طوابير الأطفال ينتظمون في صفوف طويلة من أكثر مشاهد المهرجان إثارة للفرح، وكانت أصواتهم تشي بانفعالاتهم الجميلة.
على لوحة جانبية، على مقربة من طابور التوقيعات ألصق الكثير من الفتيات الصغار وطالبات الجامعة قصاصات تشرح، بالإنجليزية، تلك الانفعالات: «كان المهرجان مدهشا». و«شكرا لمن وفر لي لقاء سارة ماكنتري». و«سعيدة بأنني هنا». و«المهرجان أضاء قلبي».
سألت عددا من الطالبات الجامعيات: لماذا تكتبن ملاحظاتكن بالإنجليزية؟ تباينت الإجابات التي غلفها عتاب ذاتي خجول، خصوصا أن بعضهن كان يحمل روايات لبثينة العيسى ولمنصورة عز الدين. في النهاية، حصلت على إجابة متفق عليها: بالإنجليزية سيقرأ الجميع ملاحظاتنا، أما بالعربية فسيقتصر ذلك على القراء العرب في مدينة أغلب سكانها من الأجانب.
من الأمور اللافتة أيضا، وهي كثيرة، حضور الفنانة العمانية ابتهاج الحارثي، التي كانت تساعد الأطفال على سرد قصص يرسمونها ويلونونها ويخرجون بحكايات مصورة.
في يومه قبل الأخير، جرت مناقشة لكتاب الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «تأملات في السعادة والإيجابية».
مهرجان العام الحالي، كان «رحلة ثقافية أدبية لا تنسى، مع الكثير من محاور النقاش، والجلسات، والمناظرات القيّمة، والأمسيات الشعرية، وعروض الأداء، وورشات العمل وجلسات الخبراء».



«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية
TT

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام العالمية بالنمو التكنولوجي الهائل للعملاق الصيني ومعدلات نموه القياسية، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» للصيني «هو أنيان» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية. الكتاب ليس مجرد سيرة ذاتية لعامل بسيط قضى عقدين من الزمن، وهو في صراع من أجل لقمة العيش، بل هو صرخة الأيادي العاملة الصغيرة ضد قسوة النظام العالمي.

يستعرض الكاتب بأسلوب واقعي، يمزج بين الدقة السردية والعمق الفلسفي، تجربته كعامل توصيل للطرود، عانى من ظروف عمل قاسية، قبل أن يصبح كاتباً مشهوراً بعد نشر كتاباته على منصّات صينية، حيث وصل حجم مبيعات الكتاب في الصين إلى 3 ملايين نسخة، وهو ما يفسر وصوله إلى أرفف المكتبات العالمية، حيث طُرحت الترجمة الفرنسية للكتاب في الأسواق الفرنسية في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي عن دار «أوترومون» في 320 صفحة، وكانت مسبوقة بالنسخة الإنجليزية التي نشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، كما تم الإعلان عن صدور قريب للنسخة الألمانية.

«حياتي كعامل توصيل في بكين» توثّق بدقة ظروف العمل القاسية التي مّر بها هو أنيان كعامل توصيل للطرود، واصفاً تلك الفترة بأنها «استنزاف للروح قبل الجسد»، حيث يجد الإنسان نفسه مجرداً من هويته، لا ينظر إليه إلا كـ«رقم تتبع» في تطبيق إلكتروني. الكاتب وصف الدوام الذي يمتد لـ12 ساعة متتالية، والفترات التجريبية بلا أجر، والبرد القارس والحرارة الخانقة والضغط المتواصل لإتمام مهام توصيل الطرود، كما وصف أيضاً كيف يعيش عمال التوصيل في غرف مقسمة إلى حجرات بلا نوافذ، أو في «بيوت القواقع»، وهي وحدات محمولة لا تتجاوز حجم السرير. الكتاب قُسم لفصول قدمت كـ«يوميات معركة»، ففي الفصل الأول «سباق ضد الزمن» يستعرض هو أنيان الضغط النفسي الهائل الذي تفرضه الشركات لتوصيل الطرود في مدة زمنية مستحيلة، وكيف تتحول الشوارع إلى حلبة صراع للبقاء. ثم يتعرض في الفصل الثاني «المدينة غير المرئية» إلى علاقة العامل بالمدينة، كيف يراها خلف الأبواب المغلقة وفي الممرات الخلفية، وكيف يشعر بالغربة رغم كونه المحرك الأساسي لحياة سكانها. وفي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان «فلسفة الطرود»، ينتقل الكاتب من الرصد الواقعي إلى التأمل الفلسفي، متسائلاً عن قيمة العمل والكرامة الإنسانية في عصر يتم فيه تشييء البشر.

