«حرب التصريحات» بين تركيا وهولندا تتواصل... ومساعٍ للتهدئة

وزير في حكومة يلدريم يستبعد المساس بالعلاقات الاقتصادية لمصلحة الطرفين

شرطة مكافحة الشغب تحيط بموقع البعثة الهولندية في إسطنبول أمس (أ.ف.ب)
شرطة مكافحة الشغب تحيط بموقع البعثة الهولندية في إسطنبول أمس (أ.ف.ب)
TT

«حرب التصريحات» بين تركيا وهولندا تتواصل... ومساعٍ للتهدئة

شرطة مكافحة الشغب تحيط بموقع البعثة الهولندية في إسطنبول أمس (أ.ف.ب)
شرطة مكافحة الشغب تحيط بموقع البعثة الهولندية في إسطنبول أمس (أ.ف.ب)

على الرغم من التلاسن والتراشق الحاد على مدى الـ48 ساعة الماضية، بدا أن تركيا وهولندا تسعيان إلى تبريد الأزمة بينهما والخروج من الوضع المتوتر على خلفية منع لقاء وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو بالجالية التركية وإبعاد وزيرة الأسرة والسياسات الاجتماعية فاطمة بتول صايان كان من عقد لقاء مماثل في مقر القنصلية التركية في روتردام.
وعلى خط محاولة امتصاص الأزمة، أعلن رئيس الوزراء الهولندي مارك روته أن حكومته ستبذل ما في وسعها لمنع تدهور العلاقات مع تركيا بعد أن طالبت السفير الهولندي بالبقاء في بلاده وعدم العودة إلى عمله في أنقرة. كما أغلقت السفارة والقنصلية الهولنديتين في أنقرة وإسطنبول «لأسباب أمنية»، وسدت الطرق المؤدية إليهما بالمدرعات. من جانبه، طالب رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم المواطنين الأتراك في هولندا بالهدوء بعد أن أجرى اتصالاً في ساعة مبكرة أمس الأحد مع نظيره الهولندي.
في المقابل، أكدت الحكومة الهولندية رفضها تقديم اعتذار لتركيا بناء على طلب من وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الذي وصف الموقف الهولندي بأنه «فضيحة دبلوماسية»، لكنها أكدت في الوقت نفسه أنها لن ترد بإجراءات عقابية مماثلة، أي أنها لن تغلق السفارة والقنصلية التركيتين. وحملت لاهاي أنقرة في الوقت نفسه المسؤولية عن أمن دبلوماسييها في تركيا.
من جهته، قال الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، في خطاب ألقاه في حشد جماهيري في مدينة كوجالي غرب تركيا مساء أمس الأحد، إن الممارسات «الفاشية والنازية» لهولندا ودول أخرى تهدد مستقبل الاتحاد الأوروبي، داعيا مؤسسات الاتحاد إلى «اتخاذ الإجراءات الضرورية للرد على هذه الإجراءات التي تستهدف تركيا والعالم الإسلامي».
وفي لقاء سابق في إسطنبول أمس، أكّد إردوغان أن هولندا ستدفع ثمن تضحيتها بالعلاقات مع تركيا في سبيل مصالحها الانتخابية، في الانتخابات التشريعية التي ستجري يوم الأربعاء المقبل.
وقال إردوغان إن أحداث الأيام الماضية مظهر للإسلاموفوبيا، والغرب كشف بوضوح عن وجهه الحقيقي في الفترة الأخيرة، موضحاً: «كنت أظن أن النازية انتهت. لكن النازية لا تزال مستمرة هناك».
وحول الإجراءات التي ستتخذها تركيا، قال إردوغان: «لم نفعل بعد ما يجب علينا فعله. سنتخذ إجراءاتنا في الأيام القادمة، وسنجري التقييمات اللازمة قبل وبعد انتخابات هولندا الأربعاء المقبل، وعلى أساسها سنحدد الموقف الذي سننتهجه، لأن هذه الحادثة (إبعاد الوزيرة التركية وتفريق المواطنين الأتراك بخراطيم المياه والكلاب البوليسية من أمام القنصلية في روتردام) لا يمكن أن تبقى دون رد».
في غضون ذلك، وجه إردوغان الشكر لفرنسا لأنها «لم تخضع لهذه الألاعيب الأوروبية»، إذ سمحت السلطات الفرنسية بزيارة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أمس، على عكس هولندا وألمانيا.
