المطبخ الألماني في المركز الثاني أوروبيًا

لكل منطقة طبقها المفضل

المطبخ الألماني في المركز الثاني أوروبيًا
TT

المطبخ الألماني في المركز الثاني أوروبيًا

المطبخ الألماني في المركز الثاني أوروبيًا

يُعدّ المطبخ الألماني من المطابخ الأوروبية المتطورة التي تقع في المركز الثاني بعد المطبخ الفرنسي من حيث النوعية. والنوعية هنا تُقاس بعدد المطاعم التي حصلت على نجوم «ميشلان» للجودة، التي يبلغ عددها في أحدث إصدار من «ميشلان» 11 مطعمًا ألمانيًا حصلت على ثلاث نجوم من ميشلان، وهي أعلى درجات الجودة، بالإضافة إلى 38 مطعمًا فازت بنجمتين، و233 مطعمًا حققت نجمة «ميشلان» واحدة. ويضع هذا التصنيف المطاعم الألمانية في الموقع الثاني بعد المطاعم الفرنسية.
وقد تطور المطبخ الألماني تاريخيًا عبر قرون من التغيير الاجتماعي والسياسي بين المناطق المختلفة التي ما زال لكل منها طبيعتها الخاصة وطبقها المفضل فالمناطق الجنوبية مثل بافاريا تأثرت بالمطبخ النمساوي، ومنطقة سوابيا المتاخمة لسويسرا، تأثرت هي الأخرى بالمطبخ السويسري وهكذا.
ويعتمد المطبخ الألماني على اللحوم بأنواعها حيث يصل معدل الاستهلاك الفردي من اللحوم في بعض المناطق إلى 59 كيلوغرامًا سنويًا. ومن الطيور يأكل الألمان الدجاج والبط والإوز والديك الرومي. كما تؤكل الأرانب وبعض الطيور البرية. ولا يشتهر لحم الغنم أو الماعز بين الألمان.
وتتنوع طرق طهي أطباق اللحوم بين الشواء والقلي، وأحيانًا يتم وضع اللحوم في الخل لعدة أيام قبل طهيها لكي تكتسب طعمًا ومذاقًا مختلفًا. وهناك تقليد ألماني لصناعة السجق، وهناك أكثر من 1500 نوع مختلف من السجق. وتحكم الصناعة قوانين صارمة لما يجب أن يحتويه كل نوع من السجق موضوعة منذ القرن الثالث عشر. وفي كتاب رسمي صدر في عام 1236 جاء أن أفضل أنواع اللحوم فقط يجب أن تستخدم في صناعة السجق.
وتقليديًا كانت مدن الشمال تعتمد على الأسماك في بعض وجباتها، وكانت تخلط بين الأسماك البحرية التي يتم اصطيادها من بحر الشمال وأسماك نهرية محلية. أما الآن فتنتشر كل أنواع الأسماك في ألمانيا، ومنها السلمون والتونا والماكريل والسردين. وكان السلمون ينتشر في أنهار ألمانيا مثل الراين وإلبا واودر، قبل تلوثها أثناء الثورة الصناعية.
ولا يغفل المطبخ الألماني أنواع الخضراوات التي يتم سلقها أو تحويلها إلى شوربة. ومن أنواع الخضراوات المشهورة كل من الجزر والسبانخ والبازلاء والفاصوليا والبروكلي والكرنب. ويضاف البصل المقلي لكثير من وجبات اللحوم.
أما نبات الهليون (اسبارغوس) فهو من المأكولات المهمة في موسمها، وهو يؤكل مسلوقًا بجانب وجبات اللحوم أو على هيئة شوربة. ومنه نوعان؛ الأبيض والأخضر وفقًا لمناطق زراعته. وتقدم المطاعم كثيرًا من الأطباق الخاصة لهذا النبات في موسم حصاده بين منتصف أبريل (نيسان) وحتى نهاية يونيو (حزيران).
وفي العادة يتكون الفطور الألماني من القهوة وأنواع الخبز المختلفة والزبد وأنواع اللحم البارد والجبن والمربى والعسل والبيض وعصير الفواكه. وتعد وجبة الغداء هي الوجبة الرئيسية خلال اليوم وتؤكل في منتصف النهار. أما وجبة العشاء فهي خفيفة وتتكون من الخبز وبعض السجق والجبن والخضراوات. وهناك أحيانًا وجبات خفيفة أثناء النهار لها أسماء مختلفة بين المناطق الألمانية وتعرف أحيانا باسم «كوفي أند كيك» مثل وجبة الشاي البريطانية وقت العصر. وتكون هذه الوجبة بين الغداء والعشاء وتجتمع حولها الأسرة في أيام عطلة الأحد.
ومع ذلك، فإن عادات تناول الطعام في ألمانيا، كما في أنحاء أوروبا الأخرى، تغيرت في الخمسين سنة الأخيرة بسبب طبيعة الأعمال اليومية. ويتناول الألماني وجبة خفيفة في منتصف اليوم خلال ساعات العمل ثم يتناول عشاء ساخنًا في المنزل مع بقية أفراد الأسرة. ولكن في المناطق الريفية ما زالت العادات القديمة سارية خصوصا في عطلات نهاية الأسبوع التي تدعو فيها العائلات بعضها لتناول الطعام معًا. وتقدم مطاعم المدن وجبات إفطار متأخرة أيام الأحد.
من الأطباق الجانبية في المطبخ الألماني أطباق النودل التي تصنع من الطحين والبيض وتشبه السباغيتي الإيطالية، ولكنها أكثر سماكة. وهناك أنواع منها تحشى باللحم المفروم مثل الرافيولي الإيطالي. وبعد النودل تأتي البطاطس التي دخلت إلى المطبخ الألماني في القرن السابع عشر. وهي تسلق وتهرس أو تسلق وتحمر في الزيت. ثم انتشرت في الآونة الأخيرة أنواع البطاطس المقلية، مثل تلك التي تُباع مع الوجبات السريعة. وهي تؤكل بالصلصة الحمراء (كاتشاب) أو المايونيز. وتنتشر أطباق السلطة الآن بعد زيادة الوعي الصحي بفوائدها.
ولا يفضل الألمان إضافة التوابل الحريفة أو الشطة إلى أطعمتهم، ولكنها يعتمدون على المسطردة في الإضافة إلى اللحوم. وأهم الأعشاب والتوابل المستخدمة هي البقدونس والكراث والزعتر والفلفل الأسود. وتستخدم أيضًا القرفة والكراوية والحبهان وجوز الطيب. وبعض هذه التوابل يُستخدم في الحلويات والكعك. ويستخدم الشبت في أطباق السلاطة أو مع أطباق الأسماك.
ويعد الخبز من المكونات الأساسية في المطبخ الألماني، ويجد نحو 600 نوع من الخبز ونحو 1200 نوع من المعجنات والبسكويت. ويوجد في ألمانيا 17 ألف محل متخصص في بيع الخبز والمعجنات. ويقدم الخبز عادة مع وجبة الإفطار وأحيانًا مع العشاء أيضًا. ويؤكل الخبز مع أطباق الشوربة، وأحيانًا في صيغة ساندويتشات.
ويشكو الألمان المقيمون خارج ألمانيا من عدم قدرتهم على العثور على أنواع مناسبة من الخبز مثلما هو الحال في ألمانيا. وفي ألمانيا، يتنوع الخبز أكثر من أي بلد أوروبي آخر. وهناك مثلاً الخبز الأبيض والخبز الرمادي والخبز الأسمر. ويحتوي بعض أنواع الخبز على خليط من طحين القمح والشعير، كما يغطي بعضها السمسم أو بذور عباد الشمس.
ويستخدم الألمان كل أنواع البذور والطحين لصناعة الخبز مثل القمح والشعير والشوفان والذرة والأرز. وتوجد بعض أنواع الخبز المصنوعة من نشا البطاطس.
وهناك كثير من أنواع الكعك والتورتة التي تُقدّم في أنحاء ألمانيا، ومنها ما يصنع بفواكه طازجة مثل التفاح والبرقوق والفراولة والكرز. وتوجد أنواع من كعك الجبن بينما تشتهر تورتة «بلاك فوريست» المصنوعة من طبقات من الكريم والشوكولاته مع تطعيم بالكرز. وينتشر هذا النوع من التورتة في أنحاء أوروبا الأخرى.
ويقبل الألمان أيضًا على الدونات وهي من النوع المحشي بالمربى. ويصنع الألمان نوعًا من الفطير اسمه «بان كيك» يغطي بالسكر أو المربى أو العسل، ومنه أنواع تغطي باللحم المفروم أو الجبن.
من أنواع الحلوى المشهورة في شمال ألمانيا أطباق من الفواكه حمراء اللون مثل الفراولة أو التوت مطبوخة في شراب نشوي أحمر اللون ويتم تناولها مع الكريم أو الفانيليا. ويشتهر أيضًا الآيس كريم، حيث كانت محلات الآيس كريم الإيطالية هي أول أنواع الأطعمة الأجنبية التي دخلت إلى ألمانيا.
وبوجه عام يمكن تقسيم المطبخ الألماني إلى عدة مناطق رئيسية، أهمها منطقة بافاريا في جنوب ألمانيا ومنطقة ثورنجيان في وسط ألمانيا، ومنطقة هامبورغ في الشمال، بالإضافة إلى منطقة ساكسوني.

