أعظم مباريات العودة التاريخية في كرة القدم

بدءاً من مباراة إنجلترا أمام اسكوتلندا في القرن التاسع عشر حتى هدف تشارلتون المذهل في مرمى هيدرسفيلد

لقطة من مباراة يوردينغين ودينامو دريسدن الشهيرة في كأس الكؤوس الأوروبية عام 1986
لقطة من مباراة يوردينغين ودينامو دريسدن الشهيرة في كأس الكؤوس الأوروبية عام 1986
TT

أعظم مباريات العودة التاريخية في كرة القدم

لقطة من مباراة يوردينغين ودينامو دريسدن الشهيرة في كأس الكؤوس الأوروبية عام 1986
لقطة من مباراة يوردينغين ودينامو دريسدن الشهيرة في كأس الكؤوس الأوروبية عام 1986

تصدر انتصار برشلونة الإسباني على باريس سان جيرمان الفرنسي (6 / 1) العناوين، على اعتبار انه أفضل إنجاز لمباراة عودة في دوري أبطال أوروبا، خصوصاً في ظل خسارة الفريق الكتالوني 4 / صفر ذهاباً. لكن وفقاً للأرقام، هناك مباريات أخرى شهدت عودة أكثر إثارة... وبدءاً من مباراة إنجلترا أمام اسكوتلندا في القرن التاسع عشر حتى هدف تشارلتون أثلتيك المذهل في مرمى هيدرسفيلد، نرصد هنا أعظم 6 مباريات عودة تاريخية في كرة القدم.
1- إنجلترا واسكوتلندا 5 - 4 (مباراة ودية دولية، عام 1879)
لم يكن أي منتخب في العالم قد نجح من قبل في الفوز بمباراة بعد تأخره فيها بـ3 أهداف، ولم يتوقع كثيرون أن تكون إنجلترا هي أول دولة تفعل ذلك في كرة القدم. ولم يكن المنتخب الإنجليزي قد حقق الفوز على نظيره الاسكتلندي منذ عام 1873. وعندما التقى المنتخبان عام 1878، سحق المنتخب الاسكتلندي نظيره الإنجليزي، على ملعب «هامبدن بارك» بمدينة غلاسجو الاسكتلندية، بـ7 أهداف مقابل هدفين. والتقى المنتخبان مجدداً عام 1879، على ملعب «كيننغتون أوفال» بإنجلترا، وكان المنتخب الإنجليزي يضم 8 لاعبين جدد، بما في ذلك لاعب يبلغ من العمر 17 عاماً، يدعى جيمس برينسيب.
وعندما سجل مهاجم كوينز بارك رينجرز، بيلي ماكينون، الهدف الثاني له، والرابع للمنتخب الاسكتلندي، لتصبح النتيجة تقدم اسكوتلندا بـ4 أهداف مقابل هدف وحيد قبل نهاية الشوط الأول، بدا الأمر وكأن المنتخب الإنجليزي سيتلقى هزيمة أخرى ثقيلة ومهينة، خصوصاً أن لاعب نادي «فيل أوف ليفين» الاسكتلندي، جون ماكدوغال، الذي سبق أن سجل 3 أهداف في المباراة التي انتهت بفوز اسكوتلندا بـ7 أهداف مقابل هدفين، والذي كان أول هاتريك في تاريخ منتخب اسكوتلندا، كان قد أحرز هدفاً من بين تلك الأهداف الأربعة.
لكن مع بداية الشوط الثاني، انهار المنتخب الاسكتلندي تماماً، بعدما نجح شارلي بامبريدج في إحراز هدف رائع، عقب تسلمه الكرة عند مرمى فريقه، فانطلق ليراوغ جميع لاعبي المنتخب الاسكتلندي، على طريقة هدف النجم الليبيري جورج ويه في مرمى نادي كييفو، عندما كان يلعب بقميص ميلان الإيطالي، ليقلص النتيجة إلى 4 أهداف مقابل هدفين. وأحرز أرثر غوداير هدفاً ثالثاً، قبل أن يسجل منتخب اسكوتلندا هدفاً عكسياً في مرماه، وكان هذا أول هدف عكسي في تاريخ المباريات الدولية في عالم كرة القدم، لتصبح النتيجة التعادل بـ4 أهداف لكل فريق قبل نهاية المباراة بـ15 دقيقة.
وجاء الرد الاسكتلندي سريعاً بهدف خامس، لكن حكم اللقاء لم يحتسبه، قبل أن يحرز بامبريدج هدف الفوز لمنتخب إنجلترا قبل نهاية المباراة بـ8 دقائق. لقد تمكن المنتخب الإنجليزي من العودة إلى المباراة، بعد تأخره بفارق 3 أهداف، في يوم تاريخي لمنتخب الأسود الثلاثة. وبعد 9 أشهر، لعب الفريقان سوياً مرة أخرى، وانتهت المباراة بـ5 أهداف مقابل 4 أيضاً، ولكن هذه المرة لصالح المنتخب الاسكتلندي.
ولم تفز إنجلترا بأية مباراة دولية أمام اسكوتلندا مرة أخرى حتى عام 1888، كما لم يحقق برينسيب أي فوز آخر مع منتخب إنجلترا، رغم أنه ظل لفترة طويلة يحمل الرقم القياسي كأصغر لاعب إنجليزي يسجل هدفاً في مباراة دولية لمنتخب بلاده، حتى نجح واين روني في تحطيم هذا الرقم بعد سنوات طويلة.
2- سويسرا والنمسا 5 - 7 (كأس العالم، عام 1954)