في واحد من أكثر المقاطع تأثيراً، يكتب أنيان ما يلي: «لم أكن أقود دراجتي، كنت أقود قدري المترنح بين زحام السيارات. في عيون الزبائن، أنا لست بشراً، أنا مجرد مهمة يجب أن تنتهي بسرعة. ولكن في أعماقي، كنت أخزّن كل نظرة ازدراء لأصنع منها درعاً من الكلمات». وفي مقطع آخر، يحلّل الكاتب علاقته بالخوارزمية التي تتحكم في جهده وفي أنفاسه. فيكتب: «الخوارزمية لا تعرف التعب، ولا تعرف أنني أب أو أنني مريض. إنها تطلب مزيداً من السرعة مقابل سنتات قليلة. لقد اكتشفت أن الحرية في بكين هي المسافة القصيرة بين طردين».

يتجاوز الكتاب حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً ضد توحش اقتصاد العمل الحر

صحيفة «لوموند»

حظي الكتاب بترحيب نقدي واسع في الدوائر الإعلامية الأنجلوسكسونية والفرنسية، حيث وُصف «هو أنيان» بأنه أحد أبرز المواهب الأدبية الصينية الجديدة من قبل صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية. وقد اختار ثلاث من أبرز المنابر الثقافية: «الغارديان»، و«صنداي تايمز»، و«الإيكونوميست»، «حياتي كعامل توصيل في بكين» ضمن أفضل كتب عام 2025. في صحيفة «الغارديان» أشارت الناقدة ريبيكا ليو إلى أن الكتاب يتناول موضوع الطبقة الاجتماعية، وتحديداً القوة العاملة منخفضة الأجر التي لا تحظى بالاعتراف، والتي تتعرض للاستغلال، والتي كانت وقود الطفرة الاقتصادية في الصين، بل العالم أجمع، في ظل العولمة. وفي مراجعتها بصحيفة «نيويورك تايمز»، اعتبرت الناقدة ليا غرينبلات أن الكتاب يقدم شهادة حية من خطوط المواجهة الأمامية لاقتصاد العمل الحر، وأن رحلة الكاتب من عامل متنقل بين الوظائف منخفضة الأجر إلى مؤلف مشهور عالمياً تحمل طابعاً استثنائياً.

أما صحيفة «لوموند» فقد خصّصت لمراجعة هذا العمل مساحة مطوّلة، واصفة إياه بأنه «مرآة كاشفة للاغتراب المعاصر»، حيث رأى نقّادها أن قوة «هو أنيان» لا تكمن في كونه ضحية لنظام اقتصادي جائر فقط، بل في امتلاكه تلك «النظرة السوسيولوجية» الثاقبة التي تحلل الطبقة الاجتماعية الصينية الجديدة. واعتبرت الصحيفة أن الكتاب يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح بياناً أو «مانيفستو» ضد توحش اقتصاد العمل الحر، مشيدةً بقدرة الكاتب على وصف «استنزاف الروح» الذي يسبق انهيار الجسد، وكيف يتحول الفرد في شوارع بكين إلى مجرد «رقم» في عالم افتراضي لا يعترف بالبشر. أما صحيفة «لفيغارو»، فقد ركّزت في قراءتها على الجانب الجمالي والأخلاقي للنصّ، واصفة أسلوب «أنيان» بـ«الواقعية العارية» التي لا تهدف إلى استدرار العطف، بل إلى إثارة التأمل الفلسفي حول قيمة الكرامة الإنسانية. وأشارت الصحيفة إلى أن الرحلة الاستثنائية للكاتب، من العيش في «بيوت القواقع» ووحدات الحاويات الضيقة إلى منصات التوقيع في كبرى دور النشر العالمية، تمثل انتصاراً للوعي على المادة. وذهبت «لفيغارو» إلى أن «أنيان» نجح في فضح زيف «الحرية» في المدن الكبرى، تلك الحرية التي اختزلها الكاتب ببراعة في «المسافة القصيرة بين طردين».


نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد
TT

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي، ثم ظهرت إلى جانبه محاولات نقدية مشكلة وإياه نواة منظورة لحركة النقد الأدبي العراقي متمثلة بتجارب الأستاذ الناقد الموسوعي باسم حمودي وعبد الجبار البصري، لكن الطاهر كان الأبرز تمثيلاً لها والأوضح تحفيزاً لفرسان النقد العراقي الذين بدأت مشاريعهم النقدية أواخر ستينات القرن الماضي؛ عبد الجبار عباس، وشجاع مسلم العاني، وفاضل ثامر، وياسين النصير الذين شيّدوا متناً نقدياً عراقياً نهض كل منهم في صياغة جانب منه؛ لتنطلق حركة نقدية جادة قوية التأثير في العمل الإبداعي العراقي؛ شعرياً وسردياً، آتت أكلها في إغنائه بكشوفات نقدية تنهل من حركة النقد عربياً وعالمياً بالانفتاح على مناهج ومدارس وتجارب نقدية وفكرية فيها... موضوعات ومفاهيم ومصطلحات. ولن تفوتنا إسهامات عبد الرحمن طهمازي لكن صوته الشعري كان الأطغى والأعلى نبرة في مسيرته الإبداعية.

وخلال عقد السبعينات ظهرت أسماء جديدة لشبان واعدين مثل محمد جبير وعبد الرحمن عناد ومؤيد الطلال وعبد الكاظم عيسى وسليم عبد القادر.

خلال الثمانينات ولدت تجربتان نقديتان مهمتان مثلتهما كتابات الدكتورين مالك المطلبي وحاتم الصكر؛ الأولى اقتفت أثر المدرسة الفرنسية في تمظهراتها البنيوية. أما الثانية، أي تجربة الصكر النقدية، فبرعت في النهل من المنهج القرائي وتعدد مستويات قراءاته، وإلى جوار هاتين التجربتين المهمتين اللتين أثرتا تأثيراً كبيراً في فحص الإبداع العراقي وأضافتا لبنات واضحة في مدماك النقد التطبيقي وفي ظلهما بدأت تجارب لافتة للنظر تتلفع بالأكاديمية التي كانوا يدشنونها آنذاك؛ صالح هويدي وعبد الله إبراهيم وباقر جاسم ومحمد صابر عبيد.

خلال العقدين المنصرمين بزغ في المشهد النقدي العراقي اسم نسوي لا ذكوري. إنه اسم الناقدة الدكتورة نادية هناوي؛ اسم اعتلى عتبات النقد الأدبي وطرق أبوابه بقوة وجرأة واضحتين لفتتا انتباه المبدعين الكبار عراقياً وعربياً؛ بجهدها المثابر واجتهادها الفريد؛ ليشغل عطاؤها مساحات واسعة من الصحف من خلال مقالات وكتب قيمة أصدرتها دور نشر محترمة، فاستقبل مشروعها النقدي بالإعجاب والثناء والتقدير. وكان أول المرحبين والمبشرين به الناقد الكبير فاضل ثامر الذي وصفها براهبة النقد، وتتبع عطاءها بالبحث المعمق وبانبهار وخلص إلى القول «يحق لنا أن نحتفي بولادة منظرة أدب عربية». ووصفها الناقد شجاع مسلم العاني بكونها ناقدة «قادرة على خرق المسلمات النقدية العراقية والإتيان بما هو جديد ومختلف... إنها ناقدة كبيرة وموهبة نقدية كبيرة».

ومن خارج دائرة النقد العراقي، عربياً، تواتر الإقرار بمشروعها النقدي.

ومرد ذلك متانة ورصانة مشروعها النقدي وأهميته وفاعليته النظرية والإجرائية. ومن التوصيفات الدقيقة لهذا المشروع، ما أكدته الباحثتان الدكتورة رواء الخزاعي ومها فاروق الهنداوي والدكتور عزيز الموسوي في الندوة التي عقدها اتحاد الأدباء تحت عنوان «استراتيجيات القراءة لدى الناقدة نادية هناوي»، إذ أكدوا، وهم باحثون أكاديميون وأساتذة متخصصون في السرديات بكبرى الجامعات العراقية، أن «الناقدة الكبيرة نادية هناوي ذات مشروع ريادي ليس بمعزل عما بعد الحداثة، وأنه مشروع بنيوي معرفي شهد تحولات مهمة وشكَّل مرحلة مفصلية في النقدية العراقية والعربية، بالأخص في كتاباتها عن السرد والتاريخ»؛ ولاحظوا أن التحول من نصاني إلى معرفي فلسفي والنفس للحداثة واضح فيه، إذ لم تتعامل هناوي بالمصطلح كما هو قار في المدونة الغربية، بل تحاوره وتسائله وتنتزع مصطلحاً ينتمي إلى فضائها، كما هو الحال في اجتراحها مصطلح «رواية التاريخ» بعد مساءلة فكرية فلسفية مفندة مصطلح المتخيل التاريخي الذي ذهب إليه بعض النقاد. فالتاريخ لديها ليس استحضاراً، بل استدعاء للمساءلة، والاستدعاء كسر لسلطة التاريخ.