ومن فرنسا، قال وزير الخارجية التركي، مولود جاوش أوغلو إن بلاده ستواصل اتخاذ إجراءات عقابية ضد هولندا، حتى تقوم الأخيرة بتقديم اعتذار مكتوب إلى الشعب التركي. وقال في كلمة أمام صحافيين في مدينة ميتز الفرنسية: «هذا أمر غير مقبول. ننتظر من أوروبا توضيح موقفها. لم نرَ مثل هذا السلوك حتى في أيام النازية، هذا عار كبير... هولندا قطعت طريق وزيرة تركية، وأغلقت الطرق تجاه القنصلية التركية. ولم تسمح للوزيرة والمسؤولين بالدخول إلى القنصلية. وأطلقت الكلاب البوليسية على المتظاهرين بسلمية... «هل أرسلنا مواطنينا إلى هولندا لكي تقوم الأخيرة بمعاملتهم كرهائن؟». وأضاف: «رددنا على ذلك وسنواصل الرد. الإنذار وحده ليس كافيا. هناك خطوات سنقوم باتخاذها، ونخطط لها. وسنواصل اتخاذ إجراءاتنا حتى تقوم هولندا بتقديم اعتذارها... ننتظر من هولندا اعتذاراً مكتوبا إلى الشعب التركي».
وردا على سؤال حول كيفية تجاوز الأزمة بين البلدين، أشار الوزير التركي إلى أن «هذه الحادثة لن تمر مرور الكرام ولن تبقى دون ردّ... بدأنا بالرد، وطلبنا من السفير الهولندي الموجود في الخارج عدم العودة إلى تركيا، لا يمكنه الدخول».
وأوضح جاويش أوغلو أنه عرض على نظيره الهولندي «إقامة فعاليات مع الجالية التركية عقب الانتخابات العامة في هولندا المقرر إجراؤها الأربعاء المقبل، إذا كانت هناك مشكلة في هذا الإطار، إلا أن رئيس الوزراء مارك روته، تصرف بعقلية فاشية، وردّ بوقاحة».
وأعلنت الحكومة الهولندية رفضها الاعتذار لسلطات تركيا على ما قامت به في حق وزيرة الأسرة التركية، قائلة إننا لن نرد بالمثل بشأن العقوبات. وقال رئيس الوزراء الهولندي مارك روته أمس إنه سيفعل كل شيء لنزع فتيل المواجهة الدبلوماسية مع تركيا، التي وصفها بأسوأ أزمة تشهدها بلاده في سنوات.
وكان رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، قد أجرى اتصالاً هاتفياً مع نظيره الهولندي بعد اندلاع الأزمة. وقالت مصادر إعلامية تركية إن مارك روته أعرب ليلدريم عن أسفه لما آلت إليه الأوضاع، وشدد رئيسا الوزراء على أهمية نزع فتيل الأزمة بين البلدين.
وقبل ذلك هدد رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم برد قاس على ممارسات السلطات الهولندية التي وصفها بـ«غير المقبولة بأي حال»، مرجعا ما فعلته السلطات الهولندية إلى مناخ الانتخابات التي ستجرى الأربعاء.
من جانبه، وصف المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين موقف الحكومة الهولندية تجاه الوزيرين التركيين بـ«الفضيحة الدبلوماسية»، قائلا إن هذا يعد يوماً أسود للديمقراطية الأوروبية.
من جانبه، استبعد وزير الاقتصاد والتجارة التركي نهاد زيبكجي تطبيق عقوبات اقتصادية على هولندا قائلا إنه «عند الإقدام على مثل هذه الخطوات سيلحق الضرر بالطرفين، وعلينا أن نرى من سيستفيد من ذلك وألا نسعدهم... من السهل جداً هدم كل شيء».
وبلغ التوتر بين تركيا وهولندا ذروته السبت بواقعتين، حاولت تركيا في الأولى إرسال وزير خارجيتها إلى هولندا لعقد لقاء جماهيري مع المهاجرين الأتراك الهولنديين في روتردام دعما لحملة ترويج لتعديلات دستورية ستطرح في استفتاء في 16 أبريل (نيسان) المقبل لمنح الرئيس رجب طيب إردوغان صلاحيات جديدة. ورفضت هولندا التي طلبت من الوزير عدم الحضور منح طائرته الإذن بالهبوط. فيما وصلت وزيرة الأسرة التركية من ألمانيا وحاولت مخاطبة حشد كبير في روتردام، فأوقفتها الشرطة الهولندية وأعلنتها شخصا غير مرغوب فيه واقتادتها للحدود الألمانية.