ما المباراة التي شهدت أفضل عودة تاريخية بعد التأخر بنتيجة ثقيلة في تاريخ نهائيات كأس العالم؟ في الحقيقة، هناك مباراتان يمكننا الاختيار من بينهما؛ الأولى هي مباراة سويسرا والنمسا في الدور ربع النهائي لكأس العالم عام 1954، والثانية هي مباراة منتخب البرتغال أمام كوريا الشمالية في الدور ربع النهائي أيضاً في كأس العالم عام 1966، التي نجح فيها النجم البرتغالي إيزيبيو في إحراز 4 أهداف متتالية، بعدما كان منتخب بلاده متأخراً بـ3 أهداف نظيفة، لتصبح النتيجة 4 أهداف مقابل 3، قبل أن يضيف جوزيه أوغوستو الهدف الخامس، لتنتهي المباراة بفوز البرتغال بـ5 أهداف مقابل 3.
لكن من وجهة نظر أخرى، يعتقد أن المباراة التي تستحق لقب أفضل عودة تاريخية بعد التأخر بنتيجة ثقيلة في نهائيات كأس العالم، هي مباراة سويسرا والنمسا في الدور ربع النهائي عام 1954، لا سيما أن منتخب سويسرا الذي استقبلت شباكه 5 أهداف في تلك المباراة كان يتميز بالصلابة الدفاعية التي كان يطلق عليها آنذاك اسم «القفل».
وكانت النمسا تتمتع بالقوة الدفاعية أيضاً، ولم تهتز شباكها في أول مباراتين في البطولة أمام كل من اسكوتلندا وتشيكوسلوفاكيا، لكن بعد مرور 18 دقيقة، كان منتخب النمسا متأخراً بـ3 أهداف نظيفة أمام سويسرا. ونجح منتخب النمسا في إحراز 3 أهداف في غضون 10 دقائق فقط، لتصبح النتيجة 3 أهداف لكل فريق، قبل أن تضيف النمسا هدفين، لتصبح النتيجة 5 أهداف مقابل 3 لسويسرا. وانتهت المباراة بفوز النمسا على سويسرا بـ7 أهداف مقابل 5، لتحمل هذه المباراة الرقم القياسي، كأكثر المباريات التي شهدت أهدافاً في تاريخ نهائيات كأس العالم عبر تاريخه الطويل.
وفازت النمسا بهذه المباراة بفضل تغلبها على القوة الدفاعية لسويسرا بالتمريرات القصيرة، لكن ثمة عاملاً آخر قد أثر على نتيجة المباراة، وهو درجة الحرارة المرتفعة للغاية، التي وصلت إلى 35 درجة مئوية، وهو ما جعل البعض يصف هذه المباراة بأنها «معركة الحرارة في مدينة لوزان»، ويكفي أن نعرف أنه قد تم علاج حارس مرمى منتخب النمسا كورت شميد، وقائد منتخب سويسرا روجيه بوكيه، من ضربات الشمس بين شوطي المباراة.
وبعد انتهاء البطولة، اكتشف الأطباء أن بوكيه يعاني من ورم بالمخ، على الرغم من تعافيه تماماً بعد خضوعه لعملية جراحية. وفي المقابل، غاب شميد عن منتخب النمسا في مباراة نصف النهائي، أمام منتخب ألمانيا الغربية، وهي المباراة التي خسرتها النمسا بـ6 أهداف مقابل هدف وحيد.
3- تشارلتون وهيدرسفيلد 7 - 6 (عام 1957)
هبط تشارلتون أثلتيك من دوري الدرجة الأولى الإنجليزي، في موسم 1956 / 1957، بعدما تلقت شباك الفريق 120 هدفاً. ولم يتغير الوضع كثيراً في أول مباراة للفريق في دوري الدرجة الثانية، فبعدما تقدم على هيدرسفيلد تاون بـ3 أهداف نظيفة في شوط المباراة الأول، سمح للفريق المنافس بالرد بـ3 أهداف متتالية.
تعرض قائد تشارلتون، ديريك أوفتون، لخلع في الكتف بعد مرور 17 دقيقة فقط من عمر اللقاء، وهو ما كان بمثابة كارثة في زمن لم يكن يسمح بإجراء أي تغيير للاعبين بعد بداية المباراة. وتقدم هيدرسفيلد بهدفين، ثم أحرز جوني سامرز هدفاً لتشارلتون، ليقلص النتيجة لهدفين مقابل هدف، لكن هيدرسفيلد رد بـ3 أهداف متتالية في أقل من 30 دقيقة، لتصبح النتيجة 5 أهداف مقابل هدف وحيد، قبل أن يحقق تشارلتون أكبر عودة في النتيجة في تاريخ كرة القدم الإنجليزية.
جاء رد تشارلتون سريعاً بإحرازه هدفين خلال دقيقتين فقط. سجل الهدف الثاني جوني ريان، بعد تلقيه كرة عرضية من سامرز الذي أحرز الهدف الثالث بنفسه. وأكمل سامرز هدفه الثالث في الدقيقة 73 من عمر اللقاء، قبل أن يسجل الهدف الرابع في الدقيقة 78، لتصبح النتيجة التعادل بـ5 أهداف لكل فريق. وبعد 3 دقائق، سجل سامرز الهدف الخامس له، والسادس لفريقه، لتصبح النتيجة تقدم تشارلتون بـ6 أهداف مقابل 5.
وقبل نهاية المباراة بـ4 دقائق، تمكن هيدرسفيلد من أحرز هدف التعادل، وبدا أن المباراة تسير في اتجاه التعادل، لكن سامرز كان له رأي آخر، حيث لعب تمريرة رائعة لريان في الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، ليحرز الهدف السابع، وتنتهي المباراة بفوز تشارلتون بـ7 أهداف مقابل 6. وأصبح هيدرسفيلد الفريق الإنجليزي الوحيد الذي يخسر مباراة سجل خلالها 6 أهداف.