لقد أجمعت بحوث الندوة أن «هناوي امتلكت أدوات الناقد النظرية والإجرائية والملكة النقدية، وأن مشروعها الكبير شكلته عدة روافد، منها المدونات الغربية غير أنها لم تكن ناقلة لها، بل فاحصة ومحاورة ومجترحة داخلة نظرية المعرفة بشجاعة عالية ولم تكن بمعزل عن الموروث العربي، لكنها لم تستدعه للمباهاة أو المباهلة، بل لإثبات التلاقح الفكري والإبداعي، وأنها تُغني قارئها بقراءاتها الموسوعية الاستقصائية، وقد تجاوزت الكتابة في التخصص الدقيق مخاطرة عن وعي منتقلة من النظرية السردية إلى علم السرد والسرد ما بعد الكلاسيكي».

ويأتي الكتاب الأربعون «أقلمة سرديات الرحلة عربياً وأجنبياً»، الصادر مؤخراً عن دار «أبجد»، في الوقت الذي تصارع فيه ناقدتنا الكبيرة وحشية المرض اللعين.

والكتاب ضمن سلسلة أبحاثها التي محورها أقلمة السرد العربي مستندة على أصول ومتون في مصادر ومظان ترود فيها بفرادتها وغزارتها منذ سنوات عدة.

ويتمحور الكتاب على السرد (الرحلي) من ناحيتي التأصيل النظري والنمذجة الإجرائية عبر فصوله الثمانية؛ إذ يهتم الفصل الأول باستقصاء القاعدة التي قامت عليها الأصول وتمخضت التقاليد الأدبية فتشكلت الأجناس، وبذلك تأصلت الرحلة كنوع سردي.

بينما يركز الفصل الثاني على دور رحلة غلغامش في نشأة التقاليد موضوعياً وفنياً كونها - أي الرحلة الغلغامشية - مصدراً أصلياً ساهم في البناء الشعري الملحمي، أولاً، والتدوين والنسخ، ثانياً، في ترسيخ أصالة هذا المصدر الذي تمظهرت أقلمته بأشكال مختلفة لا في مرويات الرحلات العربية فقط بل قبل ذلك في المرويات الصينية ذات التاريخ العريق - إلى عصور ما قبل الميلاد - وفيها شكلت الرحلة موضوعاً رئيسياً.

وتنتقل د. هناوي في الفصل الثالث إلى أقلمة الرحلة العربية والأجنبية في ضوء علم السرد غير الطبيعي باحثة في دور المؤلف وأهمية المكان في السرد الرحلي عبر ضمير المتكلم على مستويي الإنشاء النصي وموثوقية التوصيل القرائي، ثم تعرج على مركزية الهوية في تأليف الرحلة العربية التي تراها الأكثر تمثيلاً لموضوعة الذات والآخر والهوية من خلال المحاور التالية: 1- موقع المؤلف هامشاً في الثقافات الأجنبية، 2 - موقع المؤلف مركزاً في الثقافات الأحادية، 3 - أساليب أقلمة السرد الرحلي عامة ورحلة ابن فضلان خاصة (أقلمة كتاب الرحالة الحسن بن محمد الوزان؛ وصف أفريقيا).

يذكر أن هذه الرحلة كانت مدار رواية الكاتب أمين المعلوف «ليون الأفريقي»، وكتاب «وصف أفريقيا» الذي تراه هناوي نصاً مصدراً تمت أقلمته تاريخياً، وقد تمت أقلمة الكتاب نقدياً أيضاً من قبل محمد مهدي الحجوي بعنوان «حياة الوزان الفاسي وآثاره»، ودراسة أخرى بعنوان «ليون الأفريقي» للمستشرق كراتشوفسكي في مؤلفه «تاريخ الأدب الجغرافي العربي». وفي دراسة أساليب النصوص الرحلية المؤقلمة تقف عند رحلة الوزان عبر النص الروائي لأمين معلوف.