وفي الساعات الأولى من صباح أمس الأحد، فرقت الشرطة العسكرية حشدا مؤلفا من نحو ألفي مؤيد لإردوغان تظاهروا رافعين الأعلام التركية أمام القنصلية التركية في روتردام مستخدمة الأحصنة ومدافع المياه.
ويعيش نحو 500 ألف مهاجر تركي وأبناؤهم في هولندا، وأغلبهم يحمل جنسية مزدوجة ويحق له التصويت في البلدين. وقد عادت وزير الأسرة والشؤون الاجتماعية التركية فاطمة بتول صيان كايا إلى إسطنبول أمس قادمة من كولونيا الألمانية على متن طائرة خاصة.
وقالت في تصريحات في مطار أتاتورك في إسطنبول إن الحرية كانت معلقة في هولندا بأول من أمس (السبت)، وحق التجمع داسته الأقدام، مبينة أن الشرطة الهولندية تعاملت مع الجالية التركية بطريقة غير إنسانية، وأن الشرطة الهولندية ألقت القبض على مساعدها و5 من الطاقم المرافق لها، وأنها تعرضت لمعاملة غير إنسانية ولا أخلاقية، وعاشت ليلة في غاية المرارة بهولندا التي تتحدث عن الديمقراطية، لافتة إلى أن المعاملة اللاإنسانية التي تعرضت لها في هولندا، أمر لا يمكن قبوله.
وأرجعت هولندا قرار سحب تصريح هبوط طائرة وزير الخارجية قبل توجهه إليها، إلى «أسباب أمنية». وفي إطار تعليقه على طرد وزيرة الأسرة والسياسات الاجتماعية التركية فاطمة بتول صايان كايا من هولندا، قال رئيس بلدية روتردام أحمد أبو طالب المنحدر من أصول مغربية إن القنصل التركي في روتردام سادين آي يلديز كذب عليه متعمداً، وزوده بمعلومات مغلوطة عن مضمون زيارة الوزيرة التركية في بلاده. وقال: «أكد لي أن الوزيرة قدمت إلى هولندا بغرض الزيارة والتجول وليس من أجل إلقاء خطاب سياسي أمام الجالية التركية. لكن التطورات اللاحقة وتحقيقاتنا أظهرت عكس ذلك، وتأكدنا من أنها تعتزم إلقاء كلمة سياسية، فبادرنا إلى منع ذلك. لقد تعرضت لخداع كبير من قبل القنصل التركي في روتردام».
وانتقد أبو طالب وصف الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أهل روتردام وهولندا عامة بـ«فلول النازيين» بقوله إن «أهل روتردام هم من عانوا أكبر الآلام عندما قصف النازيون المدينة عام 1945». وواصل قائلاً: «ولذلك اعترضنا على قيام الوزيرة التركية بدعاية سياسية على أراضينا، وهذا هو السبب الذي يكمن وراء منعنا الوزيرة من دخول القنصلية التركية في روتردام وترحيلها من الحدود الهولندية».
واعتبر محللون أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان سعى إلى تصعيد هذه الأزمة وتحويلها إلى فرصة من أجل الدعاية لصالح الاستفتاء الشعبي على تعديلات الدستور لإقرار النظام الرئاسي.
في السياق ذاته، تظاهر أتراك أمام سفارة هولندا في أنقرة وأمام قنصليتها في إسطنبول، للتعبير عن رفضهم منع هولندا زيارة الوزراء الأتراك وقام المتظاهرون في إسطنبول بنزع العلم الهولندي وتعليق العلم التركي على القنصلية الهولندية وتقدمت الحكومة الهولندية بشكوى لنظيرتها التركية.
كما دعا كمال كيليتشدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة التركية، حكومة بلاده إلى تعليق العلاقات الدبلوماسية مع هولندا على خلفية «الفضيحة» التي ارتكبتها الأخيرة.
وقال خلال مشاركته في لقاء شعبي في أضنة جنوب البلاد إنه إذا كانت هولندا لا تسمح لوزير خارجية الجمهورية التركية بدخول أراضيها: «فإنني أوجه دعوة إلى الحكومة، من فضلكم علقوا علاقاتنا مع هولندا، وسنقدم لكم كل الدعم». وأكد أن حزبه يرفض هذه الممارسات ويدينها بكل الأشكال.



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.