4- كيلمارنوك وآينتراخت فرانكفورت 5 - 1 (كأس المعارض الأوروبية عام 1964)
كان جناح نادي رينجرز الاسكتلندي، ويلي واديل، هو أبرز لاعب في كرة القدم الاسكتلندية خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. وعندما اعتزل واديل كرة القدم، واتجه للتدريب، قدم أيضاً مستويات قوية للغاية، إذ تولي قيادة نادي كيلمارنوك، عام 1957، وقاده إلى ما يمكن اعتباره من دون أدنى شك الفترة الذهبية في تاريخ النادي.
لم يكن كيلمارنوك سيئاً تحت قيادة مالكي ماكدونالد، إذ أنهى الفريق موسم 1956 / 1957 في المركز الثالث، لكن واديل قاد الفريق إلى مستوى أفضل، فاحتل مركز الوصيف 4 مرات في 5 مواسم، خلال الفترة بين موسمي 1959 / 1960 و1963 / 1964.
وشهد موسم 1964 / 1965 أفضل أداء ونتائج لكيلمارنوك على الإطلاق، كما شارك النادي في البطولات الأوروبية للمرة الأولى في تاريخه. وفي الجولة الأولى من كأس المعارض الأوروبية (يوروبا لييغ حالياً)، تعادل كيلمارنوك مع آينتراخت فرانكفورت. وكان النادي الألماني يحظى بشهرة كبيرة في اسكوتلندا، بسبب صولاته وجولاته في البطولات الأوروبية خلال السنوات الـ5 الماضية، حيث لعب نادي آينتراخت فرانكفورت المباراة النهائية الشهيرة على ملعب «هامبدن بارك» الاسكتلندي، عام 1960، أمام ريال مدريد الإسباني، كما سبق للنادي الألماني أن فاز على رينجرز الاسكتلندي في الدور نصف النهائي بنتيجة 10 أهداف مقابل 4، في مجموع مباراتي الذهاب والعودة.
فافتتح أروين شتاين، الذي سجل هدفين في مرمى ريال مدريد عام 1960، التسجيل في مباراة الذهاب في ألمانيا، التي فاز فيها آينتراخت فرانكفورت بـ3 أهداف دون رد.
وبدا وكأن مباراة العودة في اسكوتلندا لن يكون لها أي قيمة، لا سيما بعدما أحرز ويلهيلم هوبيرتس هدفا لآينتراخت فرانكفورت بعد دقيقتين فقط من عمر اللقاء. لكن رد كيلمارنوك جاء سريعاً بهدفين من توقيع كل من روني هاميلتون وبريان مكلروي، وهو ما أعطى بعض الأمل للنادي الاسكتلندي في العودة. ضغط آينتراخت فرانكفورت خلال الوقت المتبقي من الشوط الأول، بغية إحراز هدف يزيد الأمور صعوبة على كيلمارنوك، لكن الشوط الأول انتهى بالنتيجة نفسها، وهي تقدم النادي الاسكتلندي بهدفين مقابل هدف وحيد.
وفي بداية الشوط الثاني، أحرز كيلمارنوك هدفاً ثالثاً برأسية من جيمس ماكفادزين، لتصبح النتيجة 3 أهداف مقابل هدف. وكان كيلمارنوك بحاجة إلى هدفين من أجل التأهل للدور التالي، وتحقق له ما أراد، عندما أحرز جون ماكينالي هدفاً رابعاً قبل نهاية المباراة بـ8 دقائق، قبل أن يحرز هاميلتون الهدف الخامس في الوقت المحتسب بدلا من الضائع، ليفوز كيلمارنوك بـ5 أهداف مقابل 4، بمجموع مباراتي الذهاب والعودة.
لقد كان ما حدث بمثابة إنجاز مذهل، وقد تعد هذه المباراة هي أقوى عودة تاريخية في البطولات الأوروبية من قبل الأندية الاسكتلندية، على الرغم من أنه ينبغي الإشارة إلى أن حارس مرمى آينتراخت فرانكفورت في ذلك الوقت، إيغون لوي، كان يقدم مستويات متدنية للغاية، ويكتفي بمشاهدة الكرات وهي تسكن شباكه.
5- كوينز بارك رينجرز ونيوكاسل 5 - 5 (عام 1984)
ما فرص انتهاء أي مباراة بالتعادل بـ5 أهداف لكل فريق؟ بالطبع ليست كبيرة، ولكن عندما تعرف أن كوينز بارك رينجرز كان قد هزم في المباراة السابقة أمام توتنهام هوتسبير بخماسية نظيفة، وأن نيوكاسل يونايتد قد خسر بـ3 أهداف مقابل هدفين على ملعبه أمام إيفرتون، ثم بخماسية نظيفة أمام مانشستر يونايتد، فيجب أن تعرف أن مباراة كوينز بارك رينجرز ونيوكاسل يونايتد كانت بين فريقين يملكان دفاعاً هشاً للغاية، يمكنه استقبال عدد كبير من الأهداف.