ولا يفوتها إجراء مفاضلة بين الأنا والآخر في الرحلة المتخيلة روائياً، أسلوباً ونمذجةً، ومدى درجة تقاربها والرحلة الفعلية، وآفاق بناء المتخيل السردي وتغيراتها تاريخياً متخذة من روايتي «الخميائي» لباولو كويلو ورحلة «ابن فطومة» لنجيب محفوظ مثالاً. وفي الفصل الأخير تعرج الباحثة على دراسة إقلمة سردية الرحلة الأجنبية من وجهة نظر الدراسات الثقافية على قلة ما يتعلق منها بأدب الرحلات ومؤلفة حديثاً ككتاب «نظرات إمبريالية: كتابة الرحلة والعبور الثقافي» و«مفردات مفتاحية في دراسة أدب الرحلات... مسرد نقدي».


بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»
TT

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً، فنحن في واقع الحال نكون أمام ثقافة موازية لما تعلمناه في قاعات الدرس، وهي ثقافة مختلفة إلى حد بعيد، كما أن هذه المخطوطات دائماً ما تثير قضايا خلافية وتدفع إلى بلورة أفكار جديدة، سواء على مستوى الموضوعات أو القضايا المنهجية. فاختلاف طبيعة المخطوط ومضمونه يحتّمان بلا شك طبيعة الإجراءات والأدوات الناجعة في التعامل معه».

بهذه النبذة يقدم د. هشام عبد العزيز كتابه «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي... حدود المصطلح والإجراءات المنهجية»، الذي جاء في مقدمة وأربعة فصول، والذي يستعرض مفهوم علم التحقيق وحدود المنهجية، وتحقيق التراث الشعبي بشكل خاص، كما يتعرض في أحد الفصول للاختلاف في بنية المفاهيم والمصطلحات في علم التحقيق بين النص الرسمي والنص الشعبي. لكن من أهم الفصول الذي أفرد له المؤلف مساحة وافية هو الفصل الأخير الذي يتناول النماذج التطبيقية التي تحدث فيها عن تجاربه في تحقيق مخطوطات التراث الشعبي. يرى عبد العزيز أن تحقيق التراث الشعبي يختلف بشكل يكاد يكون كلياً عن تحقيق التراث المعروف، ليس من حيث مادته فحسب، بل من حيث فلسفة العمل ومنهجه وبنية المفاهيم الحاكمة لعمل المحقق.

وفي هذا الإطار، يؤكد المؤلف حاجة تحقيق مخطوطات التراث الشعبي إلى ما يسميه «المحقق المتخصص»، فمثل هذا المحقق وحده الذي يستطيع استنطاق المخطوط «الشعبي» بمعارف حقيقية وآمنة، ومن دونه سيكون العمل أشبه بفوضى لا تقدم جديداً. وقد ضرب المؤلف، في هذا السياق، أمثلة كثيرة لأعمال محققة بالفعل، من بينها أعمال حصلت على جوائز، لكنها في حقيقة الحال لا تقدم شيئاً، بل إنها تحتوي على «تدليس علمي»، حسب ما يقول. ويرى أن «كل مخطوط جديد يحمل خبرة جديدة وتجربة علمية وتعليمية تعزّ عن الوصف... بعد هذا المشوار الطويل الذي أكمل ثلاثة عقود، أستطيع أن أقول بكل ثقة إن تحقيق التراث بشكل عام أكثر من مجرد علم وأوسع بكثير من قاعات الدرس». إنه، كما يضيف، «عملية تعليمية فيها جانب يشبه إلى حد بعيد تعليم الحرف الشعبية التي تقتضي المعايشة اليومية والمشكلات المتجددة مع كل عمل جديد... وكذلك كل مخطوط جديد يحتاج خبرة جديدة بهذا المخطوط تحديداً، وبمؤلفه، وبزمن تأليفه، وبزمن نسخه. ثم وهو الأهم: بالمجال المعرفي الذي ينتمي إليه هذا المخطوط. وكل عنصر مما سبق يحتاج إلى خبرات محددة وعميقة للتعامل معه بالكيفية التي تنتج معرفة حقيقية نافعة».

وسبق للمؤلف أن أصدر في مجال تحقيق مخطوطات التراث الشعبي خاصة عدة كتب، منها: «ألف ليلة وليلة... حكايات أخرى»، و«معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية»، و«المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب»، كما صدرت له عدة مؤلفات في مجال الثقافة الشعبية، منها: «فضل الخرافة»، و«معجم النيل»، و«السيرة الشعبية... جدل النوع وجغرافيا التداول».