التأثير الأجنبي

كانت أولى موجات الهجرة إلى ألمانيا من أجل بيع الأطعمة من تجار الآيس كريم الإيطاليين القادمين من شمال إيطاليا في نهاية عشرينات القرن الماضي. وبعد الحرب العالمية الثانية اختلط الألمان بجنود الاحتلال من دول التحالف ثم موجات من هجرة العمال بداية من الخمسينات. وبدأت أطباق أجنبية تظهر على الموائد الألمانية، مثل «البيتزا» و«السباغيتي» من إيطاليا. وما زالت «البيتزا» هي الوجبة الألمانية السريعة المفضلة.
ثم جاءت موجة هجرة العمال الأتراك الذين أحضروا معهم الوجبات التركية، وأهمها وجبة «دونار كباب». وتوجد في ألمانيا الآن كثير من المطاعم التركية والصينية واليونانية. وقبل عام 1990 كان مطبخ ألمانيا الشرقية متأثرًا بالمطبخ الروسي والمطبخ البلغاري.
وحتى نهاية التسعينات كانت المطاعم الفاخرة في ألمانيا تقدم الأطعمة الفرنسية، وهي مطاعم تقدم الآن مختارات من المطبخ الألماني. وتزداد شعبية المطاعم الهندية والفيتنامية والتايلاندية بعد عام 2000.
وتهتم ألمانيا بالصناعات الغذائية إذ إنها ثالث أكبر دولة مصدرة للمنتجات الزراعية، وبحجم 66 مليار يورو. وهناك كثير من الصادرات الغذائية الألمانية المعروفة عالميًا.



أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».