وبعد تلقي شباك نيوكاسل يونايتد لـ10 أهداف كاملة في 3 مباريات، قرر المدير الفني للفريق جاك شارلتون تغيير طريقة اللعب، وتوظيف 3 لاعبين في الخط الخلفي من أجل سد الثغرات الدفاعية. وبدا أن هذا التغيير الخططي يؤتي ثماره، على الرغم من أن اللوحة الإلكترونية في ملعب «لوفتس رود» كانت تشير بعد 60 ثانية فقط إلى أن نتيجة المباراة هي «كوينز بارك رينجرز 2 ونيوكاسل يونايتد 6»! كان هذا خطأ بالطبع، لكن النتيجة الحقيقة بعد نهاية الشوط الأول لم تكن أقل غرابة، حيث كانت تشير إلى تقدم نيوكاسل يونايتد بـ4 أهداف دون رد، سجل منها كريس وادل 3 أهداف بمفرده.
ومع انطلاق الشوط الثاني، أحرز غاري بانيستر هدفاً لكوينز بارك رينجرز، قبل أن يدخل هدفاً عكسياً في مرمى نيوكاسل يونايتد، بعد خطأ فادح من كل من بيتر هادوك وكيني وارتون، لتصبح النتيجة تقدم نيوكاسل يونايتد بـ4 أهداف مقابل هدفين. وفي الدقيقة 74 من عمر اللقاء، أحرز جون غريغوري الهدف الثالث لكوينز بارك رينجرز.
وقبل نهاية المباراة بـ8 دقائق، مرر وادل كرة رائعة لوارتون، ليحرز الهدف الخامس لنيوكاسل، لكن كوينز بارك رينجرز لم يستسلم، حيث سجل ستيف ويكس الهدف الرابع لفريقه بضربة رأس من مسافة قريبة قبل نهاية المباراة بـ5 دقائق، قبل أن يحرز غاري ميكلوايت هدف التعادل في الدقيقة الأخيرة من عمر اللقاء. وعقب نهاية المباراة، انتقد المدير الفني لنادي نيوكاسل يونايتد أداء فريقه بقوة، قائلاً: «ارتكب نيوكاسل يونايتد الكثير والكثير من الأخطاء بطريقة لا تصدق. يسألني الناس: من أين أبدأ في علاج المشكلات، لكنني لا أعرف في حقيقة الأمر. سوف يستغرق الأمر سنوات لكي يتم تصحيح تلك الأخطاء. بعض اللاعبين لم يكونوا قادرين حتى على التنفس في شوط المباراة الثاني». ورحل شارلتون عن قيادة الفريق بعد مرور 12 شهراً من تلك المباراة.
6- باير يوردينغين ودينامو دريسدن 7 - 3 (كأس الكؤوس الأوروبية، عام 1986)
في عام 1954، قرر رئيس جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية، إريك ميلكه، أن تكون برلين هي مقر أفضل نادي لكرة القدم في بلاده، لذلك قرر نقل نادي دينامو دريسدن الممتاز إلى العاصمة، وغير اسمه ليكون «دينامو برلين». وفي الوقت نفسه، سمح للاعبين الاحتياطيين والشباب الذين كان يرى ميلكه وأمثاله من الحمقى أن النادي ليس في حاجة إلى خدماتهم، باللعب في دوري الدرجة الأولى باسم نادي «دينامو دريسدن». وعلى الرغم من كل ذلك، نجح نادي دينامو دريسدن في الصعود للدوري الممتاز عام 1962، وحصل على 5 ألقاب خلال الفترة بين عامي 1971 و1978. ومرة أخرى، تدخل ميلكه، وأمر أفضل اللاعبين في الدولة بالانضمام إلى نادي دينامو برلين الذي حصل على الألقاب العشرة المحلية التي شارك فيها خلال الفترة بين عامي 1979 و1988.
وحصل دريسدن على المركز الثاني في 6 مواسم من هذه المواسم العشر، وكان يقدم مستويات في البطولات الأوروبية أفضل من تلك التي يقدمها «دينامو برلين». وعلى الرغم من كل الإهانات والإساءات التي تعرض لها دينامو دريسدن على المستوى المحلي، فإن أكثر إهانة تعرض لها الفريق كانت في المسابقات الأوروبية التي طالما قدم فيها مستويات رائعة.
فاز دينامو دريسدن في المباراة الأولى للدور ربع النهائي لكأس الكؤوس الأوروبية على نادي باير يوردينغين، بطل ألمانيا الغربية، بهدفين دون رد. وفي المباراة الثانية في ألمانيا الغربية، كان دينامو دريسدن متقدماً بـ3 أهداف مقابل هدف وحيد حتى الدقيقة 58 من عمر اللقاء، وهو ما يعني أنه متقدم بـ5 أهداف مقابل هدف وحيد في مجموع مباراتي الذهاب والعودة، ومحرزاً 3 أهداف خارج ملعبه، ولذا بدا الأمر وكأن الفريق قد ضمن التأهل للدور نصف النهائي.
وسرعان ما انقلبت الأمور رأساً على عقب، حيث سجل يوردينغين 5 أهداف خلال 21 دقيقة، ليتقدم بـ6 أهداف مقابل 3، قبل أن يحرز الهدف السابع قبل نهاية اللقاء بـ4 دقائق. وبعد هذه الهزيمة غير المسبوقة، قرر مهاجم دينامو دريسدن، فرانك ليبمان، البقاء في ألمانيا الغربية، وعدم العودة مرة أخرى إلى ألمانيا الشرقية، بعد أن سئم من مطاردة جهاز أمن الدولة له بسبب قيادته للسيارة وهو تحت تأثير الكحوليات في العام السابق لتلك المباراة.



إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
TT

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)

جدد إيقاف برنامج «البلدوزر» الذي يقدمه الكابتن مجدي عبد الغني على شاشة قناة «الشمس» المصرية عقب مشادة كلامية بين ضيفيه الرياضيين ربيع ياسين وأسامة حسن الجدل حول «التعصب الكروي» إعلامياً.

وقرر «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إيقاف برنامج «البلدوزر» بناءً على توصيات من لجنة الشكاوى مع استدعاء الممثل القانوني للقناة، وإلزام جميع وسائل الإعلام بمنع ظهور ضيفي البرنامج ربيع ياسين وأسامة حسن لحين انتهاء التحقيقات بشأن «المخالفات التي حدثت بحلقة، السبت.

وجاء قرار الإيقاف بالتزامن مع استدعاء «نقابة الإعلاميين» فريق عمل البرنامج، الذي يضم مقدم الحلقة ومعدها ومخرجها، إلى جانب الضيفين اللذين يتكرر استضافتهما في البرنامج، مساء كل سبت. ووصف نقيب الإعلاميين طارق سعدة، في بيان صدر، الأحد، ما حدث خلال الحلقة بأنه «لا يليق بالإعلام الرياضي المصري».

«الأعلى للإعلام» يوقف برنامج مجدي عبد الغني على قناة «الشمس» الفضائية (الهيئة الوطنية للإعلام)

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف برنامج رياضي بسبب تصريحات حدثت على الهواء، فسبق أن أوقف المجلس برنامج «كورة كل يوم» الذي يقدمه كريم حسن شحاتة على خلفية «مخالفة الأكواد والمعايير الإعلامية»، كما مُنع نجم النادي الأهلي أحمد بلال من الظهور لمدة 3 أسابيع مع تغريم القناة 50 ألف جنيه (الدولار يساوي 52 جنيهاً في البنوك) لمخالفة «الأكواد الإعلامية».

وشهدت حلقة مجدي عبد الغني المُلقب بـ«البلدوزر» مشادة كلامية خلال نقاش رياضي بشأن حظوظ الأهلي في المنافسة على لقب الدوري، بعدما أعلن ربيع ياسين توقعه تتويج الفريق بالبطولة، وهو ما دفع أسامة حسن للرد عليه بعبارة «ابقى قابلني»، ومع استمرار الحوار، وجه ياسين سؤالاً حاداً إلى حسن حول موقفه إذا حصد الأهلي اللقب، لتتصاعد حدة النقاش، وتتبادل الأطراف عبارات غاضبة.

وحاول مجدي عبد الغني احتواء الموقف وتهدئة الطرفين، لكن ياسين غادر الاستوديو على نحو مفاجئ، ليضطر البرنامج إلى قطع الحلقة، والذهاب إلى فاصل إعلاني. وبحسب المقاطع التي نشرتها القناة عبر حسابها على «يوتيوب»، عاد ياسين إلى الاستوديو بعد انتهاء الفاصل، واستؤنفت الحلقة.

وقال نقيب الإعلاميين طارق سعدة لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة قررت استدعاء فريق العمل بسبب ما صدر من تجاوزات في الحلقة، مؤكداً أن موقف النقابة مرتبط بالعاملين في المجال الإعلامي بشكل مباشر وفق الاختصاصات التي حددها القانون.

ربيع ياسين (حسابه على «فيسبوك»)

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» فإن لجنة الشكاوى بـ«الأعلى للإعلام» ستتخذ قراراً نهائياً خلال الأيام القليلة المقبلة بعد استكمال التحقيقات فيما حدث من «تجاوزات على الهواء» بعد الاستماع لجميع الأطراف على أن يصدر بيان رسمي في وقت لاحق.

وترى ليلى عبد المجيد العميد أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة أن «ظاهرة التوتر والمشادات في البرامج التلفزيونية لا تقتصر على البرامج الرياضية، لكنها تأخذ حيزاً أكبر في هذا النوع من البرامج بسبب حالة التعصب المرتبطة بالمجال الرياضي، سواء بين الإعلاميين أو الجمهور.

وأوضحت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الخلاف في الرأي يجب أن يظل داخل إطار الحوار، من دون رفع الصوت أو الدخول في مشادات»، مشيرة إلى أن «بعض البرامج شهدت في فترات سابقة اشتباكات بين الضيوف وصلت إلى حد التعدي الجسدي، وهو أمر تراه مرفوضاً تماماً».

وأضافت أن «خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الحلقة، وإنما تمتد إلى الجمهور والأجيال الجديدة التي تشاهدها؛ لأنها تقدم نموذجاً سلبياً للتعامل مع الاختلاف، وتحول الحوار من تبادل للأفكار إلى صراع ومواجهة»، لافتة إلى أن «ذلك قد يسهم في زيادة حالات التعصب والتطرف التي تظهر في الملاعب، خصوصاً في كرة القدم؛ ما يجعل ظهور هذه النماذج على شاشة التلفزيون يرسخها بدلاً من مواجهتها».

أسامة حسن (حسابه على «فيسبوك»)

وأشارت عبد المجيد إلى «أهمية تدخل الجهات المعنية بعد التحقيق في مثل هذه الوقائع، وفرض عقوبات تتناسب مع طبيعة المخالفة»، موضحة أن «عقوبات الإيقاف أو المنع لفترات محددة لم تنجح حتى الآن في القضاء على الظاهرة؛ ما يستدعي عقوبات أكثر حدة، وقد يصل الأمر، في الحالات المتكررة، إلى المنع النهائي»، معتبرة أن «تطبيق عقوبة صارمة على حالة أو حالتين قد يسهم في الحد من هذه الظواهر السلبية».


اختباران سهلان على الورق لبايرن ودورتموند في الدوري الألماني

بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
TT

اختباران سهلان على الورق لبايرن ودورتموند في الدوري الألماني

بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)

بين فريق بدأ الموسم بطريقة قوية، وآخر لا يزال يبحث عن نفسه بعد عودته إلى دوري الأضواء، يحل بايرن ميونيخ ضيفاً ثقيلاً على مستضيفه شالكه (السبت) في الجولة الثانية من دوري الدرجة الأولى الألماني لكرة القدم. ويخوض النادي البافاري مباراته الثانية في «البوندسليغا» بثقة كبيرة بعد البداية التي قدَّمها في حملة الدفاع عن لقبه، عندما تغلَّب على شتوتغارت (5-1) في الجولة الأولى. ولم يستغرق بايرن وقتاً طويلاً لإظهار ما يمكن أن يقدِّمه هذا الموسم. وجاء الفوز الكبير على شتوتغارت بعد الانتصار على بروسيا دورتموند في كأس السوبر، وأعقب ذلك الفوز على أوسنابروك (4-1) في كأس ألمانيا.

ويحظى النادي البافاري بميزة استثنائية، إذ إنه لم يعد يعتمد على مصدر واحد للخطورة، في ظلِّ قدرته على صناعة الفرص من الأطراف والعمق، مع دور بارز لجوشوا كيميتش في تنظيم اللعب، والفرنسي مايكل أوليسيه في الثلث الهجومي، كما بدأ الوافد المغربي الجديد إسماعيل صيباري مشواره مع الفريق بصورة لافتة بعدما صنع هدفين أمام شتوتغارت. ولا يزال الهداف الإنجليزي هاري كين يمثّل النقطة الأهم في هجوم بايرن، حتى لو لم يسجِّل في المباراة الأولى، حيث إنَّ وجوده يمنح الفريق أكثر من خيار في الثلث الأخير، سواء عندما يتحرَّك داخل منطقة الجزاء أو عندما يتراجع لتسلُّم الكرة والمشاركة في بناء الهجمة. ومع لويس دياز وأوليسيه وبقية العناصر الهجومية، سيكون لدى بايرن ما يكفي من الحلول إذا حاول شالكه إغلاق المساحات أمام المرمى.

وعلى الجانب الآخر، لم تكن بداية شالكه بالهدوء نفسه. الفريق خسر أمام أوغسبورغ بثلاثية نظيفة في الجولة الأولى، بعدما تلقَّى هزائم ثقيلة أمام أتالانتا، وريال مدريد في فترة الإعداد. وبينما أظهر شالكه قدرته على التسجيل عندما فاز (5-2) على هالهشير في كأس ألمانيا و(5-صفر) على هيسن كاسل ودياً، فإنَّ مشكلته الأساسية حتى الآن تتمثَّل في الحفاظ على التوازن عندما يواجه منافساً قادراً على الضغط المستمر. وتميل كفة المواجهات المباشرة لصالح بايرن الذي فاز في آخر 12 مباراة أمام شالكه، وسجَّل خلالها 42 هدفاً مقابل هدفين فقط سكنت شباكه.

وكانت آخر مواجهة بين الفريقين في مايو (أيار) 2023 وانتهت بفوز بايرن بنصف دستة أهداف، في حين انتهت آخر مباراة على ملعب شالكه بفوز النادي البافاري بهدفين دون رد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. ويدخل بايرن المباراة مع بعض الغيابات، أبرزها طارق بوخمان، وسيرج غنابري، وجمال موسيالا. أما شالكه فيغيب عنه بريان لاسمه، وأدريان غانتنباين؛ بسبب الإصابة، بالإضافة إلى رون شالنبرغ للإيقاف.

من جانبه، يبدو بروسيا دورتموند الطرف الأكثر جاهزية قبل رحلته إلى هوفنهايم (السبت)، بعدما افتتح الموسم بالفوز على هامبورغ بهدفين نظيفين، ثم أكد بدايته القوية بانتصار كبير بخماسية نظيفة على إتش إي بي سي هامبورغ في كأس ألمانيا، في مباراتين حافظ خلالهما على نظافة شباكه. وفي المقابل، يدخل هوفنهايم المواجهة بعد خسارة مثيرة (2-3) أمام كولن، رغم أنه تقدَّم مرتين وكان قريباً من الخروج بنتيجة إيجابية. وتشير البداية إلى أن هوفنهايم يملك ما يكفي من الحلول الهجومية لإزعاج دورتموند، لكنه لا يزال بحاجة إلى معالجة مشكلاته الدفاعية. بعد استقبال 3 أهداف في المباراة الأولى.

ويفتقر دورتموند إلى جهود نيكو شلوتربيك؛ بسبب إصابة في الكاحل، إلى جانب إيقاف صامويل إيناسيو وإصابة الوافد الجديد جيانيس كونستانتيلياس. ويمثّل القناص الغيني سيرهو غيراسي أحد أبرز مفاتيح دورتموند الهجومية، فيما سيبقى أندريه كراماريتش مصدر الخطورة الأهم لهوفنهايم، خصوصاً بعد تسجيله هدفي فريقه من ركلتَي جزاء أمام دورتموند في المواجهة الأخيرة بين الفريقين. ويلتقي (السبت) أيضاً باير ليفركوزن مع ضيفه يونيون برلين، رافعاً شعار «لا بديل عن الفوز»، وبعرض مقنع لمصالحة جماهيره بعد حسرة الخسارة (2-3) أمام إلفرسبرغ الصاعد لـ«البوندسليغا» للمرة الأولى في تاريخه.

ويملك ليفركوزن أيضاً سجلاً يمنحه بعض الثقة، بعدما خسر مرة واحدة فقط في آخر 11 مواجهة له أمام يونيون برلين في «البوندسليغا». لكن يونيون فاز في آخر لقاء بينهما بهدف راني خضيرة في فبراير (شباط) الماضي. واستهل يونيون برلين مشواره في «البوندسليغا» بتعادل مثير أمام آينتراخت فرانكفورت (3-3) بعدما كان متأخراً (1-3). ويتطلع لايبزيغ لمواصلة بدايته الرائعة للموسم الجديد من «البوندسليغا» حينما يحل ضيفاً على فيردر بريمن (السبت). وسجَّل لايبزيغ 9 أهداف دون أن تهتز شباكه في أول مباراتين له بالموسم، حيث تغلب على بروسيا مونشنغلادباخ بثلاثية نظيفة في «البوندسليغا» بجانب فوزه على آينتراخت ترير بـ6 أهداف دون رد في كأس ألمانيا، في الوقت الذي يحتاج فيه بريمن إلى رد فعل سريع بعد خسارته الثقيلة (1-4) أمام فرايبورغ في الجولة الأولى، عقب موسم سابق نجا فيه الفريق بصعوبة من صراع الهبوط. ويلتقي (السبت) مونشنغلادباخ مع إلفرسبرغ، وبادربورن مع فرايبورغ، على أن يلتقي (الأحد) هامبورغ مع ماينز، وآينتراخت فرانكفورت مع أوغسبورغ.


ليونيل ميسي... رحلة «البرغوث» من أزقة الأرجنتين إلى فصول الوداع الأخير

دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

ليونيل ميسي... رحلة «البرغوث» من أزقة الأرجنتين إلى فصول الوداع الأخير

دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)

في ليلة من ليالي خريف عام 2000، رصيف ميناء بوينس آيرس كان شاهداً على خطى فتى نحيل، تملأ عينيه دهشة مشوبة بالقلق، يحمل في حقيبته الصغيرة أحلاماً تفوق بنيته الجسدية الضعيفة. لم يكن يملك ليونيل أندريس ميسي حينها سوى موهبة فطرية خارقة، ونقص في هرمونات النمو كاد يعصف بمسيرته قبل أن تبدأ.

الفتى الذي لم يتوقف عن الركض خلف حلمه

عائلته المثقلة بالأعباء الاقتصادية في روزاريو بالأرجنتين، لم تكن تبحث عن مجد كروي بقدر ما كانت تبحث عن نادٍ يتكفل بنفقات علاجه الباهظة.

عندما وقعت عينا كشافي نادي برشلونة على هذا الساحر الصغير، لم يكن لديهم متسع من الوقت لإحضار عقد رسمي، فصيغ أول التزام على منديل ورقي في مقهى كاتالوني. ذلك المنديل لم يكن مجرد ورقة، بل كان وثيقة إعادة كتابة تاريخ كرة القدم الحديثة.

ليونيل ميسي وضع بصمة تهديفية لا تُنسى بفضل التسجيل والصناعة (أ.ف.ب)

على مدار أكثر من ربع قرن، لم يكن ميسي مجرد لاعب يركض بركل الكرة، بل كان رساماً يخط برجليه اليسرى لوحات سريالية على العشب الأخضر، وموسيقياً يضبط إيقاع الملاعب العالمية، ليمسي عبر السنين الفكرة الثابتة في عالم دائم التغير، والأسطورة الحية التي روضت المستديرة حتى انصاعت له طواعية.

من أزقة روزاريو إلى أضواء لاماسيا

ولد ليونيل ميسي في الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) لعام ألف وتسعمائة وسبعة وثمانين بمدينة روزاريو الأرجنتينية، ونشأ في عائلة عاشقة لكرة القدم بدأت تلمح عبقريته منذ سن الخامسة. انضم الصغير إلى نادي نيويلز أولد بويز المحلي، لكن تشخيص إصابته بنقص هرمون النمو وهو في الحادية عشرة من عمره مَثّل المنعطف الأبرز في حياته.

وفي ظل عجز الأندية الأرجنتينية عن تمويل علاجه، ظهرت أكاديمية لاماسيا التابعة لنادي برشلونة باعتبارها طوق نجاة، لينتقل الفتى إلى إسبانيا وتبدأ رحلة صقل الجوهرة النادرة التي غَيّرت موازين اللعبة عالمياً.

العصر الذهبي وتأسيس الإمبراطورية الكاتالونية

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

تمثل مسيرة ميسي مع نادي برشلونة الإسباني العصر الأزهى في تاريخ النادي الكاتالوني، حيث صعد إلى الفريق الأول عام ألفين وأربعة ليتعلم بجانب الساحر البرازيلي رونالدينيو قبل أن يصبح المحرك الأساسي لمنظومة التيكي تاكا الشهيرة. وعلى مدار سبعة عشر عاماً بالقميص البلوغرانا، خاض ميسي سبعمائة وثمانية وسبعين مباراة، ومزق شباك الخصوم بستمائة واثنين وسبعين هدفاً، محققاً عشرة ألقاب في الدوري الإسباني، وأربعة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، وسبعة كؤوس لملك إسبانيا، بالإضافة إلى ثلاثية تاريخية في كل من كأس العالم للأندية وكأس السوبر الأوروبية.

ليونيل ميسي وجوزيه مورينيو (رويترز)

محطات الارتحال من حديقة باريس إلى شمس ميامي

في صيف عام ألفين وواحد وعشرين، وفي مشهد درامي أبكى الملايين، غادر ميسي كامب نو مجبراً بسبب الأزمة المالية الخانقة للنادي، ليتجه إلى العاصمة الفرنسية وينضم إلى باريس سان جيرمان.

ورغم أن التجربة الباريسية لم تحمل الزخم العاطفي ذاته، فإنه أضاف إلى خزائنه لقبين في الدوري الفرنسي ولقباً في كأس السوبر الفرنسية، قبل أن يقرر خوض تجربة جديدة في الملاعب الأميركية رفقة إنتر ميامي، ليقود الفريق سريعاً لتحقيق أول ألقابه التاريخية بالفوز بكأس الدوريات، ويحدث ثورة شعبية غير مسبوقة للعبة في الولايات المتحدة.

ليونيل ميسي (رويترز)

ملحمة الآلام والآمال والتتويج بالذهب العالمي

لطالما كانت العلاقة بين ميسي والقميص الأرجنتيني مزيجاً معقداً من الحب الجارف والانتقادات الحادة بسبب المقارنات المستمرة مع الراحل دييغو مارادونا، خاصة بعد خسارته لثلاثة نهائيات متتالية في كوبا أميركا ونهائي كأس العالم عام 2014.

لكن القصة لم تكن لتنتهي دون إنصاف تاريخي، إذ عاد البرغوث ليقود بلاده إلى حقبة ذهبية بدأت بالتتويج بكأس كوبا أميركا عام 2021 في قلب البرازيل، تلاها الفوز بكأس فيناليسيما، ثم الذروة التاريخية في مونديال قطر 2022 برفع كأس العالم المستعصية، قبل أن يختتم مشواره القاري بالحفاظ على لقب كوبا أميركا لعام 2024.

لتتواصل رحلته الدولية المذهلة حتى بصم على ظهوره الأخير والمونديالي السادس في نهائي كأس العالم الولايات المتحدة كندا والمكسيك 2026 أمام إسبانيا.

العناق بين ميسي ويامال بدا وكأنه إعلان رمزي عن انتقال الشعلة بين جيلين (رويترز)

جوائز فردية غير قابلة للكسر على عرش البالون دور

طوال هذه المسيرة، احتكر النجم الأرجنتيني المنصات الفردية محققاً أرقاماً قياسية تبدو عصية على التحطيم في المستقبل القريب. وتربع ميسي على عرش جائزة الكرة الذهبية لثماني مرات باعتباره أكثر لاعب في التاريخ تحقيقاً لهذا الإنجاز، ونال الحذاء الذهبي الأوروبي في ست مناسبات، بالإضافة إلى تتويجه بجائزة الأفضل من الاتحاد الدولي لكرة القدم ثلاث مرات، وهو اللاعب الوحيد في التاريخ الذي حصد جائزة أفضل لاعب في بطولة كأس العالم مرتين، وذلك في نسختي البرازيل وقطر.

لقطة ميسي الأيقونية وهو يرفع كأس العالم 2022 (أ.ف.ب)

الصدمة المدوية وبيان الوداع التاريخي عبر «إنستغرام»

بعد مسيرة دولية ملحمية دامت لواحد وعشرين عاماً بقميص لالبيلسيستي، صدم ليونيل ميسي الأوساط الرياضية العالمية بإعلان اعتزاله اللعب دولياً رسمياً. وجاء الوداع الأخير عبر بيان مؤثر للغاية نشره الساحر الأرجنتيني على حسابه الرسمي في منصة «إنستغرام»، مؤكداً بكلمات حزينة تقطر شجناً أن القرار كان مؤلماً ويمس روحه في الأعماق، لكنه أدرك أن الوقت قد حان ليترجل عن صهوة جواده الدولي ويفسح المجال أمام المواهب الشابة الصاعدة.

كان مورينيو قد واجه ميسي مراراً خلال فترات قيادته لريال مدريد قبل أن يوجّه إليه الرسالة التقديرية (حساب ميسي في «إنستغرام»)

وكشف ميسي في ثنايا رسالته الوداعية أنه خطّ كلمات هذا البيان يدوياً في الحادي والعشرين من يوليو (تموز)، أي بعد يومين فقط من نهائي المونديال الأخير، غير أن الرحيل المفجع لوالده «خورخي ميسي» في شهر أغسطس (آب) عزز لديه اليقين التام بالاعتزال، لينهي النجم البالغ من العمر 39 عاماً مسيرته برصيد إعجازي يبلغ 207 مباريات دولية سجل خلالها 125 هدفاً، مغادراً من الباب الكبير وبراحة بال تامة بعد أن أفرغ كل ما في جعبته لوطنه.

النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي ووالده خورخي (رويترز)

عندما تودع كرة القدم جزءاً من روحها الجميلة

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

لم تكن مسيرة ليونيل ميسي مجرد إحصائيات جافة تُسجل في دفاتر الاتحاد الدولي، بل كانت مدرسة في الإصرار والعبقرية التي تثبت كيف يمكن للجسد الضئيل أن يقهر العمالقة بالفطرة والذكاء. ومع إغلاق هذا الفصل الدولي الأخير وتحول ميسي إلى مشجع يناصر بلاده من المدرجات، تدرك كرة القدم أنها لن تودع مجرد لاعب عظيم، بل ستودع حقبة بأكملها وجزءاً من روحها التي جعلت الملايين يعشقون المستديرة.